٥١١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَمُلْكِ ابْنِهِ مَحْمُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدُ بْنُ مُلْكِشَاهْ بْنِ أَلْب أَرْسِلَانَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ فِي شَعْبَانَ، وَانْقَطَعَ عَنِ الرُّكُوبِ، وَتَزَايَدَ مَرَضُهُ، وَدَامَ، وَأُرْجِفَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ النَّحْرِ حَضَرَ السُّلْطَانُ، وَحَضَرَ وَلَدُهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَلَى السِّمَاطِ، فَنَبَّهَهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ تَكَلَّفَ الْقُعُودَ لَهُمْ، بَيْنَ يَدَيْهِ سِمَاطٌ كَبِيرٌ فَأَكَلُوا وَخَرَجُوا.
فَلَمَّا انْتَصَفَ ذُو الْحِجَّةِ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَحْضَرَ وَلَدَهُ مَحْمُودًا، وَقَبَّلَهُ، وَبَكَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَجْلِسَ عَلَى تَخْتِ السَّلْطَنَةِ، وَيَنْظُرَ فِي أُمُورِ النَّاسِ، وَعُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ قَدْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَالَ لِوَالِدِهِ: إِنَّهُ يَوْمٌ غَيْرُ مُبَارَكٍ، يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ النُّجُومِ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَلَكِنْ عَلَى أَبِيكَ، وَأَمَّا عَلَيْكَ فَمُبَارَكٌ بِالسَّلْطَنَةِ. فَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى التَّخْتِ بِالتَّاجِ وَالسُّوَارَيْنِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ أُحْضِرَ الْأُمَرَاءُ وَأُعْلِمُوا بِوَفَاتِهِ، وَقُرِئَتْ وَصِيَّتُهُ إِلَى وَلَدِهِ مَحْمُودٍ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَفِي الْجُمُعَةِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ خُطِبَ لِمَحْمُودٍ بِالسَّلْطَنَةِ.
وَكَانَ مَوْلِدُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَأَوَّلُ مَا دُعِيَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ بِبَغْدَاذَ، فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقُطِعَتْ خُطْبَتُهُ عِدَّةَ دَفَعَاتٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَقِيَ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْأَخْطَارِ مَا لَا حَدَّ لَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ بُرْكِيارُقُ صَفَتْ
[ ٨ / ٦١٩ ]
لَهُ السَّلْطَنَةُ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ، وَكَثُرَتْ جُيُوشُهُ وَأَمْوَالُهُ وَكَانَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ
كَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، شُجَاعًا، فَمِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ اشْتَرَى مَمَالِيكَ مِنْ بَعْضِ التُّجَّارِ، وَأَحَالَهُمْ بِالثَّمَنِ عَلَى عَامِلِ خُوزِسْتَانَ، فَأَعْطَاهُمُ الْبَعْضَ، وَمَطَلَ بِالْبَاقِي، فَحَضَرُوا مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَخَذُوا مَعَهُمْ غِلْمَانَ الْقَاضِي، فَلَمَّا رَآهُمُ السُّلْطَانُ قَالَ لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ مَا حَالُ هَؤُلَاءِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، فَقَالُوا: لَنَا خَصْمٌ يَحْضُرُ مَعَنَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ، فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالُوا: السُّلْطَانُ، وَذَكَرُوا قِصَّتَهُمْ، فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَأَكْرَهَ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْعَامِلِ، وَأَمَرَهُ بِإِيصَالِ أَمْوَالِهِمْ، وَالْجَعْلِ الثَّقِيلِ، وَنَكَّلَ بِهِ حَتَّى يَمْتَنِعَ غَيْرُهُ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَقَدْ نَدِمْتُ عَظِيمًا حَيْثُ لَمْ أَحْضُرْ مَعَهُمْ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، فَيَقْتَدِيَ بِي غَيْرِي، وَلَا يَمْتَنِعَ أَحَدٌ عَنِ الْحُضُورِ فِيهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ.
فَمِنْ عَدْلِهِ: أَنَّهُ لَهُ خَازِنٌ يُعْرَفُ بِأَبِي الْقَزْوِينِيِّ قَتَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ، فَلَمَّا قُتِلَ أَمَرَ بِعَرْضِ الْخِزَانَةِ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ فِيهَا دُرْجٌ فِيهِ جَوْهَرٌ كَثِيرٌ نَفِيسٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْجَوْهَرَ عَرَضَهُ عَلَيَّ، مُنْذُ أَيَّامٍ، وَهُوَ فِي مُلْكِ أَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى خَادِمٍ لِيَحْفَظَهُ وَيَنْظُرَ مَنْ أَصْحَابُهُ فَيُسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا تُجَّارًا غُرَبَاءَ، وَقَدْ تَيَقَّنُوا ذَهَابَهُ وَأَيِسُوا مِنْهُ فَسَكَتُوا فَأَحْضَرَهُمْ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ.
وَمِنْ عَدْلِهِ: أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ فِعْلٌ قَبِيحٌ، وَعَلِمَ الْأُمَرَاءُ سِيرَتَهُ، فَلَمْ يَقْدَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الظُّلْمِ، وَكَفُّوا عَنْهُ.
وَمِنْ مَحَاسِنِ أَعْمَالِهِ مَا فَعَلَهُ مَعَ الْبَاطِنِيَّةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ حَالِ الْبَاطِنِيَّةِ أَيَّامَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا اعْتَمَدَهُ مِنْ حَصْرِ قِلَاعِهِمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا زِيَادَةَ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ مَصَالِحَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مَنُوطَةٌ بِمَحْوِ آثَارِهِمْ، وَإِخْرَابِ دِيَارِهِمْ، وَمُلْكِ حُصُونِهِمْ وَقِلَاعِهِمْ، جَعَلَ قَصْدَهُمْ دَأْبَهُ.
[ ٨ / ٦٢٠ ]
وَكَانَ، فِي أَيَّامِهِ، الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ، وَالْقَيِّمُ بِأَمْرِهِمُ الْحَسَنَ بْنَ الصَّبَّاحِ الرَّازِيَّ، صَاحِبَ قَلْعَةِ أَلَمُوتَ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ قَدْ طَالَتْ، وَلَهُ مُنْذُ مَلَكَ قَلْعَةَ أَلَمُوتَ مَا يُقَارِبُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ الْمُجَاوِرُونَ لَهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ مِنْ كَثْرَةِ غَزَاتِهِ عَلَيْهِمْ وَقَتْلِهِ وَأَسْرِ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ الْعَسَاكِرَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَعَادَتْ مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ غَرَضٍ. فَلَمَّا أُعْضِلَ دَاؤُهُ نَدَبَ لِقِتَالِهِ الْأَمِيرَ أَنُوشْتِكِينَ شِيرِكِيرَ، صَاحِبَ آبَّةَ، وَسَاوَةَ، وَغَيْرِهِمَا، فَمَلَكَ مِنْهُمْ عِدَّةَ قِلَاعٍ مِنْهَا قَلْعَةُ كَلَامَ، مَلَكَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ مُقَدَّمُهَا يُعْرَفُ بِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، فَأَمَّنَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَلَمُوتَ، وَمَلَكَ مِنْهُمْ أَيْضًا قَلْعَةَ بِيرَةَ، وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ قَزْوِينَ، وَأَمَّنَهُمْ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَلَمُوتَ أَيْضًا.
وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ أَلَمُوتَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَأَمَدَّهُ السُّلْطَانُ بِعِدَّةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَحَصَرَهُمْ، وَكَانَ هُوَ، مِنْ بَيْنِهِمْ، صَاحِبَ الْقَرِيحَةِ وَالْبَصِيرَةِ فِي قِتَالِهِمْ، مَعَ جَوْدَةِ رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ، فَبَنَى عَلَيْهَا مَسَاكِنَ يَسْكُنُهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَعَيَّنَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ أَشْهُرًا يُقِيمُونَهَا، فَكَانُوا يُنِيبُونَ، وَيَحْضُرُونَ، وَهُوَ مُلَازِمُ الْحِصَارِ، وَكَانَ السُّلْطَانُ يَنْقُلُ إِلَيْهِ الْمِيرَةَ، وَالذَّخَائِرَ، وَالرِّجَالَ، فَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ، وَعَدِمَتْ عِنْدَهُمُ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ نَزَّلُوا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ مُسْتَأْمَنِينَ، وَسَأَلُوا أَنْ يُفْرَجَ لَهُمْ وَلِرِجَالِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ، وَيُؤَمَّنُوا، فَلَمْ يُجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى الْقَلْعَةِ، قَصْدًا لِيَمُوتَ الْجَمِيعُ جُوعًا.
وَكَانَ ابْنُ الصَّبَّاحِ يُجْرِي لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فِي الْيَوْمِ، رَغِيفًا، وَثَلَاثَ جَوَزَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرَ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، بَلَغَهُمْ مَوْتُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَطَابَتْ قُلُوبُهُمْ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْعَسْكَرِ الْمُحَاصِرِ لَهُمْ بَعْدَهُمْ بِيَوْمٍ، وَعَزَمُوا عَلَى الرَّحِيلِ، فَقَالَ شِيرِكِيرُ: إِنْ رَحَلْنَا عَنْهُمْ وَشَاعَ الْأَمْرُ، نَزَلُوا إِلَيْنَا، وَأَخَذُوا مَا أَعْدَدْنَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالذَّخَائِرِ، وَالرَّأْيُ أَنْ نُقِيمَ عَلَى قَلْعَتِهِمْ حَتَّى نَفْتَحَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُقَامُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُقَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَنْفُذُ مِنَّا ثِقَلُنَا وَمَا أَعْدَدْنَاهُ وَنَحْرِقُ مَا نَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْعَدُوُّ.
فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ عَلِمُوا صِدْقَهُ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا
[ ٨ / ٦٢١ ]
رَحَلُوا مِنْ غَيْرِ مُشَاوِرَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِيرِكِيرَ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ مِنَ الْقَلْعَةِ، فَدَافَعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَحَمَى مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ سُوقَةِ الْعَسْكَرِ وَأَتْبَاعِهِ، وَلَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَمَّا فَارَقَ الْقَلْعَةَ غَنِمَ الْبَاطِنِيَّةُ مَا تَخَلَّفَ عِنْدَهُمْ.
ذِكْرُ حِصَارِ قَابِسَ وَالْمَهْدِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، أُسْطُولًا فِي الْبَحْرِ إِلَى مَدِينَةِ قَابِسَ، وَحَصَرَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا رَافِعَ بْنَ مَكَّنَ الدَّهْمَانِيَّ أَنْشَأَ مَرْكِبًا بِسَاحِلِهَا لِيَحْمِلَ التُّجَّارَ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ آخَرَ أَيَّامِ الْأَمِيرِ يَحْيَى، فَلَمْ يُنْكِرْ يَحْيَى ذَلِكَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي الْمُدَارَاةِ، فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ الْأَمْرَ، بَعْدَ أَبِيهِ، أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ أَنْ يُنَاوِئَنِي فِي إِجْرَاءِ الْمَرَاكِبِ فِي الْبَحْرِ بِالتُّجَّارِ، فَلَمَّا خَافَ رَافِعٌ أَنْ يَمْنَعَهُ عَلِيٌّ الْتَجَأَ إِلَى اللَّعِينِ رَجَّارَ مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ، وَاعْتَضَدَ بِهِ، فَوَعَدَهُ رَجَّارُ أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُعِينَهُ عَلَى إِجْرَاءِ مَرْكِبِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَنْفَذَ فِي الْحَالِ أُسْطُولًا إِلَى قَابِسَ، فَاجْتَازُوا بِالْمَهْدِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ تَحَقَّقَ عَلِيٌّ اتِّفَاقَهُمَا، وَكَانَ يُكَذِّبُهُ.
فَلَمَّا جَازَ أُسْطُولُ رَجَّارَ بِالْمَهْدِيَّةِ أَخْرَجَ عَلِيٌّ أُسْطُولَهُ فِي أَثَرِهِ، فَتَوَافَى الْجَمِيعُ إِلَى قَابِسَ، فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُهَا أُسْطُولَ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يُخْرِجْ مَرْكِبَهُ، فَعَادَ أُسْطُولُ الْفِرِنْجِ، وَبَقِيَ أُسْطُولُ عَلِيٍّ يَحْصُرُ رَافِعًا بِقَابِسَ مُضَيِّقًا عَلَيْهَا.
ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَتَمَادَى رَافِعٌ فِي الْمُخَالَفَةِ لِعَلِيٍّ، وَجَمَعَ قَبَائِلَ الْعَرَبِ، وَسَارَ بِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ مُحَاصِرًا لَهَا وَخَادَعَ عَلَّيًا، وَقَالَ: إِنَّنِي إِنَّمَا جِئْتُ لِلدُّخُولِ فِي الطَّاعَةِ، وَطَلَبَ مَنْ يَسْعَى فِي الصُّلْحِ، وَأَفْعَالُهُ تُكَذِّبُ أَقْوَالَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ عَنْ ذَلِكَ بِحَرْفٍ، وَأَخْرَجَ الْعَسَاكِرَ، وَحَمَلُوا عَلَى رَافِعٍ وَمَنْ مَعَهُ حَمْلَةً مُنْكِرَةً، فَأَلْحَقُوهُمْ بِالْبُيُوتِ، وَوَصَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى الْبُيُوتِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النِّسَاءُ صِحْنَ، وَوَلْوَلْنَ، فَغَارَتِ الْعَرَبُ، وَعَاوَدَتِ الْقِتَالَ وَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ الْأَمْرُ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ عَسْكَرِ رَافِعٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ جُنْدِ عَلِيٍّ غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ.
ثُمَّ خَرَجَ عَسْكَرُ عَلِيٍّ مَرَّةً أُخْرَى، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، كَانَ الظُّهُورُ فِيهِ
[ ٨ / ٦٢٢ ]
لِعَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا رَأَى رَافِعٌ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ رَحَلَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ لَيْلًا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُهَا مِنْ دُخُولِهَا، فَقَاتَلَهُمْ أَيَّامًا قَلَائِلَ، ثُمَّ دَخَلَهَا، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِ عَسْكَرًا مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَحَصَرُوهُ فِيهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى قَابِسَ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ إِفْرِيقِيَّةَ، مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، سَأَلُوا عَلِيًّا فِي الصُّلْحِ، فَامْتَنَعَ، ثُمَّ أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَتَعَاهَدَ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ الْوَحْشَةِ بَيْنَ رَجَّارَ وَالْأَمِيرِ عَلِيٍّ
كَانَ رَجَّارُ، صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ عَلِيٍّ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، مَوَدَّةٌ وَكِيدَةٌ، إِلَى أَنْ أَعَانَ رَافِعًا كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ، فَاسْتَوْحَشَ كُلُّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَاطَبَهُ رَجَّارُ بِمَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِهِ، فَتَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ، فَأَرْسَلَ رَجَّارُ رِسَالَةً فِيهَا خُشُونَةٌ، فَاحْتَرَزَ عَلِيٌّ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْأُسْطُولِ، وَإِعْدَادِ الْأُهْبَةِ لِلِّقَاءِ الْعَدُوِّ، وَكَاتَبَ الْمُرَابِطِينَ بِمُرَّاكِشَ فِي الِاجْتِمَاعِ مَعَهُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَكَفَّ رَجَّارُ عَمَّا كَانَ يَعْتَمِدُهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ صَاحِبِ حَلْبَ وَاسْتِيلَاءِ إِيلْغَازِي عَلَيْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا، بَعْدَ وَفَاةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَوَلِيَ أَتَابِكِيَّةَ وَلَدُهُ أَلْب أَرْسِلَانَ، فَلَمَّا مَاتَ أَقَامَ بَعْدَهُ فِي الْمُلْكِ سُلْطَانْشَاهْ بْنُ رِضْوَانَ، وَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِهِ فِي دَوْلَةِ أَخِيهِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَارَ مِنْهَا إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ لِيَجْتَمِعَ بِالْأَمِيرِ سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِهَا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ قَلْعَةِ نَادِرَ نَزَلَ يُرِيقُ الْمَاءَ، فَقَصَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَتْرَاكِ، وَصَاحُوا: أَرْنَبَ، أَرْنَبَ! وَأَوْهَمُوا أَنَّهُمْ يَتَصَيَّدُونَ، وَرَمَوْهُ بِالنُّشَّابِ، فَقُتِلَ، فَلَمَّا هَلَكَ نَهَبُوا خِزَانَتَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ حَلَبَ، فَاسْتَعَادُوا مَا أَخَذُوهُ.
وَوَلِيَ أَتَابِكِيَّةَ سُلْطَانْشَاهْ بْنُ رِضْوَانَ شَمْسُ الْخَوَاصِّ يَارُو قَتَّاشُ، فَبَقِيَ شَهْرًا، وَعَزَلُوهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمِلْحِيِّ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ عَزَلُوهُ وَصَادَرُوهُ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ قَتْلِ لُؤْلُؤٍ أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ سُلْطَانْشَاهْ، كَمَا قُتِلَ أَخَاهُ أَلْب أَرْسِلَانَ قَبْلَهُ، فَفَطِنَ بِهِ أَصْحَابُ سُلْطَانْشَاهْ، فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ كَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٨ / ٦٢٣ ]
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ حَلَبَ خَافُوا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَى نَجْمِ الدِّينِ إِيلْغَازِي، فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَالًا، وَلَا ذَخِيرَةً، لِأَنَّ الْخَادِمَ كَانَ قَدْ فَرَّقَ الْجَمِيعَ، وَكَانَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ قَدْ جَمَعَ فَأَكْثَرَ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ غَيْرَ أَوْلَادِهِ، فَلَمَّا رَأَى إِيلْغَازِي خُلُوَّ الْبَلَدِ مِنَ الْأَمْوَالِ صَادَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْخَدَمِ بِمَالٍ صَانَعَ بِهِ الْفِرِنْجَ، وَهَادَنَهُمْ مُدَّةً يَسِيرَةً تَكُونُ بِمِقْدَارِ مَسِيرِهِ إِلَى مَارِدِينَ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ وَالْعَوْدِ، فَلَمَّا تَمَّتِ الْهُدْنَةُ سَارَ إِلَى مَارِدِينَ، عَلَى هَذَا الْعَزْمِ، وَاسْتَخْلَفَ بِحَلَبَ ابْنَهُ حُسَامَ الدِّينِ تَمَرْتَاشَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، انْخَسَفَ الْقَمَرُ انْخِسَافًا كُلِّيًّا.
وَفِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ هَجَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى رَبْضِ حُمَاةَ مِنَ الشَّامِ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ رَجُلٍ وَعَادُوا.
وَفِيهَا، فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، كَانَتْ زَلْزَلَةٌ بِالْعِرَاقِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ وَخَرِبَتْ بِبَغْدَاذَ دُورٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ أَحْمَدُ الْعَرَبِيُّ بِبَغْدَاذَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، لَهُ كَرَامَاتٌ وَقَبْرُهُ يُزَارُ بِهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَبْهَانَ الْكَاتِبُ، وَعُمُرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ، رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ وَغَيْرِهِ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الشَّقَّاقُ الْفَرَضِيُّ، الْحَاسِبُ، وَكَانَ
[ ٨ / ٦٢٤ ]
وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُهْتَدِي وَغَيْرِهِ.
وَفِيهَا مَاتَ الْكُزَايِكْسُ مَلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يُوحَنَّا وَسَلَكَ سِيرَتَهُ.
وَفِيهَا مَاتَ دُوقَسُ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُ.
[ ٨ / ٦٢٥ ]