٥٨١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ الْمَوْصِلَ، وَرَحِيلِهِ عَنْهَا لِوَفَاةِ شَاهْ أَرْمَنْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَوْصِلَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَكَانَ مَسِيرُهُ مِنْ دِمَشْقَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَوَصَلَ إِلَى حَلَبَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ خَرَجَتِ السَّنَةُ، وَسَارَ مِنْهَا فَعَبَرَ إِلَى أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ حَرَّانَ قَبَضَ عَلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ كَوْكَبْرِيِّ بْنِ زَيْنِ الدِّينِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ مُلْكِهِ الدِّيَارَ الْجَزَرِيَّةِ.
وَسَبَبُ قَبْضِهِ عَلَيْهِ أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ كَانَ يُرَاسِلُ صَلَاحَ الدِّينِ كُلَّ وَقْتٍ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِقَصْدِ الْمَوْصِلِ، وَيُحَسِّنُ لَهُ ذَلِكَ وَيُقَوِّي طَمَعَهُ، حَتَّى إِنَّهُ بَذَلَ لَهُ، إِذَا سَارَ إِلَيْهَا، خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى حَرَّانَ، لَمْ يَفِ لَهُ بِمَا بَذَلَ مِنَ الْمَالِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَوَكَّلَ بِهِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ.
وَأَعَادَ إِلَيْهِ مَدِينَتِي حَرَّانَ وَالرُّهَا، وَكَانَ قَدْ أَخَذَهُمَا مِنْهُ وَإِنَّمَا أَطْلَقَهُ لِأَنَّهُ خَافَ انْحِرَافَ النَّاسِ عَنْهُ بِالْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عَلِمُوا بِمَا اعْتَمَدَهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ مَعَهُ مِنْ تَمْلِيكِهِ الْبِلَادَ فَأَطْلَقَهُ.
وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ حَرَّانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ عَسَاكِرُ الْحِصْنِ، وَدَارَا، وَمُعِزُّ الدِّينِ سَنْجَرْ شَاهْ، صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عِزِّ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ فَارَقَ طَاعَةَ عَمِّهِ بَعْدَ قَبْضِ مُجَاهِدِ الدِّينِ، وَسَارَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ.
فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ بَلَدٍ سَيَّرَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ وَالِدَتَهُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَمَعَهَا ابْنَةُ عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زِنْكِيٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ النِّسَاءِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْمُصَالَحَةَ، وَبَذَلُوا لَهُ الْمُوَافَقَةَ، وَالْإِنْجَادَ بِالْعَسَاكِرِ لِيَعُودَ عَنْهُمْ.
وَإِنَّمَا أَرْسَلَهُنَّ لِأَنَّهُ وَكُلَّ مَنْ عِنْدَهُ ظَنُّوا أَنَّهُنَّ إِذَا طَلَبْنَ الشَّامَ أَجَابَهُنَّ إِلَى ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَمَعَهُنَّ ابْنَةُ مَخْدُومِهِ وَوَلِيِّ نِعْمَتِهِ نُورِ الدِّينِ.
فَلَمَّا وَصَلْنَ إِلَيْهِ أَنْزَلَهُنَّ، وَأَحْضَرَ أَصْحَابَهُ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، فَأَشَارَ أَكْثَرُهُمْ بِإِجَابَتِهِنَّ إِلَى مَا طَلَبْنَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ الْفَقِيهُ عِيسَى وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَشْطُوبُ، وَهُمَا مِنْ بَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ
[ ١٠ / ٥ ]
الْمَوْصِلِ: مِثْلُ الْمَوْصِلِ لَا يُتْرَكُ لِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ عِزَّ الدِّينِ مَا أَرْسَلَهُنَّ إِلَّا وَقَدْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ الْبَلَدِ.
وَوَافَقَ ذَلِكَ هَوَاهُ، فَأَعَادَهُنَّ خَائِبَاتٍ، وَاعْتَذَرَ بِأَعْذَارٍ غَيْرِ مَقْبُولَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ إِرْسَالُهُنَّ عَنْ ضَعْفٍ وَوَهْنٍ، إِنَّمَا أَرْسَلَهُنَّ طَلَبًا لِدَفْعِ الشَّرِّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. فَلَمَّا عُدْنَ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَهُوَ كَالْمُتَيَقِّنِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَلَدَ، وَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَارَبَ الْبَلَدَ نَزَلَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهُ، وَامْتَدَّ عَسْكَرُهُ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ بِنَوَاحِي الْحِلَّةِ الْمَرَاقِيَّةِ، وَكَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ مُنَاوَشَاتٌ بِظَاهِرِ الْبَابِ الْعِمَادِيِّ.
وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ بِالْمَوْصِلِ، وَبَذَلَ الْعَامَّةُ نُفُوسَهُمْ غَيْظًا وَحَنَقًا لِرَدِّهِ النِّسَاءَ، فَرَأَى صَلَاحُ الدِّينِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْسَبُهُ، فَنَدِمَ عَلَى رَدِّهِ النِّسَاءَ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ، حَيْثُ فَاتَهُ حُسْنُ الذِّكْرِ وَمُلْكُ الْبَلَدِ، وَعَادَ عَلَى الَّذِينَ أَشَارُوا بِرَدِّهِنَّ بِاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ.
وَجَاءَتْهُ كُتُبُ الْقَاضِي الْفَاضِلِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ هَوًى فِي الْمَوْصِلِ يُقَبِّحُونَ فِعْلَهُ وَيُنْكِرُونَهُ، وَأَتَاهُ وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ زَيْنُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبُ إِرْبِلَ، فَأَنْزَلَهُ وَمَعَهُ أَخُوهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ كَوْكَبْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْمَوْصِلِ.
وَسَيَّرَ مِنَ الْمَنْزَلَةِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْمَشْطُوبَ الْهَكَّارِيَّ إِلَى قَلْعَةِ الْجُدَيْدَةِ مِنْ بَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ، فَحَصَرَهَا وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْهَكَارِيَّةِ كَثِيرٌ، وَبَقِيَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنِ الْمَوْصِلِ.
وَكَانَ عَامَّةُ الْمَوْصِلِ يَعْبُرُونَ دِجْلَةَ فَيُقَاتِلُونَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْعَسْكَرِ وَيَعُودُونَ، وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يُحَاصِرُ الْمَوْصِلَ بَلَغَ أَتَابِكْ عِزَّ الدِّينِ صَاحِبَهَا أَنَّ نَائِبَهُ بِالْقَلْعَةِ زَلْفَنْدَارَ يُكَاتِبُهُ، فَمَنَعَهُ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى الْقَلْعَةِ وَعَادَ يَقْتَدِي بِرَأْيِ مُجَاهِدِ الدِّينِ، وَكَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وَضَبَطَ الْأُمُورَ، وَأَصْلَحَ مَا كَانَ فَسَدَ مِنَ الْأَحْوَالِ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى الصُّلْحِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَحَضَرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ إِنْسَانٌ بَغْدَادِيٌّ أَقَامَ بِالْمَوْصِلِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى صَلَاحِ
[ ١٠ / ٦ ]
الدِّينِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ دِجْلَةَ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى نَاحِيَةِ نِينَوَى، وَقَالَ: إِنَّ دِجْلَةَ إِذَا نُقِلَتْ عَنِ الْمَوْصِلِ عَطِشَ أَهْلُهَا فَمَلَكْنَاهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَظَنَّ صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّ قَوْلَهُ صِدْقٌ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ تَطُولُ، وَالتَّعَبَ يَكْثُرُ، وَلَا فَائِدَةَ وَرَاءَهُ، وَقَبَّحَهُ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ.
وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ مِنْ أَوَّلِ رَبِيعٍ الْآخَرِ إِلَى أَنْ قَارَبَ آخِرُهُ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى مَيَّافَارِقِينَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَاهْ أَرْمَنْ، صَاحِبَ خِلَاطَ، تُوُفِّيَ بِهَا تَاسِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ بِوَفَاتِهِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ فَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهَا وَتَمَلُّكِهَا، حَيْثُ إِنَّ شَاهْ أَرْمَنْ لَمْ يُخْلِفْ وَلَدًا وَلَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَمْلِكُ بِلَادَهُ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مَمْلُوكٌ لَهُ اسْمُهُ بُكْتُمُرْ وَلَقَبُهُ سَيْفُ الدِّينِ.
فَاسْتَشَارَ صَلَاحُ الدِّينِ أُمَرَاءَهُ وَوُزَرَاءَهُ، فَاخْتَلَفُوا، فَأَمَّا مَنْ هَوَاهُ بِالْمَوْصِلِ فَيُشِيرُ بِالْمُقَامِ وَمُلَازِمَةِ الْحِصَارِ لَهَا، وَأَمَّا مَنْ يَكْرَهُ أَذَى الْبَيْتِ الْأَتَابِكِيِّ فَإِنَّهُ أَشَارَ بِالرَّحِيلِ، وَقَالَ: إِنَّ وِلَايَةَ خِلَاطَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، وَهِيَ سَائِبَةٌ لَا حَافِظَ لَهَا، وَهَذِهِ لَهَا سُلْطَانٌ يَحْفَظُهَا وَيَذُبُّ عَنْهَا، وَإِذَا مَلَكْنَا تِلْكَ سَهُلَ أَمْرُ هَذِهِ وَغَيْرِهَا، فَتَتَرَدَّدَ فِي أَمْرِهِ.
فَاتُّفِقَ أَنَّهُ جَاءَهُ كُتُبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ خِلَاطَ، مِنْ أَهْلِهَا وَأُمَرَائِهَا، يَسْتَدْعُونَهُ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَسَارَ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَتْ مُكَاتَبَةُ مَنْ كَاتَبَهُ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، فَإِنَّ شَمْسَ الدِّينِ الْبَهْلَوَانَ بْنَ إِيلْدِكَزْ، صَاحِبَ أَذْرَبِيجَانَ وَهَمَذَانَ وَتِلْكَ الْمَمْلَكَةِ، قَدْ قَصَدَهُمْ لِيَأْخُذَ الْبِلَادَ مِنْهُمْ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ زَوَّجَ شَاهْ أَرْمَنْ، عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ، بِنْتًا لَهُ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى مُلْكِ خِلَاطَ وَأَعْمَالِهَا.
فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُ إِلَيْهِمْ كَاتَبُوا صَلَاحَ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ لِيَدْفَعُوا بِهِ الْبَهْلَوَانَ وَيَدْفَعُوهُ بِالْبَهْلَوَانِ، وَيَبْقَى الْبَلَدُ بِأَيْدِيهِمْ، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ وَسَيَّرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ ابْنَ عَمِّهِ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ شِيرِكُوهُ، وَمُظَفَّرَ الدِّينِ بْنَ زَيْنِ الدِّينِ وَغَيْرَهُمَا.
فَسَارُوا إِلَى خِلَاطَ، وَنَزَلُوا بِطُوَانَةَ بِالْقُرْبِ مِنْ خِلَاطَ، وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَأَمَّا الْبَهْلَوَانُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى خِلَاطَ، وَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا، وَتَرَدَّدَتْ رُسُلُ أَهْلِ خِلَاطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَصْلَحُوا أَمْرَهُمْ مَعَ الْبَهْلَوَانِ، وَصَارُوا مِنْ حِزْبِهِ وَخَطَبُوا لَهُ.
[ ١٠ / ٧ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْحِصْنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَا أَرْسَلَانَ بْنِ دَاوُدَ، صَاحِبُ الْحِصْنِ وَآمِدَ، لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَمَلَّكَ الْأَكْبَرَ مِنْهُمَا وَاسْمُهُ سُقْمَانُ، وَلَقَبُهُ قُطْبُ الدِّينِ، وَتَوَلَّى تَدْبِيرَ الْأُمُورِ وَزِيرُهُ الْقَوَّامُ بْنُ سُمَاقَا الْأَسْعَرْدِيُّ.
وَكَانَ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ قُرَا أَرْسَلَانَ قَدْ سَيَّرَهُ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ يُحَاصِرُ الْمَوْصِلَ، وَهُوَ مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ وَفَاةِ أَخِيهِ سَارَ لِيَمْلِكَ الْبِلَادَ بَعْدَهُ لِصِغَرِ أَوْلَادِهِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى خَرَّتْ بَرَّتْ فَمَلَكَهَا، وَهِيَ بَيَدِ أَوْلَادِهِ إِلَى سَنَةِ عِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَلَمَّا حَصَرَ صَلَاحُ الدِّينِ مَيَّافَارِقِينَ حَضَرَ عِنْدَهُ وَلَدُ نُورِ الدِّينِ فَأَقَرَّهُ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ آمِدُ، وَكَانُوا خَافُوا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاجِعُوهُ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ، وَيَصْدُرُوا عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَرَتَّبَ مَعَهُ أَمِيرًا لَقَبُهُ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ مَيَّافَارِقِينَ
لَمَّا سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى خِلَاطَ جُعِلَ طَرِيقُهُ عَلَى مَيَّافَارِقِينَ مَطْمَعَ مَلِكِهَا، حَيْثُ كَانَ صَاحِبُهُ قُطْبُ الدِّينِ، صَاحِبُ مَارْدِينَ، قَدْ تُوُفِّيَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، وَهُوَ طِفْلٌ، وَكَانَ حُكْمُهَا إِلَى شَاهْ أَرْمَنْ، وَعَسْكَرُهُ فِيهَا.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ طَمِعَ فِي أَخْذِهَا، فَلَمَّا نَازَلَهَا رَآهَا مَشْحُونَةً بِالرِّجَالِ، وَبِهَا زَوْجَةُ قُطْبِ الدِّينِ الْمُتَوَفَّى، وَمَعَهَا بَنَاتٌ لَهَا مِنْهُ، وَهِيَ أُخْتُ نُورِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ الْحِصْنِ، فَأَقَامَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَيْهَا يَحْصُرُهَا مِنْ أَوَّلِ جُمَادَى الْأُولَى.
وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَجْنَادِهَا أَمِيرًا اسْمُهُ يَرْنُقُشْ، وَلَقَبُهُ أَسَدُ الدِّينِ، وَكَانَ شُجَاعًا شَهْمًا، يَحْفَظُ الْبَلَدَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِ وَنُصِبَتِ الْمَجَانِيقُ
[ ١٠ / ٨ ]
وَالْعَرَادَاتُ، فَلَمْ يَصِلْ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْهَا.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الْقُوَّةِ وَالْحَرْبِ إِلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَرَاسَلَ امْرَأَةَ قُطْبِ الدِّينِ الْمُقِيمَةِ بِالْبَلَدِ يَقُولُ لَهَا: إِنَّ أَسَدَ الدِّينِ يَرْنَقُشْ قَدْ مَالَ إِلَيْنَا فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ وَنَحْنُ نَرْعَى حَقَّ أَخِيهِ نُورِ الدِّينِ فِيكِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَنُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَكِ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبٌ، وَأَنَا أُزَوِّجُ بَنَاتِكِ بِأَوْلَادِي وَتَكُونُ مَيَّافَارِقِينَ وَغَيْرُهَا لَكِ وَبِحُكْمِكِ.
وَوَضَعَ مَنْ أَرْسَلَ إِلَى أَسَدٍ يُعَرِّفُهُ أَنَّ الْخَاتُونَ قَدْ مَالَتْ لِلْمُقَارَبَةِ وَالِانْقِيَادِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَأَنَّ مَنْ بِخِلَاطَ قَدْ كَاتَبُوهُ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ.
وَاتَّفَقَ أَنَّ رَسُولًا وَصَلَهُ مِنْ خِلَاطَ، يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَقَالُوا لَهُ مِنَ الِاسْتِدْعَاءِ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ، فَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ الرَّسُولَ، فَدَخَلَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، وَقَالَ لِأَسَدٍ: أَنْتَ عَمَّنْ تُقَاتِلُ، وَأَنَا قَدْ جِئْتُ فِي تَسْلِيمِ خِلَاطَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ! فَسُقِطَ فِي يَدِهِ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ.
وَأَرْسَلَ يَقْتَرِحُ أَقْطَاعًا وَمَالًا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَ الْبَلَدَ سَلْخَ جُمَادَى الْأُولَى، وَعَقَدَ النِّكَاحَ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِ الْخَاتُونِ، وَأَقَرَّ بِيَدِهَا قَلْعَةَ الْهَتَّاخِ لِتَكُونَ فِيهَا هِيَ وَبَنَاتُهَا.
ذِكْرُ عَوْدِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى بَلَدِ الْمَوْصِلِ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَتَابِكْ عِزِّ الدِّينِ
لَمَّا فَرَغَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ أَمْرِ مَيَّافَارِقِينَ، وَأَحْكَمَ قَوَاعِدَهَا، وَقَرَّرَ إِقْطَاعَاتِهَا وَوِلَايَاتِهَا فَوَصَلَ إِلَى كَفْرِ زَمَّارٍ، أَجْمَعَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَسَارَ نَحْوَهَا، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى نَصِيبِينِ، فَوَصَلَ إِلَى كَفْرِ زَمَّارٍ، وَالزَّمَانُ شِتَاءٌ.
فَنَزَلَهَا فِي عَسَاكِرِهِ، وَعَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ بِهَا وَإِقْطَاعِ جَمِيعِ بِلَادِ الْمَوْصِلِ، وَأَخْذِ غِلَالِهَا وَدَخْلِهَا، وَإِضْعَافِ الْمَوْصِلِ بِذَلِكَ، إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهَا، وَكَانَ نُزُولُهُ فِي شَعْبَانَ، وَأَقَامَ بِهَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِزِّ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَصَارَ مُجَاهِدُ الدِّينِ يُرَاسِلُ وَيَتَقَرَّبُ،
[ ١٠ / ٩ ]
وَكَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ سَائِرِ الْمُلُوكِ لِمَا عَلِمُوا مِنْ صِحَّتِهِ.
فَبَيْنَمَا الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ فِي الصُّلْحِ، إِذْ مَرِضَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَسَارَ مَنْ كَفْرِ زَمَّارٍ عَائِدًا إِلَى حَرَّانَ، فَلَحِقَهُ الرُّسُلُ بِالْإِجَابَةِ إِلَى مَا طَلَبَ، فَتَقَرَّرَ الصُّلْحُ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ عِزُّ الدِّينِ شَهْرَزُورُ وَأَعْمَالَهَا وَوِلَايَةَ الْقَرَابْلِيِّ، وَجَمِيعَ مَا وَرَاءَ الزَّابِّ مِنَ الْأَعْمَالِ.
وَأَنْ يُخْطَبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِ بِلَادِهِ، وَيُضْرَبَ اسْمُهُ عَلَى السِّكَّةِ، فَلَمَّا حَلَفَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ فَحَلَفَ عِزُّ الدِّينِ لَهُ، وَتَسَلَّمُوا الْبِلَادَ الَّتِي اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى تَسْمِيَتِهَا.
وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى حَرَّانَ، فَأَقَامَ بِهَا مَرِيضًا، وَأَمِنَتِ الدُّنْيَا، وَسَكَنَتِ الدَّهْمَاءُ، وَانْحَسَمَتْ مَادَّةُ الْفِتَنِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِتَوَصُّلِ مُجَاهِدِ الدِّينِ قَايْمَازْ، ﵀.
وَأَمَّا صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ طَالَ مَرَضُهُ بِحَرَّانَ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَخُوهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ، وَلَهُ حِينَئِذٍ حَلَبُ، وَوَلَدُهُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أَيِسُوا مِنْ عَافِيَتِهِ، فَحَلَفَ النَّاسُ لِأَوْلَادِهِ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْبِلَادِ مَعْلُومًا، وَجَعَلَ أَخَاهُ الْعَادِلَ وَصِيًّا عَلَى الْجَمِيعِ، ثُمَّ إِنَّهُ عُوفِيَ وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَلَمَّا كَانَ مَرِيضًا بِحَرَّانَ كَانَ عِنْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شِيرِكُوهُ، وَلَهُ مِنَ الْأَقْطَاعِ حِمْصُ وَالرَّحْبَةُ، فَسَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى حِمْصَ، فَاجْتَازَ بِحَلَبَ وَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَحْدَاثِهَا وَأَعْطَاهُمْ مَالًا، وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حِمْصَ رَاسَلَ جَمَاعَةً مِنَ الدِّمَشْقِيِّينَ وَوَاعَدَهُمْ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ إِذَا مَاتَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَأَقَامَ بِحِمْصَ يَنْتَظَرُ مَوْتَهُ لِيَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ فَيَمْلِكَهَا، فَعُوفِيَ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ عَلَى جِهَتِهِ.
فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى مَاتَ ابْنُ شِيرِكُوهُ لَيْلَةَ عِيدِ الْأَضْحَى فَإِنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا، فَأَصْبَحَ مَيِّتًا، فَذَكَرُوا، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِمْ، أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ وَضَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانًا يُقَالُ لَهُ النَّاصِحُ بْنُ الْعَمِيدِ، وَهُوَ مِنْ دِمَشْقَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَنَادَمَهُ وَسَقَاهُ سُمًّا.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ لَمْ يَرَوُا النَّاصِحَ، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ سَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا قَوَّى الظَّنَّ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَعْطَى أَقْطَاعَهُ لِوَلَدِهِ شِيرِكُوهُ، وَعُمُرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَخَلَّفَ نَاصِرَ الدِّينِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَيْلِ وَالْآلَاتِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَحَضَرَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي حِمْصَ وَاسْتَعْرَضَ تَرِكَتَهُ، وَأَخَذَ أَكْثَرَهَا وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ.
[ ١٠ / ١٠ ]
وَبَلَغَنِي أَنَّ شِيرِكُوهُ بْنَ نَاصِرِ الدِّينِ حَضَرَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ بَلَغْتَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] فَعَجِبَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْحَاضِرُونَ مِنْ ذَكَائِهِ.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ التُّرْكُمَانِ، وَالْأَكْرَادِ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَدَأَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ التُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَخِلَاطَ، وَالشَّامِ، وَشَهْرَزُورَ، وَأَذْرَبِيجَانَ،، وَقُتِلَ فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى، وَدَامَتْ عِدَّةَ سِنِينَ، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ، وَنُهِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُرِيقَتِ الدِّمَاءُ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ امْرَأَةً مِنَ التُّرْكُمَانِ تَزَوَّجَتْ بِإِنْسَانٍ تُرْكُمَانِيٍّ، وَاجْتَازُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِقَلْعَةٍ مِنَ الزَّوْزَانِ لِلْأَكْرَادِ، فَجَاءَ أَهْلُهَا وَطَلَبُوا مِنَ التُّرْكُمَانِ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ كَلَامٌ صَارُوا مِنْهُ إِلَى الْقِتَالِ، فَنَزَلَ صَاحِبُ تِلْكَ الْقَلْعَةِ فَأَخَذَ الزَّوْجَ فَقَتَلَهُ، فَهَاجَتِ الْفِتْنَةُ، وَقَامَ التُّرْكُمَانُ عَلَى سَاقٍ، وَقَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْأَكْرَادِ، وَثَارَ الْأَكْرَادُ فَقَتَلُوا مِنَ التُّرْكُمَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ وَدَامَ.
ثُمَّ إِنَّ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازْ، ﵀، جَمَعَ عِنْدِهِ جَمْعًا مِنْ رُؤَسَاءِ الْأَكْرَادِ وَالتُّرْكُمَانِ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَأَعْطَاهُمُ الْخِلَعَ وَالثِّيَابَ وَغَيْرَهَا، وَأَخْرَجَ عَلَيْهِمْ مَالًا جَمًّا، فَانْقَطَعَتِ الْفِتْنَةُ وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهَا، وَعَادَ النَّاسُ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْأَمَانِ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمُلَثَّمِينَ وَالْعَرَبِ إِفْرِيقِيَةَ وَعَوْدِهَا إِلَى الْمُوَحِّدِينَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانِينَ مُلْكَ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ بِجَايَةَ، وَإِرْسَالَ يَعْقُوبَ بْنِ
[ ١٠ / ١١ ]
يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، صَاحِبِ الْمَغْرِبِ، الْعَسَاكِرَ وَاسْتِعَادَتَهَا، فَسَارَ عَلِيٌّ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا اجْتَمَعَ سُلَيْمٌ وَرِيَاحٌ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ الْعَرَبِ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمُ التُّرْكُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا مِنْ مِصْرَ مَعَ قَرَاقُوشَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وُصُولِهِ إِلَيْهَا.
وَدَخَلَ أَيْضًا مِنْ أَتْرَاكِ مِصْرَ مَمْلُوكٌ لِتَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، اسْمُهُ بَوَزَّابَةُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ مَبْلَغًا كَثِيرًا وَكُلُّهُمْ كَارِهٌ لِدَوْلَةِ الْمُوَحِّدِينَ.
وَاتَّبَعُوا جَمِيعُهُمْ عَلِيَّ بْنَ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمَ، لِأَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ وَالرِّيَاسَةِ الْقَدِيمَةِ، وَانْقَادُوا إِلَيْهِ، وَلَقَّبُوهُ بِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَصَدُوا بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ فَمَلَكُوهَا جَمِيعَهَا شَرْقًا وَغَرْبًا إِلَّا مَدِينَتَيْ تُونُسَ وَالْمَهْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُوَحِّدِينَ أَقَامُوا بِهِمَا، وَحَفِظُوهُمَا عَلَى خَوْفٍ وَضِيقٍ وَشِدَّةٍ.
وَانْضَافَ إِلَى الْمُفْسِدِ الْمُلَثَّمِ كُلُّ مُفْسِدٍ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ، وَمَنْ يُرِيدُ الْفِتْنَةَ وَالنَّهْبَ وَالْفَسَادَ وَالشَّرَّ، فَخَرَّبُوا الْبِلَادَ وَالْحُصُونَ وَالْقُرَى، وَهَتَكُوا الْحُرُمَ، وَقَطَّعُوا الْأَشْجَارَ.
وَكَانَ الْوَالِي عَلَى إِفْرِيقِيَةَ حِينَئِذٍ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْهِنْتَانِيُّ وَهُوَ بِمَدِينَةِ تُونُسَ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْمَغْرِبِ يَعْقُوبَ وَهُوَ بِمَرَّاكُشَ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، وَقَصَدَ الْمُلَثَّمُ جَزِيرَةَ بَاشَرَا، وَهِيَ بِقُرْبِ تُونُسَ، تَشْتَمِلُ عَلَى قُرًى كَثِيرَةٍ، فَنَازَلَهَا وَأَحَاطَ بِهَا، فَطَلَبَ أَهْلُهَا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ.
فَلَمَّا دَخَلَهَا الْعَسْكَرُ نَهَبُوا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَلَّاتِ، وَسَلَبُوا النَّاسَ حَتَّى أَخَذُوا ثِيَابَهُمْ، وَامْتَدَّتِ الْأَيْدِي إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَتَرَكُوهُمْ هَلْكَى، فَقَصَدُوا مَدِينَةَ تُونُسَ، فَأَمَّا الْأَقْوِيَاءُ فَكَانُوا يَخْدُمُونَ وَيَعْمَلُونَ مَا يَقُومُ بِقُوَّتِهِمْ، وَأَمَّا الضُّعَفَاءُ فَكَانُوا يَسْتَعْطُونَ وَيَسْأَلُونَ النَّاسَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصْلُ الشِّتَاءِ، فَأَهْلَكَهُمُ الْبَرْدُ، وَوَقَعَ فِيهِمُ الْوَبَاءُ
فَأُحْصِيَ الْمَوْتَى مِنْهُمْ فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، هَذَا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَمَا الظَّنُّ بِالْبَاقِي؟
وَلَمَّا اسْتَوْلَى الْمُلَثَّمُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ قَطَعَ خُطْبَةَ أَوْلَادِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَخَطَبَ لِلْإِمَامِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ الْخِلَعَ وَالْأَعْلَامَ السُّودَ.
وَقَصَدَ
[ ١٠ / ١٢ ]
فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] مَدِينَةَ قَفْصَةَ فَحَصَرَهَا، فَأَخْرَجَ أَهْلَهَا الْمُوَحِّدِينَ مِنْ عَسَاكِرِ وَلَدِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَسَلَّمُوهَا إِلَى الْمُلَثَّمِ، فَرَتَّبَ فِيهَا جُنْدًا مِنَ الْمُلَثَّمِينَ وَالْأَتْرَاكِ، وَحَصَّنَهَا بِالرِّجَالِ مَعَ حَصَانَتِهَا فِي الْبِنَاءِ.
وَأَمَّا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَهُ الْخَبَرُ اخْتَارَ مِنْ عَسَاكِرِهِ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَقَصَدَ قِلَّةَ الْعَسْكَرِ لِقِلَّةِ الْقُوتِ فِي الْبِلَادِ، وَلِمَا جَرَى فِيهَا مِنَ التَّخْرِيبِ وَالْأَذَى، وَسَارَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَوَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ تُونُسَ، وَأَرْسَلَ سِتَّةَ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ ابْنِ أَخِيهِ، فَسَارُوا إِلَى عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ لِيُقَاتِلُوهُ، وَكَانَ بِقَفْصَةَ، فَوَافَوْهُ، وَكَانَ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّرْكِ، فَخَامَرُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الْمُوَحِّدُونَ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ.
فَلَمَّا بَلَغَ يَعْقُوبَ الْخَبَرُ أَقَامَ بِمَدِينَةِ تُونُسَ إِلَى نِصْفِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ، ثُمَّ خَرَجَ فَيَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ يَطْلُبُ الْمُلَثَّمَ وَالْأَتْرَاكَ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ قَابِسٍ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُلَثَّمُ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَكْثَرَ الْمُوَحِّدُونَ الْقَتْلَ حَتَّى كَادُوا يُفْنُونَهُمْ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَقَصَدُوا الْبَرَّ.
وَرَجَعَ يَعْقُوبُ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى قَابِسٍ فَفَتَحَهَا، وَأَخَذَ مِنْهَا قَرَاقُوشَ وَأَوْلَادَهُ وَحَمَلَهُمْ إِلَى مَرَّاكُشَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَدِينَةِ قَفْصَةَ فَحَصَرَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقَطَّعَ أَشْجَارَهَا، وَخَرَّبَ مَا حَوْلَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ التُّرْكُ الَّذِينَ فِيهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِ الْبَلَدِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَخَرَجَ الْأَتْرَاكُ مِنْهَا سَالِمِينَ، وَسَيَّرَ الْأَتْرَاكَ إِلَى الثُّغُورِ لِمَا رَأَى مِنْ شَجَاعَتِهِمْ وَنِكَايَتِهِمْ فِي الْعَدُوِّ، وَتَسَلَّمَ يَعْقُوبُ الْبَلَدَ، وَقَتَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، وَهَدَمَ أَسْوَارَهُ، وَتَرَكَ الْمَدِينَةِ مِثْلَ قَرْيَةٍ، وَظَهَرَ مَا أَنْذَرَ بِهِ الْمَهْدِيُّ بْنُ تُومَرْتَ، فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّهَا تُخَرَّبُ أَسْوَارُهَا وَتُقَطَّعُ أَشْجَارُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
فَلَمَّا فَرَغَ يَعْقُوبُ مِنْ أَمْرِ قَفْصَةَ، وَاسْتَقَامَتْ إِفْرِيقِيَّةُ عَادَ إِلَى مَرَّاكُشَ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَارَقَ الرَّضِيُّ أَبُو الْخَيْرِ إِسْمَاعِيلُ الْقَزْوِينِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ،
[ ١٠ / ١٣ ]
وَكَانَ مُدَرِّسَ النِّظَامِيَّةِ بِهَا، وَعَادَ إِلَى قَزْوِينَ، وَدَرَسَ فِيهَا بَعْدَهُ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمُبَارَكُ صَاحِبُ ابْنِ الْخَلِّ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ.
وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ بِبَغْدَادَ وَبَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ جُرِحَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقُتِلَ، ثُمَّ أَصْلَحَ النَّقِيبُ الظَّاهِرُ بَيْنَهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ مُهَذَّبُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْعَدَ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ عَالِمًا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ وَنَثْرٌ أَجَادَ فِيهِ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِحِمْصَ.
[ ١٠ / ١٤ ]