٥٨٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ نَقْلِ الْعَادِلِ مِنْ حَلَبَ، وَالْمَلِكِ الْعَزِيزِ إِلَى مِصْرَ، وَإِخْرَاجِ الْأَفْضَلِ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ وَإِقْطَاعِهِ إِيَّاهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخْرَجَ صَلَاحُ الدِّينِ وَلَدَهُ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَقْطَعَهَا لَهُ، وَأَخَذَ حَلَبَ مِنْ أَخِيهِ الْعَادِلِ، وَسَيَّرَهُ مَعَ وَلَدِهِ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ إِلَى مِصْرَ، وَجَعَلَهُ نَائِبًا عَنْهُ، وَاسْتَدْعَى تَقِيَّ الدِّينِ مِنْهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَ تَقِيَّ الدِّينِ بِمِصْرَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَجَعَلَ مَعَهُ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا، فَأَرْسَلَ تَقِيُّ الدِّينِ يَشْكُو مِنَ الْأَفْضَلِ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ مَعَهُ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا إِذَا أَرَادَ تَقِيُّ الدِّينِ مُعَاقَبَةَ أَحَدٍ مَنَعَهُ.
فَأَحْضَرَ وَلَدَهُ الْأَفْضَلَ، وَقَالَ لِتَقِيِّ الدِّينِ: لَا تَحْتَجَّ فِي الْخَرَاجِ وَغَيْرِهِ بِحُجَّةٍ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ إِخْرَاجَ وَلَدِهِ الْأَفْضَلِ لِيَنْفَرِدَ بِمِصْرَ حَتَّى يَمْلَكَهَا إِذَا مَاتَ صَلَاحُ الدِّينِ.
فَلَمَّا قَوِيَ هَذَا الْخَاطِرُ عِنْدَهُ أَحْضَرَ أَخَاهُ الْعَادِلَ مِنْ حَلَبَ وَسَيَّرَهُ إِلَى مِصْرَ وَمَعَهُ وَلَدُهُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ، وَاسْتَدْعَى تَقِيَّ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، وَجَمَعَ الْأَجْنَادَ وَالْعَسَاكِرَ لِيَسِيرَ إِلَى الْمَغْرِبِ، إِلَى مَمْلُوكِهِ قَرَاقُوشَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ وَبَرْقَةَ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ يُرَغِّبُهُ فِي تِلْكَ [الْبِلَادِ]، فَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ أَجْنَادَ الْعَسْكَرِ وَأَكْثَرَ مِنْهُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ صَلَاحُ الدِّينِ سَاءَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَمْنَعُهُ لَمْ يُجِبْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: أُرِيدُ أَنْ تَحْضُرَ عِنْدِي لِأُوَدِّعَكَ، وَأُوصِيَكَ بِمَا تَفْعَلُهُ، فَلَمَّا حَضَرَ
[ ١٠ / ١٥ ]
عِنْدَهُ مَنَعَهُ، وَزَادَ فِي إِقْطَاعِهِ، فَصَارَ إِقْطَاعُهُ حَمَاةَ، وَمَنْبَجَ، وَالْمَعَرَّةَ، وَكَفْرَ طَابَ، وَمَيَّافَارِقِينَ، وَجَبَلَ جَوْرٍ، بِجَمِيعِ أَعْمَالِهَا.
وَكَانَ تَقِيُّ الدِّينِ قَدْ سَيَّرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ مَمْلُوكَهُ بِوَزَّابَةَ، فَاتَّصَلَ بِقَرَاقُوشَ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَقَدْ بَلَغَنِي مِنْ خَبِيرٍ بِأَحْوَالِ صَلَاحِ الدِّينِ أَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى أَخْذِ حَلَبَ مِنَ الْعَادِلِ، وَإِعَادَةِ تَقِيِّ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ، أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ لَمَّا مَرِضَ بِحَرَّانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، أُرْجِفَ بِمِصْرَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ.
فَجَرَى مِنْ تَقِيِّ الدِّينِ حَرَكَاتُ مَنْ يُرِيدُ [أَنَّ] يَسْتَبِدَّ بِالْمُلْكِ، فَلَمَّا عُوفِيَ صَلَاحُ الدِّينِ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ الْفَقِيهَ عِيسَى الْهَكَّارِيَّ، وَكَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ عِنْدَهُ، مُطَاعًا فِي الْجُنْدِ، إِلَى مِصْرَ، وَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ تَقِيِّ الدِّينِ وَالْمَقَامِ بِمِصْرَ.
فَسَارَ مُجِدًّا، فَلَمْ يَشْعُرْ تَقِيُّ الدِّينِ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ الْفَقِيهُ عِيسَى إِلَى دَارِهِ بِالْقَاهِرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، فَطَلَبَ أَنْ يُمْهَلَ إِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: تُقِيمُ خَارِجَ [الْمَدِينَةِ] وَتَتَجَهَّزُ.
فَخَرَجَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الدُّخُولَ إِلَى الْغَرْبِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَطْلُبُهُ، فَسَارَ إِلَى الشَّامِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا، كَرِيمًا صَبُورًا، ﵀.
وَأَمَّا أَخْذُ حَلَبَ مِنَ الْعَادِلِ، فَإِنَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ جُنْدِهَا أَمِيرٌ كَبِيرٌ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ جَنْدَرٍ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاحِ الدِّينِ صُحْبَةٌ قَدِيمَةٌ، قَبْلَ الْمُلْكِ.
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَاقِلًا ذَا مَكْرٍ وَدَهَاءٍ، فَاتُّفِقَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَمَّا كَانَ بِحَلَبَ لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ مَا كَانَ يَظُنُّهُ، وَقَدَّمَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَتَأَثَّرَ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا مَرِضَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَعُوفِيَ، سَارَ إِلَى الشَّامِ، فَسَايَرَهُ يَوْمًا سُلَيْمَانُ بْنُ جَنْدَرٍ، فَجَرَى حَدِيثُ مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: بِأَيِّ رَأْيٍ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تَمْضِي إِلَى الصَّيْدِ فَلَا يُخَالِفُونَكَ؟ بِاللَّهِ مَا تَسْتَحِي يَكُونُ الطَّائِرُ أَهْدَى مِنْكَ إِلَى الْمَصْلَحَةِ؟ ! قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ وَهُوَ يَضْحَكُ.
قَالَ: إِذَا أَرَادَ الطَّائِرُ أَنْ يَعْمَلَ عُشًّا لِفِرَاخِهِ قَصَدَ أَعَالِيَ الشَّجَرِ لِيَحْمِيَ فِرَاخَهُ، وَأَنْتَ سَلَّمْتَ الْحُصُونَ إِلَى أَهْلِكَ، وَجَعَلْتَ أَوْلَادَكَ عَلَى الْأَرْضِ. هَذِهِ حَلَبُ بِيَدِ أَخِيكَ وَحَمَاةُ بِيَدِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَحِمْصُ بِيَدِ ابْنِ شِيرِكُوهُ، وَابْنُكَ الْعَزِيزُ مَعَ تَقِيِّ الدِّينِ بِمِصْرَ يُخْرِجُهُ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ، وَهَذَا ابْنُكَ الْآخَرُ مَعَ أَخِيكَ فِي خَيْمَةٍ يَفْعَلُ بِهِ مَا أَرَادَ.
فَقَالَ لَهُ صَدَقْتَ، وَاكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ، ثُمَّ أَخَذَ حَلَبَ مِنْ أَخِيهِ، وَأَخْرَجَ تَقِيَّ الدِّينِ مِنْ مِصْرَ، ثُمَّ أَعْطَى أَخَاهُ الْعَادِلَ حَرَّانَ وَالرُّهَا وَمَيَّافَارِقِينَ لِيُخْرِجَهُ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ، لِتَبْقَى لِأَوْلَادِهِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ مَا فَعَلَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى نَقْلَ
[ ١٠ / ١٦ ]
الْمُلْكِ عَنْ أَوْلَادِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْبَهْلَوَانِ وَمُلْكِ أَخِيهِ قُزَلَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي أَوَّلِهَا، تُوُفِّيَ الْبَهْلَوَانُ مُحَمَّدُ بْنُ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبُ بَلَدِ الْجَبَلِ وَالرَّيِّ وَأَصْفَهَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانِيَّةَ وَغَيْرِهَا مِنِ الْبِلَادِ، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، عَاقِلًا، حَلِيمًا، ذَا سِيَاسَةٍ حَسَنَةٍ لِلْمُلْكِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ فِي أَيَّامِهِ آمِنَةً وَالرَّعَايَا مُطَمْئِنَةً.
فَلَمَّا مَاتَ جَرَى بِأَصْفَهَانَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّهْبِ مَا يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ، وَكَانَ قَاضِي الْبَلَدِ رَأْسَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ الْخُجَنْدِيِّ رَأْسَ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ الرَّيِّ أَيْضًا فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهَا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَخُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ.
وَلَمَّا مَاتَ الْبَهْلَوَانُ مَلَكَ أَخُوهُ قُزَل أَرْسَلَانَ وَاسْمُهُ عُثْمَانُ، وَكَانَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْ بْنُ أَرْسِلَانَ بْنِ طُغْرُلْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهَ مَعَ الْبَهْلَوَانِ، وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِي الْبِلَادِ بِالسَّلْطَنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْبِلَادُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَمْوَالُ بِحُكْمِ الْبَهْلَوَانِ.
فَلَمَّا مَاتَ الْبَهْلَوَانُ خَرَجَ طُغْرُلْ عَنْ حُكْمِ قُزَلَ، وَلَحِقَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنْدِ، فَاسْتَوْلَى عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُزَلَ حُرُوبٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَانْحِيَازِ الْقُمُّصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ]
كَانَ الْقُمُّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَاسْمُهُ رِيمَنْدُ بْنُ رِيمَنْدَ الصَّنْجَيْلِيُّ، قَدْ تَزَوَّجَ بِالْقُومَصَةِ، صَاحِبَةِ طَبَرِيَّةَ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ عِنْدَهَا بِطَبَرِيَّةَ.
وَمَاتَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، وَكَانَ مَجْذُومًا، وَأَوْصَى بِالْمُلْكِ إِلَى ابْنِ أُخْتٍ لَهُ، وَكَانَ صَغِيرًا، فَكَفَلَهُ الْقُمُّصُ، وَقَامَ بِسِيَاسَةِ الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْفِرِنْجِ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَكْبَرُ مِنْهُ شَأْنًا، وَلَا أَشْجَعُ رَأْيًا مِنْهُ، فَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ بِسَبَبِ هَذَا الصَّغِيرِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ الصَّغِيرَ تُوُفِّيَ، فَانْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى أُمِّهِ، فَبَطَلَ مَا كَانَ الْقُمُّصُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ [بِهِ] .
[ ١٠ / ١٧ ]
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمَلِكَةَ هَوِيَتْ رَجُلًا مِنَ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ قَدِمُوا الشَّامَ مِنَ الْغَرْبِ اسْمُهُ كِي، فَتَزَوَّجَتْهُ، وَنَقَلَتِ الْمُلْكَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَتِ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَحْضَرَتِ الْبَطْرَكَ، وَالْقُسُوسَ، وَالرُّهْبَانَ، وَالِاسْبِتَارِيَّةَ، وَالدَّاوِيَّةَ، وَالْبَارُونِيَّةَ، وَأَعْلَمَتْهُمْ أَنَّهَا قَدْ رَدَّتِ الْمُلْكَ إِلَيْهِ، وَأَشْهَدَتْهُمْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ، وَدَانُوا لَهُ.
فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْقُمُّصِ، وَسُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَطُولِبَ بِحِسَابِ مَا جَبَى مِنَ الْأَمْوَالِ مُدَّةَ وِلَايَةِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ، وَزَادَهُ ذَلِكَ نُفُورًا، وَجَاهَرَ بِالْمُشَاقَّةِ وَالْمُبَايَنَةِ، وَرَاسَلَ صَلَاحَ الدِّينِ، وَانْتَمَى إِلَيْهِ، وَاعْتَضَدَ بِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى بُلُوغِ غَرَضِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ.
فَفَرِحَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ، وَالسَّعْيَ لَهُ فِي كُلِّ مَا يُرِيدُ، وَضَمِنَ لَهُ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ مَلِكًا مُسْتَقِلًّا لِلْفِرِنْجِ قَاطِبَةً، وَكَانَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُرْسَانِ الْقُمُّصِ أَسْرَى فَأَطْلَقَهُمْ.
فَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمَ مَحَلٍّ، وَأَظْهَرَ طَاعَةَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَوَافَقَهُ عَلَى مَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَاخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ وَتَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِفَتْحِ بِلَادِهِمْ، وَاسْتِنْقَاذِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْهُمْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَسَيَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ السَّرَايَا نَاحِيَةَ طَبَرِيَّةَ، فَشَنَّتِ الْغَارَاتِ عَلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَخَرَجَتْ سَالِمَةً غَانِمَةً، فَوَهَنَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ، وَضَعُفُوا وَتَجَرَّأَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَطَمِعُوا فِيهِمْ.
ذِكْرُ غَدْرِ الْبِرِنْسِ أَرْنَاطَ
كَانَ الْبِرِنْسُ أَرْنَاطُ، صَاحِبُ الْكَرَكِ، مِنْ أَعْظَمِ الْفِرِنْجِ وَأَخْبَثِهِمْ، وَأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمِهِمْ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ مِنْهُ قَصَدَهُ بِالْحَصْرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَبِالْغَارَةِ عَلَى بِلَادِهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَذَلَّ، وَخَضَعَ، وَطَلَبَ الصُّلْحَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَهَادَنَهُ وَتَحَالَفَا، وَتَرَدَّدَتِ الْقَوَافِلُ مِنَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، وَمِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ اجْتَازَ بِهِ قَافِلَةٌ عَظِيمَةٌ غَزِيرَةُ الْأَمْوَالِ، كَثِيرَةُ الرِّجَالِ، وَمَعَهَا جَمَاعَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْأَجْنَادِ، فَغَدَرَ اللَّعِينُ بِهِمْ، وَأَخَذَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ
[ ١٠ / ١٨ ]
وَدَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، وَأَوْدَعَ السُّجُونَ مَنْ أَسْرَهُ مِنْهُمْ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يَلُومُهُ، وَيُقَبِّحُ فِعْلَهُ وَغَدْرَهُ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يُطْلِقِ الْأَسْرَى وَالْأَمْوَالَ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَنَذَرَ صَلَاحُ الدِّينِ نَذْرًا أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ ظَفَرَ [بِهِ]، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
كَانَ الْمُنَجِّمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَدْ حَكَمُوا أَنَّ هَذِهِ السَّنَةَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ تَجْتَمِعُ الْكَوَاكِبُ الْخَمْسَةُ فِي بُرْجِ الْمِيزَانِ، وَيَحْدُثُ بِاقْتِرَانِهَا رِيَاحٌ شَدِيدَةٌ، وَتُرَابٌ يُهْلِكُ الْعِبَادَ وَيُخَرِّبُ الْبِلَادَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ صِحَّةٌ، وَلَمْ يَهُبَّ مِنَ الرِّيَاحِ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، حَتَّى إِنَّ غِلَالَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ تَأَخَّرَ نَجَازُهَا لِعَدَمِ الْهَوَاءِ الَّذِي يَذْرِي بِهِ الْفَلَّاحُونَ، فَأَكْذَبَ اللَّهُ أُحْدُوثَةَ الْمُنَجِّمِينَ وَأَخْزَاهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرِّيِّ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ بَرِّيٍّ النَّحْوِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ١٠ / ١٩ ]