٥٩٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ شِهَابِ الدِّينِ وَمَلِكِ بَنَارِسَ الْهِنْدِيِّ
كَانَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ، مَلِكُ غَزْنَةَ، قَدْ جَهَّزَ مَمْلُوكَهُ قُطْبَ الدِّينِ أَيْبَكْ، وَسَيَّرَهُ إِلَى بَلَدِ الْهِنْدِ لِلْغُزَاةِ، فَدَخَلَهَا فَقَتَلَ فِيهَا وَسَبَى وَنَهَبَ وَعَادَ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ مَلِكُ بَنَارِسَ، وَهُوَ أَكْبَرُ مَلِكٍ فِي الْهِنْدِ، وَوِلَايَتُهُ مِنْ حَدِّ الصِّينِ إِلَى بِلَادِ مَلَاوَا طُولًا، وَمِنَ الْبَحْرِ إِلَى مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ لَهَاوُورَ عَرْضًا، وَهُوَ مَلِكٌ عَظِيمٌ فَعِنْدَهَا جَمَعَ جُيُوشَهُ، وَحَشَرَهَا، وَسَارَ يَطْلُبُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ.
وَدَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، فَسَارَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ، مِنْ غَزْنَةَ بِعَسَاكِرِهِ نَحْوَهُ، فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ عَلَى مَاجُونَ، وَهُوَ نَهَرٌ كَبِيرٌ يُقَارِبُ دِجْلَةَ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَعَ الْهِنْدِيِّ سَبْعُمِائَةِ فِيلٍ، وَمِنَ الْعَسْكَرِ عَلَى مَا قِيلَ أَلْفُ أَلْفِ رَجُلٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ عَسْكَرِهِ عِدَّةُ أُمَرَاءَ مُسْلِمِينَ، وَكَانُوا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ أَبًّا عَنْ جَدٍّ، مِنْ أَيَّامِ السُّلْطَانِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، يُلَازِمُونَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ، وَيُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَأَفْعَالِ الْخَيْرِ. فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْهُنُودُ اقْتَتَلُوا، فَصَبَرَ الْكُفَّارُ لِكَثْرَتِهِمْ، وَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ لِشَجَاعَتِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ، وَنُصِرَ الْمُسْلِمُونَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْهُنُودِ، حَتَّى امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ وَجَافَتْ.
وَكَانُوا لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا الصِّبْيَانَ وَالْجَوَارِيَ وَأَمَّا الرِّجَالُ فَيُقْتَلُونَ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ تِسْعُونَ فِيلًا، وَبَاقِي الْفِيَلَةِ قُتِلَ بَعْضُهَا، وَانْهَزَمَ بَعْضُهَا، وَقُتِلَ مَلِكُ الْهِنْدِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَتْ أَسْنَانُهُ قَدْ ضَعُفَتْ أُصُولُهَا، فَأَمْسَكُوهَا بِشَرِيطِ الذَّهَبِ فَبِذَلِكَ عَرَفُوهُ.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
فَلَمَّا انْهَزَمَ الْهُنُودُ دَخَلَ شِهَابُ الدِّينِ بِلَادَ بَنَارِسَ، وَحَمَلَ مِنْ خَزَائِنِهَا عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ جَمَلٍ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ، وَمَعَهُ الْفِيَلَةُ الَّتِي أَخَذَهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا فِيلٌ أَبْيَضُ.
حَدَّثَنِي مَنْ رَآهُ: لَمَّا أُخِذَتِ الْفِيَلَةُ، وَقُدِّمَتْ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ، وَأُمِرَتْ بِالْخِدْمَةِ، فَخَدَمَتْ جَمِيعُهَا إِلَّا الْأَبْيَضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْدُمْ، وَلَا يَعْجَبْ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِنَا الْفِيَلَةُ تَخْدُمُ فَإِنَّهَا تَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهَا، وَلَقَدْ شَاهَدْتُ فِيلًا بِالْمَوْصِلِ وَفَيَّالُهُ يُحَدِّثُهُ، فَيَفْعَلُ مَا يَقُولُ لَهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْ، وَمُلْكِ خُوَارِزْمِ شَاهْ الرَّيَّ، وَوَفَاةِ أَخِيهِ سُلْطَانِ شَاهْ
لَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] خُرُوجَ السُّلْطَانِ طُغْرُلْ بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ بْنِ طُغْرُلْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْبِ أَرُسَلَانَ السَّلْجُوقِيِّ مِنَ الْحَبْسِ، وَمُلْكَهُ هَمَذَانَ وَغَيْرَهَا، وَكَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتْلُغْ إِينَانْج بْنِ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبِ الْبِلَادِ حَرْبٌ، انْهَزَمَ فِيهَا قُتْلُغْ إِينَانْجُ، وَتَحَصَّنَ بِالرَّيِّ.
وَسَارَ طُغْرُلْ إِلَى هَمَذَانَ، وَأَرْسَلَ قُتْلُغْ إِينَانْجُ إِلَى خُوَارِزْمِ شَاهْ عَلَاءِ الدِّينِ تُكْشَ يَسْتَنْجِدُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، فَلَمَّا تَقَارَبَا نَدِمَ قُتْلُغْ إِينَانْجُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ خُوَارِزْمِ شَاهْ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَمَضَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتَحَصَّنَ قَلْعَةً لَهُ، فَسَارَ خُوَارِزْمِ شَاهْ إِلَى الرَّيِّ وَمَلَكَهَا.
وَحَصَرَ قَلْعَةَ طَبَرْكَ فَفَتَحَهَا فِي يَوْمَيْنِ، وَرَاسَلَهُ طُغْرُلْ، وَاصْطَلَحَا، وَبَقِيَتِ الرَّيُّ فِي يَدِ خُوَارِزْمِ شَاهْ فَرَتَّبَ فِيهَا عَسْكَرًا يَحْفَظُهَا، وَعَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَخَاهُ سُلْطَانَ [شَاهْ] قَدْ قَصَدَ خُوَارِزْمَ، فَجَدَّ فِي السَّيْرِ خَوْفًا عَلَيْهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ أَنَّ أَهْلَ خُوَارِزْمَ مَنَعُوا سُلْطَانَ شَاهْ عَنْهَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهَا، وَعَادَ عَنْهَا خَائِبًا.
فَشَتَّى خُوَارِزْمُ شَاهْ بِخُوَارِزْمَ، فَلَمَّا انْقَضَى الشِّتَاءُ سَارَ إِلَى مَرْوَ لِقَصْدِ أَخِيهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي الصُّلْحِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ فِي تَقْرِيرِ الصُّلْحِ وَرَدَ عَلَى خُوَارِزْمِ شَاهْ رَسُولٌ مِنْ مُسْتَحْفِظِ قَلْعَةِ سَرَخْسَ لِأَخِيهِ سُلْطَانِ شَاهْ يَدْعُوهُ لِيُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْحَشَ مِنْ صَاحِبِهِ سُلْطَانِ شَاهْ، فَسَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَيْهِ مُجِدًّا، فَتَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ وَصَارَ مَعَهُ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ سُلْطَانَ شَاهْ فَفَتَّ فِي عَضُدِهِ، وَتَزَايَدَ كَمَدُهُ، فَمَاتَ سَلْخَ رَمَضَانَ سَنَةَ
[ ١٠ / ١٢٧ ]
تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارِزْمُ شَاهْ بِمَوْتِهِ سَارَ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى مَرْوَ فَتَسَلَّمَهَا، وَتَسَلَّمَ مَمْلَكَةَ أَخِيهِ سُلْطَانِ شَاهْ جَمِيعَهَا وَخَزَائِنَهُ.
وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِينَئِذٍ قُطْبَ الدِّينِ، وَهُوَ بِخُوَارِزْمَ، فَأَحْضَرَهُ فَوَلَّاهُ نَيْسَابُورَ، وَوَلَّى ابْنَهُ الْأَكْبَرَ مَلِكْشَاهْ مَرْوَ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ.
فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَصَدَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْ بَلَدَ الرَّيِّ فَأَغَارَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، [فَفَرَّ مِنْهُ قُتْلُغْ إِينَانْجُ بْنُ الْبَهْلَوَانِ، وَأَرْسَلَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ] يَعْتَذِرُ وَيَسْأَلُ إِنْجَادَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَوَافَقَ ذَلِكَ وُصُولَ رَسُولِ الْخَلِيفَةِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَشْكُو مِنْ طُغْرُلْ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ قَصْدَ بِلَادِهِ وَمَعَهُ مَنْشُورٌ بِإِقْطَاعِهِ الْبِلَادَ، فَسَارَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ، فَتَلْقَاهُ قُتْلُغ إِينَانْجُ وَمَنْ مَعَهُ بِالطَّاعَةِ، وَسَارُوا مَعَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْ بِوُصُولِهِ كَانَتْ عَسَاكِرُهُ مُتَفَرِّقَةً، فَلَمْ يَقِفْ لِيَجْمَعَهَا بَلْ سَارَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنِ الَّذِي تَفْعَلُهُ لَيْسَ بِرَأْيٍ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تَجْمَعَ الْعَسَاكِرَ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ، بَلْ تَمَّمَ مَسِيرَهُ.
فَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِالْقُرْبِ مِنَ الرَّيِّ، فَحَمَلَ طُغْرُلْ بِنَفْسِهِ وَسَطَ عَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَأَحَاطُوا بِهِ وَأَلْقَوْهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَقَتَلُوهُ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَحُمِلَ رَأَسُهُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَسَيَّرَهُ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى بَغْدَادَ، فَنُصِبَ بِهَا بِبَابِ النُّوبِيِّ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
وَسَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى هَمَذَانَ، وَمَلَكَ تِلْكَ الْبِلَادَ جَمِيعَهَا، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ قَدْ جَهَّزَ عَسْكَرَ إِلَى نَجْدَةَ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَسَيَّرَ لَهُ الْخِلَعَ السُّلْطَانِيَّةَ مَعَ وَزِيرِهِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ بْنِ الْقَصَّابِ، فَنَزَلَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ هَمَذَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَطْلُبُهُ إِلَيْهِ.
فَقَالَ مُؤَيِّدُ الدِّينِ: يَنْبَغِي أَنْ تَحْضُرَ أَنْتَ وَتَلْبَسَ الْخِلْعَةَ مِنْ خَيْمَتِي وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لِخَوَارِزْمَ شَاهْ: إِنَّهَا حِيلَةٌ عَلَيْكَ حَتَّى تَحْضُرَ عِنْدَهُ، وَيَقْبِضَ عَلَيْكَ.
فَرَحَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَيْهِ قَصْدًا لِأَخْذِهِ فَانْدَفَعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَالْتَجَأَ إِلَى بَعْضِ الْجِبَالِ، فَامْتَنَعَ بِهِ، فَرَجَعَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى هَمَذَانَ، وَلَمَّا مَلَكَ هَمَذَانَ وَتِلْكَ الْبِلَادَ سَلَّمَهَا إِلَى قُتْلُغ إِينَانْجَ، وَأَقْطَعَ كَثِيرًا مِنْهَا لِمَمَالِيكِهِ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمْ مَيَاجِقَ، وَعَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ.
[ ١٠ / ١٢٨ ]
ذِكْرُ مَسِيرِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ إِلَى خُوزِسْتَانَ وَمُلْكِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، خَلَعَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ عَلَى النَّائِبِ فِي الْوِزَارَةِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْقَصَّابِ، خِلَعَ الْوِزَارَةِ، وَحُكِّمَ فِي الْوِلَايَةِ وَبَرَزَ فِي رَمَضَانَ، وَسَارَ إِلَى بِلَادِ خُوزِسْتَانَ ; [وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا قَدْ خَدَمَ فِي خُوزِسْتَانَ]، وَوَلِيَ الْأَعْمَالَ بِهَا، وَصَارَ لَهُ فِيهَا أَصْحَابٌ وَأَصْدِقَاءُ وَمَعَارِفُ، وَعَرَفَ الْبِلَادَ وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يُمْكِنُ الدُّخُولُ إِلَيْهَا وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَلِيَ بِبَغْدَادَ نِيَابَةَ الْوِزَارَةِ أَشَارَ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي عَسْكَرٍ إِلَيْهَا لِيَمْلِكَهَا لَهُ، وَكَانَ عَزْمُهُ أَنَّهُ إِذَا مَلَكَ الْبِلَادَ وَاسْتَقَرَّ فِيهَا أَقَامَ مُظْهِرًا لِلطَّاعَةِ، مُسْتَقِلًّا بِالْحُكْمِ فِيهَا; لِيَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ صَاحِبَهَا ابْنُ شَمْلَةَ تُوُفِّيَ، وَاخْتَلَفَ أَوْلَادُهُ بَعْدَهُ، فَرَاسَلَ بَعْضُهُمْ مُؤَيِّدَ الدِّينِ يَسْتَنْجِدُهُ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الصُّحْبَةِ الْقَدِيمَةِ، فَقَوِيَ الطَّمَعُ فِي الْبِلَادِ، فَجُهِّزَتِ الْعَسَاكِرُ وَسُيِّرَتْ مَعَهُ إِلَى خُوزِسْتَانَ، فَوَصَلَهَا سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْبِلَادِ مُرَاسَلَاتٌ وَمُحَارَبَةٌ عَجَزُوا عَنْهَا، وَمَلَكَ مَدِينَةَ تُسْتَرَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَلَكَ غَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَمَلَكَ الْقِلَاعَ مِنْهَا: قَلْعَةُ النَّاظِرِ، وَقَلْعَةُ كَاكَرْد، وَقَلْعَةُ لَامُوجَ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَأَنْفَذَ بَنِي شَمْلَةَ أَصْحَابَ بِلَادِ خُوزِسْتَانَ إِلَى بَغْدَادَ، فَوَصَلُوا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
ذِكْرُ حَصْرِ الْعَزِيزِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ صَاحِبُ مِصْرَ، إِلَى مَدِينَةِ دِمَشْقَ، فَحَصَرَهَا وَبِهَا أَخُوهُ الْأَكْبَرُ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ عَلِيُّ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ. وَكُنْتُ حِينَئِذٍ بِدِمَشْقَ، فَنَزَلَ بِنَوَاحِي مَيْدَانِ الْحَصَى، فَأَرْسَلَ الْأَفْضَلُ إِلَى عَمِّهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ. أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ صَاحِبُ الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ، يَسْتَنْجِدُهُ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ غَايَةَ الْوَاثِقِ بِهِ وَالْمُعْتَمِدِ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَسَارَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ إِلَى دِمَشْقَ
[ ١٠ / ١٢٩ ]
هُوَ وَالْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ - صَاحِبُ حَلَبَ -، وَنَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ تَقِيِّ الدِّينِ - صَاحِبُ حَمَاةَ -، وَأَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرْكُوهْ - صَاحِبُ حِمْصَ -، وَعَسْكَرُ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا، كُلُّ هَؤُلَاءِ اجْتَمَعُوا بِدِمَشْقَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى حِفْظِهَا. عِلْمًا مِنْهُمْ أَنَّ الْعَزِيزَ إِنْ مَلَكَهَا أَخَذَ بِلَادَهُمْ.
فَلَمَّا رَأَى الْعَزِيزُ اجْتِمَاعَهُمْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْبَلَدِ، فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ حِينَئِذٍ فِي الصُّلْحِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ وَمَا جَاوَرَهُ مِنْ أَعْمَالِ فِلَسْطِينَ لِلْعَزِيزِ، وَتَبْقَى دِمَشْقُ وَطَبَرِيَّةُ وَأَعْمَالُهَا وَالْغَوْرُ لِلْأَفْضَلِ، عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعْطِيَ الْأَفْضَلُ أَخَاهُ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ جَبَلَةَ وَلَاذِقِيَّةَ بِالسَّاحِلِ الشَّامِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْعَادِلِ بِمِصْرَ إِقْطَاعُهُ الْأَوَّلُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَادَ الْعَزِيزُ إِلَى مِصْرَ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنَ الْمُلُوكِ إِلَى بَلَدِهِ.
ذِكْرُ عَدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَسَقَطَتْ مِنْهَا الْجَبَّانَةُ الَّتِي عِنْدَ مَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - ﵇.
وَفِيهَا - فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ - اجْتَمَعَتْ زِعْبٌ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعَرَبِ، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى إِلَيْهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ قَاسِمٍ - أَخُو أَمِيرِ الْمَدِينَةِ - فَقَاتَلَهُمْ، فَقُتِلَ هَاشِمٌ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ ; فَلِهَذَا طَمِعَتِ الْعَرَبُ فِيهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّرَسُوسِيُّ الْحَلَبِيُّ بِهَا، فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
[ ١٠ / ١٣٠ ]