(٥٤٣)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ الْمَهْدِيَّةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَسِيرَ أَهْلِ يُوسُفَ، وَصَاحِبِ قَابِسَ، إِلَى رُجَّارَ، مَلِكِ صِقِلِّيَةَ، وَاسْتِغَاثَتَهُمْ بِهِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ الصَّنْهَاجِيِّ، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، صُلْحٌ وَعُهُودٌ إِلَى مُدَّةِ سَنَتَيْنِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ فَاتَهُ فَتْحُ الْبِلَادِ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ، وَكَانَتِ الشِّدَّةُ دَوَامَ الْغَلَاءِ فِي جَمِيعِ الْمَغْرِبِ مِنْ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَشَدُّ ذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَإِنَّ النَّاسَ فَارَقُوا الْبِلَادَ وَالْقُرَى، وَدَخَلَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى مَدِينَةِ صِقِلِّيَةَ، وَأَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَثُرَ الْمَوْتُ فِي النَّاسِ، فَاغْتَنَمَ رُجَّارُ هَذِهِ الشِّدَّةَ، فَعَمَّرَ الْأُسْطُولَ، وَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَبَلَغَ نَحْوَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ شِينِيًّا مَمْلُوءَةً رِجَالًا وَسِلَاحًا وَقُوتًا.
وَسَارَ الْأُسْطُولُ عَنْ صِقِلِّيَةَ، وَوَصَلَ إِلَى جَزِيرَةِ قَوْصَرَةَ، وَهِيَ بَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ وَصِقِلِّيَةَ، فَصَادَفُوا بِهَا مَرْكَبًا وَصَلَ مِنَ الْمَهْدِيَّةِ، فَأُخِذَ أَهْلُهُ وَأُحْضِرُوا بَيْنَ يَدَيْ جُرْجِي مُقَدَّمِ الْأُسْطُولِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَوَجَدَ فِي الْمَرْكَبِ قَفَصَ حَمَامٍ، فَسَأَلَهُمْ هَلْ أَرْسَلُوا مِنْهَا، فَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُرْسِلُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَأَمَرَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ الْحَمَّامُ صُحْبَتَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِخَطِّهِ: إِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا جَزِيرَةَ قَوْصَرَةَ وَجَدْنَا بِهَا مَرَاكِبَ مِنْ صِقِلِّيَةَ، فَسَأَلْنَاهُمْ عَنِ الْأُسْطُولِ الْمَخْذُولِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَقْلَعَ إِلَى جَزَائِرِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
[ ٩ / ١٥٥ ]
وَأَطْلَقَ الْحَمَامَ فَوَصَلَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَسُرَّ الْأَمِيرُ الْحَسَنُ وَالنَّاسُ ; وَأَرَادَ جُرْجِي بِذَلِكَ أَنْ يَصِلَ بَغْتَةً، ثُمَّ سَارَ، وَقُدِّرَ وُصُولُهُمْ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَقْتَ السَّحَرِ لِيُحِيطَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ أَهْلُهَا، فَلَوْ تَمَّ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا هَائِلَةً عَكَسَتْهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَّا بِالْمَقَاذِيفِ، فَطَلَعَ النَّهَارُ ثَانِيَ صَفَرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ، فَرَآهُمُ النَّاسُ، فَلَمَّا رَأَى جُرْجِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْخَدِيعَةَ فَاتَتْهُ، أَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ الْحَسَنِ يَقُولُ: إِنَّمَا جِئْتُ بِهَذَا الْأُسْطُولِ طَالِبًا بِثَأْرِ مُحَمَّدِ بْنِ رَشِيدٍ صَاحِبِ قَابِسَ وَرَدِّهِ إِلَيْهَا، وَأَمَّا أَنْتَ فَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ عُهُودٌ وَمِيثَاقٌ إِلَى مُدَّةٍ، وَنُرِيدُ مِنْكَ عَسْكَرًا يَكُونُ مَعَنَا.
فَجَمَعَ الْحَسَنُ النَّاسَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأَعْيَانِ وَشَاوَرَهُمْ، فَقَالُوا: نُقَاتِلُ عَدُوَّنَا، فَإِنَّ بَلَدَنَا حَصِينٌ. فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْبَرِّ وَيَحْصُرَنَا بَرًّا وَبَحْرًا، وَيَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمِيرَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا يَقُوتُنَا شَهْرًا، فَنُؤْخَذَ قَهْرًا. وَأَنَا أَرَى سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَسْرِ وَالْقَتْلِ خَيْرًا مِنَ الْمُلْكِ، وَقَدْ طَلَبَ مِنِّي عَسْكَرًا إِلَى قَابِسَ، فَإِذَا فَعَلْتُ فَمَا يَحِلُّ لِي مَعُونَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا امْتَنَعْتُ يَقُولُ: انْتَقَضَ مَا بَيْنَنَا مِنَ الصُّلْحِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُثَبِّطَنَا حَتَّى يَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَرِّ، وَلَيْسَ لَنَا بِقِتَالِهِ طَاقَةٌ، وَالرَّأْيُ أَنْ نَخْرُجَ بِالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَنَتْرُكَ الْبَلَدَ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِنَا فَلْيُبَادِرْ مَعَنَا.
وَأَمَرَ فِي الْحَالِ بِالرَّحِيلِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَهُ وَمَا خَفَّ حَمْلُهُ، وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ بِأَهْلِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَا خَفَّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَثَاثِهِمْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنِ اخْتَفَى عِنْدَ النَّصَارَى وَفِي الْكَنَائِسِ، وَبَقِيَ الْأُسْطُولُ فِي الْبَحْرِ تَمْنَعُهُ الرِّيحُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ إِلَى ثُلُثَيِ النَّهَارِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْبَلَدِ مِمَّنْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ أَحَدٌ، فَوَصَلَ الْفِرِنْجُ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ بِغَيْرِ مَانِعٍ وَلَا دَافِعٍ، وَدَخَلَ جُرْجِي الْقَصْرَ فَوَجَدَهُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَأْخُذِ الْحَسَنُ مِنْهُ إِلَّا مَا خَفَّتْ مِنْ ذَخَائِرِ الْمُلُوكِ، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ حَظَايَاهُ، وَرَأَى الْخَزَائِنَ مَمْلُوءَةً مِنَ الذَّخَائِرِ النَّفِيسَةِ وَكُلِّ شَيْءٍ غَرِيبٍ يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ، فَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَجَمَعَ سَرَارِيَ الْحَسَنِ فِي قَصْرِهِ.
وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ مِنْ زِيرِي بْنِ مُنَادٍ إِلَى الْحَسَنِ تِسْعَةَ مُلُوكٍ، وَمُدَّةُ
[ ٩ / ١٥٦ ]
وِلَايَتِهِمْ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانِي سَنَوَاتٍ، مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ; وَكَانَ بَعْضُ الْقُوَّادِ قَدْ أَرْسَلَهُ الْحَسَنُ إِلَى رُجَّارَ بِرِسَالَةٍ، فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ مِنْهُ أَمَانًا، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَلَمَّا مَلَكَ الْمَدِينَةَ نُهِبَتْ مِقْدَارَ سَاعَتَيْنِ، وَنُودِيَ بِالْأَمَانِ، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ مُسْتَخْفِيًا، وَأَصْبَحَ جُرْجِي مِنَ الْغَدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ قَرُبَ مِنَ الْعَرَبِ، فَدَخَلُوا إِلَيْهِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَرْسَلَ مِنْ جُنْدِ الْمَهْدِيَّةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِهَا جَمَاعَةً، وَمَعَهُمْ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْمَهْدِيَّةِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهَا، وَدَوَابَّ يَحْمِلُونَ الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ، وَكَانُوا قَدْ أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ مِنَ الْجُوعِ، وَلَهُمْ بِالْمَهْدِيَّةِ خَبَايَا وَوَدَائِعُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْأَمَانُ رَجَعُوا، فَلَمْ تَمْضِ جُمْعَةٌ حَتَّى رَجَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبَلَدِ.
وَأَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُ سَارَ بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا غَيْرَ الْإِنَاثِ وَخَوَاصِّ خَدَمِهِ، قَاصِدًا إِلَى مُحْرِزِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ بِالْمُعَلَّقَةِ، فَلَقِيَهُ فِي طَرِيقِهِ أَمِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يُسَمَّى حَسَنَ بْنَ ثَعْلَبٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ مَالًا انْكَسَرَ لَهُ فِي دِيوَانِهِ، فَلَمْ يُمْكِنِ الْحَسَنَ إِخْرَاجُ مَالٍ لِئَلَّا يُؤْخَذَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ وَلَدَهُ يَحْيَى رَهِينَةً وَسَارَ، فَوَصَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِلَى مُحْرِزٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْعَرَبِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَوَصَلَهُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَالِ، فَلَقِيَهُ مُحْرِزٌ لِقَاءً جَمِيلًا، وَتَوَجَّعَ لِمَا حَلَّ بِهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شُهُورًا، وَالْحَسَنُ كَارِهٌ لِلْإِقَامَةِ، فَأَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْحَافِظِ الْعَلَوِيِّ، وَاشْتَرَى مَرْكَبًا لِسَفَرِهِ، فَسَمِعَ جُرْجِي الْفِرِنْجِيُّ، فَجَهَّزَ شَوَانِيَ لِيَأْخُذَهُ، فَعَادَ الْحَسَنُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِالْمَغْرِبِ، فَأَرْسَلَ كِبَارَ أَوْلَادِهِ يَحْيَى وَتَمِيمًا وَعَلِيًّا إِلَى يَحْيَى بْنِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي حَمَّادٍ، وَهُمَا أَوْلَادُ عَمٍّ، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَتَجْدِيدِ الْعَهْدِ بِهِ، وَالْمَسِيرِ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَأَذِنَ لَهُ يَحْيَى، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ يَحْيَى، وَسَيَّرَهُ إِلَى جَزِيرَةِ بَنِي مَزْغَنَّاي هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَايَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، فَحَضَرَ عِنْدَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَهُ هُنَاكَ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ جُرْجِي بِالْمَهْدِيَّةِ سَيَّرَ أُسْطُولًا، بَعْدَ أُسْبُوعٍ، إِلَى مَدِينَةِ سَفَاقُسَ، وَسَيَّرَ أُسْطُولًا آخَرَ إِلَى مَدِينَةِ سُوسَةَ، فَأَمَّا سُوسَةُ فَإِنَّ أَهْلَهَا لَمَّا سَمِعُوا خَبَرَ الْمَهْدِيَّةِ، وَكَانَ
[ ٩ / ١٥٧ ]
وَالِيَهَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَمِيرُ، فَخَرَجَ إِلَى أَبِيهِ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِخُرُوجِهِ، فَدَخَلَهَا الْفِرِنْجُ بِلَا قِتَالٍ ثَانِي عَشَرَ صَفَرٍ ; وَأَمَّا سَفَاقُسُ فَإِنَّ أَهْلَهَا أَتَاهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَامْتَنَعُوا بِهِمْ، فَقَاتَلَهُمُ الْفِرِنْجُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَأَظْهَرَ الْفِرِنْجُ الْهَزِيمَةَ، وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ حَتَّى أُبْعِدُوا عَنِ الْبَلَدِ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ قَوْمٌ إِلَى الْبَلَدِ وَقَوْمٌ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَدَخَلَ الْفِرِنْجُ الْبَلَدَ فَمَلَكُوهُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَقَتْلَى كَثِيرَةٍ، وَأَسْرِ مَنْ بَقِيَ مِنَ الرِّجَالِ وَسَبْيِ الْحَرِيمِ، وَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، ثُمَّ نُودِيَ بِالْأَمَانِ، فَعَادَ أَهْلُهَا إِلَيْهَا، وَافْتَكُّوا حُرَمَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ، وَرُفِقَ بِهِمْ وَبِأَهْلِ سُوسَةَ وَالْمَهْدِيَّةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ وَصَلَتْ كُتُبٌ مِنْ رُجَّارَ لِجَمِيعِ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ بِالْأَمَانِ وَالْمَوَاعِيدِ الْحَسَنَةِ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ أَحْوَالُ الْبِلَادِ سَارَ جُرْجِي فِي أُسْطُولٍ إِلَى قَلْعَةِ إِقْلِيبِيَةَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ حَصِينَةٌ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا سَمِعَتْهُ الْعَرَبُ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهَا، وَنَزَلَ إِلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ، فَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَرَجَعُوا خَاسِرِينَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَصَارَ لِلْفِرِنْجِ مِنْ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ إِلَى قُرَيْبِ تُونِسَ، وَمِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى دُونِ الْقَيْرَوَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمَشْقَ وَمَا فَعَلَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بْنُ زَنْكِي
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَلِكُ الْأَلْمَانِ مِنْ بِلَادِهِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ وَجَمْعٍ عَظِيمٍ مَنِ الْفِرِنْجِ عَازِمًا عَلَى قَصْدِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَا يَشُكُّ فِي مُلْكِهَا بِأَيْسَرِ قِتَالٍ لِكَثْرَةِ جُمُوعِهِ، وَتَوَفُّرِ أَمْوَالِهِ وَعُدَدِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ قَصَدَهُ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ وَخَدَمُوهُ، وَامْتَثَلُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْصُرَهَا وَيَمْلِكَهَا بِزَعْمِهِ، فَسَارُوا مَعَهُ وَنَازَلُوهَا وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ صَاحِبَهَا مُجِيرُ الدِّينِ أَبَقُ بْنُ بُورِي بْنِ طُغْدِكِينَ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي الْبَلَدِ لِمُعِينِ الدِّينِ أُنُرَ مَمْلُوكِ جَدِّهِ طُغْدِكِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَقَامَ مُجِيرَ الدِّينِ ; وَكَانَ مُعِينُ الدِّينِ عَاقِلًا، وَعَادِلًا، خَيِّرًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَحَفِظَ الْبَلَدَ.
وَأَقَامَ الْفِرِنْجُ يُحَاصِرُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ زَحَفُوا سَادِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِفَارِسِهِمْ وَرَاجِلِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ وَالْعَسْكَرُ فَقَاتَلُوهُمْ، وَصَبَرُوا لَهُمْ، وَفِيمَنْ خَرَجَ
[ ٩ / ١٥٨ ]
لِلْقِتَالِ الْفَقِيهُ حُجَّةُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ دِي نَاسٍ الْفَنْدَلَاوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَقِيهًا عَالِمًا، فَلَمَّا رَآهُ مُعِينُ الدِّينِ، وَهُوَ رَاجِلٌ، قَصَدَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ، أَنْتَ مَعْذُورٌ لِكِبَرِ سِنِّكَ، وَنَحْنُ نَقُومُ بِالذَّبِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَعُودَ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ لَهُ: قَدْ بِعْتُ وَاشْتَرَى مِنِّي، فَوَاللَّهِ لَا أَقَلْتُهُ وَلَا اسْتَقَلْتُهُ، فَعَنَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] .
وَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ عِنْدَ النَّيْرَبِ نَحْوَ نِصْفِ فَرْسَخٍ عَنْ دِمَشْقَ.
وَقَوِيَ الْفِرِنْجُ وَضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ، فَتَقَدَّمَ مَلِكُ الْأَلْمَانِ حَتَّى نَزَلَ بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ، فَأَيْقَنَ النَّاسُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَلَدَ. وَكَانَ مُعِينُ الدِّينِ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنِ أَتَابَكَ زَنْكِي يَدْعُوهُ إِلَى نُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفِّ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ أَخَاهُ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودًا مِنْ حَلَبَ، فَنَزَلُوا بِمَدِينَةِ حِمْصَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مُعِينِ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ حَضَرْتُ وَمَعِي كُلُّ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ فِي بِلَادِي، فَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ نُوَّابِي بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ لِأَحْضُرَ وَأَلْقَى الْفِرِنْجَ، فَإِنِ انْهَزَمْتُ دَخَلْتُ أَنَا وَعَسْكَرِي الْبَلَدَ وَاحْتَمَيْنَا بِهِ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَالْبَلَدُ لَكُمْ لَا أُنَازِعُكُمْ فِيهِ.
فَأَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ يَتَهَدَّدُهُمْ إِنْ لَمْ يَرْحَلُوا عَنِ الْبَلَدِ، فَكَفَّ الْفِرِنْجُ عَنِ الْقِتَالِ خَوْفًا مِنْ كَثْرَةِ الْجِرَاحِ، وَرُبَّمَا اضْطُرُّوا إِلَى قِتَالِ سَيْفِ الدِّينِ، فَأَبْقَوْا عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَقَوِيَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى حِفْظِهِ، وَاسْتَرَاحُوا مِنْ لُزُومِ الْحَرْبِ، وَأَرْسَلَ مُعِينُ الدِّينِ إِلَى الْفِرِنْجِ الْغُرَبَاءِ: إِنَّ مَلِكَ الْمَشْرِقِ قَدْ حَضَرَ، فَإِنْ رَحَلْتُمْ، وَإِلَّا سَلَّمْتُ الْبَلَدَ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ تَنْدَمُونَ ; وَأَرْسَلَ إِلَى فِرِنْجِ الشَّامِ يَقُولُ لَهُمْ: بِأَيِّ عَقْلٍ تُسَاعِدُونَ هَؤُلَاءِ عَلَيْنَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِنْ مَلَكُوا دِمَشْقَ أَخَذُوا مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْبِلَادِ السَّاحِلِيَّةِ، وَأَمَّا أَنَا فَإِنْ رَأَيْتُ الضَّعْفَ عَنْ حِفْظِ الْبَلَدِ سَلَّمْتُهُ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَلِكُ دِمَشْقَ لَا يَبْقَى لَكُمْ مَعَهُ مُقَامٌ فِي الشَّامِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، وَبَذَلَ لَهُمْ تَسْلِيمَ حِصْنِ بَانْيَاسَ إِلَيْهِمْ.
وَاجْتَمَعَ السَّاحِلِيَّةُ بِمَلِكِ الْأَلْمَانِ، وَخَوَّفُوهُ مِنْ سَيْفِ الدِّينِ وَكَثْرَةِ عَسَاكِرِهِ وَتَتَابُعِ
[ ٩ / ١٥٩ ]
الْأَمْدَادِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا أَخَذَ دِمَشْقَ وَتَضْعُفُ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى رَحَلَ عَنِ الْبَلَدِ، وَتَسَلَّمُوا قَلْعَةَ بَانْيَاسَ، وَعَادَ الْفِرِنْجُ الْأَلْمَانِيَّةُ إِلَى بِلَادِهِمْ مِنْ وَرَاءِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ حَكَى لَهُ أَنَّهُ رَأَى الْفَنْدَلَاوِيَّ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ: وَأَيْنَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي، وَأَنَا فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي حِصْنَ الْعُرَيْمَةِ
لَمَّا سَارَ الْفِرِنْجُ عَنْ دِمَشْقَ رَحَلَ نُورُ الدِّينِ إِلَى حِصْنِ الْعُرَيْمَةِ، وَهُوَ لِلْفِرِنْجِ، فَمَلَكَهُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَ الْأَلْمَانِ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ كَانَ مَعَهُ وَلَدُ الْفُنْشِ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ جَدُّهُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ طَرَابُلُسَ الشَّامِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ حِصْنَ الْعُرَيْمَةِ وَتَمَلَّكَهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَخْذَ طَرَابُلُسَ مِنَ الْقُمَّصِ، فَأَرْسَلَ الْقُمَّصُ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ هُوَ وَمُعِينُ الدِّينِ أُنُرُ بِبَعْلَبَكَّ، يَقُولُ لَهُ وَلِمُعِينِ الدِّينِ لِيَقْصِدَا حِصْنَ الْعُرَيْمَةِ وَيَمْلِكَاهُ مِنْ وَلَدِ الْفُنْشِ، فَسَارَا إِلَيْهِ مُجِدِّينَ فِي عَسَاكِرِهِمَا، وَأَرْسَلَا إِلَى سَيْفِ الدِّينِ وَهُوَ بِحِمْصَ يَسْتَنْجِدَانِهِ، فَأَمَدَّهُمَا بِعَسْكَرٍ كَثِيرٍ مَعَ الْأَمِيرِ عِزِّ الدِّينِ أَبِي بَكْرٍ الدُّبَيْسِيِّ، صَاحِبِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهَا، فَنَازَلُوا الْحِصْنَ وَحَصَرُوهُ، وَبِهِ ابْنُ الْفُنْشِ، فَحَمَاهُ وَامْتَنَعَ بِهِ، فَزَحَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَتَقَدَّمَ
[ ٩ / ١٦٠ ]
إِلَيْهِ النَّقَّابُونَ فَنَقَبُوا السُّورَ، فَاسْتَسْلَمَ حِينَئِذٍ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَمَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَخَذُوا كُلَّ مَنْ بِهِ مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ، وَفِيهِمُ ابْنُ الْفُنْشِ، وَأَخْرَبُوا الْحِصْنَ وَعَادُوا إِلَى سَيْفِ الدِّينِ. وَكَانَ مَثَلُ ابْنِ الْفُنْشِ كَمَا قِيلَ: خَرَجَتِ النَّعَامَةُ تَطْلُبُ قَرْنَيْنِ فَعَادَتْ بِغَيْرِ أُذُنَيْنِ.
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَوُصُولِهِمْ إِلَى بَغْدَادَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَارَقَ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَهُمْ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ: إِيلْدَكْزُ الْمَسْعُودِيُّ، صَاحِبُ كَنْجَةَ وَأَرَّانِيَّةَ، وَقَيْصَرُ، وَمِنَ الْجَبَلِ: الْبَقْشُ كُونْ خَرْ، وَتَتَرُ الْحَاجِبُ، وَهُوَ مِنْ مَمَالِيكِ مَسْعُودٍ أَيْضًا، وَطُرْنَطَايُّ الْمَحْمُودِيُّ شِحْنَةُ وَاسِطَ، وَالدَّكْزُ، وَقَرْقُوبُ وَابْنُ طَغَايُرْكَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَيْلَ السُّلْطَانِ إِلَى خَاصِّ بِكْ وَاطِّرَاحَهُ لَهُمْ، فَخَافُوا أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مِثْلَ فِعْلِهِ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبَّاسٍ، وَبُوزَابَةَ، فَفَارَقُوهُ وَسَارُوا نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا بَلَغُوا حُلْوَانَ خَافَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ وَأَعْمَالِ الْعِرَاقِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ بِإِصْلَاحِ السُّورِ وَتَرْمِيمِهِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ بِالْعِبَادِيِّ الْوَاعِظِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَوَصَلُوا إِلَى بَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَالْمَلِكُ مُحَمَّدٌ ابْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ مَعَهُمْ، وَنَزَلُوا بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَفَارَقَ مَسْعُودُ بِلَالٍ شِحْنَةُ بَغْدَادَ الْبَلَدَ خَوْفًا مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَسَارَ إِلَى تَكْرِيتَ وَكَانَتْ لَهُ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ دُبَيْسٍ صَاحِبُ الْحِلَّةِ، فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَجَنَّدَ الْخَلِيفَةُ أَجْنَادًا يَحْتَمِي بِهِمْ.
وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَبَيْنَ عَامَّةِ بَغْدَادَ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ، وَاقْتَتَلُوا عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ انْهَزَمَ الْأُمَرَاءُ الْأَعَاجِمُ مِنْ عَامَّةِ بَغْدَادَ مَكْرًا وَخَدِيعَةً، وَتَبِعَهُمُ الْعَامَّةُ، فَلَمَّا أُبْعِدُوا عَادُوا عَلَيْهِمْ وَصَارَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ
[ ٩ / ١٦١ ]
فَقُتِلَ مِنَ الْعَامَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُبْقُوا عَلَى صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، وَفَتَكُوا فِيهِمْ، فَأُصِيبَ أَهْلُ بَغْدَادَ بِمَا لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى وَأُسِرَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَقُتِلَ الْبَعْضُ وَشُهِّرَ الْبَعْضُ، وَدَفَنَ النَّاسُ مَنْ عَرَفُوا، وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ تُرِكَ طَرِيحًا بِالصَّحْرَاءِ، وَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ فِي الْمَحَالِّ الْغَرْبِيَّةِ، فَأَخَذُوا مِنْ أَهْلِهَا الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ، وَنَهَبُوا بَلَدَ دُجَيْلٍ وَغَيْرَهُ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ اجْتَمَعُوا وَنَزَلُوا مُقَابِلَ التَّاجِ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ وَاعْتَذَرُوا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَعَادُوا إِلَى خِيَامِهِمْ، وَرَحَلُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَنَهَبُوا الْبِلَادَ، وَأَفْسَدُوا فِيهَا، وَعَادَ مَسْعُودْ بِلَالْ شِحْنَةُ بَغْدَادَ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى بَغْدَادَ.
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ تَفَرَّقُوا وَفَارَقُوا الْعِرَاقَ، وَتُوُفِّيَ الْأَمِيرُ قَيْصَرُ بِأَذْرَبِيجَانَ، هَذَا كُلُّهُ وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ مُقِيمٌ بِبَلَدِ الْجَبَلِ، وَالرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مُتَّصِلَةٌ ; وَكَانَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ عَلَى تَقْدِيمِ خَاصِّ بِكْ، وَيَأْمُرُهُ بِإِبْعَادِهِ، وَيَتَهَدَّدُهُ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسَيَقْصِدُهُ وَيُزِيلُهُ عَنِ السَّلْطَنَةِ ; وَهُوَ يُغَالِطُ وَلَا يَفْعَلُ، فَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى الرَّيِّ، فَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ بِوُصُولِهِ سَارَ إِلَيْهِ وَتَرَضَّاهُ، وَاسْتَنْزَلَهُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَسَكَنَ. وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْفِرِنْجِ بِيَغْرَى
فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَزَمَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي الْفِرِنْجَ بِمَكَانٍ اسْمُهُ يَغْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانُوا قَدْ تَجَمَّعُوا لِيَقْصِدُوا أَعْمَالَ حَلَبَ لِيُغِيرُوا عَلَيْهَا، فَعَلِمَ بِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي عَسْكَرِهِ، فَالْتَقَوْا بِيَغْرَى وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَجْلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنِ انْهِزَامِ الْفِرِنْجِ، وَقَتْلِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَأَسْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ إِلَّا
[ ٩ / ١٦٢ ]
الْقَلِيلُ، وَأَرْسَلَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْأَسَارَى إِلَى أَخِيهِ سَيْفِ الدِّينِ وَإِلَى الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ وَإِلَى السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ يَقُولُ ابْنُ الْقَيْسَرَانِيِّ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
يَا لَيْتَ أَنَّ الصَّدَّ مَصْدُودُ أَوْ لَا، فَلَيْتَ النَّوْمَ مَرْدُودُ
وَمِنْهَا فِي ذِكْرِ نُورِ الدِّينِ:
وَكَيْفَ لَا نُثْنِي عَلَى عَيْشِنَا الْ مَحْمُودِ وَالسُّلْطَانُ مَحْمُودُ
وَصَارِمُ الْإِسْلَامِ لَا يَنْثَنِي إِلَّا وَشِلْوُ الْكُفْرِ مَقْدُودُ
مَكَارِمُ لَمْ تَكُ مَوْجُودَةً إِلَّا وَنُورُ الدِّينِ مَوْجُودُ
وَكَمْ لَهُ مِنْ وَقْعَةٍ يَوْمُهَا عِنْدَ الْمُلُوكِ الْكُفْرِ، مَشْهُودُ
ذِكْرُ مُلْكِ الْغُورِيَّةِ غَزْنَةَ وُعَوْدِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ سُورِي بْنُ الْحُسَيْنِ مَلِكُ الْغُورِ مَدِينَةَ غَزْنَةَ فَمَلَكَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ مَلِكَ الْغُورِيَّةِ [قَبْلَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ قَدْ صَاهَرَ بَهْرَامْ شَاهْ مَسْعُودَ بْنَ] إِبْرَاهِيمَ، صَاحِبَ غَزْنَةَ، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ سُبُكْتِكِينَ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَعَلَتْ هِمَّتُهُ، فَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ لِيَمْلِكَهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا مُظْهِرًا الْخِدْمَةَ وَالزِّيَارَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ الْمَكْرَ وَالْغَدْرَ، فَعَلِمَ بِهِ بَهْرَامْ شَاهْ، فَأَخَذَهُ وَسَجَنَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى الْغُورِيَّةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْأَخْذُ بِثَأْرِهِ.
وَلَمَّا قُتِلَ مَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ سَامُ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَمَاتَ بِالْجُدَرِيِّ ; وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ الْمَلِكُ سُورِي بْنُ الْحُسَيْنِ بِلَادَ الْغُورِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَتَمَكَّنَ فِي مُلْكِهِ، فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ مِنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ طَالِبًا بِثَأْرِ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ، وَقَاصِدًا مَلِكَ غَزْنَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا مَلَكَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَفَارَقَهَا بَهْرَامْ شَاهْ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ، وَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ وَعَلَى
[ ٩ / ١٦٣ ]
مُقَدِّمَتِهِ السَّلَارُ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَلَوِيُّ أَمِيرُ هِنْدُوسْتَانَ. وَكَانَ عَسْكَرُ غَزْنَةَ، الَّذِينَ أَقَامُوا مَعَ سُورِي الْغُورِيِّ وَخَدَمُوهُ، قُلُوبُهُمْ مَعَ بَهْرَامْ شَاهْ، وَإِنَّمَا هُمْ بِظَوَاهِرِهِمْ مَعَ سُورِي، فَلَمَّا الْتَقَى سُورِي وَبَهْرَامْ شَاهْ رَجَعَ عَسْكَرُ غَزْنَةَ إِلَى بَهْرَامْ شَاهْ، وَصَارُوا مَعَهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ سُورِي مَلِكَ الْغُورِيَّةِ. وَمَلَكَ بَهْرَامْ شَاهْ غَزْنَةَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَصُلِبَ الْمَلِكُ سُورِي (مَعَ) السَّيِّدِ الْمَاهِيَانِيِّ فِي الْمُحَرَّمِ أَيْضًا مِنَ السَّنَةِ.
وَكَانَ سُورِي أَحَدَ الْأَجْوَادِ، لَهُ الْكَرَمُ الْغَزِيرُ، وَالْمُرُوءَةُ الْعَظِيمَةُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَرْمِي الدَّرَاهِمَ فِي الْمَقَالِيعِ إِلَى الْفُقَرَاءِ لِتَقَعَ بِيَدِ مَنْ يَتَّفِقُ لَهُ.
ثُمَّ عَاوَدَ الْغُورِيَّةُ وَمَلَكُوهَا، وَخَرَّبُوهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَذَكَرْنَا هُنَاكَ ابْتِدَاءَ دَوْلَةِ الْغُورِيَّةِ ; لِأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَظُمَ مَحَلُّهُمْ، وَفَارَقُوا الْجِبَالَ، وَقَصَدُوا خُرَاسَانَ، وَعَلَا شَأْنُهُمْ، وَفِي بَعْضِ الْخُلْفِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مُدُنًا مِنَ الْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ بِالْأَنْدَلُسِ مَدِينَةَ طَرْطُوشَةَ، وَمَلَكُوا مَعَهَا جَمِيعَ قِلَاعِهَا، وَحُصُونَ لَارِدَةَ وَأَفْرَاغَةَ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ الْجِهَاتِ شَيْءٌ إِلَّا وَاسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ عَلَى جَمِيعِهِ لِاخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ، وَبَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْآنِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ الْكَامِلِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ
[ ٩ / ١٦٤ ]
الْمَعْرُوفُ أَبُوهُ بِالْخَفَّافِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مُفِيدَ بَغْدَادَ.
[ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ] وَفِيهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْعِرَاقِ وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ بِسَبَبِ الْعَسْكَرِ الْوَارِدِ، وَقَدِمَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى بَغْدَادَ مُنْهَزِمِينَ قَدْ أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَهَلَكُوا جُوعًا وَعُرْيًا ; وَكَذَلِكَ أَيْضًا كَانَ الْغَلَاءُ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ: خُرَاسَانَ، وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَأَصْفَهَانَ، وَدِيَارِ فَارِسَ، وَالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَكَانَ أَشَدَّ غَلَاءً بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْغَيْثِ، وَدُخُولِ الْعَدُوِّ إِلَيْهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَبْهَانَ الْغَنَوِيُّ الرَّقِّيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَصَحِبَ الْغَزَالِيَّ، وَالشَّاشِيَّ، وَرَوَى " الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ " لِلْحُمَيْدِيِّ عَنْ مُصَنَّفِهِ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ إِمَامُ خُرَاسَانَ.
[ ٩ / ١٦٥ ]