٥٥٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ شِيرِكُوهْ وَعَسَاكِرِ نُورِ الدِّينِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ وُعَوْدِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَيَّرَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي عَسْكَرًا كَثِيرًا إِلَى مِصْرَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمِيرَ أَسَدَ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بْنَ شَاذِي، وَهُوَ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهِ، وَأَكْبَرُ أُمَرَاءِ دَوْلَتِهِ، وَأَشْجَعُهُمْ، وَسَنَذْكُرُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] سَبَبَ اتِّصَالِهِ بِنُورِ الدِّينِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ سَبَبُ إِرْسَالِ هَذَا الْجَيْشِ أَنَّ شَاوُرَ وَزِيرَ الْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبَ مِصْرَ، نَازَعَهُ فِي الْوِزَارَةِ ضِرْغَامَ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، فَهَرَبَ شَاوُرُ مِنْهُ إِلَى الشَّامِ، مُلْتَجِئًا إِلَى نُورِ الدِّينِ، وَمُسْتَجِيرًا بِهِ، فَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ وُصُولُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ، وَطَلَبَ مِنْهُ إِرْسَالَ الْعَسَاكِرِ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ لِيَعُودَ إِلَى مَنْصِبِهِ، وَيَكُونَ لِنُورِ الدِّينِ ثُلُثِ دَخْلِ الْبِلَادِ بَعْدَ إِقْطَاعَاتِ الْعَسَاكِرِ، وَيَكُونَ شِيرِكُوهْ مُقِيمًا بِعَسَاكِرِهِ فِي مِصْرَ، وَيَتَصَرَّفَ هُوَ بِأَمْرِ نُورِ الدِّينِ وَاخْتِيَارِهِ، فَبَقِيَ نُورُ الدِّينِ يُقَدِّمُ إِلَى هَذَا الْغَرَضِ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، فَتَارَةً يَحْمِلُهُ رِعَايَةً لِقَصْدِ شَاوُرَ بَابَهُ، وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي الْمُلْكِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الْفِرِنْجِ، وَتَارَةً يَمْنَعُهُ خَطَرُ الطَّرِيقِ، وَأَنَّ الْفِرِنْجَ فِيهِ، وَتَخَوُّفُ أَنَّ شَاوُرَ إِنِ اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَتُهُ رُبَّمَا لَا يَفِي.
ثُمَّ قَوَّى عَزْمَهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُيُوشِ، فَتَقَدَّمَ بِتَجْهِيزِهَا وَإِزَاحَةِ عِلَلِهَا، وَكَانَ هَوَى أَسَدِ الدِّينِ فِي ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ مَا لَا يُبَالِي بِمَخَافَةٍ، فَتَجَهَّزَ، وَسَارُوا جَمِيعًا وَشَاوُرُ فِي صُحْبَتِهِمْ، فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَتَقَدَّمَ نُورُ الدِّينِ إِلَى شِيرِكُوهْ أَنْ يُعِيدَ شَاوُرَ إِلَى مَنْصِبِهِ، وَيَنْتَقِمَ لَهُ مِمَّنْ نَازَعَهُ فِيهِ.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
وَسَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى طَرَفِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ مِمَّا يَلِي دِمَشْقَ بِعَسَاكِرِهِ لِيَمْنَعَ الْفِرِنْجَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِأَسَدِ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ، فَكَانَ قُصَارَى الْفِرِنْجِ حِفْظُ بِلَادِهِمْ مِنْ نُورِ الدِّينِ، وَوَصَلَ أَسَدُ الدِّينِ وَالْعَسَاكِرُ مَعَهُ إِلَى مَدِينَةِ بِلْبِيسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدِّينِ أَخُو ضِرْغَامَ بِعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ وَلَقِيَهُمْ، فَانْهَزَمَ وَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ مَهْزُومًا.
وَوَصَلَ أَسَدُ الدِّينِ فَنَزَلَ عَلَى الْقَاهِرَةِ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ ضِرْغَامُ مِنَ الْقَاهِرَةِ سَلْخَ الشَّهْرِ، فَقُتِلَ عِنْدَ مَشْهَدِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ، وَبَقِيَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ حُمِلَ وَدُفِنَ فِي الْقَرَافَةِ، وَقُتِلَ أَخُوهُ فَارِسُ الْمُسْلِمِينَ، وَخُلِعَ عَلَى شَاوُرَ مُسْتَهَلَّ رَجَبَ، وَأُعِيدَ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَتَمَكَّنَ مِنْهَا، وَأَقَامَ أَسَدُ الدِّينِ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ، فَغَدَرَ بِهِ شَاوُرُ، وَعَادَ عَمَّا كَانَ قَرَّرَهُ لِنُورِ الدِّينِ مِنَ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ، وَلْأَسَدِ الدِّينِ أَيْضًا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ بِالِامْتِنَاعِ، وَطَلَبَ مَا كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَاوُرُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرْسَلَ نُوَّابَهُ، فَتَسَلَّمُوا مَدِينَةَ بِلْبِيسَ، وَحَكَمَ عَلَى الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، فَأَرْسَلَ شَاوُرُ إِلَى الْفِرِنْجِ يَسْتَمِدُّهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ مِنْ نُورِ الدِّينِ إِنْ مَلَكَ مِصْرَ.
وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ إِنْ تَمَّ مُلْكُهُ لَهَا، فَلَمَّا أَرْسَلَ شَاوُرُ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يُسَاعِدُوهُ عَلَى إِخْرَاجِ أَسَدِ الدِّينِ مِنَ الْبِلَادِ جَاءَهُمْ فَرَجٌ لَمْ يَحْتَسِبُوهُ، وَسَارَعُوا إِلَى تَلْبِيَةِ دَعْوَتِهِ وَنُصْرَتِهِ، وَطَمِعُوا فِي مُلْكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَذَلَ لَهُمْ مَالًا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَتَجَهَّزُوا وَسَارُوا، فَلَمَّا بَلَغَ نُورَ الدِّينِ ذَلِكَ سَارَ بِعَسَاكِرِهِ إِلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِمْ ; لِيَمْتَنِعُوا عَنِ الْمَسِيرِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْخَطَرَ فِي مَقَامِهِمْ، إِذَا مَلَكَ أَسَدُ الدِّينِ مِصْرَ، أَشَدُّ، فَتَرَكُوا فِي بِلَادِهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَسَارَ مَلِكُ الْقُدْسِ فِي الْبَاقِينَ إِلَى مِصْرَ.
وَكَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَى السَّاحِلِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ فِي الْبَحْرِ ; لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَاسْتَعَانَ بِهِمُ الْفِرِنْجُ السَّاحِلِيَّةُ، فَأَعَانُوهُمْ، فَسَارَ بَعْضُهُمْ مَعَهُمْ، وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ فِي الْبِلَادِ لِحِفْظِهَا، فَلَمَّا قَارَبَ الْفِرِنْجُ مِصْرَ فَارَقَهَا أَسَدُ الدِّينِ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ بِلْبِيسَ، فَأَقَامَ بِهَا هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَجَعَلَهَا لَهُ ظَهْرًا يَتَحَصَّنُ بِهِ، فَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ وَالْفِرِنْجُ، وَنَازَلُوا أَسَدَ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بِمَدِينَةِ بِلْبِيسَ، وَحَصَرُوهُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِهَا مَعَ أَنَّ سُورَهَا قَصِيرٌ جِدًّا، وَلَيْسَ لَهَا خَنْدَقٌ، وَلَا فَصِيلٌ يَحْمِيهَا، وَهُوَ يُغَادِيهِمُ الْقِتَالَ وُيُرَوِاحَهُمْ، فَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهُ غَرَضًا، وَلَا نَالُوا مِنْهُ شَيْئًا.
[ ٩ / ٣٠٦ ]
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى حَارِمَ وَمُلْكِ نُورِ الدِّينِ حَارِمَ، وَمَسِيرِهِ إِلَى بَانِيَاسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَحِينَئِذٍ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَرَادُوا الْعَوْدَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ ; لِيَحْفَظُوهَا، فَرَاسَلُوا أَسَدَ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ وَالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ، وَمُفَارَقَةِ مِصْرَ، وَتَسْلِيمِ مَا بِيَدِهِ مِنْهَا إِلَى الْمِصْرِيِّينَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا فَعَلَهُ نُورُ الدِّينِ بِالشَّامِ بِالْفِرِنْجِ، وَلِأَنَّ الْأَقْوَاتَ وَالذَّخَائِرَ قَلَّتْ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ بِلْبِيسَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَسَدَ الدِّينِ حِينَ خَرَجَ مِنْ بِلْبِيسَ، قَالَ: أَخْرَجَ أَصْحَابَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَقِيَ فِي آخِرِهِمْ وَبِيَدِهِ لِتٌّ مِنْ حَدِيدٍ يَحْمِي سَاقَتَهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ وَالْفِرِنْجُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ فِرِنْجِيٌّ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ بِكَ هَؤُلَاءِ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ، وَقَدْ أَحَاطُوا بِكَ وَبِأَصْحَابِكَ، وَلَا يَبْقَى لَكُمْ بَقِيَّةٌ؟ فَقَالَ شِيرِكُوهْ: يَا لَيْتَهُمْ فَعَلُوهُ حَتَّى كُنْتَ تَرَى مَا أَفْعَلُهُ، كُنْتُ وَاللَّهِ أَضَعُ السَّيْفَ، فَلَا يُقْتَلُ مِنَّا رَجُلٌ حَتَّى يَقْتُلَ مِنْهُمْ رِجَالًا، وَحِينَئِذٍ يَقْصِدُهُمُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ، وَقَدْ ضَعُفُوا، وَفَنِيَ شُجْعَانُهُمْ، فَنَمْلِكُ بِلَادَهُمْ، وَيَهْلَكُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَطَاعَنِي هَؤُلَاءِ لَخَرَجْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، وَلَكِنَّهُمُ امْتَنَعُوا.
فَصَلَّبَ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: كُنَّا نَعْجَبُ مِنْ فِرِنْجِ هَذِهِ الْبِلَادِ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي صِفَتِكَ وَخَوْفِهِمْ مِنْكَ، وَالْآنَ فَقَدْ عَذَرْنَاهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وَسَارَ شِيرِكُوهْ إِلَى الشَّامِ، فَوَصَلَ سَالِمًا، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ وَضَعُوا لَهُ عَلَى مَضِيقٍ فِي الطَّرِيقِ رَصْدًا لِيَأْخُذُوهُ أَوْ يَنَالُوا مِنْهُ ظَفَرًا، فَعَلِمَ بِهِمْ فَعَادَ عَنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَفِيهِ يَقُولُ عُمَارَةُ [الْيَمَنِيُّ]:
أَخَذْتُمْ عَلَى الْإِفْرَنْجِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ وَقُلْتُمْ لِأَيْدِي الْخَيْلِ مُرِّي عَلَى مُرِّي
لَئِنْ نَصَبُوا فِي الْبَرِّ جِسْرًا فَإِنَّكُمْ عَبَرْتُمْ بِبَحْرٍ مِنْ حَدِيدٍ عَلَى الْجِسْرِ
وَلَفْظَةُ مُرِّي فِي آخِرِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ اسْمُ مَلِكِ الْفِرِنْجِ.
[ ٩ / ٣٠٧ ]
ذِكْرُ هَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ وَفَتْحِ حَارِمَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي قَلْعَةَ حَارِمَ مِنَ الْفِرِنْجِ ; وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا عَادَ مُنْهَزِمًا مِنَ الْبُقَيْعَةِ، تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، فَرَّقَ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآلَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَابُوا وَأَخَذُوا فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِهِ.
وَاتَّفَقَ مَسِيرُ بَعْضِ الْفِرِنْجِ مَعَ مَلِكِهِمْ إِلَى مِصْرَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْصِدَ بِلَادَهُمْ لِيَعُودُوا عَنْ مِصْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَإِلَى فَخْرِ الدِّينِ قُرَا أَرْسِلَان، صَاحِبِ حِصْنِ كَيْفَا، وَإِلَى نَجْمِ الدِّينِ أَلْبِي، صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَأَمَّا قُطْبُ الدِّينِ فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ مُجِدًّا، وَفِي مُقَدِّمَتِهِ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ أَمِيرُ جَيْشِهِ، وَأَمَّا فَخْرُ الدِّينِ، صَاحِبُ الْحِصْنِ، فَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ نُدَمَاؤُهُ وَخَوَاصُّهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ عَزَمْتَ؟ فَقَالَ: عَلَى الْقُعُودِ، فَإِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ تَحَشَّفَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَهُوَ يُلْقِي نَفْسَهُ وَالنَّاسَ مَعَهُ فِي الْمَهَالِكِ، فَكُلُّهُمْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَمَرَ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغُزَاةِ، فَقَالَ لَهُ أُولَئِكَ: مَا عَدَا مِمَّا بَدَا؟ فَارَقْنَاكَ أَمْسِ عَلَى حَالَةٍ، فَنَرَى الْيَوْمَ ضِدَّهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ سَلَكَ مَعِي طَرِيقًا إِنْ لَمْ أُنْجِدْهُ خَرَجَ أَهْلُ بِلَادِي عَنْ طَاعَتِي، وَأَخْرَجُوا الْبِلَادَ عَنْ يَدِي، فَإِنَّهُ قَدْ كَاتَبَ زُهَّادَهَا وَعُبَّادَهَا وَالْمُنْقَطِعِينَ عَنِ الدُّنْيَا، يَذْكُرُ لَهُمْ مَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَمَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْهُمُ الدُّعَاءَ، وَيَطْلُبُ أَنْ يَحُثُّوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْغَزَاةِ، فَقَدْ قَعَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ، وَهُمْ يَقْرَؤُوَنَ كُتُبَ نُورِ الدِّينِ، وَيَبْكُونَ وَيَلْعَنُونَنِي، وَيَدْعُونَ عَلَيَّ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ وَسَارَ بِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا نَجْمُ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَيَّرَ عَسْكَرًا، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ سَارَ نَحْوَ حَارِمَ،
[ ٩ / ٣٠٨ ]
فَحَصَرَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَتَابَعَ الزَّحْفَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَ مَنْ بَقِيَ بِالسَّاحِلِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَجَاءُوا فِي حَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، وَمُلُوكِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ، وَقِسِّيسِيهِمْ، وَرُهْبَانِهِمْ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْبِرِنْسَ بَيْمُنْدَ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَقُمَّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ وَأَعْمَالِهَا، وَابْنُ جُوسَلِينَ، وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الْفِرِنْجِ، وَالدُّوكِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ كَبِيرٌ مِنَ الرُّومِ، وَجَمَعُوا الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ رَحَلَ عَنْ حَارِمَ إِلَى أَرْتَاحَ طَمَعًا أَنْ يَتْبَعُوهُ، فَيَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ ; لِبُعْدِهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ إِذَا لَقُوهُ، فَسَارُوا، فَنَزَلُوا عَلَى غَمَّرَ، ثُمَّ عَلِمُوا عَجْزَهُمْ عَنْ لِقَائِهِ، فَعَادُوا إِلَى حَارِمَ، فَلَمَّا عَادُوا تَبِعَهُمْ نُورُ الدِّينِ فِي أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَعْبِئَةِ الْحَرْبِ.
فَلَمَّا تَقَارَبُوا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَبَدَأَ الْفِرِنْجُ بِالْحَمْلَةِ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهَا عَسْكَرُ حَلَبَ وَصَاحِبُ الْحِصْنِ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا، وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَقِيلَ كَانَتْ تِلْكَ الْهَزِيمَةُ مِنَ الْمَيْمَنَةِ عَلَى اتِّفَاقٍ وَرَأْيٍ دَبَّرُوهُ، وَهُوَ أَنْ يَتْبَعَهُمُ الْفِرِنْجُ فَيَبْعُدُوا عَنْ رَاجِلِهِمْ، فَيَمِيلُ عَلَيْهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّيُوفِ، فَيَقْتُلُوهُمْ، فَإِذَا عَادَ فُرْسَانُهُمْ لَمْ يَلْقُوا رَاجِلًا يَلْجَأُونَ إِلَيْهِ، وَلَا وَزَرًا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، وَيَعُودُ الْمُنْهَزِمُونَ فِي آثَارِهِمْ، فَيَأْخُذُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا دَبَّرُوهُ: فَإِنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ عَطَفَ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ عَلَى رَاجِلِ الْفِرِنْجِ، فَأَفْنَاهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَعَادَ خَيَّالَتُهُمْ، وَلَمْ يُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ خَوْفًا عَلَى رَاجِلِهِمْ، فَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَ الْفِرِنْجُ رَأَوْا رِجَالَهُمْ قَتْلَى وَأَسْرَى، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا وَبَقُوا فِي الْوَسَطِ قَدْ أَحْدَقَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى فِي الْفِرِنْجِ، وَتَمَّتْ عَلَيْهِمُ الْهَزِيمَةُ، فَعَدَلَ حِينَئِذٍ الْمُسْلِمُونَ عَنِ الْقَتْلِ إِلَى الْأَسْرِ، فَأَسَرُوا مَا لَا يُحَدُّ، وَفِي جُمْلَةِ الْأَسْرَى صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ وَالْقُمَّصُ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَكَانَ شَيْطَانَ الْفِرِنْجِ، وَأَشُدَّهُمْ شَكِيمَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّوْكُ مُقَدَّمُ الرُّومِ، وَابْنُ جُوسَلِينَ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى تَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ قَتِيلٍ.
وَأَشَارَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نُورِ الدِّينِ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَتَمَلُّكِهَا لِخُلُوِّهَا مِنْ حَامٍ
[ ٩ / ٣٠٩ ]
يَحْمِيهَا وَمُقَاتِلٍ يَذُبُّ عَنْهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَمَّا الْمَدِينَةُ فَأَمْرُهَا سَهْلٌ، وَأَمَّا الْقَلْعَةُ فَمَنِيعَةٌ، وَرُبَّمَا سَلَّمُوهَا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا ابْنُ أَخِيهِ وَمُجَاوَرَةُ بَيْمُنْدَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُجَاوَرَةِ صَاحِبِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَنَهَبُوهَا، وَأَسَرُوا أَهْلَهَا وَقَتَلُوهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ فَادَى بَيْمُنْدَ الْبِرِنْسَ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، بِمَالٍ جَزِيلٍ وَأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرَةٍ أَطْلَقَهُمْ.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ قَلْعَةَ بَانِيَاسَ مِنَ الْفِرِنْجِ أَيْضًا
فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ قَلْعَةَ بَانِيَاسَ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَتْ بِيَدِ الْفِرِنْجِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمَّا فَتَحَ حَارِمَ أَذِنَ لِعَسْكَرِ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ بَكْرٍ بِالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ طَبَرِيَّةَ، فَجَعَلَ مَنْ بَقِيَ مَنَّ الْفِرِنْجِ هِمَّتَهُمْ حِفْظَهَا وَتَقْوِيَتَهَا، فَسَارَ مَحْمُود إِلَى بَانِيَاسَ لِعِلْمِهِ بِقِلَّةِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْحُمَاةِ الْمَانِعِينَ عَنْهَا، وَنَازَلَهَا، وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَقَاتَلَهَا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ عَسْكَرِهِ أَخُوهُ نُصْرَةُ الدِّينِ أَمِيرُ أَمِيرَانِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَأَذْهَبَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ نُورُ الدِّينِ قَالَ لَهُ: لَوْ كُشِفَ لَكَ عَنِ الْأَجْرِ الَّذِي أُعِدَّ لَكَ لَتَمَنَّيْتَ ذَهَابَ الْأُخْرَى. وَجَدَّ فِي حِصَارِهَا، فَسَمِعَ الْفِرِنْجُ، فَجَمَعُوا، فَلَمْ تَتَكَامَلْ عُدَّتَهُمْ، حَتَّى فَتَحَهَا، عَلَى أَنَّ الْفِرِنْجَ كَانُوا قَدْ ضَعُفُوا بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ بِحَارِمَ وَأَسْرِهِمْ، فَمَلَكَ الْقَلْعَةَ، وَمَلَأَهَا ذَخَائِرَ، وَعُدَّةً، وَرِجَالًا، وَشَاطَرَ الْفِرِنْجَ فِي أَعْمَالِ طَبَرِيَّةَ، وَقَرَّرُوا لَهُ عَلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي لَمْ يُشَاطِرْهُمْ عَلَيْهَا مَالًا فِي كُلِّ سَنَةٍ.
وَوَصَلَ خَبَرُ مُلْكِ حَارِمَ وَحَصْرِ بَانِيَاسَ إِلَى الْفِرِنْجِ بِمِصْرَ، فَصَالَحُوا شِيرِكُوهْ، وَعَادُوا لِيُدْرِكُوا بَانِيَاسَ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَّا وَقَدْ مَلَكَهَا، وَلَمَّا عَادَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ كَانَ بِيَدِهِ
[ ٩ / ٣١٠ ]
خَاتَمٌ بِفَصِّ يَاقُوتٍ مِنْ أَحْسَنِ الْجَوْهَرِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْجَبَلُ لِكِبَرِهِ وَحُسْنِهِ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فِي شِعَارِي بَانِيَاسَ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْأَشْجَارِ مُلْتَفَّةَ الْأَغْصَانِ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ عَلِمَ بِهِ، فَأَعَادَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ فِيهِ، وَقَالَ: أَظُنُّ هُنَاكَ سَقَطَ، فَعَادُوا إِلَيْهِ، فَوَجَدُوهُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ الشَّامِيِّينَ أَظُنُّهُ ابْنَ مُنِيرٍ يَمْدَحُهُ، وَيُهَنِّئُهُ بِهَذِهِ الْغَزَاةِ، وَيَذْكُرُ الْجَبَلَ الْيَاقُوتَ:
إِنْ يَمْتَرِ الشُّكَّاكُ فِيكَ فَإنَّكَ الْ مَهْدِيُّ مُطْفِي جَمْرَةَ الدَّجَّالِ
فَلِعَوْدَةِ الْجَبَلِ الَّذِي أَظْلَلْتَهُ بِالْأَمْسِ بَيْنَ غَيَاطِلٍ وَجِبَالِ
لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا سُلَيْمَانُ وَقَدْ نَبَتَ الرُّبَا بِمُوشَكِ الْإِعْجَالِ
رَحْرَحْرَى لِسَرِيرِ مُلْكِكَ إِنَّهُ كَسَرِيرِهِ عَنْ كُلِّ حَدٍّ عَالِ
فَلَوِ الْبِحَارُ السَّبْعَةُ اسْتَهْوَيْنَهُ وَأَمَرْتَهُنَّ قَذَفْنَهُ فِي الْحَالِ
وَلَمَّا فَتَحَ الْحِصْنَ كَانَ مَعَهُ وَلَدُ مُعِينِ الدِّينِ أُنُزَ الَّذِي سَلَّمَ بَانِيَاسَ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَقَالَ لَهُ: لِلْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْفَتْحِ فَرْحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَ فَرْحَتَانِ، فَقَالَ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ:
[ ٩ / ٣١١ ]
لِأَنَّ الْيَوْمَ بَرَّدَ اللَّهُ جِلْدَ وَالِدَكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ.
ذِكْرُ أَخْذِ الْأَتْرَاكِ غَزْنَةَ مَنْ مَلِكْشَاهْ وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ بِلَادَ غَزْنَةَ الْأَتْرَاكُ الْمَعْرُوفُونَ بِغُزٍّ، وَنَهَبُوهَا، وَخَرَّبُوهَا، وَقَصَدُوا غَزْنَةَ وَبِهَا صَاحِبُهَا مَلِكْشَاهْ بْنُ خُسْرُوشَاهِ الْمَحْمُودِيُّ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَفَارَقَهَا وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ لَهَاوُورَ، وَمَلَكَ الْغُزُّ مَدِينَةَ غَزْنَةَ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِمْ أَمِيرٌ اسْمُهُ زَنْكِي بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلِيفَةَ الشَّيْبَانِيُّ، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَهَا مَلِكْشَاهْ جَمَعَ وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ، فَفَارَقَهَا زَنْكِي وَعَادَ مَلِكُهَا مَلِكْشَاهْ وَدَخَلَهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَتَمَكَّنَ فِي دَارِ مُلْكِهِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْوَزِيرِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَزِيرُ قُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فِي شَعْبَانَ مَقْبُوضًا، وَكَانَ قَدْ قُبِضَ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ نَحْوَ سَنَةٍ.
حَكَى لِي إِنْسَانٌ صُوفِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ كَانَ مُخْتَصًّا بِخِدْمَتِهِ فِي الْحَبْسِ، قَالَ: لَمْ يَزَلْ مَشْغُولًا فِي مَحْبِسِهِ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أُنْقَلَ مِنَ الدَّسْتِ إِلَى الْقَبْرِ، فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لِي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! إِذَا جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ إِلَى الدَّارِ، فَعَرِّفْنِي. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي قَدِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَكْثَرَ السُّؤَالَ عَنْهُ، وَإِذَا طَائِرٌ أَبْيَضُ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَدْ سَقَطَ، فَقُلْتُ: جَاءَ الطَّائِرُ، فَاسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَالَ: جَاءَ الْحَقُّ، وَأَقْبَلَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ طَارَ ذَلِكَ الطَّائِرُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا فِي مَعْنَاهُ.
[ ٩ / ٣١٢ ]
وَدُفِنَ بِالْمَوْصِلِ عِنْدَ فَتْحِ الْكَرَامِيِّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، نَحْوَ سَنَةٍ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ حَرَمِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي رِبَاطٍ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ، وَقَالَ لِأَبِي الْقَاسِمِ: بَيْنِي وَبَيْنَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ عَهْدٌ، مَنْ مَاتَ مِنَّا قَبْلَ صَاحِبِهِ حَمَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنَهُ بِهَا فِي التُّرْبَةِ الَّتِي عَمِلَهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَامْضِ إِلَيْهِ وَذَكِّرْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَارَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَى شِيرِكُوهْ فِي الْمَعْنَى، فَقَالَ لَهُ شِيرِكُوهْ: كَمْ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدَ أُجْرَةَ جَمَلٍ يَحْمِلُهُ وَجَمَلٍ يَحْمِلُنِي وَزَادِي، فَانْتَهَرَهُ، وَقَالَ: مِثْلُ جَمَالِ الدِّينِ يُحْمَلُ هَكَذَا إِلَى مَكَّةَ، وَأَعْطَاهُ مَالًا صَالِحًا ; لِيَحْمِلَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَحُجُّونَ عَنْ جَمَالِ الدِّينِ، وَجَمَاعَةً يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ تَابُوتِهِ إِذَا حُمِلَ، وَإِذَا نَزَلَ عَنِ الْجَمَلِ، وَإِذَا وَصَلَ إِلَى مَدِينَةٍ يَدْخُلُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءُ يُنَادُونَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ يَجْتَازُ بِهَا، وَأَعْطَاهُ أَيْضًا مَالًا لِلصَّدَقَةِ عَنْهُ، فَصُلِّي عَلَيْهِ فِي تَكْرِيتَ، وَبَغْدَادَ، وَالْحِلَّةِ، وَفَيْدَ، وَمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ لَهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِالْحِلَّةِ صَعِدَ شَابٌّ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، وَأَنْشَدَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
سَرَى نَعْشُهُ فَوْقَ الرِّقَابِ وَطَالَمَا سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكَابِ وَنَائِلُهْ
يَمُرُّ عَلَى الْوَادِي فَتُثْنِي رِمَالُهُ عَلَيْهِ وَبِالنَّادِي فَتُثْنِي أَرَامِلُهْ
فَلَمْ نَرَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَطَافُوا بِهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ بِالْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَبَيْنَ قَبْرِهِ وَقَبْرِ النَّبِيِّ، ﷺ، نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا.
وَأَمَّا سِيرَتُهُ فَكَانَ، ﵀، أَسْخَى النَّاسِ، وَأَكْثَرَهُمْ بَذْلًا لِلْمَالِ، رَحِيمًا بِالْخَلْقِ، مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ، عَادِلًا فِيهِمْ، فَمِنْ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ: أَنَّهُ جَدَّدَ بِنَاءَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ
[ ٩ / ٣١٣ ]
بِمِنًى، وَغَرِمَ عَلَيْهِ أَمْوَالًا جَسِيمَةً، وَبَنَى الْحِجْرَ بِجَانِبِ الْكَعْبَةِ، وَزَخْرَفَ الْكَعْبَةَ وَذَهَّبَهَا، وَعَمَلَهَا بِالرُّخَامِ، وَلَمَّا أَرَادَ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ هَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَطَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ عِيسَى أَمِيرِ مَكَّةَ هَدِيَّةً كَثِيرَةً، وَخِلَعًا سَنِيَّةً، مِنْهَا عِمَامَةٌ مُشْتَرَاهَا ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ، حَتَّى مَكَّنَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَعَمَّرَ أَيْضًا الْمَسْجِدَ الَّذِي عَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ وَالدَّرَجِ الَّتِي يُصْعَدُ فِيهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ النَّاسُ يَلْقُونَ شِدَّةً فِي صُعُودِهِمْ، وَعَمِلَ بِعَرَفَاتٍ أَيْضًا مَصَانِعَ لِلْمَاءِ، وَأَجْرَى الْمَاءَ إِلَيْهَا مِنْ نَعْمَانَ فِي طُرُقٍ مَعْمُولَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَالٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ يَجْرِي الْمَاءُ فِي الْمَصَانِعِ كُلَّ سَنَةٍ أَيَّامَ عَرَفَاتٍ، وَبَنَى سُورًا عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَعَلَى فَيْدَ، وَبَنَى لَهَا أَيْضًا فَصِيلًا.
وَكَانَ يُخْرِجُ عَلَى بَابِ دَارِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، لِلصَّعَالِيكِ وَالْفُقَرَاءِ مِائَةَ دِينَارٍ أَمِيرِيٍّ، هَذَا سِوَى الْإِدْرَارَاتِ وَالتَّعَهُّدَاتِ لِلْأَئِمَّةِ وَالصَّالِحِينَ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتَاتِ.
وَمِنْ أَبْنِيَتِهِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا الْجِسْرُ الَّذِي بَنَاهُ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ بِالْحَجَرِ الْمَنْحُوتِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْكِلْسِ، فَقُبِضَ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ، وَبَنَى عِنْدَهَا أَيْضًا جِسْرًا كَذَلِكَ عَلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْإِرْبَادِ، وَبَنَى الرُّبُطَ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَيَكْفِيهِ أَنَّ ابْنَ الْخُجَنْدِيِّ، رَئِيسَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَصْفَهَانَ، قَصَدَهُ وَابْنُ الْكَافِي قَاضِي هَمَذَانَ، فَأَخْرَجَ عَلَيْهِمَا مَالًا عَظِيمًا، وَكَانَتْ صَدَقَاتُهُ وَصِلَاتُهُ مِنْ أَقَاصِي خُرَاسَانَ إِلَى حُدُودِ الْيَمَنِ.
وَكَانَ يَشْتَرِي الْأَسْرَى كُلَّ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، هَذَا مِنَ الشَّامِ حَسْبُ، سِوَى مَا يَشْتَرِي مِنَ الْكَرَجِ.
حَكَى لِي وَالِدِي عَنْهُ قَالَ: كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَرَى جَمَالَ الدِّينِ، إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ، يَأْخُذُ مِنْهُ وَمِنَ الْحَلْوَى وَيَتْرُكُهُ فِي خُبْزٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكُنْتُ أَنَا وَمَنْ يَرَاهُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ إِلَى أُمِّ وَلَدِهِ عَلِيٍّ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ جَاءَ إِلَى الْجَزِيرَةِ مَعَ قُطْبِ الدِّينِ، وَكُنْتُ
[ ٩ / ٣١٤ ]
أَتَوَلَّى دِيوَانَهَا، وَحَمَلَ جَارِيَتَهُ أُمَّ وَلَدِهِ إِلَى دَارِي ; لِتَدْخُلَ الْحَمَّامَ، فَبَقِيَتْ فِي الدَّارِ أَيَّامًا، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ فِي الْخِيَامِ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: اقْعُدْ، فَقَعَدْتُ، فَلَمَّا خَلَا الْمَكَانُ قَالَ لِي: قَدْ آثَرْتُكَ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَإِنَّنِي فِي الْخِيَامِ مَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ، خُذْ هَذَا الْخُبْزَ، وَاحْمِلْهُ أَنْتَ فِي كُمِّكَ فِي هَذَا الْمَنْدِيلِ، وَاتْرُكِ الْحَمَاقَةَ مِنْ رَأْسِكَ، وَعُدْ إِلَى بَيْتِكَ، فَإِذَا رَأَيْتَ فِي طَرِيقِكَ فَقِيرًا يَقَعُ فِي نَفْسِكَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ، فَاقْعُدْ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، وَأَطْعِمْهُ هَذَا الطَّعَامَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَعِي جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَفَرَّقْتُهُمْ فِي الطَّرِيقِ ; لِئَلَّا يَرَوْنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَبَقِيتُ فِي غِلْمَانِي، فَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ إِنْسَانًا أَعْمَى، وَعِنْدَهُ أَوْلَادُهُ وَزَوْجَتُهُ، وَهُمْ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَالٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَّتِي إِلَيْهِمْ، وَأَخْرَجْتُ الطَّعَامَ وَأَطْعَمْتُهُمْ إِيَّاهُ، وَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: تَجِيءُ غَدًا بُكْرَةً إِلَى دَارِ فُلَانٍ، أَعْنِي دَارِي، وَلَمْ أُعَرِّفْهُ نَفْسِي، فَإِنَّنِي آخُذُ لَكَ مِنْ صَدَقَةِ جَمَالِ الدِّينِ شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَيْهِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَا الَّذِي فَعَلْتَ فِي الَّذِي قُلْتُ لَكَ؟ فَأَخَذْتُ أَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِدَوْلَتِهِمْ، فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنِ الطَّعَامِ الَّذِي سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، فَذَكَرْتُ لَهُ الْحَالَ، فَفَرِحَ ثُمَّ قَالَ: بَقِيَ أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِلرَّجُلِ يَجِيءُ إِلَيْكَ هُوَ وَأَهْلُهُ، فَتَكْسُوهُمْ وَتُعْطِيهِمْ دَنَانِيرَ، وَتُجْرِي لَهُمْ كُلَّ شَهْرٍ دِينَارًا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَجِيءَ إِلَيَّ، فَازْدَادَ فَرَحًا، وَفَعَلْتُ بِالرَّجُلِ مَا قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ يَصِلُ إِلَيْهِ رَسْمُهُ حَتَّى قُبِضَ. وَلَهُ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِثِيَابِهِ مِنْ عَلَى بَدَنِهِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الَّتِي تَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ فِيهَا.
ذِكْرُ إِجْلَاءِ الْقَارْغَلِّيَّةِ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ
كَانَ خَانْ خَانَانِ الصِّينِيُّ مَلِكُ الْخَطَا قَدْ فَوَّضَ وِلَايَةَ سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى إِلَى الْخَانْ جَغْرِي خَانْ بْنِ حَسَنِ تَكِينَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، قَدِيمِ الْأُبُوَّةِ، فَبَقِيَ فِيهَا مُدَبِّرًا لِأُمُورِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْخَطَا بِإِجْلَاءِ الْأَتْرَاكِ الْقَارْغِلِّيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ إِلَى كَاشْغِرَ، وَأَنْ يَتْرُكُوا حَمْلَ السِّلَاحِ، وَيَشْتَغِلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَتَقَدَّمَ جَغْرِي خَانْ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَامْتَنَعُوا، فَأَلْزَمَهُمْ وَأَلَحَّ
[ ٩ / ٣١٥ ]
عَلَيْهِمْ بِالِانْتِقَالِ، فَاجْتَمَعُوا وَصَارَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً، فَكَثُرُوا، وَسَارُوا إِلَى بُخَارَى، فَأَرْسَلَ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَازَةَ، رَئِيسُ بُخَارَى، إِلَى جَغْرِي خَانْ يُعْلِمُهُ ذَلِكَ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ بِعَسَاكِرِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْظُمَ شَرُّهُمْ، وَيَنْهَبُوا الْبِلَادَ.
وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ مَازَةَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الْكُفَّارَ بِالْأَمْسِ لَمَّا طَرَقُوا هَذِهِ الْبِلَادَ امْتَنَعُوا عَنِ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ، وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، غُزَاةٌ، يَقْبُحُ مِنْكُمْ مَدُّ الْأَيْدِي إِلَى الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، وَأَنَا أَبْذُلُ لَكُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا تَرْضَوْنَ بِهِ لِتَكُفُّوا عَنِ النَّهْبِ وَالْغَارَةِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ فِي تَقْرِيرِ الْقَاعِدَةِ، وَابْنُ مَازَةَ يُطَاوِلُ بِهِمْ وَيُمَادِي الْأَيَّامَ إِلَى أَنْ وَصَلَ جَغْرِي خَانْ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْأَتْرَاكُ الْقَارْغَلِّيَّةُ إِلَّا وَقَدْ دَهَمَهُمْ جَغْرِي خَانْ فِي جُيُوشِهِ بَغْتَةً وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ. فَانْهَزَمُوا، وَتَفَرَّقُوا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالنَّهْبُ. وَاخْتَفَى طَائِفَةٌ فِي الْغِيَاضِ وَالْآجَامِ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ أَصْحَابُ جَغْرِي خَانْ فَقَطَعُوا دَابِرَهُمْ، وَدَفَعُوا عَنْ بُخَارَى وَنَوَاحِيهَا ضَرَرَهُمْ، وَخَلَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ مِنْهُمْ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ سُنْقُرَ عَلَى الطَّالْقَانِ وَغَرْشِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى الْأَمِيرُ صَلَاحُ الدِّينِ سُنْقُرُ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ السَّنْجَرِيَّةِ، عَلَى بِلَادِ الطَّالْقَانِ، وَأَغَارَ عَلَى حُدُودِ غَرْشِسْتَانَ، وَتَابَعَ الْغَارَاتِ عَلَيْهَا حَتَّى مَلَكَهَا، فَصَارَتِ الْوِلَايَتَانِ لَهُ وَبِحُكْمِهِ، وَلَهُ فِيهِمَا حُصُونٌ مَنِيعَةٌ، وَقِلَاعٌ حَصِينَةٌ، وَصَالَحَ الْأُمَرَاءَ الْغُزِّيَّةَ، وَحَمَلَ لَهُمُ الْإِتَاوَةَ كُلَّ سَنَةٍ.
ذِكْرُ قَتْلِ صَاحِبِ هَرَاةَ
كَانَ صَاحِبُ هَرَاةَ الْأَمِيرُ إِيتَكِينُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُزِّ مُهَادَنَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلِكُ الْغُورِ مُحَمَّدٌ طَمِعَ فِي بِلَادِهِمْ، فَغَزَاهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَنَهَبَ وَأَغَارَ، فَلَمَّا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ إِيتِكِينُ جُمُوعَهُ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الْغُورِ، وَسَارُوا إِلَى بَامَيَانَ وَإِلَى وِلَايَةِ بُسْتَ وَالرُّخَّجِ، فَقَاتَلَهُ صَاحِبُهَا طُغْرُلُ تَكِينَ يَرْنَقْشُ الْفَلَكِيُّ مِنْ قِبَلِ الْغُورِيَّةِ، فَظَهَرُوا إِلَى بَامِيَانَ، وَاسْتَوْلَى [عَلَى] بُسْتَ وَالرُّخَجِ فَسَلَّمَهَا إِلَى بَعْضِ أَوْلَادِ مُلُوكِ
[ ٩ / ٣١٦ ]
الْغُورِ، وَأَمَّا إِيتِكِينُ فَإِنَّهُ تَوَغَّلَ فِي بِلَادِ الْغُورِ، فَأَتَاهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُ، وَصَدُّوهُ، وَصَدَقُوهُ الْقِتَالَ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، وَقُتِلَ هُوَ فِي الْمَعْرَكَةِ.
ذِكْرُ مُلِكِ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ قُومَسَ وَبَسِطَامًا
قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِيلَاءَ الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ عَلَى قُومَسَ وَبَسِطَامَ وَتِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ اسْتَنَابَ بِهَا مَمْلُوكَهُ تِنْكِزَ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ جَهَّزَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ جَيْشًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لَهُ يُعْرَفُ بِسَابِقِ الدِّينِ الْقَزْوِينِيِّ، فَسَارَ إِلَى دَامِغَانَ، فَمَلَكَهَا، فَجَمَعَ تِنْكِزُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ وَسَارَ إِلَيْهِ إِلَى دَامِغَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْقَزْوِينِيُّ، فَوَصَلَ إِلَى تِنْكِزَ عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُ، فَلَمْ يَشْعُرْ هُوَ وَعَسْكَرُهُ إِلَّا وَقَدْ كَبَسَهُمُ الْقَزْوِينِيُّ وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَتَفَرَّقُوا وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَاسْتَوْلَى عَسْكَرُ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، وَعَادَ تِنْكِزُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ. وَاشْتَغَلَ بِالْغَارَةِ عَلَى بَسْطَامَ وَبِلَادِ قُومَسَ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ غُمَارَةَ بِالْمَغْرِبِ
لَمَّا تَحَقَّقَ النَّاسُ مَوْتَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، ثَارَتْ قَبَائِلُ غُمَارَةَ مَعَ مِفْتَاحِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُقَدَّمًا كَبِيرًا فِيهِمْ، وَتَبِعُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ، وَامْتَنَعُوا فِي جِبَالِهِمْ، وَهِيَ مَعَاقِلُ مَانِعَةٌ، وَهُمْ أُمَمٌ جَمَّةٌ، فَتَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَمَعَهُ أَخَوَاهُ عَمْرٌو وَعُثْمَانُ، فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَالْعَرَبِ، وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَانْهَزَمَتْ غُمَارَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَفِيمَنْ قُتِلَ مِفْتَاحُ بْنُ عَمْرٍو مُقَدَّمُهُمْ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَمُقَدَّمِيهِمْ، وَمَلَكُوا بِلَادَهُمْ عَنْوَةً.
وَكَانَ هُنَاكَ قَبَائِلُ كَثِيرَةٌ يُرِيدُونَ الْفِتْنَةَ، فَانْتَظَرُوا مَا يَكُونُ مِنْ غُمَارَةَ، فَلَمَّا قُتِلُوا ذَلَّتْ تِلْكَ الْقَبَائِلُ وَانْقَادُوا لِلطَّاعَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مُتَحَرِّكٌ لِفِتْنَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، فَسَكَنَتِ الدَّهْمَاءُ فِي جَمِيعِ الْمَغْرِبِ.
[ ٩ / ٣١٧ ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَغَارَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ أُنُزَ عَلَى بَلَدِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِخُرَاسَانَ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَسَرَ وَسَبَى وَأَكْثَرَ، وَمَلَأَ أَصْحَابُهُ أَيْدِيَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَضْلِ نَصْرُ بْنُ خَلَفٍ مَلِكُ سِجِسْتَانَ، وَعُمُرُهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمُدَّةُ مُلْكِهِ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، وَكَانَ أَبُو الْفَضْلِ مَلِكًا عَادِلًا عَفِيفًا عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَلَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ فِي نُصْرَةِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ فِي غَيْرِ مَوْقِفٍ.
وَفِيهَا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي عَسَاكِرَ لَا تُحْصَى وَقَصَدَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ الَّتِي بِيَدِ قَلْجِ أَرْسِلَان وَابْنِ دَانِشْمَنْدَ، فَاجْتَمَعَ التُّرْكُمَانُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ، فَكَانُوا يُغِيرُونَ عَلَى أَطْرَافِ عَسْكَرِهِ لَيْلًا، فَإِذَا أَصْبَحَ لَا يَرَى أَحَدًا.
وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الرُّومِ حَتَّى بَلَغَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى عَشَرَاتِ أُلُوفٍ، فَعَادَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَمَّا عَادَ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ عِدَّةَ حُصُونٍ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْإِمَامُ عُمَرُ الْخُوَارَزْمِيُّ خَطِيبُ بَلْخَ وَمُفْتِيهَا بِهَا.
وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْمَحْمُودِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالْأَشْعَارِ، وَلَهُ مَقَامَاتٌ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى نَمَطِ مَقَامَاتِ الْحَرِيرِيِّ بِالْعَرَبِيَّةِ.
[ ٩ / ٣١٨ ]