٥٩٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ إِرْسَالِ الْأَمِيرِ أَبِي الْهَيْجَاءِ إِلَى هَمَذَانَ وَمَا فَعَلَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ أَمِيرٌ كَبِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ مِصْرَ وَاسْمُهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ - وَيُعْرَفُ بِالسَّمِينِ - لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ السِّمَنِ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ مِصْرَ، وَكَانَ فِي إِقْطَاعِهِ أَخِيرًا الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُجَاوِرُهُ، فَلَمَّا مَلَكَ الْعَزِيزُ وَالْعَادِلُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ مِنَ الْأَفْضَلِ أُخِذَ الْقُدْسُ مِنْهُ، فَفَارَقَ الشَّامَ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَادَ، لِأَنَّهُ طُلِبَ مِنْ دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أُكْرِمَ إِكْرَامًا كَثِيرًا، ثُمَّ أُمِرَ بِالتَّجْهِيزِ وَالْمَسِيرِ إِلَى هَمَذَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَسَاكِرِ الْبَغْدَادِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَالْتَقَى عِنْدَهَا بِالْمَلِكِ أُوزْبَكْ بْنِ الْبَهْلَوَانِ وَأَمِيرِ عَلَمَ وَابْنِهِ، وَابْنِ سَطْمَسَ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُمْ قَدْ كَاتَبُوا الْخَلِيفَةَ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِمْ وَثِقُوا بِهِ وَلَمْ يَحْذَرُوهُ، فَقَبَضَ عَلَى أُوزْبَكْ وَابْنِ سَطْمَسَ وَابْنِ قَرَّا بِمُوَافَقَةٍ مِنْ أَمِيرِ عَلَمَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى بَغْدَادَ، أُنْكِرَتْ هَذِهِ الْحَالُ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ، وَأُمِرَ بِالْإِفْرَاجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَسُيِّرَتْ لَهُمُ الْخِلَعُ مِنْ بَغْدَادَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يَسْكُنُوا بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَلَا أَمِنُوا، فَفَارَقُوا أَبَا الْهَيْجَاءِ السَّمِينَ، فَخَافَ الدِّيوَانَ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَيْضًا الْمُقَامُ، فَعَادَ يُرِيدُ إِرْبِلَ لِأَنَّهُ مِنْ بَلَدِهَا هُوَ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْحَكَمِيَّةِ مِنْ بَلَدِ إِرْبِلَ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْعَادِلِ يَافَا مِنَ الْفِرِنْجِ
وَمُلْكِ الْفِرِنْجِ بَيْرُوتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَصْرِ الْفِرِنْجِ تِبْنِينَ وَرَحِيلِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، مَلَكَ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ مَدِينَةَ يَافَا مِنَ السَّاحِلِ
[ ١٠ / ١٤٤ ]
الشَّامِيِّ، وَهِيَ بَيْدِ الْفِرِنْجِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ -.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ كَانَ قَدْ مَلَكَهُمُ الْكُنْد هِرِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَكَانَ الصُّلْحُ قَدِ اسْتَقَرَّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ أَيَّامَ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ أَوْلَادُهُ بَعْدَهُ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - جَدَّدَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ الْهُدْنَةَ مَعَ الْكُنْد هِرِي [مَلِكِ الْفِرِنْجِ] وَزَادَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ، وَبَقِيَ ذَلِكَ إِلَى الْآنِ.
وَكَانَ بِمَدِينَةِ بَيْرُوتَ أَمِيرٌ يُعْرَفُ بِأُسَامَةَ، وَهُوَ مُقْطَعُهَا، فَكَانَ يُرْسِلُ الشَّوَانِيَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَاشْتَكَى الْفِرِنْجُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ بِدِمَشْقَ، وَإِلَى الْمَلِكِ الْعَزِيزِ بِمِصْرَ، فَلَمْ يَمْنَعَا أُسَامَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى مُلُوكِهِمُ الَّذِينَ دَاخَلَ الْبَحْرِ يَشْتَكُونَ إِلَيْهِمْ مَا يَفْعَلُ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَقُولُونَ: إِنْ لَمْ تَنْجِدُونَا، وَإِلَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ، فَأَمَدَّهُمُ الْفِرِنْجُ بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ قِسِّيسٌ يُعْرَفُ بِالْخُنْصِلِيرِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَادِلُ بِذَلِكَ، أَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يَطْلُبُ الْعَسَاكِرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى دِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ يَطْلُبُ الْعَسَاكِرَ، فَجَاءَتْهُ الْأَمْدَادُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى عَيْنِ الْجَالُوتِ، فَأَقَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ وَبَعْضَ شَوَّالٍ، وَرَحَلُوا إِلَى يَافَا، وَمَلَكُوا الْمَدِينَةَ، وَامْتَنَعَ مَنْ بِهَا بِالْقَلْعَةِ الَّتِي لَهَا، فَخَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرُوا الْقَلْعَةَ، فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً وَقَهْرًا بِالسَّيْفِ فِي يَوْمِهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأُخِذَ كُلُّ مَا بِهَا غَنِيمَةً وَأَسْرًا وَسَبْيًا، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ مِنْ عَكَّا إِلَى قَيْسَارِيَةَ، لِيَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ يَافَا، فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِهَا بِمِلْكِهَا فَعَادُوا.
وَكَانَ سَبَبُ تَأَخُّرِهِمْ أَنَّ مَلِكَهُمُ الْكُنْد هِرِي سَقَطَ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ بِعَكَّا فَمَاتَ، فَاخْتَلَّتْ أَحْوَالُهُمْ فَتَأَخَّرُوا لِذَلِكَ.
[ ١٠ / ١٤٥ ]
وَعَادَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَيْنِ الْجَالُوتِ، فَوَصَلَهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ بَيْرُوتَ، فَرَحَلَ الْعَادِلُ وَالْعَسْكَرُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى مَرْجِ الْعُيُونِ، وَعَزَمَ عَلَى تَخْرِيبِ بَيْرُوتَ، فَسَارَ إِلَيْهَا جَمْعٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَهَدَمُوا سُورَ الْمَدِينَةِ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَشَرَعُوا تَخْرِيبَ دُورِهَا وَتَخْرِيبَ الْقَلْعَةِ، فَمَنَعَهُمْ أُسَامَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَكَفَّلَ بِحِفْظِهَا
وَرَحَلَ الْفِرِنْجُ مِنْ عَكَّا إِلَى صَيْدَا، وَعَادَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْرُوتَ، فَالْتَقُوا الْفِرِنْجَ بِنَوَاحِي صَيْدَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ، فَقُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَحَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَسَارَ الْفِرِنْجُ تَاسِعَ ذِي الْحِجَّةِ، فَوَصَلُوا إِلَى بَيْرُوتَ، فَلَمَّا قَارَبُوهَا، وَهَرَبَ مِنْهَا أُسَامَةُ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَلَكُوهَا صَفْوًا عَفْوًا بِغَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ، فَكَانَتْ غَنِيمَةً بَارِدَةً، فَأَرْسَلَ الْعَادِلُ إِلَى صَيْدَا مَنْ خَرَّبَ مَا كَانَ بَقِيَ مِنْهَا، فَإِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ قَدْ خَرَّبَ أَكْثَرَهَا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى صُورٍ، فَقَطَعُوا أَشْجَارَهَا، وَخَرَّبُوا مَا لَهَا مِنْ قُرًى وَأَبْرَاجٍ، فَلَقَدْ سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ رَحَلُوا مِنْ بَيْرُوتَ إِلَى صُورٍ، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا.
وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ قَلْعَةِ هُونِينَ وَأَذِنَ لِلْعَسَاكِرِ الشَّرْقِيَّةِ بِالْعَوْدِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ
[ ١٠ / ١٤٦ ]
الْفِرِنْجَ يُقِيمُونَ بِبِلَادِهِمْ، وَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ الْعَسَاكِرَ الْمِصْرِيَّةَ دُسْتُورًا بِالْعَوْدِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ، أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ نَازَلُوا حِصْنَ تِبْنِينَ، فَسَيَّرَ الْعَادِلُ إِلَيْهِ عَسْكَرَا يَحْمُونَهُ وَيَمْنَعُونَ عَنْهُ، وَرَحَلَ الْفِرِنْجُ مِنْ صُورٍ، وَنَازَلُوا تِبْنِينَ أَوَّلَ صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَقَاتَلُوا مَنْ بِهِ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَنَقَبُوهُ مِنْ جِهَاتِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ الْعَادِلُ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ بِمِصْرَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَضَرْتَ، وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ حِفْظُ هَذَا الثَّغْرِ، فَسَارَ الْعَزِيزُ مُجِدًّا فِيمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ.
وَأَقَامَ مَنْ بِحِصْنِ تِبْنِينَ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا النُّقُوبَ قَدْ خَرَّبَتْ تَلَّ الْقَلْعَةِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَمْلِكُوهَا بِالسَّيْفِ، وَنَزَلَ بَعْضُ مِنْ فِيهَا إِلَى الْفِرِنْجِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْقَلْعَةَ، وَكَانَ الْمَرْجِعُ إِلَى الْقِسِّيسِ الْخُنْصِلِيرِ مِنْ أَصْحَابِ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، فَقَالَ لِهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ مِنْ سَاحِلِ الشَّامِ: إِنْ سَلَّمْتُمُ الْحِصْنَ أَسْتَأْسَرَكُمْ هَذَا وَقَتَلَكُمْ، فَاحْفَظُوا نُفُوسَكُمْ، فَعَادُوا كَأَنَّهُمْ يُرَاجِعُونَ مَنْ فِي الْقَلْعَةِ لِيُسَلِّمُوا، فَلَمَّا صَعِدُوا إِلَيْهَا أَصَرُّوا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَقَاتَلُوا قِتَالَ مَنْ يَحْمِي نَفْسَهُ، فَحَمَوْهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ إِلَى عَسْقَلَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِوُصُولِهِ وَاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْفِرِنْجَ لَيْسَ لَهُمْ مَلِكٌ يَجْمَعُهُمْ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ - وَهِيَ الْمَلِكَةُ - اتَّفَقُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ قُبْرُسَ وَاسْمُهُ هِيمْرِي، فَأَحْضَرُوهُ، وَهُوَ أَخُو الْمَلِكِ الَّذِي أُسِرَ بِحِطِّينَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَزَوَّجُوهُ بِالْمَلِكَةِ زَوْجَةِ الْكُنْد هِرِي، وَكَانَ رَجُلًا عَاقِلًا يُحِبُّ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ، فَلَمَّا مَلَكَهُمْ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الزَّحْفِ عَلَى الْحِصْنِ، وَلَا قَاتَلَهُ.
وَاتَّفَقَ وُصُولُ الْعَزِيزِ أَوَّلَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَرَحَلَ هُوَ وَالْعَسَاكِرُ إِلَى جَبَلِ الْخَلِيلِ الَّذِي يُعْرَفُ بِجَبَلِ عَامِلَةَ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، وَالْأَمْطَارُ مُتَدَارِكَةٌ، فَبَقِيَ إِلَى ثَالِثَ عَشْرَ الشَّهْرِ، ثُمَّ سَارَ وَقَارَبَ الْفِرِنْجَ، وَأَرْسَلَ رُمَاةَ النُّشَّابِ، فَرَمَوْهُمْ سَاعَةً وَعَادُوا، وَرَتَّبَ الْعَسَاكِرَ لِيَزْحَفَ إِلَى الْفِرِنْجِ وَيَجِدَّ فِي قِتَالِهِمْ، فَرَحَلُوا إِلَى صُورٍ خَامِسَ عَشْرَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ لَيْلًا، ثُمَّ رَحَلُوا إِلَى عَكَّا، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ فَنَزَلُوا اللُّجُونَ، وَتَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، وَتَطَاوَلَ الْأَمْرُ، فَعَادَ الْعَزِيزُ إِلَى مِصْرَ قَبْلَ انْفِصَالِ الْحَالِ.
[ ١٠ / ١٤٧ ]
وَسَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَهُمْ مَيْمُونٌ الْقَصْرِيُّ، وَأُسَامَةُ، وَسَرَا سُنْقُرُ، وَالْحَجَّافُ، وَابْنُ الْمَشْطُوبِ، وَغَيْرُهُمْ، قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ وَبِفَخْرِ الدِّينِ جَرْكَسَ مُدَبِّرِ دَوْلَتِهِ، وَضَعَهُمُ الْعَادِلُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ سَارَ إِلَى مِصْرَ وَبَقِيَ الْعَادِلُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تَبْقَى بَيْرُوتُ بِيَدِ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ الصُّلْحُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] فَلَمَّا انْتَظَمَ الصُّلْحُ وَعَادَ الْعَادِلُ إِلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى مَارْدِينَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
ذِكْرُ وَفَاةِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ وَمُلْكِ وَلَدِهِ
فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ سَيْفُ الْإِسْلَامِ طُغْتِكِينُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ صَاحِبُ الْيَمَنِ، بِزَبِيدَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفَ مَلَكَ. وَكَانَ شَدِيدَ السِّيرَةِ، مُضَيِّقًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، يَشْتَرِي أَمْوَالَ التُّجَّارِ لِنَفْسِهِ وَيَبِيعُهَا كَيْفَ شَاءَ.
وَأَرَادَ مُلْكَ مَكَّةَ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى - فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ إِلَى أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، حَتَّى أَنَّهُ مِنْ كَثْرَتِهِ كَانَ يَسْبِكُ الذَّهَبَ وَيَجْعَلُهُ كَالطَّاحُونِ وَيَدَّخِرُهُ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلَ، وَكَانَ أَهْوَجَ، كَثِيرَ التَّخْلِيطِ بِحَيْثُ إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ قُرَشِيٌّ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالْخِلَافَةِ، وَتَلَقَّبَ بِالْهَادِي، فَلَمَّا سَمِعَ عَمُّهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ ذَلِكَ، سَاءَهُ وَأَهَمَّهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ وَيُوَبِّخُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى نَسَبِهِ الصَّحِيحِ، وَبِتَرْكِ مَا ارْتَكَبَهُ مِمَّا يُضْحِكُ النَّاسَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَرْجِعْ وَبَقِيَ كَذَلِكَ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَ أَجْنَادِهِ وَأُمَرَائِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَمِيرًا مِنْ مَمَالِيكِ أَبِيهِ.
[ ١٠ / ١٤٨ ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِمْرَانَ الْبَاقِلَّانِيُّ الْمُقْرِيُّ الْوَاسِطِيُّ بِهَا عَنْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَلَانِسِيِّ.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْبُخَارِيِّ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ فِي مَشْهَدِ بَابِ التِّينِ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، تُوُفِّيَ مَلِكْشَاهْ بْنُ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشُ بِنَيْسَابُورَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ جَعَلَهُ فِيهَا، وَأَضَافَ إِلَيْهِ عَسَاكِرَ جَمِيعِ بِلَادِهِ الَّتِي بِخُرَاسَانَ وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ فِي الْمُلْكِ، وَخَلَّفَ وَلَدًا اسْمُهُ هِنْدُوخَانْ، فَلَمَّا مَاتَ، جَعَلَ فِيهَا (أَبُوهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ) بَعْدَهُ وَلَدَهُ الْآخَرَ قُطْبَ الدِّينِ مُحَمَّدًا، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ عَدَاوَةٌ مُسْتَحْكِمَةً أَفْضَتْ إِلَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ هَرَبَ هِنْدُوخَانْ بْنُ مَلِكْشَاهْ مِنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
[وَفِيهَا تُوُفِّيَ شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَعِيشُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْفُرَاتِيُّ الضَّرِيرُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ، مُدَرِّسًا صَالِحًا كَثِيرَ الصَّلَاحِ، سَمِعْتُ عَلَيْهِ كَثِيرًا وَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَقَدْ شَاهَدْتُ مِنْهُ عَجَبًا يَدُلُّ عَلَى دِينِهِ وَإِرَادَتِهِ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أُسْمِعُ عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ " سُنَنَ " عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ، وَالْوَقْتُ ضَيِّقٌ لِأَنِّي كُنْتُ مَعَ الْحُجَّاجِ قَدْ عُدْنَا مِنْ مَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نُسْمِعُ عَلَيْهِ مِنْ أَخِي الْأَكْبَرِ مَجْدِ الدِّينِ أَبِي السَّعَادَاتِ، إِذْ قَدْ أَتَاهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَعْيَانِ بَغْدَادَ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ بَرَزَ الْأَمْرُ لِتَحْضُرَ لِأَمْرِ كَذَا فَقَالَ: أَنَا مَشْغُولٌ بِسَمَاعِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ، وَوَقْتُهُمْ يَفُوتُ، وَالَّذِي يُرَادُ مِنِّي لَا يَفُوتُ، فَقَالَ: أَنَا لَا أُحْسِنُ أَذْكُرُ هَذَا فِي مُقَابِلِ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ. فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ! قُلْ: قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ لَا أَحْضُرُ حَتَّى يَفْرُغَ السَّمَاعُ، فَسَأَلْنَاهُ لِيَمْشِيَ مَعَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَقَالَ: اقْرَأُوا، فَقَرَأْنَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ حَضَرَ غُلَامٌ لَنَا، وَذَكَرَ أَنَّ أَمِيرَ الْحَاجِّ الْمَوْصِلِيَّ قَدْ رَحَلَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْنَا فَقَالَ: وَلِمَ يَعْظُمُ عَلَيْكُمُ الْعَوْدُ إِلَى
[ ١٠ / ١٤٩ ]
أَهْلِكُمْ وَبَلَدِكُمْ؟ فَقُلْنَا: لِأَجْلِ فَرَاغِ هَذَا الْكِتَابِ. فَقَالَ: إِذَا رَحَلْتُمْ أَسْتَعِيرُ دَابَّةً وَأَرْكَبُهَا، فَأَسِيرُ مَعَكُمْ وَأَنْتُمْ تَقْرَأُونَ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ عُدْتُ. فَمَضَى الْغُلَامُ لِيَتَزَوَّدَ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ، فَعَادَ وَذَكَرَ أَنَّ الْحُجَّاجَ لَمْ يَرْحَلُوا، فَفَرَغْنَا مِنَ الْكِتَابِ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الدِّينِ الْمَتِينِ يَرُدُّ أَمْرَ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ يَخَافُهُ وَيَرْجُوهُ، وَيُرِيدُ [أَنْ] يَسِيرَ مَعَنَا وَنَحْنُ غُرَبَاءُ لَا يَخَافُنَا وَلَا يَرْجُونَا.
[ ١٠ / ١٥٠ ]