٥٦٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ عَوْدِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَسِيرَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ، وَمَا كَانَ مِنْهُ، وَقُفُولُهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ أَقَامَ عَلَى حَالِهِ فِي خِدْمَةِ نُورِ الدِّينِ إِلَى الْآنِ.
وَكَانَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْهَا لَا يَزَالُ يَتَحَدَّثُ بِهَا وَبِقَصْدِهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ تَجَهَّزَ وَسَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ فِي جَيْشٍ قَوِيٍّ، وَسَيَّرَ مَعَهُ نُورُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَكَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى جِدَّ أَسَدِ الدِّينِ فِي الْمَسِيرِ لَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا أَنْ يُسَيِّرَ مَعَهُ جَمْعًا خَوْفًا مِنْ حَادِثٍ يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِمْ، فَيَضْعُفُ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ مَعَهُ عَسْكَرُهُ سَارَ إِلَى مِصْرَ عَلَى الْبَرِّ، وَتَرَكَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ عَلَى يَمِينِهِ، فَوَصَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَقَصَدَ إِطْفِيحَ، وَعَبَرَ النِّيلَ عِنْدَهَا إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَنَزَلَ بِالْجِيزَةِ مُقَابِلَ مِصْرَ، وَتَصَرَّفَ فِي الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ، وَحَكَمَ عَلَيْهَا، وَأَقَامَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ شَاوُرُ لَمَّا بَلَغَهُ مَجِيءُ أَسَدِ الدِّينِ إِلَيْهِمْ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَأَتَوْهُ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، طَمَعًا فِي مُلْكِهَا، وَخَوْفًا أَنْ يَمْلِكَهَا أَسَدُ الدِّينِ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ مَقَامٌ مَعَهُ وَمَعَ نُورِ الدِّينِ، فَالرَّجَاءُ يَقُودُهُمْ، وَالْخَوْفُ يَسُوقُهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مِصْرَ عَبَرُوا إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَكَانَ أَسَدُ الدِّينِ وَعَسَاكِرُهُ قَدْ سَارُوا إِلَى الصَّعِيدِ، فَبَلَغَ مَكَانًا يُعْرَفُ بِالْبَابَيْنِ، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ وَالْفِرِنْجُ وَرَاءَهُ، فَأَدْرَكُوهُ بِهَا الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ أَرْسَلَ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ وَالْفِرِنْجِ جَوَّاسِينَ، فَعَادُوا إِلَيْهِ، وَأَخْبَرُوهُ بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ، وَجَدِّهِمْ فِي طَلَبِهِ، فَعَزَمَ عَلَى قِتَالِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ خَافَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ تَضْعُفَ نُفُوسُهُمْ عَنِ الثَّبَاتِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْخَطَرِ الَّذِي عَطَبُهُمْ فِيهِ أَقْرَبُ مِنْ سَلَامَتِهِمْ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَبِلَادِهِمْ،
[ ٩ / ٣٢٧ ]
وَخَطَرِ الطَّرِيقِ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَكُلُّهُمْ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِعُبُورِ النِّيلِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ نَحْنُ انْهَزَمْنَا، وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، فَإِلَى أَيْنَ نَلْتَجِئُ، وَبِمَنْ نَحْتَمِي، وَكُلُّ مَنْ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ مِنْ جُنْدِيٍّ وَعَامِيٍّ وَفَلَّاحٍ عَدُوٌّ لَنَا؟
فَقَامَ أَمِيرٌ مِنْ مَمَالِيكِ نُورِ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ شَرَفُ الدِّينِ بَزْغُشُ، صَاحِبُ شَقِيفَ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَقَالَ: مَنْ يَخَافُ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ فَلَا يَخْدِمُ الْمُلُوكَ بَلْ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ عُدْنَا إِلَى نُورِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَلَا بَلَاءٍ نُعْذَرُ فِيهِ لِيَأْخُذَنَّ مَا لَنَا مِنْ أَقْطَاعٍ وَجَامِكِيَّةٍ، وَلَيَعُودَنَّ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ مَا أَخَذْنَاهُ مُنْذُ خَدَمْنَاهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَيَقُولُ: تَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَتَفِرُّونَ عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَتُسَلِّمُونَ مِثْلَ مِصْرَ إِلَى الْكُفَّارِ! وَالْحَقُّ بِيَدِهِ.
فَقَالَ أَسَدُ الدِّينِ: هَذَا الرَّأْيُ، وَبِهِ أَعْمَلُ، وَقَالَ ابْنُ أَخِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ مِثْلَهُ، وَكَثُرَ الْمُوَافِقُونَ لَهُمْ، وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ وَهُوَ عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَجَعَلَ الْأَثْقَالَ فِي الْقَلْبِ يَتَكَثَّرُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتْرُكَهَا بِمَكَانٍ آخَرَ فَيَنْهَبُهَا أَهْلُ الْبِلَادِ، وَجَعَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الْقَلْبِ، وَقَالَ وَلِمَنْ مَعَهُ: إِنَّ الْمِصْرِيِّينَ وَالْفِرِنْجَ يَجْعَلُونَ حَمْلَتَهُمْ عَلَى الْقَلْبِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنِّي فِيهِ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَلَا تَصْدُقُوهُمُ الْقِتَالَ، وَلَا تُهْلِكُوا نُفُوسَكُمْ، وَانْدَفِعُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَإِذَا عَادُوا عَنْكُمْ، فَارْجِعُوا فِي أَعْقَابِهِمْ.
وَاخْتَارَ هُوَ مِنْ شُجْعَانِ عَسْكَرِهِ جَمْعًا يَثِقُ بِهِمْ وَيَعْرِفُ صَبْرَهُمْ فِي الْحَرْبِ، وَوَقَفَ بِهِمْ فِي الْمَيْمَنَةِ، فَلَمَّا تَقَاتَلَ الطَّائِفَتَانِ فَعَلَ الْفِرِنْجُ مَا ذَكَرَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى الْقَلْبِ، فَقَاتَلَهُمْ مَنْ بِهِ قِتَالًا يَسِيرًا، وَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَحَمَلَ حِينَئِذٍ أَسَدُ الدِّينِ فِيمَنْ مَعَهُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الَّذِينَ حَمَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، فَهَزَمَهُمْ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَأَثْخَنَ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، فَلَمَّا عَادَ الْفِرِنْجُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ رَأَوْا عَسْكَرَهُمْ مَهْزُومًا، وَالْأَرْضَ قَفْرًا، فَانْهَزَمُوا أَيْضًا، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا يُؤَرَّخُ أَنَّ أَلْفَيْ فَارِسٍ تَهْزِمُ عَسَاكِرَ مِصْرَ وَفِرِنَجَ السَّاحِلِ.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
ذِكْرُ مُلْكِ أَسَدِ الدِّينِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ وَعَوْدِهِ إِلَى الشَّامِ
لَمَّا انْهَزَمَ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ مِنْ أَسَدِ الدِّينِ بِالْبَابَيْنِ سَارَ إِلَى ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَجَبَى مَا فِي الْقُرَى عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَوَصَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَتَسَلَّمَهَا بِمُسَاعَدَةٍ مِنْ أَهْلِهَا سَلَّمُوهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَنَابَ بِهَا صَلَاحَ الدِّينِ ابْنَ أَخِيهِ وَعَادَ إِلَى الصَّعِيدِ، فَمَلَكَهُ، وَجَبَى أَمْوَالَهُ، وَأَقَامَ بِهِ حَتَّى صَامَ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ عَادُوا وَاجْتَمَعُوا عَلَى الْقَاهِرَةِ، وَأَصْلَحُوا حَالَ عَسَاكِرِهِمْ، وَجَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَحَصَرُوا صَلَاحَ الدِّينِ بِهَا، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ، وَقَلَّ الطَّعَامُ عَلَى مَنْ بِهَا، فَصَبَرَ أَهْلُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَارَ أَسَدُ الدِّينِ مِنَ الصَّعِيدِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ شَاوُرُ قَدْ أَفْسَدَ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَوَصَلَ رُسُلُ الْفِرِنْجِ وَالْمِصْرِيِّينَ يَطْلُبُونَ الصُّلْحَ، وَبَذَلُوا لَهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ سِوَى مَا أَخَذَهُ مِنَ الْبِلَادِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَشَرَطَ [عَلَى] الْفِرِنْجِ أَنْ لَا يُقِيمُوا بِالْبِلَادِ، وَلَا يَتَمَلَّكُوا مِنْهَا قَرْيَةً وَاحِدَةً، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَاصْطَلَحُوا وَعَادَ إِلَى الشَّامِ، وَتَسَلَّمَ الْمِصْرِيُّونَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ، وَوَصَلَ شِيرِكُوهْ إِلَى دِمَشْقَ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمُ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِالْقَاهِرَةِ شِحْنَةٌ، وَتَكُونَ أَبْوَابُهَا بِيَدِ فُرْسَانِهِمْ لِيَمْتَنِعَ نُورُ الدِّينِ مِنْ إِنْفَاذِ عَسْكَرٍ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونَ لَهُمْ مِنْ دَخْلِ مِصْرَ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. هَذَا كُلُّهُ اسْتَقَرَّ مَعَ شَاوُرَ، فَإِنَّ الْعَاضِدَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُكْمٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ وَحَجَبَهُ عَنِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَعَادَ الْفِرِنْجُ إِلَى بِلَادِهِمْ بِالسَّاحِلِ الشَّامِيِّ، وَتَرَكُوا بِمِصْرَ جَمَاعَةً مِنْ مَشَاهِيرِ فُرْسَانِهِمْ.
وَكَانَ الْكَامِلُ شُجَاعُ بْنُ شَاوُرَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَعَ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ يُنْهِي
[ ٩ / ٣٢٩ ]
مَحَبَّتَهُ وَوَلَاءَهُ، وَيَسْأَلُهُ الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَيَجْمَعَ الْكَلِمَةَ بِمِصْرَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَبَذَلَ مَالًا يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا جَزِيلًا، فَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَصَدَ الْفِرِنْجُ مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ صَافَيْثَا وَعُرَيْمَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ نُورُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مِنَ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى حِمْصَ، فَدَخَلَ نُورُ الدِّينِ بِالْعَسَاكِرِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَاجْتَازُوا عَلَى حِصْنِ الْأَكْرَادِ، فَأَغَارُوا وَنَهَبُوا، وَقَصَدُوا عِرْقَةَ، فَنَازَلُوهَا، وَحَصَرُوهَا، وَحَصَرُوا حَلْبَةَ وَأَخَذُوهَا وَخَرَّبُوهَا، وَسَارَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ يَمِينًا وَشِمَالًا تُغِيرُ وَتُخَرِّبُ الْبِلَادَ، وَفَتَحُوا الْعُرَيْمَةَ وَصَافَيْثَا، وَعَادُوا إِلَى حِمْصَ فَصَامُوا بِهَا رَمَضَانَ.
ثُمَّ سَارُوا إِلَى بَانِيَاسَ، وَقَصَدُوا حِصْنَ هُونِينَ، وَهُوَ لِلْفِرِنْجِ أَيْضًا، مِنْ أَمْنَعِ حُصُونِهِمْ وَمَعَاقِلِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ عَنْهُ وَأَحْرَقُوهُ، فَوَصَلَ نُورُ الدِّينِ مِنَ الْغَدِ فَهَدَمَ سُورَهُ جَمِيعَهُ، وَأَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى بَيْرُوتَ، فَتَجَدَّدَ فِي الْعَسْكَرِ خُلْفٌ أَوْجَبَ التَّفَرُّقَ، فَعَادَ قُطْبُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَعْطَاهُ نُورُ الدِّينِ مَدِينَةَ الرَّقَّةِ عَلَى الْفُرَاتِ، وَكَانَتْ لَهُ، فَأَخَذَهَا فِي طَرِيقِهِ وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ قَصْدِ ابْنِ سَنْكَا الْبَصْرَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ ابْنُ سَنْكَا فَقَصَدَ الْبَصْرَةَ، وَنَهَبَ بَلَدَهَا وَخَرَّبَهُ مِنَ الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَسَارَ إِلَى مَطَارَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ كَمُشْتَكِينُ، صَاحِبُ الْبَصْرَةِ، وَوَاقَعَهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَ كَمُشْتَكِينُ إِلَى وَاسِطٍ، فَاجْتَمَعَ بِشَرَفِ الدِّينِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبَلَدِيِّ النَّاظِرِ فِيهَا، وَمَعَهُمَا مُقْطِعُهُمَا أَرْغَشُ، وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ ابْنَ سَنْكَا وَاصِلٌ إِلَى وَاسِطٍ، فَخَافَ النَّاسُ مِنْهُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا.
[ ٩ / ٣٣٠ ]
ذِكْرُ قَصْدِ شُمْلَةَ الْعِرَاقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ شُمْلَةُ صَاحِبُ خُوزَسْتَانَ إِلَى قَلْعَةِ الْمَاهِكِيِّ، مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ يَطْلُبُ شَيْئًا مِنَ الْبِلَادِ، وَيَشْتَطُّ فِي الطَّلَبِ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ أَكْثَرَ عَسَاكِرِهِ إِلَيْهِ ; لِيَمْنَعُوهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيَّ يَلُومُهُ، وَيُحَذِّرُهُ عَاقِبَةَ فِعْلِهِ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِيلْدِكْزَ وَالسُّلْطَانَ أَرْسِلَان شَاهْ أَقْطَعَا الْمَلِكَ الَّذِي عِنْدَهُ، وَهُوَ وَلَدُ مَلِكْشَاهْ، الْبَصْرَةَ وَوَاسِطًا وَالْحِلَّةَ، وَعَرَضَ التَّوْقِيعَ بِذَلِكَ، وَقَالَ: أَنَا أَقْنَعُ بِثُلُثِ ذَلِكَ، فَعَادَ الدِّمَشْقِيُّ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بَلَعْنِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَجُمِعَتِ الْعَسَاكِرُ وَسُيَّرَتِ إِلَى أَرَغْشَ الْمُسْتَرْشِدِيِّ، وَكَانَ بِالنُّعْمَانِيَّةِ هُوَ وَشَرَفُ الدِّينِ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَلَدِيِّ، نَاظِرُ وَاسِطٍ، مُقَابِلَ شُمْلَةَ.
ثُمَّ إِنَّ شُمْلَةَ أَرْسَلَ قَلْجَ ابْنَ أَخِيهِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ ; لِقِتَالِ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَرَكِبَ أَرْغَشُ فِي بَعْضِ الْعَسْكَرِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَسَارَ إِلَى قَلْجَ، فَحَارَبَهُ، فَأَسَرَ قَلْجَ وَبَعْضَ أَصْحَابِهِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى بَغْدَادَ، وَبَلَغَ شُمْلَةَ، وَطَلَبَ الصُّلْحَ، فَلَمْ تَقَعِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ أَرْغَشَ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ بَعْدَ الْوَقْعَةِ، فَمَاتَ وَبَقِيَ شُمْلَةُ مُقِيمًا مُقَابِلَ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ رَحَلَ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ سَفَرِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى غَازِي بْنُ حَسَّانٍ الْمَنْبِجِيُّ عَلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي صَاحِبِ الشَّامِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ قَدْ أَقْطَعَهُ مَدِينَةَ مَنْبِجٍ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، فَحَصَرُوهُ، وَأَخَذُوهَا مِنْهُ، وَأَقْطَعَهَا نُورُ الدِّينِ أَخَاهُ قُطْبَ الدِّينِ يَنَالَ بْنَ حَسَّانٍ، وَكَانَ عَادِلًا، خَيِّرًا، مُحْسِنًا إِلَى الرَّعِيَّةِ، جَمِيلَ السِّيرَةِ، فَبَقِيَ فِيهَا إِلَى أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَخْرُ الدِّينِ قُرَا أَرْسِلَان بْنُ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ بْنِ أَرْتَقَ صَاحِبُ حِصْنِ
[ ٩ / ٣٣١ ]
كَيْفَا وَأَكْثَرِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، صَاحِبِ الشَّامِ، يَقُولُ لَهُ: بَيْنَنَا صُحْبَةٌ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ أُرِيدُ أَنْ تَرْعَى بِهَا وَلَدِي، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، فَقَامَ نُورُ الدِّينِ الشَّامِيُّ بِنُصْرَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ، بِحَيْثُ أَنَّ أَخَاهُ قُطْبَ الدِّينِ مَوْدُودًا، صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، أَرَادَ قَصْدَ بِلَادِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ نُورُ الدِّينِ يَمْنَعُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ قَصَدْتَهُ أَوْ تَعَرَّضْتَ إِلَى بِلَادِهِ مَنَعْتُكَ قَهْرًا، فَامْتَنَعَ مِنْ قَصْدِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدُونَ الْكَاتِبُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ عَلَى دِيوَانِ الزِّمَامِ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ فَمَاتَ مَحْبُوسًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَمَاجُ الْمُسْتَرْشَدِيُّ وَلَدُ الْأَمِيرِ، يَزْدِنْ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ بِبَغْدَادَ.
[ ٩ / ٣٣٢ ]