(٥٤٩)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ الظَّافِرِ وَخِلَافَةِ ابْنِهِ الْفَائِزِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ الظَّافِرُ بِاللَّهِ أَبُو الْمَنْصُورِ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ الْحَافِظِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْعَلَوِيُّ صَاحِبُ مِصْرَ.
وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّ وَزِيرَهُ عَبَّاسًا كَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ نَصْرٌ، فَأَحَبَّهُ الظَّافِرُ، وَجَعَلَهُ مِنْ نُدَمَائِهِ وَأَحْبَابِهِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِرَاقِهِمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، فَاتَّفَقَ أَنْ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ الْكِنَانِيُّ فِي وِزَارَةِ ابْنِ السَّلَارِ، وَاتَّصَلَ بِعَبَّاسٍ، فَحَسَّنَ لَهُ قَتْلَ الْعَادِلِ بْنِ السَّلَارِ زَوْجِ أُمِّهِ، فَقَتَلَهُ، وَوَلَّاهُ الظَّافِرُ الْوِزَارَةَ، فَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، وَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَعَلِمَ الْأُمَرَاءُ وَالْأَجْنَادُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ مُنْقِذٍ، فَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَخَلَا بِعَبَّاسٍ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا أَسْمَعُ مِنْ قَبِيحِ الْقَوْلِ؟ قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: النَّاسُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الظَّافِرَ يَفْعَلُ بِابْنِكَ نَصْرٍ ; وَ(كَانَ) نَصْرٌ خِصِّيصًا بِالظَّافِرِ، وَكَانَ مُلَازِمًا لَهُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ صُورَةً، وَكَانَ الظَّافِرُ يُتَّهَمُ بِهِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ وَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: كَيْفَ الْحِيلَةُ؟ قَالَ: تَقْتُلُهُ فَيَذْهَبَ عَنْكَ الْعَارُ، فَذَكَرَ الْحَالَ لِوَلَدِهِ نَصْرٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى قَتْلِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الظَّافِرَ أَقْطَعَ نَصْرَ بْنَ عَبَّاسٍ قَرْيَةَ قَلْيُوبَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ قُرَى مِصْرَ، فَيَدْخُلُ إِلَيْهِ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ مُنْقِذٍ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِيهِ عَبَّاسٍ. قَالَ لَهُ نَصْرٌ: قَدْ أَقْطَعَنِي مَوْلَانَا قَرْيَةَ قَلْيُوبَ. فَقَالَ لَهُ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ: مَا هِيَ فِي مَهْرِكَ بِكَثِيرٍ ; فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ، وَأَنِفَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، وَشَرَعَ فِي قَتْلِ الظَّافِرِ بِأَمْرِ أَبِيهِ، فَحَضَرَ نَصَرٌ عِنْدَ الظَّافِرِ وَقَالَ
[ ٩ / ٢١٢ ]
لَهُ: أَشْتَهِي أَنْ تَجِيءَ إِلَى دَارِي لِدَعْوَةٍ صَنَعْتُهَا، وَلَا تُكْثِرْ مِنَ الْجَمْعِ، فَمَشَى مَعَهُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنَ الْخَدَمِ لَيْلًا، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَتَلَهُ وَقَتَلَ مَنْ مَعَهُ، وَأَفْلَتَ خَادِمٌ صَغِيرٌ اخْتَبَأَ فَلَمْ يَرَوْهُ، وَدَفَنَ الْقَتْلَى فِي دَارِهِ.
وَأَخْبَرَ أَبَاهُ عَبَّاسًا الْخَبَرَ، فَبَكَّرَ إِلَى الْقَصْرِ، وَطَلَبَ مِنَ الْخَدَمِ الْخَصِّيصِينَ بِخِدْمَةِ الظَّافِرِ أَنْ يَطْلُبُوا لَهُ إِذْنًا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَأْيَهُ فِيهِ.
فَقَالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَصْرِ. فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْهُ. وَكَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَنْفِيَ التُّهْمَةَ عَنْهُ بِقَتْلِهِ، وَأَنْ يَقْتُلَ مَنْ بِالْقَصْرِ مِمَّنْ يَخَافُ أَنْ يُنَازِعَهُ فِيمَنْ يُقِيمُهُ فِي الْخِلَافَةِ ; فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِمْ عَجَزُوا عَنْ إِحْضَارِهِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَهُ حَائِرِينَ دَهِشِينَ لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَرُ إِذْ وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْخَادِمُ الصَّغِيرُ الَّذِي شَاهَدَ قَتْلَهُ، وَقَدْ هَرَبَ مِنْ دَارِ عَبَّاسٍ عِنْدَ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِقَتْلِ الظَّافِرِ، فَخَرَجُوا إِلَى عَبَّاسٍ، وَقَالُوا لَهُ: سَلْ وَلَدَكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ ; لِأَنَّهُمَا خَرَجَا جَمِيعًا. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَعْتَبِرَ الْقَصْرَ لِئَلَّا يَكُونَ قَدِ اغْتَالَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ ; فَاسْتَعْرَضَ الْقَصْرَ، فَقَتَلَ أَخَوَيْنِ لِلظَّافِرِ، وَهُمَا يُوسُفُ وَجِبْرِيلُ، وَأَجْلَسَ الْفَائِزَ بِنَصْرِ اللَّهِ أَبَا الْقَاسِمِ عِيسَى ابْنَ الظَّافِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ ثَانِي يَوْمٍ قُتِلَ أَبُوهُ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسُ سِنِينَ، فَحَمَلَهُ عَبَّاسٌ عَلَى كَتِفِهِ، وَأَجْلَسَهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، وَبَايَعَ لَهُ النَّاسُ، وَأَخَذَ عَبَّاسٌ مِنَ الْقَصْرِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْلَاقِ النَّفِيسَةِ مَا أَرَادَ، وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ إِلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ.
ذِكْرُ وِزَارَةِ الصَّالِحِ طَلَائِعِ بْنِ رُزَيِّكَ
كَانَ السَّبَبُ فِي وِزَارَةِ الصَّالِحِ طَلَائِعِ بْنِ رُزَيِّكَ أَنَّ عَبَّاسًا، لَمَّا قَتَلَ الظَّافِرَ وَأَقَامَ الْفَائِزَ، ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ يَتِمُّ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَكَانَ الْحَالُ خِلَافَ مَا اعْتَقَدَهُ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ، وَثَارَ بِهِ الْجُنْدُ وَالسُّودَانُ، وَصَارَ إِذَا أَمَرَ بِالْأَمْرِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ مَنْ بِالْقَصْرِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْخَدَمِ إِلَى الصَّالِحِ طَلَائِعِ بْنِ زُرَيِّكَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ، وَأَرْسَلُوا شُعُورَهُمْ طَيَّ الْكُتُبِ ; وَكَانَ فِي مُنْيَةِ بَنِي حَصِيبٍ وَالِيًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَعْمَالِهَا،
[ ٩ / ٢١٣ ]
وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَقْرَبَ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ فِيهِ شَهَامَةٌ، فَجَمَعَ لِيَقْصِدَ عَبَّاسًا، وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ عَبَّاسٌ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ نَحْوَ الشَّامِ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَالتُّحَفِ وَالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا هُنَاكَ مِمَّا كَانَ أَخَذَهَ مِنَ الْقَصْرِ. فَلَمَّا سَارَ وَقَعَ بِهِ الْفِرِنْجُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُ فَتَقَوَّوْا بِهِ.
وَسَارَ الصَّالِحُ فَدَخَلَ الْقَاهِرَةَ بِأَعْلَامٍ سُودٍ وَثِيَابٍ سُودٍ حُزْنًا عَلَى الظَّافِرِ، وَالشُّعُورُ الَّتِي أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْقَصْرِ عَلَى رُءُوسِ رِمَاحٍ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْفَأْلِ الْعَجِيبِ، فَإِنَّ الْأَعْلَامَ السُّودَ الْعَبَّاسِيَّةَ دَخَلَتْهَا وَأَزَالَتِ الْأَعْلَامَ الْعَلَوِيَّةَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَلَمَّا دَخَلَ الصَّالِحُ الْقَاهِرَةَ خُلِعَ عَلَيْهِ خِلَعُ الْوِزَارَةِ، وَاسْتَقَرَّ فِي الْأَمْرِ، وَأَحْضَرَ الْخَادِمَ الَّذِي شَاهَدَ قَتْلَ الظَّافِرِ، فَأَرَاهُ مَوْضِعَ دَفْنِهِ، فَأَخْرَجَهُ وَنَقَلَهُ إِلَى مَقَابِرِهِمْ بِالْقَصْرِ.
وَلَمَّا قَتَلَ الْفِرِنْجُ عَبَّاسًا أَسَرُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ الصَّالِحُ إِلَى الْفِرِنْجِ وَبَذَلَ لَهُمْ مَالًا وَأَخَذَهُ مِنْهُمْ، فَسَارَ مِنَ الشَّامِ مَعَ أَصْحَابِ الصَّالِحِ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً إِلَى أَنْ رَأَى الْقَاهِرَةَ فَأَنْشَدَ:
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ
وَأُدْخِلَ الْقَصْرَ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَإِنَّهُ قُتِلَ، وَصُلِبَ عَلَى بَابِ زُوَيْلَةَ، وَاسْتَقْصَى الصَّالِحُ بُيُوتَ الْكِبَارِ وَالْأَعْيَانِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَأَهْلَكَ أَهْلَهَا وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَفَرَّقَ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِمَا ; فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْهُمْ أَنْ يَثُورُوا عَلَيْهِ وَيُنَازِعُوهُ فِي الْوِزَارَةِ ; وَكَانَ ابْنُ مُنْقِذٍ قَدْ هَرَبَ مَعَ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا قُتِلَ هَرَبَ إِلَى الشَّامِ.
[ ٩ / ٢١٤ ]
ذِكْرُ حَصْرِ تَكْرِيتَ وَوَقْعَةِ بِكَمْزَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ رَسُولًا إِلَى وَالِي تَكْرِيتَ، بِسَبَبِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَأْسُورِينَ، وَهُمُ ابْنُ الْوَزِيرِ وَغَيْرُهُ، فَقَبَضُوا عَلَى الرَّسُولِ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ تَكْرِيتَ، فَقَاتَلُوا الْعَسْكَرَ وَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْبَلَدِ، فَسَارَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ فَنَزَلَ عَلَى الْبَلَدِ، فَهَرَبَ أَهْلُهُ، فَدَخَلَ الْعَسْكَرُ فَشَعَّثُوا وَنَهَبُوا بَعْضَهُ، وَنَصَبَ عَلَى الْقَلْعَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَنْجَنِيقًا، فَسَقَطَ مِنْ أَسْوَارِهَا بُرْجٌ وَبَقِيَ الْحَصْرُ كَذَلِكَ إِلَى الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالْقِتَالِ وَالزَّحْفِ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا غَرَضًا، فَرَحَلَ عَائِدًا إِلَى بَغْدَادَ، فَدَخَلَهَا آخِرَ الشَّهْرِ، ثُمَّ أَمَرَ الْوَزِيرَ عَوْنَ الدِّينِ بْنَ هُبَيْرَةَ بِالْعَوْدِ إِلَى مُحَاصَرَتِهَا، وَالِاسْتِعْدَادِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْآلَاتِ لِلْحِصَارِ، فَسَارَ إِلَيْهَا سَابِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَنَازَلَهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، فَوَصَلَ الْخَبَرُ بِأَنَّ مَسْعُودَ بِلَالٍ وَصَلَ إِلَى شَهْرَابَانَ وَمَعَهُ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ وَتُرْشَكُ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ وَنَهَبُوا الْبِلَادَ، فَعَادَ الْوَزِيرُ إِلَى بَغْدَادَ.
وَكَانَ سَبَبَ وُصُولِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنَّهُمْ حَثُّوا الْمَلِكَ مُحَمَّدًا ابْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ، فَسَيَّرَ هَذَا الْعَسْكَرَ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ مَسْعُودُ بِلَالٍ إِلَى تَكْرِيتَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمَلِكَ أَرْسَلَانَ ابْنَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ مَحْبُوسًا بِتَكْرِيتَ، وَقَالَ: هَذَا السُّلْطَانُ نُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِزَاءِ الْخَلِيفَةِ.
وَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ عِنْدَ بِكَمْزَا بِالْقُرْبِ مِنْ بَعْقُوبَا، وَدَامَ بَيْنَهُمُ الْمُنَاوَشَةُ وَالْمُحَارَبَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ الْتَقَوْا آخِرَ رَجَبٍ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ وَبَعْضُ الْقَلْبِ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ بَغْدَادَ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُهُ، وَقُتِلَ خَازِنُهُ، فَحَمَلَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ هُوَ وَوَلِيُّ عَهْدِهِ وَصَاحَ: يَا آلَ هَاشِمٍ! كَذَبَ الشَّيْطَانُ ; وَقَرَأَ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]،
[ ٩ / ٢١٥ ]
وَحَمَلَ بَاقِي الْعَسْكَرِ مَعَهُ فَانْهَزَمَ مَسْعُودٌ وَالْبَقْشُ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُمْ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَظَفَرَ الْخَلِيفَةُ بِهِمْ، وَغَنَمَ عَسْكَرُهُ جَمِيعَ مَالِ التُّرْكُمَانِ مِنْ دَوَابَّ وَغَنَمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَبِيعَ كُلُّ كَبْشٍ بِدَانَقٍ ; وَكَانُوا قَدْ حَضَرُوا بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَخَرَكَاهَاتِهِمْ وَجَمِيعِ مَالِهِمْ، فَأُخِذَ جَمِيعُهُ، وَنُودِيَ: مَنْ أَخَذَ مِنْ أَوْلَادِ التُّرْكُمَانِ وَنِسَائِهِمْ شَيْئًا فَلْيَرُدَّهُ ; فَرَدُّوهُ، فَأَخَذَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ الْمَلِكَ أَرْسَلَانَ، وَانْهَزَمَ إِلَى بَلَدِ اللِّحْفِ وَقَلْعَةِ الْمَاهِكِي.
وَفِي هَذِهِ الْحَرْبِ غَدَرَ بَنُو عَوْفٍ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ، وَلَحِقُوا بِالْعَجَمِ، وَمَضَى هِنْدِيٌّ الْكُرْدِيُّ أَيْضًا مَعَهُمْ. وَكَانَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ قَدْ أَرْسَلَ عَسْكَرًا مَعَ خَاصِّ بِكْ بْنِ آقْسُنْقُرْ نَجْدَةً لِكُونْ خَرْ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّاذَانِ بَلَغَهُمْ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ فَعَادُوا، وَرَجَعَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا أَوَائِلَ شَعْبَانَ، فَوَصَلَهُ الْخَبَرُ أَنَّ مَسْعُودَ بِلَالٍ وَتُرْشَكُ قَصْدَا مَدِينَةَ وَاسِطَ فَنَهَبَا وَخَرَّبَا، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ الْوَزِيرَ ابْنَ هُبَيْرَةَ فِي عَسْكَرٍ خَامِسَ عَشَرَ شَعْبَانَ، فَانْهَزَمَ الْعَجَمُ فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ، وَنَهَبَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَادُوا إِلَى بَغْدَادَ، فَلُقِّبَ الْوَزِيرُ سُلْطَانُ الْعِرَاقِ مَلِكَ الْجُيُوشِ.
وَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إِلَى بَلَدِ اللِّحْفِ فَأَخَذَهُ وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ، وَأَمَّا الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانْ بْنُ طُغْرُلَ فَإِنَّ الْبَقْشُ أَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بَلَدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ يَقُولُ لَهُ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ وَأَرْسَلَانُ مَعَهُ، فَمَاتَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ فِي رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَقِيَ أَرْسَلَانُ مَعَ ابْنِ الْبَقْشِ، وَحَسَنٍ الْجَانْدَارِ، فَحَمَلَاهُ [إِلَى] الْجَبَلِ، فَخَافَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَصِلَ أَرْسَلَانُ إِلَى زَوْجِ أُمِّهِ إِيلْدِكْزَ فَيَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً إِلَى قَصْدِ الْبِلَادِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ حَذَرُهُ، وَاتَّصَلَ أَرْسَلَانُ بِإِيلْدِكْزَ زَوْجِ أُمِّهِ فَصَارَ مَعَهُ، وَهُوَ أَخُو الْبَهْلَوَانِ بْنِ إِيلْدِكْزَ لِأُمِّهِ، وَطُغْرُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَوَارَزْمُ شَاهْ وَلَدُ أَرْسَلَانَ هَذَا، وَكَانَ طُغْرُلُ آخِرَ السَّلْجُوقِيَّةِ.
[ ٩ / ٢١٦ ]
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ مَدِينَةَ دِمَشْقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ مَلَكَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي بْنِ آقْسُنْقُرْ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَأَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا مُجِيرِ الدِّينِ أَبَقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ أَتَابَكَ.
وَكَانَ سَبَبَ جِدِّهِ فِي مُلْكِهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا مَلَكُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ لَمْ يَكُنْ لِنُورِ الدِّينِ طَرِيقٌ إِلَى إِزْعَاجِهِمْ عَنْهَا لِاعْتِرَاضِ دِمَشْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَسْقَلَانَ، فَلَمَّا مَلَكَ الْفِرِنْجُ عَسْقَلَانَ طَمِعُوا فِي دِمَشْقَ، حَتَّى إِنَّهُمُ اسْتَعْرَضُوا كُلَّ مَنْ بِهَا مِنْ مَمْلُوكٍ وَجَارِيَةٍ مِنَ النَّصَارَى، فَمَنْ أَرَادَ الْمُقَامَ بِهَا تَرَكُوهُ، وَمَنْ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى وَطَنِهِ أَخَذُوهُ قَهْرًا شَاءَ صَاحِبُهُ أَمْ أَبَى.
وَكَانَ لَهُمْ عَلَى أَهْلِهَا كُلَّ سَنَةٍ قَطِيعَةٌ يَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ، فَكَانَ رُسُلُهُمْ يَدْخُلُونَ الْبَلَدَ وَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى نُورُ الدِّينِ ذَلِكَ خَافَ أَنْ يَمْلِكَهَا الْفِرِنْجُ فَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ مُقَامٌ، فَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ فِي أَخْذِهَا حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ قُوَّةً ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا مَتَى رَأَى غَلَبَهُ رَاسَلَ الْفِرِنْجَ وَاسْتَعَانَ بِهِمْ، فَأَعَانُوهُ لِئَلَّا يَمْلِكَهَا مَنْ يَقْوَى بِهَا عَلَى قِتَالِهِمْ، فَرَاسَلَ مُجِيرَ الدِّينِ صَاحِبَهَا وَاسْتَمَالَهُ، وَوَاصَلَهُ بِالْهَدَايَا، وَأَظْهَرَ لَهُ الْمَوَدَّةَ حَتَّى وَثِقَ بِهِ فَكَانَ نُورُ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ كَاتَبَنِي فِي تَسْلِيمِ دِمَشْقَ، يَعْنِي بَعْضَ أُمَرَاءِ مُجِيرِ الدِّينِ، فَكَانَ يُبْعِدُ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ، وَيَأْخُذُ أَقْطَاعَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ أَحَدٌ قَدَّمَ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ عَطَا بْنُ حَفَّاظٍ السُّلَمِيُّ الْخَادِمُ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ دَوْلَتِهِ، فَكَانَ نُورُ الدِّينِ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ أَخْذِ دِمَشْقَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ مُجِيرُ الدِّينِ وَقَتَلَهُ، فَسَارَ نُورُ الدِّينِ حِينَئِذٍ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ وَاسْتَمَالَهُمْ، فَوَعَدَهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا حَصَرَ نُورُ الدِّينِ الْبَلَدَ أَرْسَلَ مُجِيرُ الدِّينِ إِلَى الْفِرِنْجِ يَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ وَتَسْلِيمَ قَلْعَةِ بَعْلَبَكَّ إِلَيْهِمْ لِيُنْجِدُوهُ وَيُرَحِّلُوا نُورَ الدِّينِ عَنْهُ، فَشَرَعُوا فِي جَمْعِ فَارِسِهِمْ وَرَاجِلِهِمْ لِيُرَحِّلُوا نُورَ الدِّينِ عَنِ الْبَلَدِ، فَإِلَى أَنِ اجْتَمَعَ لَهُمْ مَا يُرِيدُونَ تَسَلَّمَ نُورُ الدِّينِ الْبَلَدَ، فَعَادُوا بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ.
[ ٩ / ٢١٧ ]
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَسْلِيمِ دِمَشْقَ فَإِنَّهُ لَمَّا حَصَرَهَا ثَارَ الْأَحْدَاثُ الَّذِينَ رَاسَلَهُمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَمَلَكَهُ، وَحَصَرَ مُجِيرَ الدِّينِ فِي الْقَلْعَةِ، وَرَاسَلَهُ فِي تَسْلِيمِهَا وَبَذَلَ لَهُ إِقْطَاعًا مِنْ جُمْلَتِهِ مَدِينَةُ حِمْصَ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ وَسَارَ إِلَى حِمْصَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَاسَلَ أَهْلَ دِمَشْقَ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ، فَعَلِمَ نُورُ الدِّينِ ذَلِكَ فَخَافَهُ، فَأَخَذَ مِنْهُ حِمْصَ ; وَأَعْطَاهُ عِوَضًا عَنْهَا بَالَسَ، فَلَمْ يَرْضَهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا بِالْقُرْبِ مِنَ النِّظَامِيَّةِ، وَتُوُفِّيَ بِهَا.
ذِكْرُ قَصْدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ خُرَاسَانَ وَالظَّفَرِ بِهِمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، اجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ مِنْ قُهِسْتَانَ، بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَسَارُوا يُرِيدُونَ خُرَاسَانَ لِاشْتِغَالِ عَسَاكِرِهَا بِالْغُزِّ، وَقَصَدُوا أَعْمَالَ خَوَافَ وَمَا يُجَاوِرُهَا، فَلَقِيَهُمُ الْأَمِيرُ فَرْخَشَاهْ بْنُ مَحْمُودٍ الْكَاسَانِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ حَشَمِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَتَرَكَهُمْ وَسَارَ عَنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ أُنُرَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ وَأَشْجَعِهِمْ، يُعَرِّفُهُ الْحَالَ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ بِعَسْكَرِهِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ لِيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ.
فَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ أُنُرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَاجْتَمَعُوا هُمْ وَفَرْخَشَاهْ، وَوَاقَعُوا الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ وَقَاتَلُوهُمْ، وَطَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَهَلَكَ أَعْيَانُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ: بَعْضُهُمْ قُتِلَ، وَبَعْضُهُمْ أُسِرَ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ الشَّرِيدُ، وَخَلَتْ قِلَاعُهُمْ وَحُصُونُهُمْ مِنْ حَامٍ وَمَانِعٍ، فَلَوْلَا اشْتِغَالُ الْعَسَاكِرِ بِالْغُزِّ لَكَانُوا
[ ٩ / ٢١٨ ]
مَلَكُوهَا بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَأَرَاحُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لِلَّهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ تَلَّ بَاشِرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا، مَلَكَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي قَلْعَةَ تَلِّ بَاشِرَ، وَهِيَ شَمَالِيَّ حَلَبَ مِنْ أَمْنَعِ الْقِلَاعِ.
وَسَبَبُ مُلْكِهَا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا رَأَوْا مُلْكَ نُورِ الدِّينِ دِمَشْقَ خَافُوهُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ يَقْوَى عَلَيْهِمْ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْهُ، لِمَا كَانُوا يَرَوْنَ مِنْهُ قَبْلَ مُلْكِهَا، فَرَاسَلَهُ مَنْ بِهَذِهِ الْقَلْعَةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَبَذَلُوا لَهُ تَسْلِيمَهَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْأَمِيرَ حَسَّانًا الْمَنْبِجِيَّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِ، وَكَانَ إِقْطَاعُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ مَدِينَةَ مَنْبِجَ، وَهِيَ تُقَارِبُ تَلَّ بَاشِرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا وَيَتَسَلَّمَهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا وَتَسَلَّمَهَا مِنْهُمْ، وَحَصَّنَهَا وَرَفَعَ إِلَيْهَا مِنَ الذَّخَائِرِ مَا يَكْفِيهَا سِنِينَ كَثِيرَةً.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أُسْتَاذُ الدَّارِ أَبُو الْفُتُوحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ ابْنِ الْمُظَفَّرِ ابْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَكَانَ لَهُ صَدَقَاتٌ، وَمَعْرُوفٌ كَثِيرٌ، وَمُجَالَسَةٌ لِلْفُقَرَاءِ.
وَلَمَّا مَاتَ وَلَّى الْخَلِيفَةُ ابْنَهُ الْأَكْبَرَ عَضُدَ الدِّينِ أَبَا الْفَرَجِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ.
وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَكَّافُ النَّيْسَابُورِيُّ. كَانَ زَاهِدًا، عَابِدًا، فَقِيهًا، مُنَاظِرًا، وَكَانَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ يَزُورُهُ وَيَتَبَرَّكُ بِدُعَائِهِ، وَكَانَ رُبَّمَا حَجَبَهُ فَلَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ.
[ ٩ / ٢١٩ ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ ثِقَةُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَيْنِيُّ، وَكَانَ يَخْدِمُ أَبَا نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنَ الْفَرَجِ الْأَبَرِّيَّ، فَرَبَّاهُ حَتَّى قِيلَ: " ابْنُ الْأَبَرِّيِّ "، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ شُهْدَةَ الْكَاتِبَةَ، فَقَرَّبَهُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ، وَوَكَّلَهُ فَبَنَى مَدْرَسَةً بِبَابِ الْأَزَجِ.
[ ٩ / ٢٢٠ ]