٥٢١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ وِلَايَةِ الشَّهِيدِ أَتَابَكْ زَنْكِي شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، أَسْنَدَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي بْنِ آقَسُنْقَرَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ لَمَّا أُصْعِدَ مِنْ وَاسِطَ فِي التَّجَمُّلِ وَالْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَقَامَ فِي حِفْظِ وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي الْقِيَامَ الَّذِي عَجَزَ غَيْرُهُ عَنْهُ، عَظُمَ فِي صَدْرِ السُّلْطَانِ وَصُدُورِ أُمَرَائِهِ، فَلَمَّا عَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى الْمَسِيرِ عَنْ بَغْدَاذَ نَظَرَ فِيمَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَلِيَ شِحْنَكِيَّةَ الْعِرَاقِ وَيَأْمَنُ مَعَهُ مِنَ الْخَلِيفَةِ، فَاعْتَبَرَ أُمَرَاءَهُ وَأَعْيَانَ دَوْلَتِهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِمْ مَنْ يَقُومُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَقَامَ عِمَادِ الدِّينِ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ فَكُلٌّ أَشَارَ بِهِ وَقَالُوا:
لَا نَقْدِرُ عَلَى رَقْعِ هَذَا الْخَرْقِ، وَإِعَادَةِ نَامُوسِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ، وَلَا تَقْوَى نَفْسُ أَحَدٍ عَلَى رُكُوبِ هَذَا الْخَطَرِ غَيْرُ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي.
فَوَافَقَ مَا عِنْدَهُ، فَأَسْنَدَ إِلَيْهِ الْوِلَايَةَ، وَفَوَّضَهَا [إِلَيْهِ] مُضَافَةً إِلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَقْطَاعِ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ وَقَدِ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ مِنْ جِهَةِ الْعِرَاقِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّ.
ذِكْرُ عَوْدِ السُّلْطَانِ عَنْ بَغْدَاذَ، وَوِزَارَةِ أَنُوشِرْوَانَ بْنِ خَالِدٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي عَاشِرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، سَارَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَنْ بَغْدَاذَ، بَعْدَ
[ ٩ / ٥ ]
تَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ بِهَا، وَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ حَمَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ، وَالدَّوَابَّ الْكَثِيرَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ وَسَارَ.
وَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ بَغْدَاذَ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْسَابَاذِيِّ فِي رَجَبٍ ; لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِمُمَالَأَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ لِقِيَامِهِ فِي أَمْرِهِ، وَإِتْمَامِ الصُّلْحِ مَقَامًا ظَهَرَ أَثَرُهُ، فَسَعَى بِهِ أَعْدَاؤُهُ، فَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فَأَحْضَرَ شَرَفَ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانَ بْنَ خَالِدٍ، وَكَانَ مُقِيمًا بِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ جَاءَتْهُ الْهَدَايَا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ خَامِسَ شَعْبَانَ، فَوَصَلَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِأَصْبَهَانَ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلَعَ الْوِزَارَةِ، وَبَقِيَ فِيهَا نَحْوَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اسْتَعْفَى مِنْهَا، وَعَزَلَ نَفْسَهُ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَأَمَّا الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ بَقِيَ مَقْبُوضًا إِلَى أَنْ خَرَجَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى الرَّيِّ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَأَعَادَهُ إِلَى وِزَارَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَهِيَ الْوِزَارَةُ الثَّانِيَةُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ الْبُرْسُقِيِّ، وَوِلَايَةِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ الْبُرْسُقِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَدِينَةِ الرَّحْبَةِ، وَسَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ فِي وِلَايَتِهِ، وَرَاسَلَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا، وَخَطَبَ لَهُ وِلَايَةَ مَا كَانَ أَبُوهُ يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا، أَجَابَ السُّلْطَانَ إِلَى مَا طَلَبَ، فَرَتَّبَ الْأُمُورَ وَقَرَّرَهَا، فَكَثُرَ جُنْدُهُ، وَكَانَ شُجَاعًا شَهْمًا، فَطَمِعَ فِي التَّغَلُّبِ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ يُرِيدُ قَصْدَ دِمَشْقَ، فَابْتَدَأَ بِالرَّحَبَةِ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، وَقَامَ يُحَاصِرُهَا، فَأَخَذَهُ مَرَضٌ حَادٌّ وَهُوَ مُحَاصِرٌ لَهَا، فَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ، وَمَاتَ بَعْدَ سَاعَةٍ، فَنَدِمَ مَنْ بِهَا عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ.
وَلَمَّا مَاتَ بَقِيَ مَطْرُوحًا عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يُدْفَنْ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَسَاكِرُهُ، وَنَهَبَ بَعْضُهُمْ
[ ٩ / ٦ ]
بَعْضًا، فَشُغِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ دُفِنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَامَ بَعْدَهُ أَخٌ لَهُ صَغِيرٌ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ مَمْلُوكٌ لِلْبُرْسُقِيِّ يُعْرَفُ بِالْجَاوِلِيِّ، وَدَبَّرَ أَمْرَ الصَّبِيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يَطْلُبُ أَنْ يُقَرِّرَ الْبِلَادَ عَلَى وَلَدِ الْبُرْسُقِيِّ، وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ الرَّسُولَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْقَاضِي بَهَاءُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّهْرَزُورِيُّ، وَصَلَاحُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ أَمِيرُ حَاجِبِ الْبُرْسُقِيِّ، فَحَضَرَا دَرَكَاهَ السُّلْطَانَ لِيُخَاطِبَا فِي ذَلِكَ، وَكَانَا يَخَافَانِ جَاوِلِي، وَلَا يَرْضَيَانِ بِطَاعَتِهِ وَالتَّصَرُّفِ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ، فَاجْتَمَعَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَنَصِيرُ الدِّينِ جَقَرُ الَّذِي صَارَ نَائِبًا عَنْ أَتَابَكْ عِمَادِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، وَذَكَرَ لَهُ صَلَاحُ الدِّينِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَأَفْشَى إِلَيْهِ سِرَّهُ، فَخَوَّفَهُ نَصِيرُ الدِّينِ مِنْ جَاوِلِي، وَقَبَّحَ عِنْدَهُ طَاعَتَهُ، وَقَرَّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَبْقَاهُ وَأَمْثَالَهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ، وَمَتَى أُجِيبَ إِلَى مَطْلُوبِهِ لَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ فِي وِلَايَةِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، وَضَمِنَ لَهُ الْوِلَايَاتِ وَالْأَقْطَاعَ الْكَثِيرَةَ، وَكَذَلِكَ لِلْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ الشَّهْرَزُورِيِّ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَحْضَرَهُ مَعَهُ عِنْدَ الْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ، وَخَاطَبَاهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَضَمِنَا لَهُ كُلَّ مَا أَرَادَهُ، فَوَافَقَهُمَا عَلَى مَا طَلَبَا، وَرَكِبَ هُوَ وَصَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ شَرَفُ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانَ بْنُ خَالِدٍ، وَقَالَا لَهُ:
قَدْ عَلِمْتَ أَنْتَ وَالسُّلْطَانُ أَنَّ دِيَارَ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ قَدْ تَمَكَّنَ الْفِرِنْجُ مِنْهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِهَا، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَكْثَرِهَا، وَقَدْ أَصْبَحَتْ وِلَايَتُهُمْ مِنْ حُدُودِ مَارِدِينَ إِلَى عَرِيشِ مِصْرَ، مَا عَدَا الْبِلَادَ الْبَاقِيَةَ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ الْبُرْسُقِيُّ مَعَ شَجَاعَتِهِ وَتَجْرِيبِهِ وَانْقِيَادِ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ، يَكُفُّ بَعْضَ عَادِيَتِهِمْ وَشَرِّهِمْ، فَمُذْ قُتِلَ ازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَهَذَا وَلَدُهُ طِفْلٌ صَغِيرٌ، وَلَا بُدَّ لِلْبِلَادِ مِنْ رَجُلٍ شَهْمٍ شُجَاعٍ، ذِي رَأْيٍ وَتَجْرِبَةٍ، يَذُبُّ عَنْهَا وَيَحْفَظُهَا وَيَحْمِي حَوْزَتَهَا، وَقَدْ أَنْهَيْنَا الْحَالَ لِئَلَّا يَجْرِيَ خَلَلٌ أَوْ وَهْنٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَيُخْتَصُّ اللَّوْمُ بِنَا، وَيُقَالُ: أَلَا أَنْهَيْتُمْ إِلَيْنَا جَلِيَّةَ الْحَالِ؟ .
فَرَفَعَ الْوَزِيرُ قَوْلَهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَشَكَرَهُمَا عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَهُمَا
[ ٩ / ٧ ]
وَاسْتَشَارَهُمَا فِيمَنْ يَصْلُحُ لِلْوِلَايَةِ، فَذَكَرَا جَمَاعَةً، مِنْهُمْ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي، وَبَذَلَا عَنْهُ تَقَرُّبًا إِلَى خِزَانَةِ السُّلْطَانِ مَالًا جَلِيلًا، فَأَجَابَ السُّلْطَانُ إِلَى تَوْلِيَتِهِ، لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ كِفَايَتِهِ لِمَا يَلِيهِ، فَأَحْضَرَهُ وَوَلَّاهُ الْبِلَادَ كُلَّهَا، وَكَتَبَ مَنْشُورَهُ بِهَا.
وَسَارَ فَبَدَأَ بِالْبَوَازِيجِ لِيَمْلِكَهَا وَيَتَقَوَّى بِهَا، وَيَجْعَلَهَا ظَهْرَهُ ; لِأَنَّهُ خَافَ مِنْ جَاوِلِي أَنَّهُ رُبَّمَا صَدَّهُ عَنِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَوَازِيجَ سَارَ عَنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ.
فَلَمَّا سَمِعَ جَاوِلِي بِقُرْبِهِ مِنَ الْبَلَدِ خَرَجَ إِلَى تَلَقِّيهِ وَمَعَهُ جَمِيعُ الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا رَآهُ جَاوِلِي نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَادَ فِي خِدْمَتِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَدَخَلَهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَقْطَعَ جَاوِلِي الرَّحْبَةَ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ يُصْلِحُ أُمُورَهَا، وَيُقَرِّرُ قَوَاعِدَهَا، فَوَلَّى نَصِيرَ الدِّينِ دَزْدَارِيَّةَ الْقَلْعَةِ بِالْمَوْصِلِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ سَائِرَ دَزْدَارِيَّةِ الْقِلَاعِ، وَجَعَلَ صَلَاحَ الدِّينِ مُحَمَّدًا أَمِيرَ حَاجِبٍ، وَبَهَاءَ الدِّينِ قَاضِيَ قُضَاةِ بِلَادِهِ جَمِيعِهَا، وَزَادَهُ أَمْلَاكًا، وَأَقْطَاعًا، وَاحْتِرَامًا، وَكَانَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْمَوْصِلِ سَارَ عَنْهَا إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهَا مَمَالِيكُ الْبُرْسُقِيِّ، فَامْتَنَعُوا عَنْهُ، فَحَصَرَهُمْ وَرَاسَلَهُمْ، وَبَذَلَ لَهُمُ الْبُذُولَ الْكَثِيرَةَ إِنْ سَلَّمُوا، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَدَّ فِي قِتَالِهِمْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ دِجْلَةُ، فَأَمَرَ النَّاسَ، فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ لِيَعْبُرُوهُ إِلَى الْبَلَدِ، فَفَعَلُوا، وَعَبَرَ بَعْضُهُمْ سِبَاحَةً، وَبَعْضُهُمْ فِي السُّفُنِ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْأَكْلَاكِ، وَتَكَاثَرُوا عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانُوا قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْبَلَدِ إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ وَدِجْلَةَ تُعْرَفُ بِالزَّلَّاقَةِ، لِيَمْنَعُوا مَنْ يُرِيدُ عُبُورَ دِجْلَةَ، فَلَمَّا عَبَرَ الْعَسْكَرُ إِلَيْهِمْ قَاتَلُوهُمْ، وَمَانَعُوهُمْ، فَتَكَاثَرَ عَسْكَرُ عِمَادِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَدَخَلُوهُ، وَتَحَصَّنُوا بِأَسْوَارِهِ، وَاسْتَوْلَى عِمَادُ الدِّينِ عَلَى الزَّلَّاقَةِ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ بِالْبَلَدِ ذَلِكَ ضَعُفُوا، وَوَهَنُوا، وَأَيْقَنُوا أَنَّ الْبَلَدَ يُمْلَكُ سِلْمًا أَوْ عَنْوَةً، فَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مَعَ عَسْكَرِهِ بِالزَّلَّاقَةِ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَهُ هُوَ وَعَسْكَرُهُ.
ثُمَّ إِنَّ دِجْلَةَ زَادَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَحِقَتْ سُورَ الْبَلَدِ، وَصَارَتِ الزَّلَّاقَةُ مَاءً، فَلَوْ أَقَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَغَرِقَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ
[ ٩ / ٨ ]
ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِسَعَادَتِهِ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ أَمْرًا هَذَا بِدَايَتُهُ لَعَظِيمٌ.
ثُمَّ سَارَ عَنِ الْجَزِيرَةِ إِلَى نَصِيبِينَ، وَكَانَتْ لِحُسَامِ الدِّينِ تَمْرُتَاشَ صَاحِبِ مَارِدِينَ، فَلَمَّا نَازَلَهَا سَارَ حُسَامُ الدِّينِ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ بْنِ أَرْتَقَ، وَهُوَ صَاحِبُ حِصْنِ كِيفَا وَغَيْرِهَا، فَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى أَتَابَكْ زَنْكِي، فَوَعَدَ النَّجْدَةَ بِنَفْسِهِ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ، وَعَادَ تَمْرُتَاشُ إِلَى مَارِدِينَ، وَأَرْسَلَ رِقَاعًا عَلَى أَجْنِحَةِ الطُّيُورِ إِلَى نَصِيبِينَ يَعْرِفُ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ أَنَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ سَائِرَانِ فِي الْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ إِلَيْهِمْ، وَإِزَاحَةِ عِمَادِ الدِّينِ عَنْهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ.
فَبَيْنَمَا أَتَالِكُ فِي خَيْمَتِهِ إِذْ سَقَطَ طَائِرٌ عَلَى خَيْمَةٍ تُقَابِلُهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَصِيدَ، فَرَأَى فِيهِ رُقْعَةً، فَقَرَأَهَا، وَعَرَفَ مَا فِيهَا، فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ غَيْرَهَا، يَقُولُ فِيهَا:
إِنَّنِي قَصَدْتُ ابْنَ عَمِّي رُكْنَ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ وَعَدَنِي النُّصْرَةَ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَمَا يَتَأَخَّرُ عَنِ الْوُصُولِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِلَى أَنْ يَصِلُوا، وَجَعَلَهَا فِي الطَّائِرِ وَأَرْسَلَهُ، فَدَخَلَ نَصِيبِينَ، فَلَمَّا وَقَفَ مَنْ بِهَا عَلَى الرُّقْعَةِ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَحْفَظُوا الْبَلَدَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الشَّهِيدِ وَصَالَحُوهُ، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَبَطَلَ عَلَى تَمْرُتَاشَ وَدَاوُدَ مَا كَانَا عَزَمَا عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ مَا يُسْمَعُ.
فَلَمَّا مَلَكَ نَصِيبِينَ سَارَ عَنْهَا إِلَى سِنْجَارَ، فَامْتَنَعَ مَنْ بِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ صَالَحُوهُ، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، وَسَيَّرَ مِنْهَا الشِّحَنَ إِلَى الْخَابُورِ، فَمَلَكَهُ جَمِيعَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ وَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الرُّهَا وَسَرُوجُ وَالْبِيرَةُ وَتِلْكَ النَّوَاحِي جَمِيعُهَا لِلْفِرِنْجِ، وَأَهْلُ حَرَّانَ مَعَهُمْ فِي ضُرٍّ عَظِيمٍ، وَضِيقٍ شَدِيدٍ ; لِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ حَامٍ يَذُبُّ عَنْهَا، وَسُلْطَانٍ يَمْنَعُهَا، فَلَمَّا قَارَبَ حَرَّانَ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَأَطَاعُوهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَلَكَهَا أَرْسَلَ إِلَى جُوسْلِينْ صَاحِبِ الرُّهَا وَتِلْكِ الْبِلَادِ، وَرَاسَلَهُ وَهَادَنَهُ مُدَّةً يَسِيرَةً، وَكَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَتَفَرَّغَ لِإِصْلَاحِ الْبِلَادِ، وَتَجْنِيدِ الْأَجْنَادِ، وَكَانَ أَهَمُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرَاتَ إِلَى الشَّامِ، وَيَمْلِكَ مَدِينَةَ حَلَبَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ، فَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ، وَأَمِنَ النَّاسُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مُلْكَ حَلَبَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[ ٩ / ٩ ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُعِينُ الْمَلِكِ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَكَانَ لَهُ فِي قِتَالِهِمْ آثَارٌ حَسَنَةٌ، وَنِيَّةٌ صَالِحَةٌ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ.
وَفِيهَا وَلَّى السُّلْطَانُ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ لَمَّا سَارَ أَتَابَكْ زَنْكِي إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا رُتِّبَ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَدْرِيسِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بِالْبَاطِنِيَّةِ فِي أَلَمُوتَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، قِيلَ: كَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ نَفْسٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَاعُوسِ، الْحَنْبَلِيُّ، بِبَغْدَاذَ، فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ صَالِحًا.
وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْهَمَذَانِيُّ الْفَرَضِيُّ، صَاحِبُ " التَّارِيخِ ".
[ ٩ / ١٠ ]