٥١٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بِالْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ الْبُرْسُقِيِّ شَحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ
لَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَحْمُودٌ، وَدَبَّرَ دَوْلَتَهُ الْوَزِيرُ الرَّبِيبُ أَبُو مَنْصُورٍ، أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَاذَ، فَخُطِبَ لَهُ فِي الْجُمُعَةِ ثَالِثَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ شِحْنَةُ بَغْدَاذَ بَهْرُوزَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ دُبَيْسَ بْنَ صَدَقَةَ كَانَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، مُذْ قُتِلَ وَالِدُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَثِيرًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ خَاطَبَ السُّلْطَانَ مَحْمُودًا فِي الْعَوْدِ إِلَى بَلَدِهِ الْحِلَّةِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَعَادَ إِلَيْهَا فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ آقْسُنْقُرُ الْبُرْسُقِيُّ مُقِيمًا بِالرَّحْبَةِ، وَهِيَ إِقْطَاعُهُ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ مِنَ الْوِلَايَاتِ شَيْءٌ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا، وَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، قَبْلَ مَوْتِهِ، عَازِمًا عَلَى مُخَاطَبَتِهِ فِي زِيَادَةِ إِقْطَاعِهِ، فَبَلَغَهُ وَفَاةُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَسَمِعَ مُجَاهِدُ الدِّينِ بَهْرُوزُ بِقُرْبِهِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِهَا، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَقِيَهُ تَوْقِيعُ السُّلْطَانِ بِوِلَايَةِ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَهُوَ بِحُلْوَانَ، وَعُزِلَ بَهْرُوزَ.
وَكَانَ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ السُّلْطَانِ يُرِيدُونَ الْبُرْسُقِيَّ، وَيَتَعَصَّبُونَ لَهُ، وَيَكْرَهُونَ مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ، وَيَحْسُدُونَهُ لِلْقُرْبِ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَخَافُوا أَنْ يَزْدَادَ تَقَدُّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَحُكْمًا. فَلَمَّا وَلِيَ الْبُرْسُقِيُّ شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ هَرَبَ بَهْرُوزَ إِلَى تِكْرِيتَ، وَكَانَتْ لَهُ.
[ ٨ / ٦٢٦ ]
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ وَلَّى شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ الْأَمِيرَ مَنْكُوبَرْسَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَقَدْ حَكَمَ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَلَمَّا أُعْطِيَ الشِّحْنَكِيَّةَ سَيَّرَ إِلَيْهَا رَبِيبَهُ الْأَمِيرَ حُسَيْنَ بْنَ أَزْبَكَ، أَحَدَ الْأُمَرَاءِ الْأَتْرَاكِ، وَهُوَ صَاحِبُ أَسَدَابَاذَ، لِيَنُوبَ عَنْهُ بِبَغْدَاذَ وَالْعِرَاقَ، وَفَارَقَ السُّلْطَانُ مِنْ بَابِ هَمَذَانَ، وَاتَّصَلَ بِهِ جَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ الْبَكَجِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْبُرْسُقِيُّ خَاطَبَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَظْهِرَ بِاللَّهِ لِيَأْمُرَهُ بِالتَّوَقُّفِ إِلَى أَنْ يُكَاتِبَ السُّلْطَانَ، وَيَفْعَلَ مَا يَرُدُّ بِهِ الْأَمْرَ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، فَأَجَابَ: إِنْ يَرْسُمِ الْخَلِيفَةُ بِالْعَوْدِ عُدْتُ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ بَغْدَاذَ. فَجَمَعَ الْبُرْسُقِيُّ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ أَخٌ لِحُسَيْنٍ، وَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَعَادُوا إِلَى عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، قَبْلَ وَفَاةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ بِأَيَّامٍ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَادِسَ عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ مَرَضُهُ التَّرَاقِيَ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَخِلَافَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَوَزَرَ لَهُ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ جَهِيرٍ، وَسَدِيدُ الْمُلْكِ أَبُو الْمَعَالِي الْمُفَضَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَزَعِيمُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ جَهِيرٍ، وَمَجْدُ الدِّينَ أَبُو الْمَعَالِي هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَنِظَامُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَنَابَ عَنِ الْوِزَارَةِ أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدِ بْنُ الْمُوصَلَايَا، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ، وَمَضَى، فِي أَيَّامٍ، ثَلَاثَةُ سَلَاطِينَ خَطَبَ لَهُمْ بِالْحَضْرَةِ، وَهُمْ: تَاجُ الدَّوْلَةِ تِتْشُ بْنُ أَلْب أَرْسِلَانَ، وَالسُّلْطَانُ بُرْكِيارُقُ وَمُحَمَّدُ ابْنَا مُلْكِشَاهْ.
وَمِنْ غَرِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ لَمَّا تُوَفِّيَ السُّلْطَانُ أَلْب أَرْسِلَانَ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُلْكِشَاهْ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ.
[ ٨ / ٦٢٧ ]
ذِكْرُ بَعْضِ أَخْلَاقِهِ وَسِيرَتِهِ
كَانَ، ﵁، لَيِّنَ الْجَانِبِ، كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ، يُحِبُّ اصْطِنَاعَ النَّاسِ، وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ، وَيُسَارِعُ إِلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْمَثُوبَاتِ، مَشْكُورَ الْمَسَاعِي لَا يَرُدُّ مُكْرُمَةً تُطْلَبُ مِنْهُ.
وَكَانَ كَثِيرَ الْوُثُوقِ بِمَنْ يُوَلِّيهِ، غَيْرَ مُصْغٍ إِلَى سَاعٍ، وَلَا مُلْتَفِتٍ إِلَى قَوْلِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ تَلَوُّنٌ، وَانْحِلَالُ عَزْمٍ، بِأَقْوَالِ أَصْحَابِ الْأَغْرَاضِ.
وَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامَ سُرُورٍ لِلرَّعِيَّةِ، فَكَأَنَّهَا مِنْ حُسْنِهَا أَعْيَادٌ، وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَرِحَ بِهِ وَسَرَّهُ، وَإِذَا تَعَرَّضَ سُلْطَانٌ أَوْ نَائِبٌ لَهُ لِأَذَى أَحَدٍ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَالزَّجْرِ عَنْهُ.
وَكَانَ حَسَنَ الْخَطِّ، جَيِّدَ التَّوْقِيعَاتِ، لَا يُقَارِبُهُ فِيهَا أَحَدٌ، يَدُلُّ عَلَى فَضْلٍ غَزِيرٍ، وَعِلْمٍ وَاسِعٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، وَدُفِنَ فِي حُجْرَةٍ لَهُ كَانَ يَأْلَفُهَا. وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
أَذَابَ حَرُّ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ مَا جَمَدَا لَمَّا مَدَدْتُ إِلَى رَسْمِ الْوَدَاعِ يَدَا
وَكَيْفَ أَسْلُكُ نَهْجَ الِاصْطِبَارِ وَقَدْ أَرَى طَرَائِقَ فِي مَهْوَى الْهَوَى قِدَدَا
قَدْ أَخْلَفَ الْوَعْدَ بَدْرٌ قَدْ شُغِفْتُ بِهِ مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ وَفَى دَهْرِي بِمَا وَعَدَا
إِنْ كُنْتُ أَنْقُضُ عَهْدَ الْحُبِّ فِي خَلَدِي مِنْ بَعْدِ هَذَا، فَلَا عَايَنْتُهُ أَبَدَا
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْإِمَامِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ
لَمَّا تُوُفِّيَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ بُويِعَ وَلَدُهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ أَبُو الْمَنْصُورِ الْفَضْلُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدٍ قَدْ خُطِبَ لَهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَبَايَعَهُ أَخَوَاهُ ابْنَا الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَهُمَا أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ، وَأَبُو طَالِبٍ الْعَبَّاسُ،
[ ٨ / ٦٢٨ ]
وَعُمُومَتُهُ بَنُو الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْأَئِمَّةِ، وَالْأَعْيَانِ.
وَكَانَ الْمُتَوَلِّيَ الْبَيْعَةَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيُّ، وَكَانَ نَائِبًا عَنِ الْوِزَارَةِ، فَأَقَرَّهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَأْخُذِ الْبَيْعَةَ قَاضٍ غَيْرُ هَذَا، وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ لِلْوَاثِقِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِلْوَاثِقِ بِاللَّهِ وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَخَذَهَا لِلْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَرْشِدَ عَزَلَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ عَنْ نِيَابَةِ الْوِزَارَةِ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا شُجَاعٍ مُحَمَّدَ بْنَ الرَّبِيبِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَزِيرَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، وَكَانَ وَالِدُهُ خَطَبَ فِي مَعْنَى وَلَدِهِ، حَتَّى اسْتَوْزَرَ، وَقَبَضَ عَلَى صَاحِبِ الْمَخْزَنِ أَبِي طَاهِرٍ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ الْحُزِّيِّ.
ذِكْرُ هَرَبِ الْأَمِيرِ أَبِي الْحَسَنِ أَخِي الْمُسْتَرْشِدِ وَعَوْدِهِ
لَمَّا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِبَيْعَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، رَكِبَ أَخُوهُ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ سَفِينَةً، وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَانْحَدَرَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ بِالْحِلَّةِ، فَكَرَّمَهُ دُبَيْسٌ، وَعَلِمَ مِنْهُ وَفَاةَ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَأَقَامَ لَهُ الْإِقَامَاتِ الْكَثِيرَةَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ خَبَرَهُ أَهَمَّهُ ذَلِكَ وَأَقْلَقَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى دُبَيْسٍ يَطْلُبُ مِنْهُ إِعَادَتَهُ، فَأَجَابَ بِأَنَّنِي عَبْدُ الْخَلِيفَةِ، وَوَاقِفٌ عِنْدَ أَمْرِهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اسْتَذَمَّ بِي، وَدَخَلَ مَنْزِلِي، فَلَا أُكْرِهُهُ عَلَى أَمْرٍ أَبَدًا.
وَكَانَ الرَّسُولُ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ شَرَفِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ الزَّيْنَبِيِّ، فَقَصَدَ الْأَمِيرَ أَبَا الْحَسَنِ، وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فِي عَوْدِهِ، وَضَمِنَ لَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ فَأَجَابَ إِلَى الْعَوْدِ، وَقَالَ: إِنَّنِي لَمْ أُفَارِقْ أَخِي لِشَرٍّ أُرِيدُهُ، وَإِنَّمَا الْخَوْفُ حَمَلَنِي عَلَى مُفَارَقَتِهِ، فَإِذَا أَمَّنَنِي قَصَدْتُهُ. وَتَكَفَّلَ دُبَيْسٌ بِإِصْلَاحِ الْحَالِ بِنَفْسِهِ، وَالْمَسِيرِ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَعَادَ النَّقِيبُ وَأَعْلَمَ الْخَلِيفَةَ الْحَالَ، فَأَجَابَ إِلَى مَا طَلَبَهُ مِنْهُ.
ثُمَّ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ الْبُرْسُقِيِّ وَدُبَيْسٍ وَمَنْكُوبُرْسَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَتَأَخَّرَ الْحَالُ.
وَأَقَامَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ عِنْدَ دُبَيْسٍ إِلَى ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ سَارَ عَنِ الْحِلَّةِ إِلَى وَاسِطَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ وَقَوِيَ الْإِرْجَافُ بِقُوَّتِهِ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ وَاسِطَ، وَخِيفَ جَانِبُهُ، فَتَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِالْخُطْبَةِ لِوَلِيِّ عَهْدِهِ وَلَدِهِ أَبِي
[ ٨ / ٦٢٩ ]
جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَعُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، فَخَطَبَ لَهُ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِبَغْدَاذَ، وَكَتَبَ إِلَى الْبِلَادِ بِالْخُطْبَةِ لَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى دُبَيْسٍ فِي مَعْنَى الْأَمِيرِ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَنَّهُ الْآنَ قَدْ فَارَقَ جِوَارَهُ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى بِلَادِ الْخَلِيفَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِهِ وَمُعَاجَلَتِهِ قَبْلَ قُوَّتِهِ، فَأَرْسَلَ دُبَيْسٌ الْعَسَاكِرَ عَلَيْهِ، فَفَارَقَ وَاسِطَ، وَقَدْ تَحَيَّرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَضَّلُوا الطَّرِيقَ، وَوَصَلَتْ عَسَاكِرُ دُبَيْسٍ، فَصَادَفُوهُمْ عِنْدَ الصُّلْحِ، فَنَهَبُوا أَثْقَالَهُ، وَهَرَبَ الْأَكْرَادُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالْأَتْرَاكُ، وَعَادَ الْبَاقُونَ إِلَى دُبَيْسٍ.
وَبَقِيَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ عَطْشَانُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ، وَكَانَ الزَّمَانُ قَيْظًا، فَأَيْقَنَ بِالتَّلَفِ، وَتَبِعَهُ بَدَوِيَّانِ، فَأَرَادَ الْهَرَبَ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأَخَذَاهُ، وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ، فَسَقَيَاهُ، وَحَمَلَاهُ إِلَى دُبَيْسٍ، فَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَحَمَلَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، بَعْدَ أَنْ بَذَلَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَحُمِلَ إِلَى الدَّارِ الْعَزِيزَةِ، وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ عَنْهَا وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ قَبَّلَ قَدَمَهُ، وَقَبَّلَهُ الْمُسْتَرْشِدُ، وَبَكَيَا، وَأَنْزَلَهُ دَارًا حَسَنَةً كَانَ هُوَ يُسْكُنُهَا قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ الْخِلَعَ، وَالتُّحَفَ الْكَثِيرَةَ، وَطَيَّبَ نَفْسَهُ وَأَمَّنَهُ.
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَجُيُوشْ بِكْ إِلَى الْعِرَاقِ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْبُرْسُقِيِّ وَدُبَيْسٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، بَرَزَ الْبُرْسُقِيُّ، وَنَزَلَ بِأَسْفَلِ الرَّقَّةِ فِي عَسْكَرِهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الْحِلَّةِ وَإِجْلَاءِ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْهَا.
وَجَمَعَ دُبَيْسٌ جُمُوعًا كَثِيرَةً مِنَ الْعَرَبِ وَالْأَكْرَادِ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ وَالسِّلَاحَ.
وَكَانَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِالْمَوْصِلِ مَعَ أَتَابِكِهِ أَيْ أَبَّهَ جُيُوشْ بِكْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ عِنْدَهُمَا بِقَصْدِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ دُونَهُ فَسَارَا فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَزِيرُهُ فَخْرُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَمَّارٍ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَقَسِيمُ الدَّوْلَةِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ جَدُّ مُلُوكِنَا الْآنَ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ فِي الْغَايَةِ، وَمَعَهُمْ أَيْضًا صَاحِبُ سَنَجَارُ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ، صَاحِبُ إِرْبَلَ، وَكَرَبَاوِيُّ بْنُ خُرَاسَانَ التُّرْكُمَانِيُّ، صَاحِبُ الْبَوَازِيجِ. فَلَمَّا عَلِمَ الْبُرْسُقِيُّ قُرْبَهُمْ خَافَهُمْ.
[ ٨ / ٦٣٠ ]
وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ قَدِيمًا قَدْ جَعَلَهُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَتَابِكَ وَلَدِهِ مَسْعُودٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفُهُ مِنْ جُيُوشْ بِكْ، فَلَمَّا قَارَبُوا بَغْدَاذَ سَارَ إِلَيْهِمْ لِيُقَاتِلَهُمْ وَيَصُدَّهُمْ، فَلَمَّا عَلِمَ مَسْعُودٌ وَجُيُوشْ بِكْ ذَلِكَ أَرْسَلَا إِلَيْهِ الْأَمِيرَ كَرَبَاوِيَّ فِي الصُّلْحِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا نَجْدَةً لَهُ عَلَى دُبَيْسٍ، وَاصْطَلَحُوا، وَتَعَاهَدُوا، وَاجْتَمَعُوا.
وَوَصَلَ مَسْعُودٌ إِلَى بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ الْأَمِيرِ عِمَادِ الدِّينِ مَنْكُبَرْسَ، الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ فَسَارَ الْبُرْسُقِيُّ عَنْ بَغْدَاذَ نَحْوَهُ لِيُحَارِبَهُ وَيَمْنَعَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِ مَنْكُبَرْسُ قَصَدَ النُّعْمَانِيَّةَ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ هُنَاكَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَدُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ.
وَكَانَ دُبَيْسٌ قَدْ خَافَ مِنَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ الْبُرْسُقِيِّ، فَبَنَى أَمْرَهُ عَلَى الْمُحَاجَزَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ، فَأَهْدَى لِمَسْعُودٍ هَدِيَّةً حَسَنَةً، وَلِلْبُرْسُقِيِّ، وَجُيُوشْ بِكْ، فَلَمَّا وَصَلَهُ خَبَرُ وَصُولِ مَنْكُبَرْسَ رَاسَلَهُ، وَاسْتَمَالَهُ، وَاسْتَحْلَفَهُ، وَاتَّفَقَا عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّنَاصُرِ، وَاجْتَمَعَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوِيَ بِصَاحِبِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا سَارَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ، وَالْبُرْسُقِيُّ، وَجُيُوشْ بِكْ، وَمَنْ مَعَهُمْ، إِلَى الْمَدَائِنِ لِلِقَاءِ دُبَيْسٍ وَمَنْكُبَرْسَ، فَلَمَّا وَصَلُوا الْمَدَائِنَ أَتَتْهُمُ الْأَخْبَارُ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ مَعَهُمَا، فَعَادَ الْبُرْسُقِيُّ، وَالْمَلِكُ مَسْعُودٌ، وَعَبَرَا نَهَرَ صَرْصَرَ، وَحَفِظَا الْمَخَاضَاتِ عَلَيْهِ، وَنَهَبَتِ الطَّائِفَتَانِ السَّوَادَ نَهْبًا فَاحِشًا: نَهْرَ الْمَلِكِ، وَنَهْرَ صَرْصَرَ، وَنَهْرَ عِيسَى، وَبَعْضَ دُجَيْلَ، وَاسْتَبَاحُوا النِّسَاءَ.
فَأَرْسَلَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَالْبُرْسُقِيِّ يُنْكِرُ هَذِهِ الْحَالَ، وَيَأْمُرُهُمَا بِحَقْنِ الدِّمَاءِ، وَتَرْكِ الْفَسَادِ، وَيَأْمُرُ بِالْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ، وَكَانَ الرُّسُلُ: سَدِيدَ الدَّوْلَةِ بْنَ الْأَنْبَارِيِّ، وَالْإِمَامَ الْأَسْعَدَ الْمِيهَنِيَّ، مُدَرِّسَ النِّظَامِيَّةِ، فَأَنْكَرَ الْبُرْسُقِيُّ أَنْ يَكُونَ جَرَى مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَجَابَ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَصَلَ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنْ مَنْكُبَرْسَ وَدُبَيْسًا قَدْ جَهَّزَا ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ مَنْصُورٍ أَخِي دُبَيْسٍ، وَالْأَمِيرِ حُسَيْنِ بْنِ أَزْبِكَ، رَبِيبِ مَنْكُبَرْسَ، وَسَيَّرُوهُمْ، وَعَبَرُوا عِنْدَ دَرْزِيجَانَ لِيَقْطَعُوا مَخَاضَةَ عِنْدَ دَيَالَى إِلَى بَغْدَاذَ، لِخُلُوِّهَا مِنْ عَسْكَرٍ يَحْمِيهَا وَيَمْنَعُ عَنْهَا.
فَعَادَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى بَغْدَاذَ، وَعَبَرَ الْجِسْرَ لِئَلَّا يَخَافَ النَّاسُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا الْخَبَرَ وَخَلَّفَ ابْنَهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا عَلَى عَسْكَرِهِ بِصَرْصَرَ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِيَّ بْنَ آقْسُنْقُرَ، فَوَصَلَ إِلَى دَيَالَى، وَمَنَعَ عَسْكَرَ مَنْكُبَرْسَ مِنَ الْعُبُورِ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ،
[ ٨ / ٦٣١ ]
فَأَتَاهُ كِتَابُ ابْنِهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ الصُّلْحَ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَانْكَسَرَ نَشَاطُهُ، حَيْثُ جَرَى هَذَا الْأَمْرُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَعَادَ نَحْوَ بَغْدَاذَ، وَعَبَرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَعَبَرَ مَنْصُورٌ وَحُسَيْنٌ فَسَارَا فِي عَسْكَرِهِمَا خَلْفَهُ، فَوَصَلَا بَغْدَاذَ عِنْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَنَزَلَا عِنْدَ جَامِعِ السُّلْطَانِ.
وَسَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ فَأَخَذَ بَرَكَهُ وَمَالَهُ وَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ فَخَيَّمَ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ الْعَتِيقَةِ، وَأَصْعَدَ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ، وَجُيُوشْ بِكْ، فَنَزَلَا عِنْدَ الْبِيمَارِسْتَانِ، وَأَصْعَدَ دُبَيْسٌ وَمَنْكُبَرْسُ فَخَيَّمَا تَحْتَ الرَّقَّةِ، وَأَقَامَ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ الْبُرْسُقِيِّ عِنْدَ مَنْكُبَرْسَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبِيهِ.
وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الصُّلْحِ أَنَّ جُيُوشْ بِكْ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ لَهُ وَلِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ، فَوَصَلَ كِتَابُ الرَّسُولِ مِنَ الْعَسْكَرِ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَقِيَ مِنَ السُّلْطَانِ إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَأَنَّهُ أَقْطَعَهُمَا أَذْرَبِيجَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ رَحِيلُهُمَا إِلَى بَغْدَاذَ اعْتَقَدَ أَنَّهُمَا قَدْ عَصَيَا عَلَيْهِ، فَعَادَ عَمَّا كَانَ اسْتَقِرَّ، وَيَقُولُ إِنَّ السُّلْطَانَ قَدْ جَهَّزَ عَسْكَرًا إِلَى الْمَوْصِلِ، فَوَقَعَ الْكِتَابُ بِيَدِ مَنْكُبَرْسَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى جُيُوشْ بِكْ، وَضَمِنَ لَهُ إِصْلَاحَ السُّلْطَانِ لَهُ وَلِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مَنْكُبَرْسَ مُتَزَوِّجًا بِأُمِّ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، وَاسْمُهَا سَرْجَهَانَ، وَكَانَ يُؤْثِرُ مَصْلَحَتَهُ لِذَلِكَ وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ، وَخَافَا مِنَ الْبُرْسُقِيِّ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ، فَاتَّفَقَا عَلَى إِرْسَالِ الْعَسْكَرِ دَرْزِيجَانَ لِيَنْفُذَ فِي مُقَابَلَتِهِ الْبُرْسُقِيُّ لِيَخْلُوَ الْعَسْكَرُ مِنْهُ، وَيَقَعَ الِاتِّفَاقُ، فَكَانَ الْأَمْرُ فِي مَسِيرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ مَحْبُوبًا لَدَى أَهْلِ بَغْدَاذَ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ وَوَصَلُوا إِلَى بَغْدَاذَ، تَفَرَّقَ عَنِ الْبُرْسُقِيِّ أَصْحَابُهُ وَجُمُوعُهُ، وَبَطَلَ مَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ التَّغَلُّبِ عَلَى الْعِرَاقِ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ، وَسَارَ عَنِ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودٍ، فَأَقَامَ مَعَهُ، وَاسْتَقَرَّ مَنْكُبَرْسَ فِي شِحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ، وَوَدَّعَهُ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، وَعَادَ إِلَى الْحِلَّةِ، بَعْدَ أَنْ طَالَبَ بِدَارِ أَبِيهِ بِدَرْبِ فَيْرُوزَ وَكَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ بِبَغْدَاذَ، فَصُولِحَ عَنْهَا بِمَالٍ.
وَأَقَامَ مَنْكُبَرْسَ بِبَغْدَاذَ يَظْلِمُ، وَيَعْسِفُ الرَّعِيَّةَ، وَيُصَادِرُهُمْ، فَاخْتَفَى أَرْبَابُ
[ ٨ / ٦٣٢ ]
الْأَمْوَالِ، وَانْتَقَلَ جَمَاعَةٌ إِلَى حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ خَوْفًا مِنْهُ، وَبَطَلَتْ مَعَايِشُ النَّاسِ، وَأَكْثَرَ أَصْحَابُهُ الْفَسَادَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَغْدَاذَ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا، فَعَلِمَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَنْكُبَرْسَ، فَأَتَاهُ وَكَسَرَ الْبَابَ وَجَرَحَ الزَّوْجَ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، وَابْتَنَى بِزَوْجَتِهِ، فَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاسْتَغَاثَ النَّاسُ لِهَذِهِ الْحَالِ، وَأَغْلَقُوا الْأَسْوَاقَ، فَأُخِذَ الْجُنْدِيُّ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فَاعْتُقِلَ أَيَّامًا ثُمَّ أُطْلِقَ.
وَسَمِعَ السُّلْطَانُ بِمَا يَفْعَلُهُ مَنْكُبَرْسُ بِبَغْدَاذَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى اللُّحُوقِ بِهِ، وَهُوَ يُغَالِطُ وَيُدَافِعُ، وَكُلَّمَا طَلَبَهُ السُّلْطَانُ لَجَّ فِي جَمْعِ الْأَمْوَالِ وَالْمُصَادَرَاتِ. فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ بَغْدَاذَ تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ، وَاسْتَدْعَاهُ إِيَّاهُ طَمِعُوا فِيهِ، فَسَارَ حِينَئِذٍ مَنْكُبَرْسُ عَنْهُمْ خَوْفًا أَنْ يَثُورُوا بِهِ، وَكَفَى النَّاسَ شَرَّهُ وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُسْتَتِرًا.
ذِكْرُ وَفَاةِ مَلِكِ الْفِرِنْجِ وَمَا كَانَ بَيْنَ الْفِرِنْجِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ تُوُفِّيَ بَغْدُوِينُ مَلِكُ الْقُدْسِ وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ فِي جَمْعِ الْفِرِنْجِ، قَاصِدًا مُلْكَهَا وَالتَّغَلُّبَ عَلَيْهَا وَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَلَغَ مَقَابِلَ تَنِّيسَ، وَسَبَحَ فِي النِّيلِ، فَانْتَقَضَ جُرْحٌ كَانَ بِهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ عَادَ إِلَى الْقُدْسِ، فَمَاتَ، وَوَصَّى بِبِلَادِهِ لِلْقُمَّصِ صَاحِبِ الرُّهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَسَرَهُ جَكَرْمِشُ، وَأَطْلَقَهُ جَاوْلِي سَقَّاوُو، وَاتَّفَقَ أَنَّ هَذَا الْقُمَّصَ كَانَ قَدْ سَارَ إِلَى الْقُدْسِ يَزُورُ بِيعَةَ قُمَامَةَ، فَلَمَّا وَصَّى إِلَيْهِ بِالْمُلْكِ قَبِلَهُ، وَاجْتَمَعَ لَهُ الْقُدْسُ وَالرُّهَا.
وَكَانَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ قَدْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَنَزَلَ بَيْنَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَكَفْرِ بَصَلٍ بِالْيَرْمُوكِ، فَخَفِيَتْ عَنْهُ وَفَاةُ بَغْدُوِينَ، حَتَّى سَمِعَ الْخَبَرَ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبَيْنَهُمْ نَحْوُ يَوْمَيْنِ، فَأَتَتْهُ رُسُلُ مَلِكِ الْفِرِنْجِ يَطْلُبُ الْمُهَادَنَةَ، فَاقْتَرَحَ عَلَيْهِ طُغْتِكِينُ تَرْكَ الْمُنَاصَفَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ مِنْ جَبَلِ عَوْفٍ، وَالْحَنَّانَةِ، وَالصَّلْتِ، وَالْغَوْرِ، فَلَمْ يُجِبْ
[ ٨ / ٦٣٣ ]
إِلَى ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ الْقُوَّةَ، فَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى طَبَرِيَّةَ فَنَهَبَهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَسَارَ مِنْهَا نَحْوَ عَسْقَلَانَ.
وَكَانَتْ لِلْمِصْرِيِّينَ وَبِهَا عَسَاكِرُهُمْ، وَكَانُوا قَدْ سَيَّرُوهَا لَمَّا عَادَ مَلَكُ الْقُدْسِ الْمُتَوَفَّى عَنْ مِصْرَ، وَكَانُوا سَبْعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَاجْتَمَعَ بِهِمْ طُغْتِكِينُ، وَأَعْلَمَهُ الْمُقْدَّمُ عَلَيْهِمْ أَنَّ صَاحَبَهُمْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ رَأْيِ طُغْتِكِينَ، وَالتَّصَرُّفِ عَلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ، فَأَقَامُوا بِعَسْقَلَانَ نَحْوَ شَهْرَيْنِ، وَلَمْ يُؤَثِّرُوا فِي الْفِرِنْجِ أَثَرًا، فَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ الصَّرِيخُ بِأَنَّ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنَ الْفِرِنْجِ أَخَذُوا حِصْنًا مِنْ أَعْمَالِهِ يُعْرَفُ بِالْحَبْسِ، يُعْرَفُ بِحِصْنِ جَلْدَكَ، سَلَّمَهُ إِلَيْهِمُ الْمُسْتَحْفِظُ بِهِ وَقَصَدُوا أَذَرِعَاتَ فَنَهَبُوهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِيُّ بْنُ طُغْتِكِينَ، فَانْحَازُوا عَنْهُ إِلَى جَبَلٍ هُنَاكَ، فَنَازَلَهُمْ، فَأَتَاهُ أَبُوهُ وَنَهَاهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَطَمِعَ فِيهِمْ فَلَمَّا أَيِسَ الْفِرِنْجُ قَاتَلُوا قِتَالَ مُسْتَقْتِلٍ، فَنَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ وَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلَةً صَادِقَةً هَزَمُوهُمْ بِهَا، وَأَسَرُوا وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ الْفَلُّ إِلَى دِمَشْقَ عَلَى أَسْوَأِ حَالٍ.
فَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى حَلَبَ، وَبِهَا إِيلْغَازِي، فَاسْتَنْجَدَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ التَّعَاضُدَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَوَعَدَهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ بِحَلَبَ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ قَصَدُوا حَوْرَانَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، فَنَهَبُوا وَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَعَادُوا، فَاتَّفَقَ رَأْيُ طُغْتِكِينَ وَإِيلْغَازِي عَلَى عَوْدِ طُغْتِكِينَ إِلَى دِمَشْقَ، وَحِمَايَةِ بِلَادِهِ، وَعَوْدِ إِيلْغَازِي إِلَى مَارِدِينَ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى حَرْبِ الْفِرِنْجِ فَصَالَحَ إِيلْغَازِي مَنْ يَلِيهُ مِنَ الْفِرِنْجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَعَبَرَ إِلَى مَارِدِينَ لِجَمْعِ الْعَسَاكِرِ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَ الْغَيْثُ، وَعَدِمَتِ الْغَلَّاتُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ أَشَدُّهُ بِالْعِرَاقِ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَأَجْلَى أَهْلُ السَّوَادِ، وَتَقَوَّتَ النَّاسُ بِالنُّخَالَةِ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ بِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ مَنْكُبَرْسُ بِهِمْ.
وَفِيهَا أَسْقَطَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ مِنَ الْإِقْطَاعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ كُلَّ جَوْرٍ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ إِلَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْقَدِيمَةُ، وَأَطْلَقَ ضَمَانَ غَزْلِ الذَّهَبِ، وَكَانَ صُنَّاعُ السِّقْلَاطُونِ، وَالْمُمَزَّجِ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُ مِنْهُ، يَلْقَوْنَ شِدَّةً مِنَ الْعُمَّالِ عَلَيْهَا، وَأَذًى عَظِيمًا.
[ ٨ / ٦٣٤ ]
وَفِيهَا تَأَخَّرَ مَسِيرُ الْحَجَّاجِ تَأَخُّرًا أُرْجِفَ بِسَبَبِهِ بِانْقِطَاعِ الْحَجِّ مِنَ الْعِرَاقِ فَرَتَّبَ الْخَلِيفَةُ الْأَمِيرَ نَظَرَ، خَادِمَ أَمِيرِ الْجُيُوشِ يُمْنَ، وَوَلَّاهُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ، وَسَيَّرَهُ، فَأَدْرَكُوا الْحَجَّ وَظَهَرَتْ كِفَايَةُ نَظَرَ.
وَفِيهَا وَصَلَ مَرْكِبَانِ كَبِيرَانِ فِيهِمَا قُوَّةٌ وَنَجْدَةٌ لِلْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، فَغَرِقَا، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ خَافُوا مِمَّنْ فِيهِمَا.
وَفِيهَا وَصَلَ رَسُولُ إِيلْغَازِي، صَاحِبُ حَلْبَ وَمَارِدِينَ، إِلَى بَغْدَاذَ يَسْتَنْفِرُ عَلَى الْفِرِنْجِ، وَيَذْكُرُ مَا فَعَلُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ مَلَكُوا قَلْعَةً عِنْدَ الرُّهَا، وَقَتَلُوا أَمِيرَهَا ابْنَ عُطَيْرٍ، فَسُيِّرَتِ الْكُتُبُ بِذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ.
وَفِيهَا نُقِلَ الْمُسْتَظْهِرُ إِلَى الرُّصَافَةِ، وَجَمِيعُ مَنْ كَانَ مَدْفُونًا بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَفِيهِمْ جَدَّةُ الْمُسْتَظْهِرِ أُمُّ الْمُقْتَدِي، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا بَعْدَ الْمُسْتَظْهِرِ، وَرَأَتِ الْبَطْنَ الرَّابِعَ مِنْ أَوْلَادِهَا.
وَفِيهَا كَثُرَ أَمْرُ الْعَيَّارِينِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ نَائِبُ الشِّحْنَةِ فِي خَمْسِينَ غُلَامًا أَتْرَاكًا، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَدِ فِي مِائَتَيْ غُلَامٍ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ، وَنَهَبَ الْعَيَّارُونَ يَوْمَئِذٍ قُطُفْتَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ وَلَدِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ بَلَدِ بُخَارَى، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ.
وَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيُّ، نَقِيبُ النُّقَبَاءِ بِبَغْدَاذَ، فِي صَفَرٍ، وَاسْتَقَالَ مِنَ النِّقَابَةِ، فَوَلِيَهَا أَخُوهُ طَرَّادٌ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ.
[ ٨ / ٦٣٥ ]
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، الْمُحَدِّثُ الْمَشْهُورُ مِنْ بَيْتِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ فِيهِ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْخَازِنِ، وَكَانَ أَدِيبًا، ظَرِيفًا، لَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ، وَقَدْ قَصَدَ زِيَارَةَ صَدِيقٍ لَهُ، فَلَمْ يَرَهُ، فَأَدْخَلَهُ غِلْمَانُهُ إِلَى بُسْتَانٍ فِي الدَّارِ، وَحَمَّامٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
وَافَيْتُ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ أَرَ صَاحِبًا إِلَّا تَلَقَّانِي بِوَجْهٍ ضَاحِكِ
وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِ الْغُلَامِ نَتِيجَةٌ لِمُقَدِّمَاتِ ضِيَاءِ وَجْهِ الْمَالِكِ
وَدَخَلْتُ جَنَّتَهُ، وَزُرْتُ جَحِيمَهُ فَشَكَرْتُ رِضْوَانًا وَرَأْفَةَ مَالِكِ
[ ٨ / ٦٣٦ ]