٥٨٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ صَلَاحِ الدِّينِ وَبَعْضِ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي، صَاحِبُ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنِ الْبِلَادِ، بِدِمَشْقَ، وَمَوْلِدُهُ بِتِكْرِيتَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ انْتِقَالِهِمْ مِنْهَا، وَمُلْكِهِمْ مِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَكَانَ سَبَبُ مَرَضِهِ أَنْ خَرَجَ يَتَلَقَّى الْحَاجَّ، فَعَادَ، وَمَرِضَ مِنْ يَوْمِهِ مَرَضًا حَادًّا، بَقِيَ بِهِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَتُوُفِّيَ، ﵀.
وَكَانَ قَبْلَ مَرَضِهِ قَدْ أَحْضَرَ وَلَدَهُ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا وَأَخَاهُ الْمَلِكَ الْعَادِلَ أَبَا بَكْرٍ، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيمَا يَفْعَلُ، وَقَالَ: قَدْ تَفَرَّغْنَا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَلَيْسَ لَنَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ شَاغِلٌ فَأَيُّ جِهَةٍ نَقْصِدُ؟ فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الْعَادِلُ بِقَصْدِ خِلَاطَ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ وَعَدَهُ، إِذَا أَخَذَهَا، أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ.
وَأَشَارَ [عَلَيْهِ] وَلَدُهُ الْأَفْضَلُ بِقَصْدِ بَلَدِ الرُّومِ الَّتِي بِيَدِ أَوْلَادِ قَلْج أَرَسَلَانَ، وَقَالَ: هِيَ أَكْثَرُ بِلَادًا وَعَسْكَرًا وَمَالًا، وَأَسْرَعُ مَأْخَذًا، وَهِيَ أَيْضًا طَرِيقُ الْفِرِنْجِ إِذَا خَرَجُوا عَلَى الْبَرِّ، فَإِذَا مَلَكْنَاهَا مَنَعْنَاهُمْ مِنَ الْعُبُورِ فِيهَا.
فَقَالَ: كِلَاكُمَا مُقَصِّرٌ نَاقِصُ الْهِمَّةِ، بَلْ أَقْصِدُ أَنَا بَلَدَ الرُّومِ، وَقَالَ لِأَخِيهِ: تَأْخُذُ أَنْتَ بَعْضَ أَوْلَادِي وَبَعْضَ الْعَسْكَرِ وَتَقْصِدُ خِلَاطَ، فَإِذَا فَرَغْتَ أَنَا مِنْ بَلَدِ الرُّومِ جِئْتُ إِلَيْكُمْ، وَنَدْخُلُ مِنْهَا أَذْرَبِيجَانَ، وَنَتَّصِلُ بِبِلَادِ الْعَجَمِ، فَمَا فِيهَا مَنْ يَمْنَعُ عَنْهَا.
ثُمَّ أَذِنَ لِأَخِيهِ الْعَادِلِ فِي الْمُضِيِّ إِلَى الْكَرَكِ، وَكَانَ لَهُ، وَقَالَ لَهُ: تَجَهَّزْ وَاحْضُرْ لِتَسِيرَ، فَلَمَّا سَارَ إِلَى الْكَرَكِ مَرِضَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ عَوْدِهِ.
[ ١٠ / ١١٨ ]
وَكَانَ، ﵀ كَرِيمًا، حَلِيمًا، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، مُتَوَاضِعًا، صَبُورًا عَلَى مَا يَكْرَهُ، كَثِيرَ التَّغَافُلِ عَنْ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِ، يَسْمَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مَا يَكْرَهُ وَلَا يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ وَلَا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِ.
وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا جَالِسًا وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَرَمَى بَعْضُ الْمَمَالِيكِ بَعْضًا بِسَرْمُوزٍ فَأَخْطَأَتْهُ، وَوَصَلَتْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَأَخْطَأَتْهُ، وَوَقَعَتْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى يُكَلِّمُ جَلِيسَهُ لِيَتَغَافَلَ عَنْهَا.
وَطَلَبَ مَرَّةً الْمَاءَ فَلَمْ يَحْضُرْ، وَعَاوَدَ الطَّلَبَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَحْضُرْ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابَنَا، وَاللَّهِ قَدْ قَتَلَنِي الْعَطَشُ! فَأُحْضِرَ الْمَاءُ فَشَرِبَهُ وَلَمْ يُنْكِرِ التَّوَانِيَ فِي إِحْضَارِهِ.
وَكَانَ مَرَّةً قَدْ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا أَرْجَفَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، فَلَمَّا بَرِئَ مِنْهُ، وَأُدْخِلَ الْحَمَّامَ كَانَ الْمَاءُ حَارًّا، فَطَلَبَ مَاءً بَارِدًا، فَأَحْضَرَهُ الَّذِي يَخْدُمُهُ، فَسَقَطَ مِنَ الْمَاءِ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ، فَنَالَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَتَأَلَّمَ لَهُ لِضَعْفِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ الْبَارِدَ أَيْضًا فَأُحْضِرَ، فَلَمَّا قَارَبَهُ سَقَطَتِ الطَّاسَةُ عَلَى الْأَرْضِ، فَوَقَعَ الْمَاءُ جَمِيعُهُ عَلَيْهِ، فَكَادَ يَهْلِكُ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ قَالَ لِلْغُلَامِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي، فَعَرِّفْنِي! فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَسَكَتَ عَنْهُ.
وَأَمَّا كَرَمُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْبَذْلِ لَا يَقِفُ فِي شَيْءٍ يُخْرِجُهُ، وَيَكْفِي دَلِيلًا عَلَى كَرَمِهِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ لَمْ يُخَلِّفْ فِي خَزَائِنِهِ غَيْرَ دِينَارٍ وَاحِدٍ صُورِيٍّ، وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا نَاصِرِيَّةً.
وَبَلَغَنِي أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ كُلَّ عَكَّا قُبَالَةَ الْفِرِنْجِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دَابَّةٍ مِنْ فَرَسٍ وَبَغْلٍ سِوَى الْجِمَالِ، وَأَمَّا الْعَيْنُ وَالثِّيَابُ وَالسِّلَاحُ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، وَلَمَّا انْقَرَضَتِ الدَّوْلَةُ الْعَلَوِيَّةُ بِمِصْرَ أَخَذَ مِنْ ذَخَائِرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ مَا يَفُوتُ الْإِحْصَاءَ، فَفَرَّقَهُ جَمِيعَهُ.
وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا لَمْ يَتَكَبَّرْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يَعِيبُ الْمُلُوكَ الْمُتَكَبِّرِينَ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ الْفُقَرَاءُ وَالصُّوفِيَّةُ وَيَعْمَلُ لَهُمُ السَّمَاعَ، فَإِذَا قَامَ أَحَدُهُمْ لِرَقْصٍ أَوْ سَمَاعٍ يَقُومُ لَهُ فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى يَفْرَغَ الْفَقِيرُ.
وَلَمْ يَلْبَسْ شَيْئًا مِمَّا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ نَادِرًا فِي عَصْرِهِ، كَثِيرَ الْمَحَاسِنِ وَالْأَفْعَالِ الْجَمِيلَةِ، عَظِيمَ
[ ١٠ / ١١٩ ]
الْجِهَادِ فِي الْكُفَّارِ، وَفُتُوحُهُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَخَلَّفَ سَبْعَةَ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا.
ذِكْرُ حَالِ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ بَعْدَهُ
لَمَّا مَاتَ صَلَاحُ الدِّينِ بِدِمَشْقَ كَانَ مَعَهُ بِهَا وَلَدُهُ الْأَكْبَرُ الْأَفْضَلُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ، وَكَانَ قَدْ حَلَفَ لَهُ الْعَسَاكِرُ جَمِيعُهَا، غَيْرَ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ دِمَشْقَ، وَالسَّاحِلَ، وَالْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ وَبَعْلَبَكَ، وَصَرْخَدَ، وَبُصْرَى وَبَانْيَاسَ. وَهُونِينَ وَتِبْنِينَ. وَجَمِيعَ الْأَعْمَالِ إِلَى الدَّارُومِ.
وَكَانَ وَلَدُهُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ بِمِصْرَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ بِهَا.
وَكَانَ وَلَدُهُ الظَّاهِرُ غَازِي بِحَلَبَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَعَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهَا مِثْلَ: حَارِمٍ، وَتَلِّ بَاشَرْ، وَإِعْزَازَ وَبَرْزَيَةَ، وَدَرْبِ سَاكْ، وَمَنْبَجَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ بِحَمَاةَ مَحْمُودُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ فَأَطَاعَهُ وَصَارَ مَعَهُ.
وَكَانَ بِحِمْصَ شِيرِكُوهُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرِكُوهُ، فَأَطَاعَ الْمَلِكَ الْأَفْضَلَ.
وَكَانَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ بِالْكَرَكِ قَدْ سَارَ إِلَيْهِ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَامْتَنَعَ فِيهِ وَلَمْ يَحْضُرْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِ أَخِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ يَسْتَدْعِيهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ فَوَعَدَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَعَادَ مُرَاسَلَتَهُ وَخَوَّفَهُ مِنَ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَمِنْ أَتَابِكْ عِزِّ الدِّينِ. صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ سَارَ عَنْهَا إِلَى بِلَادِ الْعَادِلِ الْجَزَرِيَّةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَضَرْتَ جَهَّزْتُ الْعَسَاكِرَ وَسِرْتُ إِلَى بِلَادِكَ فَحَفِظْتُهَا، وَإِنْ أَقَمْتَ قَصَدَكَ أَخِي الْمَلِكُ الْعَزِيزُ لِمَا بَيْنَكُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ، وَإِذَا مَلَكَ عِزُّ الدِّينِ بِلَادَكَ فَلَيْسَ لَهُ دُونَ الشَّامِ مَانِعٌ.
وَقَالَ لِرَسُولِهِ: إِنْ حَضَرَ مَعَكَ وَإِلَّا فَقُلْ لَهُ قَدْ أَمَرَنِي: إِنْ سِرْتَ إِلَيْهِ بِدِمَشْقَ عُدْتُ مَعَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَسِيرُ إِلَى الْمَلِكِ الْعَزِيزِ أُحَالِفُهُ عَلَى مَا يَخْتَارُ.
فَلَمَّا حَضَرَ الرَّسُولُ عِنْدَهُ وَعَدَهُ بِالْمَجِيءِ، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْهُ غَيْرُ الْوَعْدِ أَبْلَغَهُ مَا قِيلَ لَهُ فِي مَعْنَى مُوَافَقَةِ الْعَزِيزِ، فَحِينَئِذٍ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَجَهَّزَ الْأَفْضَلُ مَعَهُ عَسْكَرًا مِنْ عِنْدِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ حِمْصَ، وَصَاحِبِ حَمَاةَ، وَإِلَى أَخِيهِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ بِحَلَبَ، يَحُثُّهُمْ عَلَى إِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ مَعَ الْعَادِلِ إِلَى الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ لِيَمْنَعَهَا مِنْ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَيُخَوِّفَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يَفْعَلُوا.
وَمِمَّا قَالَ لِأَخِيهِ الظَّاهِرِ: قَدْ عَرَفْتَ صُحْبَةَ أَهْلِ الشَّامِ لِبَيْتِ أَتَابِكْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ
[ ١٠ / ١٢٠ ]
مَلَكَ عِزُّ الدِّينِ حَرَّانَ لِيَقُومَنَّ أَهْلُ حَلَبَ عَلَيْكَ وَلَتَخْرُجَنَّ مِنْهَا وَأَنْتَ لَا تَعْقِلُ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِي أَهْلُ دِمَشْقَ.
فَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى تَسْيِيرِ الْعَسَاكِرِ مَعَهُ، فَجَهَّزُوا عَسَاكِرَهُمْ وَسَيَّرُوهَا إِلَى الْعَادِلِ وَقَدْ عَبَرَ الْفُرَاتَ، فَعَسْكَرَتْ عَسَاكِرُهُمْ بِنَوَاحِي الرُّهَا بِمَرْجِ الرَّيْحَانِ، وَسَنَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مَسِيرِ أَتَابِكْ عِزِّ الدِّينِ إِلَى بِلَادِ الْعَادِلِ، وَعَوْدِهِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ
لَمَّا بَلَغَ أَتَابِكْ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ مَوْدُودِ بْنِ زِنْكِيٍّ - صَاحِبَ الْمَوْصِلِ - وَفَاةُ صَلَاحِ الدِّينِ جَمَعَ أَهْلَ الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيهِمْ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازْ، كَبِيرُ دَوْلَتِهِ، وَالْمُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِيهَا، وَهُوَ نَائِبُهُ فِيهِمْ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ: فَسَكَتُوا.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ - وَهُوَ أَخِي مَجْدِ الدِّينِ أَبُو السِّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ -: أَنَا أَرَى أَنَّكَ تَخْرُجُ مُسْرِعًا جَرِيدَةً فِيمَنْ خَفَّ مِنْ أَصْحَابِكَ وَحَلْقَتِكَ الْخَاصِّ، وَتَتَقَدَّمُ إِلَى الْبَاقِينَ بِاللَّحَاقِ بِكَ، وَتُعْطِي مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ مَا يَتَجَهَّزُ بِهِ مَا يُخْرِجُهُ، وَيَلْحَقُ بِكَ إِلَى نَصِيبِينَ.
وَتُكَاتِبُ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ مِثْلَ مُظَفَّرِ الدِّينِ بْنِ زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبِ إِرْبِلَ، وَسَنْجَرْ شَاهْ ابْنِ أَخِيكَ صَاحِبِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَخِيكَ عِمَادِ الدِّينِ صَاحِبِ سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ، تُعَرِّفُهُمْ أَنَّكَ قَدْ سِرْتَ، وَتَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمُسَاعَدَةَ، وَتَبْذُلُ لَهُمُ الْيَمِينَ عَلَى مَا يَلْتَمِسُونَهُ، فَمَتَى رَأَوْكَ قَدْ سِرْتَ خَافُوكَ، وَإِنْ أَجَابَكَ أَخُوكَ صَاحِبُ سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، وَإِلَّا بَدَأْتَ بِنَصِيبِينَ فَأَخَذْتَهَا، وَتَرَكْتَ فِيهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، ثُمَّ سِرْتَ نَحْوَ الْخَابُورِ، وَهُوَ لَهُ أَيْضًا فَأَقْطِعْهُ، وَتَرَكْتَ عَسْكَرَهُ مُقَابِلَ أَخِيكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ إِنْ أَرَادَهَا، أَوْ قَصَدْتَ الرَّقَّةَ فَلَا تَمْنَعُ نَفْسَهَا.
وَتَأْتِي حَرَّانَ الرُّهَا، فَلَيْسَ فِيهَا مَنْ يَحْفَظُهَا لَا صَاحِبٌ وَلَا عَسْكَرٌ - وَلَا ذَخِيرَةٌ، فَإِنَّ الْعَادِلَ أَخَذَهُمَا مِنَ ابْنِ تَقِيِّ الدِّينِ وَلَمْ يَقُمْ فِيهِمَا لِيُصْلِحَ حَالَهُمَا.
وَكَانَ الْقَوْمُ يَتَّكِلُونَ عَلَى قُوَّتِهِمْ، فَلَمْ يَظُنُّوا هَذَا الْحَادِثَ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ ذَلِكَ الطَّرَفِ عُدْتَ إِلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَتِكَ فَقَاتَلْتَهُ لَيْسَ وَرَاءَكَ مَا تَخَافُ عَلَيْهِ فَإِنَّ بَلَدَكَ عَظِيمٌ لَا يُبَالِي بِكُلِّ مَنْ وَرَاءَكَ.
فَقَالَ مُجَاهِدُ الدِّينِ: الْمَصْلَحَةُ أَنَّنَا نُكَاتِبُ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ نَأْخُذُ رَأْيَهُمْ فِي
[ ١٠ / ١٢١ ]
الْحَرَكَةِ نَسْتَمِيلُهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَخِي: إِنْ أَشَارُوا بِتَرْكِ الْحَرَكَةِ تَقْبَلُونَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا! قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يُشِيرُونَ إِلَّا بِتَرْكِهَا، لِأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَقْوَى هَذَا السُّلْطَانُ خَوْفًا مِنْهُ، وَكَأَنِّي بِهِمْ يُغَالِطُونَكُمْ مَا دَامَتِ الْبِلَادُ الْجَزَرِيَّةُ فَارِغَةً مِنْ صَاحِبِ عَسْكَرٍ، فَإِذَا جَاءَ إِلَيْهَا مَنْ يَحْفَظُهَا جَاهَرُوكُمْ بِالْعَدَاوَةِ.
وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ خَوْفًا مِنْ مُجَاهِدِ الدِّينِ، حَيْثُ رَأَى مَيْلَهُ إِلَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ، فَانْفَصَلُوا عَلَى أَنْ يُكَاتِبُوا أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ، فَكَاتَبُوهُمْ فَكُلٌّ أَشَارَ بِتَرْكِ الْحَرَكَةِ إِلَى أَنْ يَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنْ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ وَعَمِّهِمْ فَتَثَبَّطُوا.
ثُمَّ إِنَّ مُجَاهِدَ الدِّينِ كَرَّرَ الْمُرَاسَلَاتِ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ، صَاحِبِ سِنْجَارَ، يَعِدُهُ وَيَسْتَمِيلُهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ كِتَابُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ مِنَ الْمُنَاخِ بِالْقُرْبِ مِنْ دِمَشْقَ، قَدْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى بِلَادِهِ، يَذْكُرُ فِيهِ مَوْتَ أَخِيهِ، وَأَنَّ الْبِلَادَ قَدِ اسْتَقَرَّتْ لِوَلَدِهِ الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ، وَالنَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُدَبِّرُ لِدَوْلَةِ الْأَفْضَلِ، وَقَدْ سَيَّرَهُ فِي عَسْكَرٍ جَمٍّ، كَثِيرِ الْعَدَدِ، لِقَصْدِ مَارْدِينَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ صَاحِبَهَا تَعَرَّضَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى الَّتِي لَهُ، وَذَكَرَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَظَنُّوهُ حَقًّا وَأَنَّ قَوْلَهُ لَا رَيْبَ فِيهِ، فَفَتَرُوا عَنِ الْحَرَكَةِ، وَذَلِكَ الرَّأْيِ.
فَسَيَّرُوا الْجَوَاسِيسَ، فَأَتَتْهُمُ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهُ فِي ظَاهِرِ حَرَّانَ نَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْ خَيْمَةٍ لَا غَيْرَ، فَعَادُوا فَتَحَرَّكُوا، فَإِلَى أَنْ تَقَرَّرَتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِ سِنْجَارَ، وَصَلَتْهُ الْعَسَاكِرُ الشَّامِيَّةُ الَّتِي سَيَّرَهَا الْأَفْضَلُ وَغَيْرُهُ إِلَى الْعَادِلِ، فَامْتَنَعَ بِهَا وَسَارَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى نَصِيبِينَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَخُوهُ عِمَادُ الدِّينِ بِهَا، وَسَارُوا عَلَى سِنْجَارَ نَحْوَ الرُّهَا، وَكَانَ الْعَادِلُ قَدْ عَسْكَرَ قَرِيبًا مِنْهَا بِمَرْجِ الرَّيْحَانِ، فَخَافَهُمْ خَوْفًا عَظِيمًا.
فَلَمَّا وَصَلَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ إِلَى تَلِّ مَوْزَنٍ مَرِضَ بِالْإِسْهَالِ، فَأَقَامَ عِدَّةَ أَيَّامٍ فَضَعُفَ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَكَثُرَ مَجِيءُ الدَّمِ مِنْهُ فَخَافَ الْهَلَاكَ، فَتَرَكَ الْعَسَاكِرَ مَعَ أَخِيهِ عِمَادِ الدِّينِ، وَعَادَ جَرِيدَةً فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَمَعَهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ، وَأَخِي - مَجْدُ الدِّينِ -، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى دَنَيْسِرَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الضَّعْفُ، فَأَحْضَرَ أَخِي وَكَتَبَ وَصِيَّةً، ثُمَّ سَارَ فَدَخَلَ الْمَوْصِلَ، وَهُوَ مَرِيضٌ أَوَّلَ رَجَبٍ.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ أَتَابِكْ عِزِّ الدِّينِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَتَابِكْ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زِنْكِيِّ بْنِ آقْسُنْقُرَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، بِالْمَوْصِلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَوْدَهُ إِلَيْهَا مَرِيضًا، فَبَقِيَ فِي مَرَضِهِ إِلَى التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَتُوُفِّيَ، ﵀، وَدُفِنَ بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا مُقَابِلَ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِغَيْرِهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَرُزِقَ خَاتِمَةَ خَيْرٍ، ﵁.
وَكَانَ، ﵀، خَيِّرَ الطَّبْعِ، كَثِيرَ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ، لَا سِيَّمَا إِلَى شُيُوخٍ قَدْ خَدَمُوا أَبَاهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَعَهَّدُهُمْ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَالصِّلَةِ وَالْإِكْرَامِ، وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَيَزُورُ الصَّالِحِينَ، وَيُقَرِّبُهُمْ وَيُشَفِّعُهُمْ.
وَكَانَ حَلِيمًا، قَلِيلَ الْمُعَاقَبَةِ، كَثِيرَ الْحَيَاءِ، لَمْ يُكَلِّمْ جَلِيسًا لَهُ إِلَّا وَهُوَ مُطْرِقٌ، وَمَا قَالَ فِي شَيْءٍ يُسْأَلُهُ: لَا، حَيَاءً وَكَرَمَ طَبْعٍ.
وَكَانَ قَدْ حَجَّ، وَلَبِسَ بِمَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ، خِرْقَةَ التَّصَوُّفِ: وَكَانَ يَلْبَسُ تِلْكَ الْخِرْقَةَ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَيَخْرُجُ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ بَنَاهُ فِي دَارِهِ، وَيُصَلِّي فِيهِ نَحْوَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ، شَفِيقًا عَلَى الرَّعِيَّةِ.
بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بَعْضَ الْأَيَّامِ: إِنَّنِي سَهِرْتُ اللَّيْلَةَ كَثِيرًا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُ صَوْتَ نَائِحَةٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّ وَلَدَ فُلَانٍ قَدْ مَاتَ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ: قَالَ: فَضَاقَ صَدْرِي، وَقُمْتُ مِنْ فِرَاشِي أَدُورُ فِي السَّطْحِ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ الْأَمْرُ أَرْسَلْتُ خَادِمًا إِلَى الْجَانْدَارِيَّةِ، فَأَرْسَلَ مِنْهُمْ وَاحِدًا يَسْتَعْلِمُ الْخَبَرَ، فَعَادَ وَذَكَرَ إِنْسَانًا لَا أَعْرِفُهُ، فَسَكَنَ بَعْضُ مَا عِنْدِي فَنِمْتُ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ الَّذِي ظَنَّ أَنَّ ابْنَهُ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِنَّمَا كَانَ مِنْ رَعِيَّتِهِ.
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَأَخَّرَ وَفَاتُهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهَا لِتَتَبُّعِ أَخْبَارِهِ بَعْضِهَا بَعْضًا.
ذِكْرُ قَتْلِ بُكْتُمُرْ صَاحِبِ خِلَاطَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ جُمَادَى الْأُولَى قُتِلَ سَيْفُ الدِّينِ بُكْتُمُرْ، صَاحِبُ خِلَاطَ،
[ ١٠ / ١٢٣ ]
وَكَانَ بَيْنَ قَتْلِهِ وَمَوْتِ صَلَاحِ الدِّينِ شَهْرَانِ، فَإِنَّهُ أَسْرَفَ فِي إِظْهَارِ الشَّمَاتَةِ بِمَوْتِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ صَلَاحِ الدِّينِ فَرِحَ فَرَحًا كَثِيرًا، وَعَمِلَ تَخْتًا جَلَسَ عَلَيْهِ، وَلَقَّبَ نَفْسَهُ بِالسُّلْطَانِ الْمُعَظَّمِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ لَقَبُهُ سَيْفَ الدِّينِ، فَغَيَّرَهُ، وَسَمَّى نَفْسَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَظَهَرَ مِنْهُ اخْتِلَالٌ وَتَخْلِيطٌ، وَتَجَهَّزَ لِيَقْصِدَ مَيَّافَارِقِينَ يَحْصُرُهَا، فَأَدْرَكَتْهُ مَنِيَّتُهُ.
وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ هَزَارَ دِينَارِي، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ مَمَالِيكِ شَاهْ أَرْمَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ، كَانَ قَدْ قَوِيَ وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ بُكْتُمُرْ، فَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ مَلَكَ بَعْدَهُ هَزَارُ دِينَارِي بِلَادَ خِلَاطَ وَأَعْمَالَهَا.
وَكَانَ بُكْتُمُرْ دَيِّنًا، خَيِّرًا، صَالِحًا، كَثِيرَ الْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَالصَّدَقَةِ، مُحِبًّا لِأَهْلِ الدِّينِ، وَالصُّوفِيَّةِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَمِنْ سَائِرِ رَعِيَّتِهِ، مَحْبُوبًا إِلَيْهِمْ، عَادِلًا فِيهِمْ، وَكَانَ جَوَادًا شُجَاعًا عَادِلًا فِي رَعِيَّتِهِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ شَتَّى شِهَابُ الدِّينِ مَلِكُ غَزْنَةَ فِي بَرْشَاوُورَ، وَجَهَّزَ مَمْلُوكَهُ أَيْبَكَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، فَأَدْخَلَهُ بِلَادَ الْهِنْدِ يَغْنَمُ وَيَسْبِي، وَيَفْتَحُ مِنَ الْبِلَادِ مَا يُمْكِنُهُ، فَدَخَلَهَا وَعَادَ فَخَرَجَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ سَالِمًا، وَقَدْ مَلَأُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ.
وَفِيهَا، فِي رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ سُلْطَانُ شَاهْ صَاحِبُ مَرْوَ وَغَيْرِهَا مِنْ خُرَاسَانَ، وَمَلَكَ أَخُوهُ عَلَاءُ الدِّينِ تَكْشُ بِلَادَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِيهَا أَمَرَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ بِعِمَارَةِ خِزَانَةِ الْكُتُبِ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ
[ ١٠ / ١٢٤ ]
بِبَغْدَادَ، وَنَقَلَ إِلَيْهَا مِنَ الْكُتُبِ النَّفِيسَةِ أُلُوفًا لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَرَغَ مِنْ عِمَارَةِ الرِّبَاطِ الَّذِي أَمَرَ بِإِنْشَائِهِ الْخَلِيفَةُ أَيْضًا بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، غَرْبِيَّ بَغْدَادَ عَلَى دِجْلَةَ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الرُّبُطِ، وَنَقَلَ إِلَيْهِ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ أَحْسَنِ الْكُتُبَ.
وَفِيهَا مَلَكَ الْخَلِيفَةُ قَلْعَةً مِنْ بِلَادِ خُوزِسْتَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا سُوسَيَانَ بْنَ شَمْلَةَ جَعَلَ فِيهَا دَزْدَارَا، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ جُنْدِهَا، فَغَدَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْخَلِيفَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَمَلَكَهَا.
وَفِيهَا انْقَضَّ كَوْكَبَانِ عَظِيمَانِ، وَسُمِعَ صَوْتُ هَدَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَغَلَبَ ضَوْءُهُمَا الْقَمَرَ وَضَوْءَ النَّهَارِ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا مَاتَ الْأَمِيرُ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، أَمِيرُ مَكَّةَ، وَمَا زَالَتْ إِمَارَةُ مَكَّةَ تَكُونُ لَهُ تَارَةً، وَلِأَخِيهِ مُكْثِرٍ تَارَةً، إِلَى أَنْ مَاتَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الرَّشِيدِ الْحَاسِبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَهُ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ فِي رِسَالَةٍ إِلَى الْمَوْصِلِ فَمَاتَ هُنَاكَ.
[ ١٠ / ١٢٥ ]