(٥٤١)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ ; وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رُجَّارَ مَلِكَ صِقِلِّيَةَ جَهَّزَ أُسْطُولًا كَثِيرًا وَسَيَّرَهُ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَأَحَاطُوا بِهَا بَرًّا وَبَحْرًا، ثَالِثَ الْمُحَرَّمِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُهَا وَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ، فَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِالْمَدِينَةِ ضَجَّةً عَظِيمَةً، وَخَلَتِ الْأَسْوَارُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ طَرَابُلُسَ كَانُوا قَبْلَ وَصُولِ الْفِرِنْجِ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ قَدِ اخْتَلَفُوا، فَأَخْرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَنِي مَطْرُوحٍ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الْمُلَثَّمِينَ قَدِمَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَلَمَّا نَازَلَهُمُ الْفِرِنْجُ أَعَادَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى بَنِي مَطْرُوحٍ، فَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَخَلَتِ الْأَسْوَارُ، فَانْتَهَزَ الْفِرِنْجُ الْفُرْصَةَ وَنَصَبُوا السَّلَالِمَ، وَصَعِدُوا عَلَى السُّورِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ فَمَلَكَتِ الْفِرِنْجُ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً بِالسَّيْفِ، فَسَفَكُوا دِمَاءَ أَهْلِهَا وَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، وَالْتَجَأَ إِلَى الْبَرْبَرِ وَالْعَرَبِ، فَنُودِيَ بِالْأَمَانِ فِي النَّاسِ كَافَّةً، فَرَجَعَ كُلُّ مَنْ فَرَّ مِنْهَا.
وَأَقَامَ الْفِرِنْجُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى حَصَّنُوا أَسْوَارَهَا وَحَفَرُوا خَنْدَقَهَا، وَلَمَّا عَادُوا أَخَذُوا رَهَائِنَ أَهْلِهَا وَمَعَهُمْ بَنُو مَطْرُوحٍ وَالْمُلَثَّمُ، ثُمَّ أَعَادُوا رَهَائِنَهُمْ، وَوَلَّوْا عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ بَنِي مَطْرُوحٍ، وَتَرَكُوا رَهَائِنَهُ وَحْدَهُ، وَاسْتَقَامَتْ أُمُورُ الْمَدِينَةِ، وَأُلْزِمَ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ وَالرُّومُ بِالسَّفَرِ إِلَيْهَا، فَانْعَمَرَتْ سَرِيعًا وَحَسُنَ حَالُهَا.
[ ٩ / ١٤٠ ]
ذِكْرُ حَصْرِ زَنْكِي حِصْنَيْ جَعْبَرَ وَفَنَكَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَتَابَكُ زَنْكِي إِلَى حِصْنِ جَعْبَرَ، وَهُوَ مُطِلٌّ عَلَى الْفُرَاتِ، وَكَانَ بِيَدِ سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ الْعُقَيْلِيِّ سَلَّمَهُ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ إِلَى أَبِيهِ لَمَّا أَخَذَ مِنْهُ حَلَبَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَحَصَرَهُ وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى قَلْعَةِ فَنَكَ، وَهِيَ تُجَاوِرُ جَزِيرَةَ ابْنِ عُمَرَ، بَيْنَهُمَا فَرْسَخَانِ، فَحَصَرَهُمَا أَيْضًا، وَصَاحِبُهَا حِينَئِذٍ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدَّيْنِ الْكُرْدِيُّ الْبَشْنَوِيُّ.
وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ بِلَادِهِ مَا هُوَ مُلْكُ غَيْرِهِ، حَزْمًا وَاحْتِيَاطًا، فَنَازَلَ قَلْعَةَ جَعْبَرَ وَحَصَرَهَا، وَقَاتَلَهُ مَنْ بِهَا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهَا، مَعَ الْأَمِيرِ حَسَّانٍ الْمَنْبِجِيِّ لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، فِي مَعْنَى تَسْلِيمِهِمَا، وَقَالَ لَهُ: تَضْمَنُ عَنِّي الْإِقْطَاعَ الْكَثِيرَ وَالْمَالَ الْجَزِيلَ، فَإِنْ أَجَابَ إِلَى التَّسْلِيمِ، وَإِلَّا فَقُلْ لَهُ: وَاللَّهِ لَأُقِيمَنَّ عَلَيْكَ إِلَى أَنْ أَمْلِكَهَا عَنْوَةً، ثُمَّ لَا أُبْقِي عَلَيْكَ، وَمَنِ الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فَصَعِدَ إِلَيْهِ حَسَّانٌ، وَأَدَّى إِلَيْهِ الرِّسَالَةَ، وَوَعَدَهُ، وَبَذَلَ لَهُ مَا قِيلَ لَهُ، فَامْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَقَالَ لَهُ حَسَّانٌ: فَهُوَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي مِنْهُ الَّذِي مَنَعَكَ مِنَ الْأَمِيرِ بَلْكَ. فَعَادَ حَسَّانٌ وَأَخْبَرَ الشَّهِيدَ بِامْتِنَاعِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ هَذَا، فَقُتِلَ أَتَابَكُ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَكَانَتْ قِصَّةُ حَسَّانٍ مَعَ بَلْكَ ابْنِ (أَخِي) إِيلْغَازِي أَنَّ حَسَّانًا كَانَ صَاحِبَ مَنْبِجَ، فَحَصَرَهُ بَلْكُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ (يُقَاتِلُهُ، جَاءَهُ) سَهْمٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ رَمَاهُ فَقَتَلَهُ، وَخَلُصَ حَسَّانٌ مِنَ الْحَصْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الِاتِّفَاقِ الْحَسَنِ.
وَلَمَّا قُتِلَ أَتَابَكُ زَنْكِي حَلَّ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ كَانُوا يُحَاصِرُونَ قَلْعَةَ فَنَكَ عَنْهَا، وَهِيَ بَيْدِ أَعْقَابِ صَاحِبِهَا إِلَى الْآنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ لَهُمْ بِهَا نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَهُمْ
[ ٩ / ١٤١ ]
مَقْصِدٌ، وَفِيهِمْ وَفَاءٌ وَعَصَبِيَّةٌ، يَأْخُذُونَ بِيَدِ كُلِّ مَنْ يَلْتَجِئُ إِلَيْهِمْ وَيَقْصِدُهُمْ، وَلَا يُسَلِّمُونَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
ذِكْرُ قَتْلِ أَتَابَكَ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، قُتِلَ أَتَابَكُ الشَّهِيدُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ آقْسُنْقُرْ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَالشَّامِ، وَهُوَ يُحَاصِرُ قَلْعَةَ جَعْبَرَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَمَالِيكِهِ لَيْلًا غِيلَةً، وَهَرَبُوا إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ، فَصَاحَ مَنْ بِهَا إِلَى الْعَسْكَرِ يُعْلِمُونَهُمْ بِقَتْلِهِ، وَأَظْهَرُوا الْفَرَحَ، فَدَخَلَ أَصْحَابُهُ، فَأَدْرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ.
حَدَّثَنِي وَالِدِي عَنْ بَعْضِ خَوَاصِّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ وَهُوَ حَيٌّ، فَحِينَ رَآنِي ظَنَّ أَنِّي أُرِيدُ قَتْلَهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَسْتَعْطِفُنِي، فَوَقَعْتُ مِنْ هَيْبَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا؟ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ، وَفَاضَتْ نَفْسُهُ لِوَقْتِهِ، ﵀.
قَالَ: وَكَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، مَلِيحَ الْعَيْنَيْنِ، قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ، وَكَانَ قَدْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَى سِتِّينَ سَنَةً ; لِأَنَّهُ كَانَ لَمَّا قُتِلَ وَالِدُهُ صَغِيرًا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَلَمَّا قُتِلَ دُفِنَ بِالرَّقَّةِ.
وَكَانَ شَدِيدَ الْهَيْبَةِ عَلَى عَسْكَرِهِ وَرَعِيَّتِهِ، عَظِيمَ السِّيَاسَةِ، لَا يَقْدِرُ الْقَوِيُّ عَلَى ظُلْمِ الضَّعِيفِ، وَكَانَتِ الْبِلَادُ، قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا خَرَابًا مِنَ الظُّلْمِ، وَتَنَقُّلِ الْوُلَاةِ، وَمُجَاوَرَةِ الْفِرِنْجِ، فَعَمَّرَهَا، وَامْتَلَأَتْ أَهْلًا وَسُكَّانًا.
حَكَى لِي وَالِدِي قَالَ: رَأَيْتُ الْمَوْصِلَ وَأَكْثَرُهَا خَرَابٌ، بِحَيْثُ يَقِفُ الْإِنْسَانُ قُرَيْبَ مَحَلَّةِ الطَّبَّالِبِينَ وَيَرَى الْجَامِعَ الْعَتِيقَ، وَالْعَرَصَةَ، وَدَارَ السُّلْطَانِ، لَيْسَ بَيْنَ ذَلِكَ عِمَارَةٌ ; وَكَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ إِلَى الْجَامِعِ الْعَتِيقِ إِلَّا وَمَعَهُ مَنْ يَحْمِيهِ، لِبُعْدِهِ عَنْ
[ ٩ / ١٤٢ ]
الْعِمَارَةِ، وَهُوَ الْآنَ فِي وَسَطِ الْعِمَارَةِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا أَرْضٌ بِرَاحٌ، وَحَدَّثَنِي أَيْضًا أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ فِي الشِّتَاءِ، فَدَخَلَ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ الدُّبَيْسِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَقْطَاعِهِ مَدِينَةَ دَقُوقَا، وَنَزَلَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ يَهُودِيٍّ، فَاسْتَغَاثَ الْيَهُودِيُّ إِلَى أَتَابَكَ، وَأَنْهَى حَالَهُ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَى الدُّبَيْسِيِّ فَتَأَخَّرَ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ وَأَخْرَجَ بَرْكَهُ وَخِيَامَهُ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ غِلْمَانَهُ يَنْصِبُونَ خِيَامَهُ فِي الْوَحْلِ، وَقَدْ جَعَلُوا عَلَى الْأَرْضِ تِبْنًا يَقِيهِمُ الطِّينَ، وَخَرَجَ فَنَزَلَهَا، وَكَانَتْ سِيَاسَتُهُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ.
وَكَانَتِ الْمَوْصِلُ مِنْ أَقَلِ بِلَادِ اللَّهِ فَاكِهَةً، فَصَارَتْ فِي أَيَّامِهِ، وَمَا بَعْدَهَا، مَنْ أَكْثَرِ الْبِلَادِ فَوَاكِهَ وَرَيَاحِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَكَانَ أَيْضًا شَدِيدَ الْغَيْرَةِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى نِسَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنْ لَمْ نَحْفَظْ نِسَاءَ الْأَجْنَادِ بِالْهَيْبَةِ، وَإِلَّا فَسَدْنَ لِكَثْرَةِ غَيْبَةِ أَزْوَاجِهِنَّ فِي الْأَسْفَارِ.
وَكَانَ أَشْجَعَ خَلْقِ اللَّهِ، أَمَّا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ فَيَكْفِيهِ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ الْأَمِيرِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ مَدِينَةَ طَبَرِيَّةَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، فَوَصَلَتْ طَعْنَتُهُ بَابَ الْبَلَدِ وَأَثَّرَ فِيهِ، وَحَمَلَ أَيْضًا عَلَى قَلْعَةِ عُقَرَ الْحُمَيْدِيَّةِ، وَهِيَ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ، فَوَصَلَتْ طَعْنَتُهُ إِلَى سُورِهَا، إِلَى أَشْيَاءَ أُخَرَ.
وَأَمَّا بَعْدَ الْمُلْكِ فَقَدْ كَانَ الْأَعْدَاءُ مُحْدِقِينَ بِبِلَادِهِ، وَكُلُّهُمْ يَقْصِدُهَا، وَيُرِيدُ أَخْذَهَا، وَهُوَ لَا يَقْنَعُ بِحِفْظِهَا، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَنْقَضِي عَلَيْهِ عَامٌ إِلَّا وَيَفْتَحُ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَقَدْ كَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ مُجَاوِرَهُ فِي نَاحِيَةِ تَكْرِيتَ، وَقَصَدَ الْمَوْصِلَ وَحَصَرَهَا، ثُمَّ إِلَى جَانِبِهِ، مِنْ نَاحِيَةِ شَهْرَزُورَ وَتِلْكَ النَّاحِيَةِ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ ; ثُمَّ ابْنُ سُقْمَانَ صَاحِبُ خِلَاطَ ; ثُمَّ دَاوُدُ بْنُ سُقْمَانَ صَاحِبُ حِصْنِ كِيفَا ; ثُمَّ صَاحِبُ آمِدَ وَمَارِدِينَ ; ثُمَّ الْفِرِنْجُ مِنْ مُجَاوَرَةِ مَارِدِينَ إِلَى دِمَشْقَ ; ثُمَّ أَصْحَابُ دِمَشْقَ، فَهَذِهِ الْوِلَايَاتُ قَدْ أَحَاطَتْ بِوِلَايَتِهِ مِنْ كُلِّ جِهَاتِهَا، فَهُوَ يَقْصِدُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَيَأْخُذُ مِنْ هَذَا وَيُصَانِعُ هَذَا، إِلَى أَنْ مَلَكَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَلِيَهُ طَرَفًا مِنْ بِلَادِهِ، وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى أَخْبَارِهِ فِي كِتَابِ " الْبَاهِرِ " فِي
[ ٩ / ١٤٣ ]
تَارِيخِ دَوْلَتِهِ وَدَوْلَةِ أَوْلَادِهِ، فَيُطْلَبُ مِنْ هُنَاكَ.
ذِكْرُ مُلْكِ وَلَدَيْهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي وَنُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ
لَمَّا قُتِلَ أَتَابَكُ زَنْكِي أَخَذَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ وَلَدُهُ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ، وَكَانَ حَاضِرًا مَعَهُ وَسَارَ إِلَى حَلَبَ فَمَلَكَهَا.
وَكَانَ حِينَئِذٍ يَتَوَلَّى دِيوَانَ زَنْكِي، وَيَحْكُمُ فِي دَوْلَتِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْعَمَائِمِ جَمَالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ، وَمَعَهُ أَمِيرُ حَاجِبٍ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْيَاغِيسْيَانِيُّ، فَاتَّفَقَا عَلَى حِفْظِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ مَعَ الشَّهِيدِ أَتَابَكَ الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ ابْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَرَكِبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَجْمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَيْهِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمَالُ الدِّينِ، وَصَلَاحُ الدِّينِ، وَحَسَّنَا لَهُ الِاشْتِغَالَ بِالشُّرْبِ وَالْمُغَنِّيَاتِ وَالْجَوَارِي، وَأَدْخَلَاهُ الرَّقَّةَ، فَبَقِيَ بِهَا أَيَّامًا لَا يَظْهَرُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَاكِسِينَ، فَدَخَلَهَا، وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، وَجَمَالُ الدِّينِ يُحَلِّفُ الْأُمَرَاءَ لِسَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنِ أَتَابَكَ زَنْكِي، وَيُسَيِّرُهُمْ [إِلَى] الْمَوْصِلِ.
ثُمَّ سَارَ مِنْ مَاكِسِينَ إِلَى سِنْجَارَ، وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى سِنْجَارَ أَرْسَلَ جَمَالُ الدِّينِ إِلَى الدَّزْدَارِ يَقُولُ لَهُ لِيُرْسِلَ إِلَى وَلَدِ السُّلْطَانِ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي مَمْلُوكُكَ، وَلَكِنِّي تَبَعُ الْمَوْصِلِ، فَمَتَى مَلَكْتَهَا سَلَّمْتُ إِلَيْكَ سِنْجَارَ. فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَخَذَهُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَصَدَ بِهِ مَدِينَةَ بَلْدَ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ الْقَلِيلُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِعُبُورِ دِجْلَةَ فَعَبَرَهَا إِلَى الشَّرْقِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ.
وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بِمَدِينَةِ شَهْرَزُورَ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ كُوجَكُ نَائِبُ أَبِيهِ بِالْمَوْصِلِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَحَضَرَ قَبْلَ وُصُولِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا عَلِمَ جَمَالُ الدِّينِ بِوُصُولِ سَيْفِ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يُعَرِّفُهُ قِلَّةَ مَنْ مَعَ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَعْضَ عَسْكَرِهِ، فَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وَحُبِسَ فِي قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ سَيْفِ الدِّينِ [فِي] الْبِلَادِ، وَبَقِيَ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ بِحَلَبَ وَهِيَ لَهُ، وَسَارَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ
[ ٩ / ١٤٤ ]
الْيَاغِيسْيَانِيُّ يُدَبِّرُ أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِحِفْظِ دَوْلَتِهِ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا شَرْحَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فِي " التَّارِيخِ الْبَاهِرِ فِي الدَّوْلَةِ الْأَتَابَكِيَّةِ ".
ذِكْرُ عِصْيَانِ الرُّهَا لَمَّا قُتِلَ أَتَابَكُ
كَانَ جُوسْلِينُ الْفِرِنْجِيُّ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الرُّهَا فِي وِلَايَتِهِ، وَهِيَ تَلُّ بَاشِرَ وَمَا يُجَاوِرُهَا، فَرَاسَلَ أَهْلَ الرُّهَا، وَعَامَّتُهُمْ مِنَ الْأَرْمَنِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْعِصْيَانِ، وَالِامْتِنَاعِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَاعَدَهُمْ يَوْمًا يَصِلُ إِلَيْهِمْ فِيهِ، وَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى الرُّهَا، وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَامْتَنَعَتِ الْقَلْعَةُ عَلَيْهِ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلَهُمْ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي، وَهُوَ بِحَلَبَ، فَسَارَ مُجِدًّا إِلَيْهَا فِي عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا خَرَجَ جُوسْلِينُ هَارِبًا عَائِدًا إِلَى بَلَدِهِ، وَدَخَلَ نُورُ الدِّينِ الْمَدِينَةَ، وَنَهَبَهَا حِينَئِذٍ، وَسَبَى أَهْلَهَا.
وَفِي هَذِهِ الدُّفْعَةِ نُهِبَتْ وَخَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهَا نُهِبَتْ لَمَّا فَتَحَهَا الشَّهِيدُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بِعِصْيَانِ الرُّهَا، فَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهَا، فَسَمِعُوا بِمُلْكِ نُورِ الدِّينِ الْبَلَدَ وَاسْتِبَاحَتِهِ، وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَعَادُوا.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى أَنَّ زَيْنَ الدِّينِ عَلِيًّا، الَّذِي كَانَ نَائِبَ الشَّهِيدِ وَأَوْلَادِهِ بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ، جَاءَهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَهَا نُورُ الدِّينِ مِنْ هَذَا الْفَتْحِ، وَفِي الْجُمْلَةِ جَارِيَةٌ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَقَدِ اغْتَسَلَ، قَالَ لِمَنْ عِنْدُهُ: تَعْلَمُونَ مَا جَرَى لِي فِي يَوْمِنَا هَذَا؟ قَالُوا: لَا! قَالَ: لَمَّا فَتَحْنَا الرُّهَا مَعَ الشَّهِيدِ وَقَعَ فِي يَدِي مِنَ النَّهْبِ جَارِيَةٌ رَائِقَةٌ أَعْجَبَنِي حُسْنُهَا، وَمَالَ قَلْبِي إِلَيْهَا، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ أَمَرَ الشَّهِيدُ فَنُودِيَ بَرَدِّ السَّبْيِ وَالْمَالِ الْمَنْهُوبِ، وَكَانَ مَهِيبًا مَخُوفًا، فَرَدَدْتُهَا وَقَلْبِي مُتَعَلِّقٌ بِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ جَاءَتْنِي هَدِيَّةُ نُورِ الدِّينِ وَفِيهَا عِدَّةُ جَوَارٍ مِنْهُنَّ تِلْكَ الْجَارِيَةِ، فَوَطِئْتُهَا
[ ٩ / ١٤٥ ]
خَوْفًا أَنْ يَقَعَ رَدُّ تِلْكَ الدُّفْعَةِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَلَى جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ جَيْشًا إِلَى جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، فَمَلَكُوا مَا فِيهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ لَمَّا كَانَ يُحَاصِرُ مَرَّاكُشَ جَاءَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْأَنْدَلُسِ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدِينَ، وَمَعَهُمْ مَكْتُوبٌ يَتَضَمَّنُ بَيْعَةَ أَهْلِ الْبِلَادِ الَّتِي هُمْ فِيهَا لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَدُخُولَهُمْ فِي زُمْرَةِ أَصْحَابِهِ الْمُوَحِّدِينَ، وَإِقَامَتَهُمْ لِأَمْرِهِ، فَقَبِلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَشَكَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ النُّصْرَةَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَجَهَّزَ جَيْشًا كَثِيفًا وَسَيَّرَهُ مَعَهُمْ، وَعَمَّرَ أُسْطُولًا وَسَيَّرَهُ فِي الْبَحْرِ، فَسَارَ الْأُسْطُولُ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَصَعِدُوا فِي نَهْرِهَا، وَبِهَا جَيْشٌ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، فَحَصَرُوهَا بَرًّا وَبَحْرًا وَمَلَكُوهَا عَنْوَةً، وَقُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ وَأَمِنَ النَّاسُ فَسَكَنُوا، وَاسْتَوْلَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى الْبِلَادِ، وَكَانَ لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ (مَنْ بِهَا) .
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَغَايُرْكَ وَعَبَّاسٍ صَاحِبِ الرَّيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ أَمِيرَ حَاجِبٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ طَغَايُرْكَ، وَهُوَ صَاحِبُ خَلْخَالَ وَبَعْضِ أَذْرَبِيجَانَ وَالْحَاكِمُ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ مَعَهُ حُكْمٌ.
وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّ السُّلْطَانَ لَمَّا ضَيَّقَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَقِيَ مَعَهُ شِبْهَ الْأَسِيرِ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبِلَادِ حُكْمٌ، حَتَّى إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَصَدَ غُلَامًا كَانَ لِلسُّلْطَانِ، وَهُوَ بِكْ أَرْسَلَانُ، الْمَعْرُوفُ بِخَاصِّ بِكْ بْنِ بَلَنْكَرِي، وَقَدْ رَبَّاهُ السُّلْطَانُ وَقَرَّبَهُ فَأَبْعَدَهُ عَنْهُ، وَصَارَ لَا يَرَاهُ، وَكَانَ فِي [خَاصِّ] بِكْ عَقْلٌ وَتَدْبِيرٌ وَجَوْدَةُ قَرِيحَةٍ، وَتَوَصَّلَ لِمَا يُرِيدُ أَنْ
[ ٩ / ١٤٦ ]
يَفْعَلَهُ، فَجَمَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعَسَاكِرَ، وَخَاصُّ بِكْ فِيهِمْ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَاسْتَدْعَى خَاصُّ بِكْ جَمَاعَةَ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ، وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ خَافَ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا اسْمُهُ زَنْكِي، وَكَانَ جَانْدَارًا، فَإِنَّهُ بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالْقَتْلِ، وَوَافَقَ خَاصَّ بِكْ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْأَمْرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَبَيْنَمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي مَوْكِبِهِ ضَرَبَهُ زَنْكِي الْجَانْدَارُ بِمِقْرَعَةِ حَدِيدٍ كَانَتْ فِي يَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ خَاصُّ بِكْ، وَأَعَانَهُ عَلَى حِمَايَةِ زَنْكِي وَالْقَائِمِينَ مَعَهُ مَنْ كَانَ وَاطَأَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ قَتْلُهُ بِظَاهِرِ جَنْزَةَ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ بِبَغْدَادَ، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ عَبَّاسٌ صَاحِبُ الرَّيِّ، وَعَسْكَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَامْتَعَضَ مِنْهُ، فَدَارَاهُ السُّلْطَانُ وَلَطَفَ بِهِ، وَاسْتَدْعَى الْأَمِيرَ الْبَقْشَ كُونْ خَرْ مِنَ اللِّحْفِ وَتَتَرَ الَّذِي كَانَ حَاجِبًا، فَلَمَّا قَوِيَ بِهِمَا أَحْضَرَ عَبَّاسًا إِلَيْهِ فِي دَارِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ مَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنَ الدُّخُولِ مَعَهُ، وَعَدَلُوا بِهِ إِلَى حُجْرَةٍ، وَقَالُوا لَهُ: اخْلَعِ الزَّرَدِيَّةَ ; فَقَالَ: إِنَّ لِي مَعَ السُّلْطَانِ أَيْمَانًا وَعُهُودًا ; فَلَكَمُوهُ، وَخَرَجَ لَهُ غِلْمَانٌ أُعِدُّوا لِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ تَشَاهَدَ وَخَلَعَ الزَّرَدِيَّةَ وَأَلْقَاهَا، وَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ، وَاحْتَزُّوا رَأَسَهُ وَأَلْقَوْهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أَلْقَوْا جَسَدَهُ، وَنُهِبَ رَحْلُهُ وَخِيَمُهُ وَانْزَعَجَ الْبَلَدُ لِذَلِكَ.
وَكَانَ عَبَّاسٌ مِنْ غِلْمَانِ مَحْمُودٍ حَسَنَ السِّيرَةِ، عَادِلًا فِي رَعِيَّتِهِ، كَثِيرَ الْجِهَادِ لِلْبَاطِنِيَّةِ، قَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَنَى مِنْ رُءُوسِهِمْ مَنَارَةً بِالرَّيِّ، وَحَصَرَ قَلْعَةَ أَلَمُوتَ، وَدَخَلَ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ فَأَلْقَى فِيهَا النَّارَ فَأَحْرَقَ كُلَّ مَنْ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا قُتِلَ [دُفِنَ] بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، ثُمَّ أَرْسَلَتِ ابْنَتُهُ فَحَمَلَتْهُ إِلَى الرَّيِّ فَدَفَنَتْهُ هُنَاكَ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.
وَمِنَ الِاتِّفَاقِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْعِبَادِيَّ كَانَ يَعِظُ يَوْمًا، فَحَضَرَهُ عَبَّاسٌ، فَأَسْمَعَ بَعْضَ أَهْلِ الْمَجْلِسِ وَرَمَى بِنَفْسِهِ نَحْوَ الْأَمِيرِ عَبَّاسٍ، فَضَرَبَهُ أَصْحَابُهُ وَمَنَعُوهُ خَوْفًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ احْتِرَاسٍ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ لَا يَزَالُ لَابِسًا الزَّرَدِيَّةَ لَا تُفَارِقُهُ الْغِلْمَانُ الْأَجْلَادُ، فَقَالَ لَهُ الْعِبَادِيُّ: يَا أَمِيرُ، إِلَامَ هَذَا الِاحْتِرَازُ! وَاللَّهِ لَئِنْ قُضِيَ عَلَيْكَ بِأَمْرٍ لَتَحُلَّنَّ أَنْتَ بِيَدِكَ أَزْرَارَ الزَّرَدِيَّةِ فَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ فِيكَ.
[ ٩ / ١٤٧ ]
وَكَانَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ اسْتَوْزَرَ ابْنَ دَارَسْتَ وَزِيرَ بُوزَابَةَ، [كَارِهًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَزَلَهُ الْآنَ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْعَزْلَ وَالْعَوْدَ إِلَى صَاحِبِهِ بُوزَابَةَ] فَلَمَّا عَزَلَهُ قَرَّرَ مَعَهُ أَنْ يُصْلِحَ لَهُ بُوزَابَةَ، وَيُزِيلَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الِاسْتِشْعَارِ بِسَبَبِ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبَّاسٍ، فَسَارَ الْوَزِيرُ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ النَّجَاةَ، فَوَصَلَ إِلَى بُوزَابَةَ وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَبَسَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ شَاهْ بِقَلْعَةِ تَكْرِيتَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ جَاوُلِيُّ الطُّغْرُلِيُّ صَاحِبُ أَرَّانِيَّةَ وَبَعْضِ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَ قَدْ تَحَرَّكَ لِلْعِصْيَانِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فَجْأَةً مَدَّ قَوْسًا فَنَزَفَ دَمًا فَمَاتَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَتُوُفِّيَ شَيْخُ الشُّيُوخِ صَدْرُ الدِّينُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي سَعْدٍ الصُّوفِيُّ، مَاتَ بِبَغْدَادَ، وَدُفِنَ بِظَاهِرِ رِبَاطِ الزَّوْزَنِيِّ بِبَابِ الْبَصْرَةِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَامَ فِي مَنْصِبِهِ وَلَدُهُ صَدْرُ الدِّينِ شَيْخُ الشُّيُوخِ عَبْدُ الرَّحِيمِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيُّ أَخُو شَرَفِ الدِّينِ الْوَزِيرِ.
[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا وَلِيَ مَسْعُودُ بْنُ بِلَالٍ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَادَ، وَسَارَ السُّلْطَانُ عَنْهَا.
وَفِيهَا كَانَ بِالْعِرَاقِ جَرَادٌ كَثِيرٌ أَمْحَلَ أَكْثَرَ الْبِلَادِ.
وَفِيهَا وَرَدَ الْعِبَادِيُّ الْوَاعِظُ رَسُولًا مِنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَوَعَظَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ بِهَا، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ فَمَنْ دُونَهُ، وَأَمَّا الْعَامَّةُ
[ ٩ / ١٤٨ ]
فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَشْغَالَهُمْ لِحُضُورِ مَجْلِسِهِ وَالْمُسَابَقَةِ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا بَعْدَ قَتْلِ الشَّهِيدِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرْ قَصَدَ صَاحِبُ دِمَشْقَ حِصْنَ بَعْلَبَكَّ وَحَصَرَهُ، وَكَانَ بِهِ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ بْنُ شَاذِي مُسْتَحْفِظًا لَهَا، فَخَافَ أَنَّ أَوْلَادَ زَنْكِي لَا يُمْكِنُهُمْ إِنْجَادُهُ بِالْعَاجِلِ، فَصَالَحَهُ وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ إِقْطَاعًا وَمَالًا، وَمَلَّكَهُ عِدَّةَ قُرًى مِنْ بَلَدِ دِمَشْقَ، وَانْتَقَلَ أَيُّوبُ إِلَى دِمَشْقَ فَسَكَنَهَا وَأَقَامَ بِهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْرِي ابْنُ بِنْتِ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَمَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُقْرِئًا نَحْوِيًّا مُحَدِّثًا، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي الْقِرَاءَاتِ.
[ ٩ / ١٤٩ ]