(٥٣٩)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ فَتْحِ الرُّهَا وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ مِمَّا كَانَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَادِسَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَتَحَ أَتَابَكُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ آقْسُنْقُرْ مَدِينَةَ الرُّهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَفَتَحَ غَيْرَهَا مِنْ حُصُونِهِمْ بِالْجَزِيرَةِ أَيْضًا، وَكَانَ ضَرَرُهُمْ قَدْ عَمَّ بِلَادَ الْجَزِيرَةِ، وَشَرُّهُمْ قَدِ اسْتَطَارَ فِيهَا، وَوَصَلَتْ غَارَاتُهُمْ إِلَى أَدَانِيهَا وَأَقَاصِيهَا، وَبَلَغَتْ آمِدَ، وَنَصِيبِينَ وَرَأْسَ عَيْنٍ، وَالرَّقَّةَ.
وَكَانَتْ مَمْلَكَتُهُمْ بِهَذِهِ الدِّيَارِ مِنْ قَرِيبِ مَارِدِينَ إِلَى الْفُرَاتِ مِثْلَ الرُّهَا، وَسَرُوجَ، وَالْبِيرَةِ، وَسِنِّ ابْنِ عُطَيْرٍ، وَحِمْلِينَ، وَالْمُوَزَّرِ، وَالْقَرَّادِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مَعَ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ غَرْبُ الْفُرَاتِ لِجُوسْلِينَ، وَكَانَ صَاحِبَ رَأْيِ الْفِرِنْجِ وَالْمُقَدَّمَ عَلَى عَسَاكِرِهِمْ، لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْمَكْرِ.
وَكَانَ أَتَابَكُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ حَصْرَهَا اجْتَمَعَ فِيهَا مِنَ الْفِرِنْجِ مَنْ يَمْنَعُهَا، فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مُلْكُهَا لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَصَانَةِ، فَاشْتَغَلَ بِدِيَارِ بَكْرٍ لِيُوهِمَ الْفِرِنْجَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَفَرِّغٍ لِقَصْدِ بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَرْكِ الْمُلُوكِ الْأَرْتَقِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ مُلُوكِ دِيَارِ بَكْرٍ، حَيْثُ إِنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، اطْمَأَنُّوا، وَفَارَقَ جُوسْلِينُ الرُّهَا وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى بِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ، فَجَاءَتْ عُيُونُ أَتَابَكَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ فَنَادَى فِي الْعَسْكَرِ بِالرَّحِيلِ، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّفَ عَنِ الرُّهَا أَحَدٌ مِنْ غَدِ يَوْمِهِ، وَجَمَعَ الْأُمَرَاءَ عِنْدَهُ، وَقَالَ: قَدِّمُوا الطَّعَامَ ; وَقَالَ: لَا يَأْكُلُ مَعِي عَلَى مَائِدَتِي هَذِهِ إِلَّا مَنْ يَطْعَنُ غَدًا مَعِي عَلَى بَابِ
[ ٩ / ١٣١ ]
الرُّهَا، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ غَيْرُ (أَمِيرٍ) وَاحِدٍ وَصَبِيٍّ لَا يُعْرَفُ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ إِقْدَامِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُسَاوَاتِهِ فِي الْحَرْبِ. فَقَالَ الْأَمِيرُ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: مَا أَنْتَ فِي هَذَا الْمَقَامِ؟ فَقَالَ أَتَابَكُ: دَعْهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي أَرَى وَجْهًا لَا يَتَخَلَّفُ عَنِّي.
وَسَارَ وَالْعَسَاكِرُ مَعَهُ، وَوَصَلَ إِلَى الرُّهَا، وَكَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ حَمَلَ عَلَى الْفِرِنْجِ وَمَعَهُ ذَلِكَ الصَّبِيُّ، وَحَمَلَ فَارِسٌ مِنْ خَيَّالَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى أَتَابَكَ عَرْضًا، فَاعْتَرَضَهُ ذَلِكَ الْأَمِيرُ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَسَلِمَ الشَّهِيدُ، وَنَازَلَ الْبَلَدَ، وَقَاتَلَهُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَزَحَفَ إِلَيْهِ عِدَّةَ دَفَعَاتِ، وَقَدَّمَ النَّقَّابِينَ فَنَقَبُوا سُورَ الْبَلَدِ، وَلَجَّ فِي قِتَالِهِ خَوْفًا مِنِ اجْتِمَاعِ الْفِرِنْجِ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَاسْتِنْقَاذِ الْبَلَدِ مِنْهُ، فَسَقَطَتِ الْبَدَنَةُ الَّتِي نَقَبَهَا النَّقَّابُونَ، [وَأَخَذَ] الْبَلَدَ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَحَصَرَ قَلْعَتَهُ فَمَلَكَهَا أَيْضًا، وَنَهَبَ النَّاسُ الْأَمْوَالَ وَسَبَوُا الذُّرِّيَّةَ وَقَتَلُوا الرِّجَالَ.
فَلَمَّا رَأَى أَتَابَكُ الْبَلَدَ أَعْجَبَهُ، وَرَأَى أَنَّ تَخْرِيبَ مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ فِي السِّيَاسَةِ، فَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي الْعَسَاكِرِ بِرَدِّ مَنْ أَخَذُوهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَإِعَادَةِ مَا غَنِمُوهُ مِنْ أَثَاثِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ، فَرَدُّوا الْجَمِيعَ عَنْ آخِرِهِ لَمْ يُفْقَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إِلَّا الشَّاذَّ النَّادِرَ الَّذِي أُخِذَ، وَفَارَقَ (مَنْ أَخَذَهُ) الْعَسْكَرَ، فَعَادَ الْبَلَدُ إِلَى حَالَهِ الْأَوَّلِ، وَجَعَلَ فِيهِ عَسْكَرًا يَحْفَظُهُ، وَتَسَلَّمَ مَدِينَةَ سَرُوجَ وَسَائِرَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ الْفِرِنْجِ شَرْقِيَّ الْفُرَاتِ، مَا عَدَا الْبِيرَةِ، فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ مَنِيعَةٌ وَعَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَحَصَرَهَا، وَكَانُوا قَدْ أَكْثَرُوا مِيرَتَهَا وَرِجَالَهَا، فَبَقِيَ عَلَى حِصَارِهَا إِلَى أَنْ رَحَلَ عَنْهَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَنْسَابِ وَالتَّوَارِيخِ قَالَ: كَانَ صَاحِبُ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ قَدْ
[ ٩ / ١٣٢ ]
أَرْسَلَ سَرِيَّةً فِي الْبَحْرِ إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَنَهَبُوا وَقَتَلُوا ; وَكَانَ بِصِقِلِّيَةَ إِنْسَانٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَكَانَ صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ يُكْرِمُهُ وَيَحْتَرِمُهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْقُسُوسِ وَالرُّهْبَانِ ; وَكَانَ أَهْلُ وِلَايَتِهِ يَقُولُونَ إِنَّهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا السَّبَبِ.
فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ كَانَ جَالِسًا فِي مَنْظَرَةٍ لَهُ تُشْرِفُ عَلَى الْبَحْرِ، وَإِذْ قَدْ أَقْبَلَ مَرْكِبٌ لَطِيفٌ، وَأَخْبَرَهُ مَنْ فِيهِ أَنَّ عَسْكَرَهُ دَخَلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَغَنِمُوا وَقَتَلُوا وَظَفِرُوا ; وَكَانَ الْمُسْلِمُ إِلَى جَانِبِهِ وَقَدْ أَغْفَى، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا فُلَانُ! أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: إِنَّهُمْ يُخْبِرُونَ بِكَذَا وَكَذَا. أَيْنَ كَانَ مُحَمَّدٌ عَنْ تِلْكَ الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا؟ فَقَالَ لَهُ: كَانَ قَدْ غُلِبَ عَنْهُمْ، وَشَهِدَ فَتْحَ الرُّهَا، وَقَدْ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ الْآنَ ; فَضَحِكَ مِنْهُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَقَالَ الْمَلِكُ: لَا تَضْحِكُوا، فَوَاللَّهِ مَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ ; فَبَعْدَ أَيَّامٍ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ مِنْ فِرِنْجِ الشَّامِ بِفَتْحِهَا.
وَحَكَى لِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ أَنَّ إِنْسَانًا صَالِحًا رَأَى الشَّهِيدَ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِفَتْحِ الرُّهَا.
ذِكْرُ قَتْلِ نَصِيرِ الدِّينِ جَقْرَ وَوِلَايَةِ زَيْنِ الدِّينِ عَلِيٍّ كُوجَكَ قَلْعَةَ الْمَوْصِلِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، قُتِلَ نَصِيرُ الدِّينِ جَقْرُ نَائِبُ أَتَابَكَ زَنْكِي بِالْمَوْصِلِ وَالْأَعْمَالِ جَمِيعِهَا الَّتِي شَرْقَ الْفُرَاتِ.
وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ الْمَلِكَ أَلْبَ أَرْسَلَانَ الْمَعْرُوفَ بِالْخَفَاجِيِّ، وَلَدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، كَانَ عِنْدَ أَتَابَكَ الشَّهِيدِ، وَكَانَ يُظْهِرُ لِلْخُلَفَاءِ وَالسُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِ الْأَطْرَافِ أَنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ لِهَذَا الْمَلِكِ، وَأَنَا نَائِبُهُ فِيهَا، وَكَانَ يَنْتَظِرُ وَفَاةَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ لِيُخْطَبَ لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَيَمَلِكَ الْبِلَادَ بِاسْمِهِ، وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ بِالْمَوْصِلِ، هَذِهِ السَّنَةَ، وَنَصِيرُ الدِّينِ يَقْصِدُهُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَقُومَ بِخِدْمَةٍ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ، فَحَسَّنَ لَهُ بَعْضُ الْمُفْسِدِينَ طَلَبَ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ قَتَلْتَ نَصِيرَ الدِّينِ مَلَكْتَ الْمَوْصِلَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَلَا يَبْقَى مَعَ أَتَابَكَ زَنْكِي فَارِسٌ وَاحِدٌ. فَوَقَعَ هَذَا مِنْهُ مَوْقِعًا حَسَنًا وَظَنَّهُ صِدْقًا، فَلَمَّا دَخَلَ نَصِيرُ الدِّينِ إِلَيْهِ وَثَبَ عَلَيْهِ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَجْنَادِ أَتَابَكَ وَمَمَالِيكِهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَلْقَوْا بِرَأْسِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ
[ ٩ / ١٣٣ ]
ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَصْحَابَهُ يَتَفَرَّقُونَ وَيَخْرُجُ الْمَلِكُ وَيَمْلِكُ الْبَلَدَ.
وَكَانَ الْأَمْرُ خِلَافَ مَا ظَنُّوهُ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ وَأَصْحَابَ أَتَابَكَ الَّذِينَ فِي خِدْمَتِهِ لَمَّا رَأَوْا رَأْسَهُ قَاتَلُوا مَنْ بِالدَّارِ مَعَ الْمَلِكِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ، وَكَانَتْ دَوْلَةُ أَتَابَكَ مَمْلُوءَةً بِالرِّجَالِ وَالْأَجْلَادِ ذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَيْهِ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ الشَّهْرَزُورِيِّ وَلَمْ يَزَلْ بِهِ يَخْدَعُهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ مُنْزَعِجًا: يَا مَوْلَانَا، لِمَ تَحْرَدُ مِنْ هَذَا الْكَلْبِ؟ هَذَا وَأُسْتَاذُهُ مَمَالِيكُكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَنَا مِنْهُ وَمِنْ صَاحِبِهِ عَلَى يَدِكَ، وَمَا الَّذِي يُقْعِدُكَ فِي هَذِهِ الدَّارِ؟ قُمْ لِتَصْعَدَ الْقَلْعَةَ وَتَأْخُذَ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ وَتَمْلِكَ الْبَلَدَ وَتَجْمَعَ الْجُنْدَ، وَلَيْسَ دُونَ الْبِلَادِ بَعْدَ الْمَوْصِلِ مَانِعٌ.
فَقَامَ مَعَهُ وَرَكِبَ الْقَلْعَةَ، فَلَمَّا قَارَبَهَا أَرَادَ مَنْ بِهَا مِنَ النَّقِيبِ وَالْأَجْنَادِ الْقِتَالَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ تَاجُ الدِّينِ وَقَالَ لَهُمْ: افْتَحُوا الْبَابَ وَتَسَلَّمُوهُ، وَافْعَلُوا بِهِ مَا أَرَدْتُمْ. فَفَتَحُوا الْبَابَ وَدَخَلَ الْمَلِكُ وَالْقَاضِي إِلَيْهَا وَمَعَهُمَا مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَصِيرِ الدِّينِ، فَسُجِنُوا وَنَزَلَ الْقَاضِي.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَتَابَكَ زَنْكِي وَهُوَ يُحَاصِرُ قَلْعَةَ الْبِيرَةِ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى مُلْكِهَا، فَخَافَ أَنْ تَخْتَلِفَ الْبِلَادُ الشَّرْقِيَّةُ بَعْدَ قَتْلِ نَصِيرِ الدِّينِ، فَفَارَقَ الْبِيرَةِ وَأَرْسَلَ زَيْنَ الدِّينِ عَلِيَّ بْنَ بُكْتِكِينَ إِلَى قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ وَالِيًا عَلَى مَا كَانَ نَصِيرُ الدِّينِ يَتَوَلَّاهُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ عَلَى وَزِيرِهِ الْبَرُوجُرْدِيِّ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ الْمَرْزُبَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَسُلِّمَ إِلَيْهِ الْبَرُوجُرْدِيُّ، فَاسْتَخْرَجَ أَمْوَالَهُ، وَمَاتَ مَقْبُوضًا.
وَفِيهَا كَانَ أَتَابَكُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي يُحَاصِرُ الْبِيرَةَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ شَرْقِيَّ الْفُرَاتِ بَعْدَ مُلْكِ الرُّهَا، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَقَارَبَ أَنْ يَفْتَحَهَا، فَجَاءَهُ خَبَرُ قَتْلِ نَصِيرِ الدِّينِ نَائِبِهِ بِالْمَوْصِلِ، فَرَحَلَ عَنْهَا، وَأَرْسَلَ نَائِبًا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ
[ ٩ / ١٣٤ ]
الْخَبَرَ، فَخَافَ مَنْ بِالْبِيرَةِ مِنَ الْفِرِنْجِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَخَافُونَهُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلُوا إِلَى نَجْمِ الدِّينِ صَاحِبِ مَارِدِينَ وَسَلَّمُوهَا لَهُ، فَمَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ.
وَفِيهَا خَرَجَ أُسْطُولُ الْفِرِنْجِ مِنْ صِقِلِّيَةَ إِلَى سَاحِلِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْغَرْبِ، فَفَتَحُوا مَدِينَةَ بَرْشَكَ، وَقَتَلُوا أَهْلَهَا، وَسَبَوْا حَرِيمَهُمْ وَبَاعُوهُ بِصِقِلِّيَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ تَاشْفِينَ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ صَاحِبُ الْغَرْبِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِ سِنِينَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ، وَضَعُفَ أَمْرُ الْمُلَثَّمِينَ، وَقَوِيَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ ظَهَرَ كَوْكَبٌ عَظِيمٌ لَهُ ذَنَبٌ مِنْ جَانِبِ الْمَشْرِقِ، وَبَقِيَ إِلَى نِصْفِ ذِي الْقِعْدَةِ، ثُمَّ غَابَ، ثُمَّ طَلَعَ مِنْ جَانِبِ الْغَرْبِ، فَقِيلَ: هُوَ هُوَ، وَقِيلَ بَلْ غَيْرُهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْأَمِيرِ هَاشِمِ بْنِ فُلَيْتَةَ بْنِ الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ الْحُسَيْنِيِّ، أَمِيرِ مَكَّةَ، وَالْأَمِيرِ نَظَرِ الْخَادِمِ أَمِيرِ الْحَاجِّ، فَنَهَبَ أَصْحَابَ هَاشِمٍ الْحُجَّاجَ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَطُوفُونَ وَيُصَلُّونَ، وَلَمْ يَرْقُبُوا فِيهِمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
[ ٩ / ١٣٥ ]
حَمْدُوَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي الْمَرْوَزِيُّ بِمَرْوَ، وَسَافَرَ الْكَثِيرَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَبَنَى بِمَرْوَ رِبَاطًا، وَوَقَفَ فِيهِ كُتُبًا كَثِيرَةً، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْعِبَادَةِ.
وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَيْرُونَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُقْرِي، وَمَوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنِ الْجَوْهَرِيِّ بِالْإِجَازَةِ، وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو مَنْصُورٍ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الرَّزَّازِ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتَفَقَّهَ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَالشَّامِيِّ، وَدُفِنَ فِي تُرْبَةِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ.
[ ٩ / ١٣٦ ]