(٥٣١)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ تَفَرُّقِ الْعَسَاكِرِ عَنِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ أَذِنَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ لِلْعَسَاكِرِ الَّتِي عِنْدَهُ بِبَغْدَادَ بِالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الرَّاشِدَ بِاللَّهِ قَدْ فَارَقَ أَتَابَكْ زَنْكِي مِنَ الْمَوْصِلِ، فَإِنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْعَسَاكِرِ عِنْدَهُ خَوْفًا أَنْ يَنْحَدِرَ بِهِ إِلَى الْعِرَاقِ فَيَمْلِكَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَأْذَنَ لِلْأَمِيرِ صَدَقَةَ بْنِ دُبَيْسٍ، صَاحِبِ الْحِلَّةِ، زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ تَمَسُّكًا بِهِ.
وَقَدِمَ عَلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ حَارَبُوهُ مَعَ الْمَلِكِ دَاوُدَ مِنْهُمُ الْبَقْشُ السِّلَاحِيُّ، وَبُرْسُقُ بْنُ بُرْسُقَ صَاحِبُ تُسْتَرَ، وَسُنْقُرُ الْخُمَارَتْكِينُ شِحْنَةُ هَمَذَانَ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَمَّنَهُمْ، وَوَلَّى الْبَقْشَ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَادَ، فَعَسَفَ النَّاسَ وَظَلْمَهُمْ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ بَعْدَ تَفَرُّقِ الْعَسَاكِرِ عَنْهُ قَدْ بَقِيَ مَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ.
وَتَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ فَاطِمَةَ خَاتُونَ أُخْتَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ فِي رَجَبٍ، وَالصَّدَاقُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ الْوَكِيلُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ عَلِيُّ بْنُ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَالْوَكِيلُ عَنِ السُّلْطَانِ وَزِيرُهُ كَمَالُ الدَّرْكَزِينِيُّ، وَوَثِقَ السُّلْطَانُ حَيْثُ صَارَ الْخَلِيفَةُ وَصَدَقَةُ بْنُ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ صِهْرَيْهِ، وَحَيْثُ سَارَ الرَّاشِدُ بِاللَّهِ مِنْ عِنْدِ زَنْكِي الْأَتَابَكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ عَزْلِ بَهْرَامَ عَنْ وِزَارَةِ الْحَافِظِ، وَوِزَارَةِ رِضْوَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، هَرَبَ تَاجُ الدَّوْلَةِ بَهْرَامُ وَزِيرُ الْحَافِظِ لِدِينِ
[ ٩ / ٨٢ ]
اللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْزَرَهُ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهِ حَسَنٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا أَرْمَنِيًّا، فَتَمَكَّنَ فِي الْبِلَادِ، وَاسْتَعْمَلَ الْأَرْمَنَ، وَعَزَلَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، وَأَهَانَهُمْ هُوَ وَالْأَرْمَنُ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ، وَطَمِعُوا فِيهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ مِصْرَ مَنْ أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا رِضْوَانُ بْنُ الرَّيْحَيْنِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا سَاءَهُ ذَلِكَ وَأَقْلَقَهُ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَقَصَدَ الْقَاهِرَةَ، فَسَمِعَ بِهِ بَهْرَامُ، فَهَرَبَ إِلَى الصَّعِيدِ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ أَسْوَانَ، فَمَنَعَهُ وَالِيهَا مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا وَقَاتَلَهُ، فَقَتَلَ السُّودَانُ مِنَ الْأَرْمَنِ كَثِيرًا، فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى أَسْوَانَ أَرْسَلَ [إِلَى] الْحَافِظِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ، فَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، فَسُجِنَ بِالْقَصْرِ، فَبَقِيَ مُدَّةً، ثُمَّ تَرَهَّبَ وَخَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ.
وَأَمَّا رِضْوَانٌ فَإِنَّهُ وَزَرَ لِلْحَافِظِ وَلُقِّبَ بِالْمَلِكِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَزِيرٍ لِلْمِصْرِيِّينَ لُقِّبَ بِالْمَلِكِ، ثُمَّ فَسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَافِظِ، فَعَمِلَ الْحَافِظُ فِي إِخْرَاجِهِ، فَثَارَ النَّاسُ عَلَيْهِ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ، وَهَرَبَ مِنْ دَارِهِ وَتَرَكَهَا بِمَا فِيهَا، فَنَهَبَ النَّاسُ (مِنْهَا) مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى، وَرَكِبَ الْحَافِظُ فَسَكَنَ النَّاسُ، وَنَقَلَ مَا بَقِيَ فِي دَارِ رِضْوَانَ إِلَى قَصْرِهِ.
وَأَمَّا رِضْوَانُ فَإِنَّهُ سَارَ يُرِيدُ الشَّامَ يَسْتَنْجِدُ الْأَتْرَاكَ وَيَسْتَنْصِرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ الْأَمِيرُ ابْنُ مَصَّالٍ لِيَرُدَّهُ بِالْأَمَانِ وَالْعَهْدِ أَنَّهُ لَا يُؤْذِيهِ، فَرَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، فَحَبَسَهُ الْحَافِظُ عِنْدَهُ فِي الْقَصْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَصَدَ صَرْخَدَ فَوَصَلَ إِلَيْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَنَزَلَ عَلَى صَاحِبِهَا أَمِينِ الدَّوْلَةِ كَمُشْتَكِينَ فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ، فَقَاتَلَ الْمِصْرِيِّينَ عِنْدَ بَابِ النَّصْرِ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ كَثِيرٌ
[ ٩ / ٨٣ ]
مِمَّنْ مَعَهُ، فَعَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ الْأَمِيرُ ابْنُ مَصَّالٍ فَرَدَّهُ، وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي الْقَصْرِ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيَالِهِ، فَأَقَامَ فِي الْقَصْرِ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ]، فَنَقَبَ الْحَبْسَ وَخَرَجَ مِنْهُ، وَقَدْ أُعِدَّتْ لَهُ خَيْلٌ، فَهَرَبَ عَلَيْهَا، وَعَبَرَ النِّيلَ إِلَى الْجِيزَةِ فَحَشَدَ وَجَمَعَ الْمَغَارِبَةَ وَغَيْرَهُمْ، وَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، فَقَاتَلَ الْمِصْرِيِّينَ عِنْدَ جَامِعِ ابْنِ طُولُونَ وَهَزَمَهُمْ، وَدَخَلَ الْقَاهِرَةَ فَنَزَلَ عِنْدَ جَامِعِ الْأَقْمَرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْحَافِظِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَالًا لِيُفَرِّقَهُ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَزَّرُوا وَزِيرًا أَرْسَلُوا إِلَيْهِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيُفَرِّقَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَسَّمَهَا، وَكَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَطَلَبَ زِيَادَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ أُخْرَى فَفَرَّقَهَا، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَخَفُّوا عِنْدَهُ، فَإِذَا الصَّوْتُ قَدْ وَقَعَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ السُّودَانِ وَضْعَهُمُ الْحَافِظُ عَلَيْهِ، فَحَمَلُوا عَلَى غِلْمَانِهِ فَقَاتَلُوهُمْ، فَقَامَ يَرْكَبُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَرَسًا لِيَرْكَبَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ رُكُوبَهُ ضَرَبَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى الْحَافِظِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَوُضِعَ فِي حِجْرِهَا، فَأَلْقَتْهُ، وَقَالَتْ:
هَكَذَا يَكُونُ الرِّجَالُ، وَلَمْ يَسْتَوْزِرِ الْحَافِظُ بَعْدَهُ أَحَدًا، وَبَاشَرَ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
ذِكْرُ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ حِصْنَ وَادِي ابْنِ الْأَحْمَرِ مَنِ الْفِرِنْجِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ سَارَ عَسْكَرُ دِمَشْقَ مَعَ مُقَدِّمِهِمُ الْأَمِيرِ بَزَاوُشَ إِلَى طَرَابُلُسَ الشَّامِ فَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنَ الْغُزَاةِ الْمُتَطَوِّعَةُ وَالتُّرْكُمَانِ أَيْضًا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا سَمِعَ الْقُمُّصُ صَاحِبُهَا بِقُرْبِهِمْ مِنْ وِلَايَتِهِ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي جُمُوعِهِ وَحُشُودِهِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَعَادُوا إِلَى طَرَابُلُسَ عَلَى صُورَةٍ سَيِّئَةٍ قَدْ قُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ، فَنَهَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْكَثِيرَ، وَحَصَرُوا حِصْنَ وَادِي ابْنِ الْأَحْمَرِ فَمَلَكُوهُ
[ ٩ / ٨٤ ]
عَنْوَةً، وَنَهَبُوا مَا فِيهِ، وَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَوُا الْحَرِيمَ وَالذَّرِّيَّةَ، وَأَسَرُوا الرِّجَالَ فَاشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ بِمَالٍ جَلِيلٍ، وَعَادُوا إِلَى دِمَشْقَ سَالِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ حِصَارِ زَنْكِي مَدِينَةَ حِمْصَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، سَارَ أَتَابَكْ زَنْكِي إِلَى مَدِينَةِ حِمْصَ، وَقَدِمَ إِلَيْهَا صَلَاحُ الدِّينِ مُحَمَّدُ الْيَاغِيسَايِنِيُّ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ مَعَهُ، وَكَانَ ذَا مَكْرٍ وَحِيَلٍ، أَرْسَلَهُ لِيَتَوَصَّلَ مَعَ مَنْ فِيهَا لِيُسَلِّمُوهَا إِلَيْهِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا وَفِيهَا مُعِينُ الدِّينِ أُنُزُ وَهُوَ الْوَالِي عَلَيْهَا وَالْحَاكِمُ فِيهَا، وَهُوَ أَيْضًا أَكْبَرُ أَمِيرٍ بِدِمَشْقَ وَحِمْصَ، أَقْطَاعُهُ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ مَكْرُهُ، فَوَصَلَ حِينَئِذٍ زَنْكِي إِلَيْهَا، وَحَصَرَهَا، وَعَاوَدَ مُرَاسَلَةَ أُنُزَ فِي التَّسْلِيمِ غَيْرَ مَرَّةٍ، تَارَةً بِالْوَعْدِ وَتَارَةً بِالْوَعِيدِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا مِلْكُ صَاحِبِهِ شِهَابِ الدِّينِ، وَأَنَّهَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ، وَلَا يُسَلِّمُهَا إِلَّا عَنْ غَلَبَةٍ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ وَرَحَلَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ غَرَضٍ إِلَى بَعْرِينَ (فَحَصَرَهَا) وَكَانَ مِنْهُ وَمِنَ الْفِرِنْجِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ زَنْكِي قَلْعَةَ بَعْرِينَ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ سَارَ أَتَابَكْ زَنْكِي مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى الشَّامِ، وَحَصَرَ قَلْعَةَ بَعْرِينَ، وَهِيَ تُقَارِبُ مَدِينَةَ حَمَاةَ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ مَعَاقِلِ الْفِرِنْجِ، وَأَحْصَنِهَا، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهَا قَاتَلَهَا وَزَحَفَ إِلَيْهَا، فَجَمَعَ الْفِرِنْجُ فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ، وَسَارُوا فِي قَضِّهِمْ وَقَضِيضِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَقَمَامِصَتِهِمْ وَكُنُودِهِمْ إِلَى أَتَابَكْ زَنْكِي لِيُرَحِّلُوهُ عَنْ بَعْرِينَ، فَلَمْ يَرْحَلْ، وَصَبَرَ لَهُمْ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، وَصَبَرَ
[ ٩ / ٨٥ ]
الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ أَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ، وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاحْتَمَى مُلُوكُهُمْ، وَفُرْسَانُهُمْ بِحِصْنِ بَعْرِينَ لِقُرْبِهِ مِنْهُمْ، فَحَصَرَهُمْ زَنْكِي فِيهِ، وَمَنَعَ عَنْهُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْأَخْبَارَ، فَكَانَ مَنْ بِهِ مِنْهُمْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ أَخْبَارِ بِلَادِهِمْ لِشِدَّةِ ضَبْطِ الطَّرْقِ وَهَيْبَتِهِ عَلَى جُنْدِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْقُسُوسَ وَالرُّهْبَانَ دَخَلُوا بِلَادَ الرُّومِ وَبِلَادَ الْفِرِنْجِ وَمَا وَالَاهَا مُسْتَنْفِرِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَمُوهُمْ أَنَّ زَنْكِي إِنْ أَخَذَ قَلْعَةَ بَعْرِينَ وَمِنْ فِيهَا مِنَ الْفِرِنْجِ مَلَكَ جَمِيعَ بِلَادِهِمْ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إِلَّا قَصْدُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَحِينَئِذٍ اجْتَمَعَتِ النَّصْرَانِيَّةُ، وَسَارُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، وَقَصَدُوا الشَّامَ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَا نَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا زَنْكِي فَإِنَّهُ جَدَّ فِي قِتَالِ الْفِرِنْجِ فَصَبَرُوا، وَقَلَّتْ عَلَيْهِمُ الذَّخِيرَةُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَحَدًا يَقُومُ عَلَيْهِمْ، بَلْ كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ مُلْكَ بَاقِي الشَّامِ، فَلَمَّا قَلَّتِ الذَّخِيرَةُ أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، وَأَذْعَنُوا بِالتَّسْلِيمِ لِيُؤَمِّنَهُمْ وَيَتْرُكَهُمْ يَعُودُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِاجْتِمَاعِ مَنْ بَقِيَ الْفِرِنْجُ، وَوُصُولِ مَنْ قَرُبَ إِلَيْهِمْ، أَعْطَى لِمَنْ فِي الْحِصْنِ الْأَمَانَ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ يَحْمِلُونَهَا إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُمْ، فَخَرَجُوا وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَارَقُوهُ بَلَغَهُمُ اجْتِمَاعُ مَنِ اجْتَمَعَ بِسَبَبِهِمْ، فَنَدِمُوا عَلَى التَّسْلِيمِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وَكَانَ لَا يَصِلُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْأَخْبَارِ أَلْبَتَّةَ؛ فَلِهَذَا سَلَّمُوا.
وَكَانَ زَنْكِي فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ عَلَيْهِمْ قَدْ فَتَحَ الْمَعَرَّةَ وَكَفْرَطَابَ مِنَ الْفِرِنْجِ فَكَانَ أَهْلُهُمَا وَأَهْلُ سَائِرِ الْوِلَايَاتِ الَّتِي بَيْنَ حَلَبَ وَحَمَاةَ مَعَ أَهْلِ بَعْرِينَ فِي الْخِزْيِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ بَيْنَهُمْ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَالنَّهْبُ وَالْقَتْلُ لَا يَزَالُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا مَلَكَهَا أَمِنَ النَّاسُ، وَعَمِرَتِ الْبِلَادُ، وَعَظُمَ دَخَلُهَا، وَكَانَ فَتْحًا مُبِينًا، وَمَنْ رَآهُ عَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِي.
وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَعْدَلِهَا مَا عَمِلَهُ زَنْكِي مَعَ أَهْلِ الْمَعَرَّةِ، فَإِنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا مَلَكُوا الْمَعَرَّةَ كَانُوا قَدْ أَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَهَا زَنْكِي الْآنَ حَضَرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا وَمَعَهُمْ أَعْقَابُ مَنْ هَلَكَ، وَطَلَبُوا أَمْلَاكَهُمْ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ كُتُبَهَا، فَقَالُوا: إِنَّ
[ ٩ / ٨٦ ]
الْفِرِنْجَ أَخَذُوا كُلَّ مَا لَنَا، وَالْكُتُبَ الَّتِي لِلْأَمْلَاكِ فِيهَا.
فَقَالَ: اطْلُبُوا دَفَاتِرَ حَلَبَ، وَكُلَّ مَنْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ عَلَى مِلْكٍ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ، فَفَعَلُوا ذَاكَ، وَأَعَادَ عَلَى النَّاسِ أَمْلَاكَهُمْ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَفْعَالِ وَأَعْدَلِهَا.
ذِكْرُ خُرُوجِ مَلِكِ الرُّومِ مِنْ بِلَادِهِ إِلَى الشَّامِ
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفِرِنْجَ أَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يَسْتَصْرِخُونَ بِهِ، وَيُعَرِّفُونَهُ مَا فَعَلَهُ زَنْكِي فِيهِمْ، وَيَحُثُّونَهُ عَلَى لَحَاقِ الْبِلَادِ قَبْلَ أَنْ تُمْلَكَ وَلَا يَنْفَعَهُ حِينَئِذٍ الْمَجِيءُ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ مُجِدًّا، فَابْتَدَأَ وَرَكِبَ الْبَحْرَ وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ أَنْطَالِيَّةَ، وَهِيَ لَهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَأَرْسَى فِيهَا، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ وُصُولَ الْمَرَاكِبِ الَّتِي فِيهَا أَثْقَالُهُ وَسِلَاحُهُ، فَلَمَّا وَصَلَتْ سَارَ عَنْهَا إِلَى مَدِينَةِ نِيقِيَّةَ وَحَصَرَهَا، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: بَلْ مَلَكَهَا وَسَارَ عَنْهَا إِلَى مَدِينَةِ أَدَنَةَ وَمَدِينَةِ الْمِصِّيصَةِ، وَهُمَا بِيَدِ ابْنِ لِيُونَ الْأَرْمَنِيِّ صَاحِبِ قِلَاعِ الدُّرُوبِ فَحَصَرَهُمَا وَمَلَكَهُمَا.
وَرَحَلَ إِلَى عَيْنِ زَرْبَةَ فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَمَلَكَ تَلَّ حَمْدُونَ، وَحَمَلَ أَهْلَهُ إِلَى جَزِيرَةِ قُبْرُسَ، وَعَبَرَ مِينَاءَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَحَصَرَ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا وَبِهَا صَاحِبُهَا الْفِرِنْجِيُّ رِيمُنْدْ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَتَصَالَحَا وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى بُغْرَاصَ، وَدَخَلَ مِنْهَا بَلَدَ ابْنِ لِيُونَ الْأَرْمَنِيِّ، فَبَذَلَ لَهُ ابْنُ لِيُونَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٩ / ٨٧ ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أَيَارَ، ظَهَرَ بِالشَّامِ سَحَابٌ أَسْوَدُ أَظْلَمَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وَصَارَ الْجَوُّ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ثُمَّ طَلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ سَحَابٌ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ نَارٌ أَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ أَلْقَتْ كَثِيرًا مِنَ الشَّجَرِ، وَكَانَ أَشَدُّ ذَلِكَ بِحَوْرَانَ وَدِمَشْقَ، وَجَاءَ بَعْدَهُ مَطَرٌ شَدِيدٌ وَبَرَدٌ كِبَارٌ.
وَفِيهَا عَادَ مُؤَيَّدُ الدِّينِ أَبُو الْفَوَارِسِ الْمُسَيَّبُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصُّوفِيِّ - مِنْ صَرْخَدَ إِلَى دِمَشْقَ.
وَكَانَ قَدْ أُخْرِجَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى صَرْخَدَ، فَبَقُوا فِيهَا إِلَى الْآنَ وَعَادُوا، وَوَلِيَ أَبُو الْفَوَارِسِ الرِّئَاسَةَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ مَحْبُوبًا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَتَمَكَّنَ تَمَكُّنًا عَظِيمًا، وَكَانَ ذَا رِئَاسَةٍ عَظِيمَةٍ وَمُرُوءَةٍ ظَاهِرَةٍ.
وَفِيهَا كَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ بِبَغْدَادَ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ فُجْأَةً بِأَصْفَهَانَ وَهَمَذَانَ.
وَفِيهَا سَارَ أَتَابَكْ زَنْكِي إِلَى دَقُوقَا وَمَلَكَهَا بَعْدَ أَنْ قَاتَلَ عَلَى قَلْعَتِهَا قِتَالًا شَدِيدًا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْفَهَانَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى وَالِدِهِ بِالنِّظَامِيَّةِ بِأَصْفَهَانَ.
وَتُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَرِيرِيُّ، وَمَوْلِدُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ زَوْجِ الْحُرَّةِ.
وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ زَوْجِ الْحُرَّةِ أَيْضًا، وَكَانَتْ وَفَاةُ الْخَطِيبِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
[ ٩ / ٨٨ ]