٥٦١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ فَتْحِ الْمُنَيْطِرَةِ مِنْ بَلَدِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي حِصْنَ الْمُنَيْطِرَةِ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ، وَلَمْ يَحْشُدْ لَهُ، وَلَا جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَإِنَّمَا سَارَ إِلَيْهِ جَرِيدَةً عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ حَذِرُوا وَجَمَعُوا، وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ وَسَارَ إِلَى الْمُنَيْطِرَةِ وَحَصَرَهُ، وَجَدَّ فِي قِتَالِهِ، فَأَخَذَهُ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا وَسَبَى، وَغَنِمَ غَنِيمَةً كَثِيرَةً، فَإِنَّ الَّذِينَ بِهِ كَانُوا آمِنِينَ، فَأَخَذَتْهُمْ خَيْلُ اللَّهِ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَلَمْ يَجْتَمِعِ الْفِرِنْجُ لِدَفْعِهِ إِلَّا وَقَدْ مَلَكَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ جَرِيدَةٌ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ لَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ، إِنَّمَا ظَنُّوهُ أَنَّهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ. فَلَمَّا مَلَكَهُ تَفَرَّقُوا وَأَيِسُوا مِنْ رَدِّهِ.
ذِكْرُ قَتْلِ خَطَلْبِرْسَ مُقْطَعَ وَاسِطٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ خَطَلْبِرْسُ مُقْطَعُ وَاسِطٍ، قَتَلَهُ ابْنُ أَخِي شُمْلَةَ صَاحِبُ خُوزَسْتَانَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ سَنْكَا، وَهُوَ ابْنُ أَخِي شُمْلَةَ، كَانَ قَدْ صَاهَرَ مُنْكُوبَرْسَ مُقْطَعَ
[ ٩ / ٣٢٥ ]
الْبَصْرَةِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمُسْتَنْجِدَ بِاللَّهِ قَتَلَ مُنْكُوبَرْسَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا قُتِلَ قَصَدَ ابْنَ سَنْكَا الْبَصْرَةَ وَنَهَبَ قُرَاهَا، فَأَرْسَلَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى كَمُشْتَكِينَ، صَاحِبِ الْبَصْرَةِ، بِمُحَارَبَةِ ابْنِ سَنْكَا، فَقَالَ: أَنَا عَامِلٌ لَسْتُ بِصَاحِبِ جَيْشٍ، يَعْنِي أَنَّهُ ضَامِنٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ عَسْكَرٍ، فَطَمِعَ ابْنُ سَنْكَا، وَأَصْعَدَ إِلَى وَاسِطٍ، وَنَهَبَ سَوَادَهَا، فَجَمَعَ خَطَلْبِرْسُ مُقْطَعُهَا جَمْعًا وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِهِ.
وَكَاتَبَ ابْنُ سَنْكَا الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ مَعَ خَطَلْبِرْسَ، فَاسْتَمَالَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ ابْنُ سَنْكَا عَلَمَ خَطَلْبِرْسَ، فَنَصَبَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ ظَنُّوهُ بَاقِيًا، فَجَعَلُوا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ رَجَعَ أَخَذَهُ ابْنُ سَنْكَا، فَقَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْكَرَجُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ وَأَغَارُوا عَلَى بُلْدَانٍ، حَتَّى بَلَغُوا كِنْجَةَ، فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا كَثِيرًا وَنَهَبُوا مَا لَا يُحْصَى.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رُسْتُمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ الرُّسْتُمِيُّ، الشَّيْخُ الصَّالِحُ، وَهُوَ مَشْهُورٌ يَرْوِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ، وَغَيْرِهِ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِيلِيُّ الْمُقِيمُ بِبَغْدَادَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّلَاحِ عَلَى حَالَةٍ كَبِيرَةٍ، وَهُوَ حَنْبَلِيُّ الْمَذْهَبِ، وَمَدْرَسَتُهُ وَرِبَاطُهُ مَشْهُورَانِ بِبَغْدَادَ.
[ ٩ / ٣٢٦ ]