(٥٥١)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ عِصْيَانِ الْجَزَائِرِ وَإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَوْتَ رُجَّارَ مَلِكِ صِقِلِّيَةَ وَمُلْكَ وَلَدِهِ غُلْيَالِمَ، وَأَنَّهُ كَانَ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، فَخَرَجَ مِنْ حُكْمِهِ عِدَّةٌ مِنْ حُصُونِ صِقِلِّيَةَ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ قَوِيَ طَمَعُ النَّاسِ فِيهِ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ جَزِيرَةُ جَرْبَةَ وَجَزِيرَةُ قَرْقَنَّةَ، وَأَظْهَرُوا الْخِلَافَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفُرِّيَانِيُّ بِمَدِينَةِ سَفَاقُسَ، وَكَانَ رُجَّارُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا، لَمَّا فَتَحَهَا أَبَاهُ أَبَا الْحَسَنِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، فَأَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالضَّعْفَ وَقَالَ: اسْتَعْمِلْ وَلَدِي ; فَاسْتَعْمَلَهُ، وَأَخَذَ أَبَاهُ رَهِينَةً إِلَى صِقِلِّيَةَ.
فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَيْهَا قَالَ لِوَلَدِهِ عُمَرَ: إِنَّنِي كَبِيرُ السِّنِّ، وَقَدْ قَارَبَ أَجَلِي، فَمَتَى أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فِي الْخِلَافِ عَلَى الْعَدُوِّ فَافْعَلْ، وَلَا تُرَاقِبْهُمْ، وَلَا تَنْظُرْ فِي أَنَّنِي أُقْتَلُ وَاحْسَبْ أَنِّي قَدْ مُتُّ ; فَلَمَّا وَجَدَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ دَعَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْخِلَافِ وَقَالَ: يَطْلُعُ جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ إِلَى السُّورِ، وَجَمَاعَةٌ يَقْصِدُونَ مَسَاكِنَ الْفِرِنْجِ وَالنَّصَارَى جَمِيعِهِمْ، وَيَقْتُلُونَهُمْ كُلَّهُمْ. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ سَيِّدَنَا الشَّيْخَ وَالدَكَ نَخَافُ عَلَيْهِ. قَالَ: هُوَ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِذَا قُتِلَ بِالشَّيْخِ أُلُوفٌ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَمَا مَاتَ ; فَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتَّى قَتَلُوا
[ ٩ / ٢٢٣ ]
الْفِرِنْجَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ثُمَّ اتَّبَعَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَطْرُوحٍ بِطَرَابُلُسَ وَبَعْدَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ رَشِيدٍ بِقَابِسَ، وَسَارَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى بُونَةَ فَمَلَكَهَا وَخَرَجَ جَمِيعُ إِفْرِيقِيَّةَ عَنْ حُكْمِ الْفِرِنْجِ مَا عَدَا الْمَهْدِيَّةَ وَسْوَسَةَ.
وَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ [أَبِي] الْحُسَيْنِ إِلَى زَوِيلَةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ نَحْوُ مَيْدَانٍ، يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَى مَنْ مَعَهُمْ فِيهَا مِنَ النَّصَارَى، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقِدَمَ عَرَبُ الْبِلَادِ إِلَى زَوِيلَةَ، فَأَعَانُوا أَهْلَهَا عَلَى مَنْ بِالْمَهْدِيَّةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَقَطَعُوا الْمِيرَةَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ.
فَلَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِغُلْيَالِمَ مَلِكِ صِقِلِّيَةَ أَحْضَرَ أَبَا الْحُسَيْنِ وَعَرَّفَهُ مَا عَمِلَ ابْنُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَأْمُرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيُخَوِّفَهُ عَاقِبَةَ فِعْلِهِ، فَقَالَ: مَنْ قَدِمَ عَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ بِكِتَابٍ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ صِقِلِّيَةَ إِلَيْهِ رَسُولًا يَتَهَدَّدُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِتَرْكِ مَا ارْتَكَبَهُ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ عُمَرُ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ جَمِيعُهُمْ وَمَعَهُمْ جِنَازَةٌ، وَالرَّسُولُ يُشَاهِدُهُمْ، فَدَفَنُوهَا وَعَادُوا، وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى الرَّسُولِ يَقُولُ لَهُ: هَذَا أَبِي قَدْ دَفَنْتُهُ، وَقَدْ جَلَسْتُ لِلْعَزَاءِ بِهِ، فَاصْنَعُوا بِهِ مَا أَرَدْتُمْ.
فَعَادَ الرَّسُولُ إِلَى غُلْيَالِمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَأَخَذَ أَبَاهُ وَصَلَبَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى مَاتَ.
وَأَمَّا أَهْلُ زَوِيلَةَ فَإِنَّهُمْ كَثُرَ جَمْعُهُمْ بِالْعَرَبِ وَأَهْلِ سَفَاقُسَ وَغَيْرِهِمْ، فَحَصَرُوا الْمَهْدِيَّةَ وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ بِالْمَهْدِيَّةِ قَلِيلَةً، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ عَشْرِينَ شِينِيًّا فِيهَا الرِّجَالُ وَالسِّلَاحُ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْعَرَبِ وَبَذَلُوا
[ ٩ / ٢٢٤ ]
لَهُمْ مَالًا لِيَنْهَزِمُوا، وَخَرَجُوا مِنَ الْغَدِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَهْلُ زَوِيلَةَ، فَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ، وَبَقِيَ أَهْلُ زَوِيلَةَ وَأَهْلُ سَفَاقُسَ يُقَاتِلُونَ الْفِرِنْجَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْفِرِنْجُ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ سَفَاقُسَ وَرَكِبُوا فِي الْبَحْرِ فَنَجَوْا، وَبَقِيَ أَهْلُ زَوِيلَةَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ فَانْهَزَمُوا إِلَى زَوِيلَةَ، فَوَجَدُوا أَبْوَابَهَا مُغْلَقَةً، فَقَاتَلُوا تَحْتَ السُّورِ، وَصَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْقَلِيلُ فَتَفَرَّقُوا، وَمَضَى بَعْضُهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ.
فَلَمَّا قُتِلُوا هَرَبَ مَنْ بِهَا مِنَ الْحُرَمِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ فِي الْبَرِّ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَدَخَلَ الْفِرِنْجُ زَوِيلَةَ فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَاسْتَقَرَّ الْفِرِنْجُ بِالْمَهْدِيَّةِ إِلَى أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى سُلَيْمَانَ شَاهْ وَحَبْسِهِ بِالْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ كُوجَكُ نَائِبُ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرْ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، عَلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهِ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ شَاهْ عِنْدَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ قَدِيمًا، وَقَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَخَطَبَ لَهُ فِي مَنَابِر خُرَاسَانَ، فَلَمَّا جَرَى لِسَنْجَرَ مَعَ الْغُزِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ عَلَى عَسْكَرِ خُرَاسَانَ، وَضَعُفُوا عَنِ الْغُزِّ، مَضَى إِلَى خَوَارَزْمَ شَاهْ فَزَوَّجَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ أَقْسِيسَ، ثُمَّ بَلَغَهُ عَنْهُ مَا كَرِهَهُ فَأَبْعَدَهُ، فَجَاءَ إِلَى أَصْفَهَانَ فَمَنَعَهُ شِحْنَتُهَا مِنَ الدُّخُولِ، فَمَضَى إِلَى قَاشَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ شَاهْ ابْنُ أَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَسْكَرًا أَبْعَدُوهُ عَنْهَا، فَسَارَ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَمَنَعَهُ مَلِكْشَاهْ عَنْهَا، فَقَصَدَ اللِّحْفَ وَنَزَلَ الْبَنْدَيْجِينِ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي يُعْلِمُهُ بِوُصُولِهِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ زَوْجَتَهُ تَكُونُ رَهِينَةً، فَأَرْسَلَهَا إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْجَوَارِي وَالْأَتْبَاعِ، وَقَالَ: قَدْ أَرْسَلْتُ هَؤُلَاءِ رَهَائِنَ، فَإِنْ أَذِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دُخُولَ بَغْدَادَ فَعَلْتُ وَإِلَّا رَجَعْتُ.
[ ٩ / ٢٢٥ ]
فَأَكْرَمَ الْخَلِيفَةُ زَوْجَتَهُ وَمَنْ مَعَهَا، وَأَذِنَ فِي الْقُدُومِ وَمَعَهُ عَسْكَرٌ خَفِيفٌ يَبْلُغُونَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، فَخَرَجَ وَلَدُ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ يَلْتَقِيهِ، وَمَعَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ وَالنَّقِيبَانِ، وَلَمْ يَتَرَجَّلْ لَهُ ابْنُ الْوَزِيرِ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَعَلَى رَأْسِهِ الشِّمْسَةُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ دَخَلَ الْمُحَرَّمُ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فَأُحْضِرَ فِيهِ سُلَيْمَانُ شَاهْ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَأُحْضِرَ قَاضِي الْقُضَاةِ وَالشُّهُودُ وَأَعْيَانُ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَحَلَفَ لِلْخَلِيفَةِ عَلَى النُّصْحِ وَالْمُوَافَقَةِ وَلُزُومِ الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى الْعِرَاقِ بِحَالٍ.
فَلَمَّا حَلَفَ خُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ وَلُقِّبَ أَلْقَابَ أَبِيهِ غِيَاثِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَبَاقِي أَلْقَابِهِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ خِلَعُ السَّلْطَنَةِ، وَسُيِّرَ مَعَهُ مِنْ عَسْكَرِ بَغْدَادَ ثَلَاثَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَجُعِلَ الْأَمِيرُ قُوَيْدَانُ صَاحِبُ الْحِلَّةِ أَمِيرَ حَاجِبٍ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ الْجَبَلِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَسَارَ الْخَلِيفَةُ إِلَى حُلْوَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكْشَاهِ ابْنِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ أَخِي السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا يَدْعُوهُ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، فَقَدِمَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَحَلَفَ كُلُّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَجُعِلَ مَلِكْشَاهْ وَلِيَ عَهْدِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، وَقَوَّاهُمَا الْخَلِيفَةُ بِالْمَالِ وَالْأَسْلِحَةِ وَغَيْرِهَا، فَسَارُوا وَاجْتَمَعُوا هُمْ وَإِيلْدِكْزُ، فَصَارُوا فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ.
فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ خَبَرَهُمْ أَرْسَلَ إِلَى قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَنَائِبِهِ زَيْنِ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُمَا الْمُسَاعَدَةَ وَالْمُعَاضَدَةَ، وَيَبْذُلُ لَهُمَا الْبَذُولَ الْكَثِيرَةَ إِنْ ظَفِرَ، فَأَجَابَاهُ إِلَى ذَلِكَ وَوَافَقَا، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَسَارَ إِلَى لِقَاءِ سُلَيْمَانْ شَاهْ وَمَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مِنْ عَسَاكِرِهِ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ شَاهْ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَشَتَّتَ الْعَسْكَرُ وَوَصَلَ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ - وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافِ رَجُلٍ - نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا
[ ٩ / ٢٢٦ ]
أُخِذَتْ خُيُولُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَتَشَتَّتُوا، وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ.
وَفَارَقَ سَلِيمَانُ شَاهْ إِيلْدِكْزَ وَسَارَ نَحْوَ بَغْدَادَ عَلَى شَهْرَزَوْرَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ بِشَهْرَزَوْرَ الْأَمِيرُ بَزَّانُ مُقْطِعًا لَهَا مِنْ جِهَةِ زَيْنِ الدِّينِ، فَخَرَجَ زَيْنُ الدِّينِ وَسَارَ، فَوَقَفَا عَلَى طَرِيقِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، فَأَخَذَاهُ أَسِيرًا، وَحَمَلَهُ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ وَحَبَسَهُ بِهَا مُكَرَّمًا مُحْتَرَمًا، إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا قُبِضَ سُلَيْمَانُ شَاهْ أَرْسَلَ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَوَعَدَهُ الْمُعَاضَدَةَ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ مِنْهُ.
ذِكْرُ حَصْرِ نُورِ الدِّينِ قَلْعَةَ حَارِمَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ الزَّنْكِي إِلَى قَلْعَةِ حَارِمَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، ثُمَّ لِبَيْمُنْدَ، صَاحِبِ أَنْطَاكِيَةَ، وَهِيَ تُقَارِبُ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ شَرْقِيِّهَا، وَحَصَرَهَا وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَهِيَ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ فِي نُحُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ مَنْ قُرْبٍ مِنْهَا وَمِنْ بُعْدٍ، وَسَارُوا نَحْوَهُ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا.
وَكَانَ بِالْحِصْنِ شَيْطَانٌ مِنْ شَيَاطِينِهِمْ يَعْرِفُونَ عَقْلَهُ وَيَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: إِنَّنَا نَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ الْقَلْعَةِ، وَلَيْسَ بِنَا ضَعْفٌ، فَلَا تُخَاطِرُوا أَنْتُمْ بِاللِّقَاءِ، فَإِنَّهُ إِنْ هَزَمَكُمْ أَخَذَهَا وَغَيْرَهَا، وَالرَّأْيُ مُطَاوَلَتُهُ ; فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ وَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ نِصْفَ أَعْمَالِ حَارِمَ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَرَحَلَ عَنْهُمْ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
[ ٩ / ٢٢٧ ]
أَلْبَسْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ يَا نُورَهُ عِزًّا لَهُ فَوْقَ السُّهَا أُسَادُ
مَا زِلْتَ تَشْمَلُهُ بِمَيَّادِ الْقَنَا حَتَّى تَثَقَّفَ عُودُهُ الْمَيَّادُ
لَمْ
يَبْقَ مُذْ أَرْهَفْتَ عَزْمَكَ دُونَهُ
عَدَدٌ يُرَاعُ بِهِ، وَلَا اسْتِعْدَادُ إِنَّ الْمَنَابِرَ لَوْ تُطِيقُ تَكَلُّمًا
حَمِدَتْكَ عَنْ خُطَبَائِهَا الْأَعْوَادُ مُلْقٍ بِأَطْرَافِ الْقَرِيحَةِ كَلْكَلًا
طَرَفَاهُ ضَرْبٌ صَادِقٌ وَجِلَادُ حَامُوا فَلَمَّا عَايَنُوا خَوْضَ الرَّدَى
حَامَوْا فَرَائِسَ كَيْدِهِمْ أَوْ كَادُوا وَرَأَى " الْبِرِنْسُ " وَقَدْ تَبَرْنَسَ ذِلَّةً
حَزْمًا لِحَارِمَ وَالْمَصَادُ مَصَادُ مَنْ مُنْكِرٌ أَنْ يَنْسِفَ السَّيْلُ الرُّبَى
وَأَبُوهُ ذَاكَ الْعَارِضُ الْمَدَّادُ أَوْ أَنْ يُعِيدَ الشَّمْسَ كَاسِفَةَ السَّنَا
نَارٌ لَهَا ذَاكَ الشِّهَابُ زِنَادُ لَا يَنْفَعُ الْآبَاءَ مَا سَمَكُوا مِنَ الْ
عَلْيَاءِ حَتَّى يُرْفَعَ الْأَوْلَادُ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
[ ٩ / ٢٢٨ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ خَوَارَزْمَ شَاهْ أَتْسِزَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَاسِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ خَوَارَزْمُ شَاهْ أَتْسِزُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشِتِكِينَ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ فَالِجٌ، فَتَعَالَجَ مِنْهُ فَلَمْ يَبْرَأْ، فَاسْتَعْمَلَ أَدْوِيَةً شَدِيدَةَ الْحَرَارَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَطِبَّاءِ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، فَتُوُفِّيَ. وَكَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩]، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَرْسَلَانُ، فَقَتَلَ نَفَرًا مِنْ أَعْمَامِهِ، وَسَمَلَ أَخًا لَهُ فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ بَلْ قَتَلَ نَفْسَهُ.
وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْ أَسْرِ الْغُزِّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بِبَذْلِ الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، فَكَتَبَ لَهُ مَنْشُورًا بِوِلَايَةِ خَوَارَزْمَ، وَسَيَّرَ الْخِلَعَ لَهُ فِي رَمَضَانَ، فَبَقِيَ فِي وِلَايَتِهِ سَاكِنًا آمِنًا.
وَكَانَ أَتْسِزُ حَسَنَ السِّيرَةِ، كَافًّا عَنْ أَمْوَالِ رَعِيَّتِهِ، مُنْصِفًا لَهُمْ مَحْبُوبًا إِلَيْهِمْ ; مُؤْثِرًا لِلْإِحْسَانِ وَالْخَيْرِ إِلَيْهِمْ ; وَكَانَ الرَّعِيَّةُ مَعَهُ بَيْنَ أَمْنٍ غَامِرٍ وَعَدْلٍ شَامِلٍ.
وَفِي سَابِعَ عَشَرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ تُوُفِّيَ أَبُو الْفَوَارِسِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَرْسَلَانْ شَاهْ مَلِكُ كَرْمَانَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سَلْجُوقْشَاهْ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ قُلْجَ أَرْسَلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَلْمِشَ صَاحِبُ قُونِيَّةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قَلْجُ أَرْسَلَانَ.
ذِكْرُ هَرَبِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَنِ الْغُزِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ هَرَبَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بْنُ مَلِكْشَاهْ مِنْ أَسْرِ الْغُزِّ هُوَ
[ ٩ / ٢٢٩ ]
وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ تِرْمِذَ، وَاسْتَظْهَرَ بِهَا عَلَى الْغُزِّ، وَكَانَ خَوَارَزْمُ شَاهْ أَتْسِزُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشِتِكِينَ، وَالْخَاقَانُ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ، يَقْصِدَانِ الْغُزَّ فَيُقَاتِلَانِهِمْ فِيمَنْ مَعَهُمَا، فَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ سِجَالًا، وَغَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْغُزِّ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ خُرَاسَانَ، فَهُوَ يَأْكُلُ دَخْلَهَا، لَا رَأْسَ لَهُمْ يَجْمَعُهُمْ.
وَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ مِنْ تِرْمِذَ إِلَى جَيْحُونَ يُرِيدُ الْعُبُورَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُقَدَّمَ الْأَتْرَاكِ الْقَارَغْلِيَّةِ، اسْمُهُ عَلِيٌّ بِكْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ أَشَدَّ شَيْءٍ [عَلَى] السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَعَلَى غَيْرِهِ، كَثِيرَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَقْبَلَتِ الْقَارَغْلِيَّةُ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ مِنْ أَقَاصِي الْبِلَادِ وَأَدَانِيهَا، وَعَادَ إِلَى دَارِ مُلْكِهِ بِمَرْوَ فِي رَمَضَانَ ; فَكَانَتْ مُدَّةُ أَسْرِهِ مَعَ الْغُزِّ مِنْ سَادِسِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ إِلَى رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِوِلَايَةِ عَهْدِ أَبِيهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِالْبَيْعَةِ لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ بِوِلَايَةِ عَهْدِهِ، وَكَانَ الشَّرْطُ وَالْقَاعِدَةُ بَيْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ عُمَرَ هِنْتَاتِيٍّ أَنْ يَلِيَ عُمَرُ الْأَمْرَ بَعْدَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ; فَلَمَّا تَمَكَّنَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمُلْكِ وَكَثُرَ أَوْلَادُهُ أَحَبَّ أَنْ يَنْقُلَ الْمُلْكَ إِلَيْهِمْ، فَأَحْضَرَ أُمَرَاءَ الْعَرَبِ مِنْ هِلَالٍ وَرُعْبَةَ وَعَبْدِيٍّ وَغَيْرِهِمْ إِلَيْهِ وَوَصَلَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَقُولُ لَهُمْ لِيَطْلُبُوا مِنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَيَقُولُوا لَهُ: نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا وَلِيَ عَهْدٍ مِنْ وَلَدِكَ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ بَعْدَكَ ; فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِكْرَامًا لِعُمَرَ هِنْتَاتِيٍّ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْأَمْرَ لِأَبِي حَفْصٍ عُمَرَ ; فَلَمَّا عَلِمَ عُمَرُ ذَلِكَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَحَضَرَ عِنْدَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَأَجَابَ إِلَى خَلْعِ نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ بُويِعَ لِمُحَمَّدٍ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ بِلَادِهِ بِذَلِكَ، وَخُطِبَ لَهُ فِيهَا جَمِيعِهَا، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فِي
[ ٩ / ٢٣٠ ]
ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا.
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ أَوْلَادَهُ عَلَى الْبِلَادِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَوْلَادَهُ عَلَى الْبِلَادِ، فَاسْتَعْمَلَ وَلَدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى بِجَايَةَ وَأَعْمَالِهَا ; وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيًّا عَلَى فَاسَ وَأَعْمَالِهَا ; وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ عَلَى مَدِينَةِ تِلْمِسَانَ وَأَعْمَالِهَا، وَوَلَّى ابْنَهُ أَبَا سَعِيدٍ سَبْتَةَ وَالْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ وَمَالِقَةَ ; وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ.
وَلَقَدْ سَلَكَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ طَرِيقًا عَجِيبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبِلَادِ شُيُوخَ الْمُوَحِّدِينَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ تُومَرْتَ، وَكَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَهُمْ، فَأَخَذَ أَوْلَادَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ عِنْدَهُ يَشْتَغِلُونَ فِي الْعُلُومِ، فَلَمَّا مَهَرُوا فِيهَا وَصَارُوا يُقْتَدَى بِهِمْ قَالَ لِآبَائِهِمْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا عِنْدِي أَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَى مَا أَنَا بِصَدَدِهِ، وَيَكُونُ أَوْلَادُكُمْ فِي الْأَعْمَالِ (لِأَنَّهُمْ عُلَمَاءُ فُقَهَاءُ) ; فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَهُمْ فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ، (فَوَلَّى أَوْلَادَهُمْ) ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ مِمَّنْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَرَى أَمْرًا عَظِيمًا قَدْ فَعَلْتُمُوهُ ; فَارَقْتُمْ فِيهِ الْحَزْمَ وَالْأَدَبَ. فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَوْلَادُكُمْ فِي الْأَعْمَالِ، وَأَوْلَادُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَنْظُرَ فِي هَذَا فَتَسْقُطَ مَنْزِلَتُكُمْ عِنْدَهُ، فَعَلِمُوا صِدْقَ الْقَائِلِ، فَحَضَرُوا عِنْدَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَى الْبِلَادِ السَّادَةَ أَوْلَادَكَ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِسُؤَالِهِمْ.
ذِكْرُ حَصْرِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بَغْدَادَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، حَصَرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بَغْدَادَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودٍ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ، فَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَوَعَدَهُ أَتَابَكُ قُطْبُ الدِّينِ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَنَائِبُهُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ بِإِرْسَالِ
[ ٩ / ٢٣١ ]
الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ نَجْدَةً لَهُ عَلَى حَصْرِ بَغْدَادَ، فَقَدِمَ الْعِرَاقَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَاضْطَّرَبَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ فَأَقْبَلَ خَطْلَبُرْسُ مِنْ وَاسِطَ وَعَصَى أَرْغَشُ، صَاحِبُ الْبَصْرَةِ، وَأَخَذَ وَاسِطَ، وَرَحَلَ مُهَلْهِلٌ إِلَى الْحِلَّةِ فَأَخَذَهَا، وَاهْتَمَّ الْخَلِيفَةُ وَعَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ بِأَمْرِ الْحِصَارِ، وَجَمَعَ جَمِيعَ السُّفُنِ وَقَطَعَ الْجِسْرَ وَجَعَلَ الْجَمِيعَ تَحْتَ التَّاجِ، وَنُودِيَ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، أَنْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأَجْفَلَ النَّاسُ وَأَهْلُ السَّوَادِ، وَنُقِلَتِ الْأَمْوَالُ إِلَى حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَخَرَّبَ الْخَلِيفَةُ قَصْرَ عِيسَى وَالْمُرَبَّعَةَ وَالْقُرَيَّةَ وَالْمُسْتَجِدَّةَ وَالنَّجْمِيَّ، وَنَهَبَ أَصْحَابُهُ مَا وَجَدُوا، وَخَرَّبَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ شَاهْ نَهْرَ الْقَلَّابِينَ، وَالتُّوثَةَ، وَشَارِعَ ابْنِ رِزْقِ اللَّهِ وَبَابَ الْمَيْدَانِ وَقُطُفْتَا.
وَأَمَّا أَهْلُ الْكَرْخِ وَأَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ، وَكَسَبُوا مَعَهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً.
وَعَبَرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَوْقَ حَرْبَى إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَنُهِبَتْ أُوَانَا، وَاتَّصَلَ بِهِ زَيْنُ الدِّينِ هُنَاكَ، وَسَارُوا، فَنَزَلَ مُحَمَّدُ شَاهْ عِنْدَ الرَّمْلَةِ، وَفَرَّقَ الْخَلِيفَةُ السِّلَاحَ عَلَى الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ وَالْعَرَّادَاتِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ رَكِبَ عَسْكَرُ مُحَمَّدِ شَاهْ وَزَيْنِ الدِّينِ عَلِيٍّ، وَوَقَفُوا عِنْدَ الرَّقَّةِ، وَرَمَوْا بِالنُّشَّابِ إِلَى نَاحِيَةِ التَّاجِ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عَامَّةُ بَغْدَادَ فَقَاتَلُوهُمْ، وَرَمَوْهُمْ بِالنِّفْطِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمْ عِدَّةُ حُرُوبٍ.
وَفِي ثَالِثِ صَفَرٍ عَاوَدُوا الْقِتَالَ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَعَبَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ سِبَاحَةً وَفِي السُّفُنِ، فَقُتِلُوا ; وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ كُلَّ وَقْتٍ، وَعُمِلَ الْجِسْرُ عَلَى دِجْلَةَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَصَارَ الْقِتَالُ فِي الْجَانِبَيْنِ، وَبَقِيَ زَيْنُ الدِّينِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ فَنُودِيَ: كُلُّ مَنْ جُرِحَ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَكَانَ كُلَّمَا جُرِحَ إِنْسَانٌ يَحْضُرُ عِنْدَ الْوَزِيرِ فَيُعْطِيهِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْعَامَّةِ جُرِحَ جُرْحًا لَيْسَ بِكَبِيرٍ،
[ ٩ / ٢٣٢ ]
فَحَضَرَ يَطْلُبُ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: لَيْسَ هَذَا الْجُرْحُ بِشَيْءٍ، فَعَاوَدَ الْقِتَالَ، فَضُرِبَ، فَانْشَقَّ جَوْفُهُ وَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ شَحْمِهِ، فَحُمِلَ إِلَى الْوَزِيرِ فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا الْوَزِيرُ أَيُرْضِيكَ هَذَا؟ فَضَحِكَ مِنْهُ، وَأَضْعَفَ لَهُ، وَرَتَّبَ لَهُ مَنْ يُعَالِجُ جِرَاحَتَهُ إِلَى أَنْ بَرِئَ.
وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ فِي الْعَسْكَرِ إِلَّا أَنَّ اللَّحْمَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْخُضَرَ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتِ الْغَلَّاتُ بِبَغْدَادَ كَثِيرَةً ; لِأَنَّ الْوَزِيرَ كَانَ يُفَرِّقُهَا فِي الْجُنْدِ عِوَضَ الدَّنَانِيرِ فَيَبِيعُونَهَا، فَلَمْ تَزَلِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ رَخِيصَةً، إِلَّا أَنَّ اللَّحْمَ وَالْفَاكِهَةَ وَالْخُضَرَ قَلِيلَةٌ عِنْدَهُمْ.
وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ لِانْقِطَاعِ الْمَوَادِّ عَنْهُمْ وَعَدَمِ الْمَعِيشَةِ لِأَهْلِهَا ; وَكَانَ زَيْنُ الدِّينِ وَعَسْكَرُ الْمَوْصِلِ غَيْرَ مُجِدِّينَ فِي الْقِتَالِ لِأَجْلِ الْخَلِيفَةِ وَالْمُسْلِمِينَ ; وَقِيلَ لِأَنَّ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ زَنْكِي، وَهُوَ أَخُو قُطْبِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ الْأَكْبَرِ، أَرْسَلَ إِلَى زَيْنِ الدِّينِ يَلُومُهُ عَلَى قِتَالِ الْخَلِيفَةِ، فَفَتَرَ وَأَقْصَرَ.
(وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ)، وَعَمِلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَرْبَعَمِائَةٍ سُلَّمٍ لِيَصْعَدَ الرِّجَالُ فِيهَا إِلَى السُّورِ. وَزَحَفُوا، وَقَاتَلُوا، فَفَتَحَ أَهْلُ بَغْدَادَ أَبْوَابَ الْبَلَدِ وَقَالُوا: أَيُّ حَاجَةٍ بِكُمْ إِلَى السَّلَالِيمِ؟ هَذِهِ الْأَبْوَابُ مُفَتَّحَةٌ فَادْخُلُوا مِنْهَا ; فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْرَبُوهَا. فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَخَاهُ مَلِكْشَاهْ وَإِيلْدِكْزَ صَاحِبَ بِلَادِ أَرَّانَ، وَمَعَهُ الْمَلِكُ أَرْسَلَانُ ابْنُ الْمَلِكِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ إِيلْدِكْزَ، قَدْ دَخَلُوا هَمَذَانَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَأَخَذُوا أَهْلَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ مُحَمَّدِ شَاهْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ مُحَمَّدُ شَاهْ ذَلِكَ جَدَّ فِي الْقِتَالِ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ غَرَضًا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ وَرَحَلَ عَنْهَا نَحْوَ هَمَذَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَعَادَ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَمْعُ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ إِذَا فَرَغَ مُحَمَّدُ شَاهْ مِنْ إِصْلَاحِ بِلَادِهِ، فَلَمْ يَعُودُوا يَجْتَمِعُونَ ; وَفِي كَثْرَةِ حُرُوبِهِمْ لَمْ يُقْتَلْ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَإِنَّمَا الْجِرَاحُ كَانَتْ كَثِيرَةً، وَلَمَّا سَارُوا نَهَبُوا بَعْقُوبَا وَغَيْرَهَا مِنْ طَرِيقِ خُرَاسَانَ.
[ ٩ / ٢٣٣ ]
وَلَمَّا رَحَلَ الْعَسْكَرُ مِنْ بَغْدَادَ أَصَابَ أَهْلَهَا أَمْرَاضٌ شَدِيدَةٌ حَادَّةٌ، وَمَوْتٌ كَثِيرٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ ; وَأَمَّا مَلِكْشَاهْ وَإِيلْدِكْزُ وَمَنْ مَعَهُمَا فَإِنَّهُمْ سَارُوا مِنْ هَمَذَانَ إِلَى الرَّيِّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ إِينَانْجُ شِحْنَتُهَا وَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمُوهُ، فَأَنْفَذَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرَ سُقْمُسَ بْنَ قَيْمَازَ الْحَرَّامِيَّ فِي عَسْكَرٍ نَجْدَةً لِإِينَانْجَ، فَسَارَ سُقْمُسُ، وَكَانَ إِيلْدِكْزُ وَمَلِكْشَاهْ وَمَنْ مَعَهُمَا قَدْ عَادُوا مِنَ الرَّيِّ يُرِيدُونَ مُحَاصَرَةَ الْخَلِيفَةِ، فَلَقِيَهُمْ سُقْمُسُ وَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ وَنَهَبُوا عَسْكَرَهُ وَأَثْقَالَهُمْ، فَاحْتَاجَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِسْرَاعِ، فَسَارَ، فَلَمَّا بَلَغَ حُلْوَانَ بَلَغَهُ أَنَّ إِيلْدِكْزَ بِالدِّينَوَرِ، وَأَتَاهُ رَسُولٌ مِنْ نَائِبِهِ إِينَانْجَ أَنَّهُ دَخَلَ هَمَذَانَ، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ لَهُ فِيهَا، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَهَرَبَ شَمْلَةُ، صَاحِبُ خُوزِسْتَانَ إِلَى بِلَادِهِ، وَتَفَرَّقَ أَكْثَرُ جَمْعِ إِيلْدِكْزَ وَمَلِكْشَاهْ، وَبَقِيَا فِي خَمْسَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَعَادَا إِلَى بِلَادِهِمَا شِبْهَ الْهَارِبِ.
وَلَمَّا رَحَلَ مُحَمَّدُ شَاهْ إِلَى هَمَذَانَ أَرَادَ التَّجَهُّزَ لِقَصْدِ بِلَادِ إِيلْدِكْزَ، فَابْتَدَأَ بِهِ مَرَضُ السُّلِّ، وَبَقِيَ بِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أُطْلِقَ أَبُو الْبَدْرِ ابْنُ الْوَزِيرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ حَبْسِ تَكْرِيتَ ; وَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ خَرَجَ أَخُوهُ وَالْمَوْكِبُ يَتَلَقَّوْنَهُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَ مُقَامُهُ فِي الْحَبْسِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَفِيهَا احْتَرَقَتْ بَغْدَادُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَكَثُرَ الْحَرِيقُ بِهَا، وَاحْتَرَقَ دَرْبُ فِرَاشَا، وَدَرْبُ الدَّوَابِّ، وَدَرْبُ اللَّبَّانِ، وَخَرَابَةُ ابْنِ جَرْدَةَ، وَالظَّفَرِيَّةُ، وَالْخَاتُونِيَّةُ، وَدَارُ
[ ٩ / ٢٣٤ ]
الْخِلَافَةِ، وَبَابُ الْأَزَجِ، وَسُوقُ السُّلْطَانِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ قَصَدَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ طَبَسَ بِخُرَاسَانَ، فَأَوْقَعُوا بِهَا وَقْعَةً عَظِيمَةً، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَقَتَّلُوا فِيهِمْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ تُوُفِّيَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْمَعَالِي الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرَّزَّازِ بِنَيْسَابُورَ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَفَاضِلِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مُرِيدُ الدَّيْنِ بْنُ نِيسَانَ رَئِيسُ آمِدَ وَالْحَاكِمُ فِيهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَوَلِيَ مَا كَانَ إِلَيْهِ بَعْدَهُ ابْنُهُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ.
وَتُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغَزْنَوِيُّ، الْوَاعِظُ الْمَشْهُورُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ قَدِمَ إِلَيْهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ عِنْدَ السَّلَاطِينِ وَالْعَامَّةِ وَالْخُلَفَاءِ إِلَّا أَنَّ الْمُقْتَفِيَ أَعْرَضَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ لِإِقْبَالِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ.
وَتُوُفِّيَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْخَلِّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَكَانَ يَؤُمُّ بِالْخَلِيفَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَتُوُفِّيَ ابْنُ الْآمِدِيِّ الشَّاعِرُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّيْلِ مِنْ أَعْيَانِ الشُّعَرَاءِ فِي طَبَقَةِ الْغَزِّيِّ وَالْأَرَّجَانِيِّ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَى تِسْعِينَ سَنَةً.
وَفِيهَا قُتِلَ مُظَفَّرُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، قَتَلَهُ نَفِيسُ بْنُ فَضْلِ
[ ٩ / ٢٣٥ ]
بْنِ أَبِي الْخَيْرِ فِي الْحَمَّامِ، وَوَلِيَ ابْنُهُ بَعْدَهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَأْوَاءُ الْحَلَبِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ.
وَفِيهَا فِي رَمَضَانَ تُوُفِّيَ الْحَكِيمُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ بِأَسْفَرَايِينَ، وَكَانَ صَاحِبَ مَعْرِفَةٍ بِعُلُومِ الْحُكَمَاءِ الْأَوَائِلِ.
[ ٩ / ٢٣٦ ]