(٥٢٣)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ قُدُومِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ إِلَى بَغْدَاذَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ بَغْدَاذَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ عِنْدِ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، لِيُصْلِحَ حَالَهُ مَعَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، فَتَأَخَّرَ دُبَيْسٌ عَنِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَاذَ، وَنَزَلَ بِدَارِ السُّلْطَانِ، وَاسْتَرْضَى عَنْهُ الْخَلِيفَةَ، فَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى أَنْ يُوَلَّى دُبَيْسٌ شَيْئًا مِنِ الْبِلَادِ، وَبَذَلَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ لِذَلِكَ.
وَعَلِمَ أَتَابَكْ زَنْكِي أَنَّ السُّلْطَانَ يُرِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ دُبَيْسًا الْمَوْصِلَ، فَبَذَلَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَحَضَرَ بِنَفْسِهِ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَ السِّتْرِ، وَحَمَلَ مَعَهُ الْهَدَايَا الْجَلِيلَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَ السُّلْطَانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَخَرَجَ السُّلْطَانُ يَتَصَيَّدُ، فَعَمِلَ لَهُ شَيْخٌ الْمَزْرَفَةِ دَعْوَةً عَظِيمَةً امْتَارَ مِنْهَا جَمِيعُ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَأَدْخَلَهُ إِلَى حَمَّامٍ فِي دَارِهِ، وَجَعَلَ فِيهِ عِوَضَ الْمَاءِ مَاءَ الْوَرْدِ، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ إِلَى رُبْعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَجَعَلَ بَهْرُوزَ عَلَى شِحْنَكِيَّةِ بَغْدَاذَ، وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ الْحِلَّةُ أَيْضًا.
[ ٩ / ١٥ ]
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ دُبَيْسٌ بِالْعِرَاقِ وَعَوْدَ السُّلْطَانِ إِلَى بَغْدَاذَ
لَمَّا رَحَلَ السُّلْطَانُ إِلَى هَمَذَانَ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ، وَهِيَ ابْنَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُعْنَى بِأَمْرِ دُبَيْسٍ وَتُدَافُعُ عَنْهُ، فَلَمَّا مَاتَتِ انْحَلَّ أَمْرُ دُبَيْسٍ.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَأَخَذَ دُبَيْسٌ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا وَقَصَدَ الْعِرَاقَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِذَلِكَ جَنَّدَ الْأَجْنَادَ وَحَشَدَ، وَكَانَ بَهْرُوزُ بِالْحِلَّةِ، فَهَرَبَ مِنْهَا، فَدَخَلَهَا دُبَيْسٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ الْخَبَرَ عَنْ دُبَيْسٍ أَحْضَرَ الْأَمِيرَيْنِ قَزَلَ وَالْأَحْمَدِيلِيَّ، وَقَالَ: أَنْتُمَا ضَمِنْتُمَا دُبَيْسًا مِنِّي، وَأُرِيدُهُ مِنْكُمَا. فَسَارَ الْأَحْمَدِيلِيُّ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى دُبَيْسٍ، لِيَكُفَّ شَرَّهُ عَنِ الْبِلَادِ، وَيُحْضِرَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَلَمَّا سَمِعَ دُبَيْسٌ الْخَبَرَ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتَ عَنِّي فَأَنَا أَرُدُّ أَضْعَافَ مَا أَخَذْتُ، وَأَكُونُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ، فَتَرَدَّدَ الرُّسُلُ وَدُبَيْسٌ يَجَمْعُ الْأَمْوَالَ وَالرِّجَالِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدْ وَصَلَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَوَصَلَ الْأَحْمَدِيلِيُّ بَغْدَاذَ فِي شَوَّالٍ، وَسَارَ فِي أَثَرٍ دُبَيْسٍ.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا سَمِعَ دُبَيْسٌ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ هَدَايَا جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَبَذَلَ ثَلَاثَمِائَةِ حِصَانٍ مُنَعَّلَةً بِالذَّهَبِ، وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ ; لِيَرْضَى عَنْهُ السُّلْطَانُ وَالْخَلِيفَةُ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَقِيَهُ الْوَزِيرُ الزَّيْنَبِيُّ وَأَرْبَابُ الْمَنَاصِبِ، فَلَمَّا تَيَقَّنَ دُبَيْسٌ وُصُولَهُ رَحَلَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَقَصَدَ الْبَصْرَةَ، وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَمَا لِلْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ هُنَاكَ مِنَ الدَّخْلِ، فَسَيَّرَ السُّلْطَانُ إِثْرَهُ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَفَارَقَ الْبَصْرَةَ وَدَخَلَ الْبَرِّيَّةَ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِدِمَشْقَ
قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَتْلَ إِبْرَاهِيمَ الْأَسْدَابَاذِيِّ بِبَغْدَاذَ، وَهَرَبَ ابْنِ أُخْتِهِ بَهْرَامَ إِلَى الشَّامِ، وَمُلْكَهُ قَلْعَةَ بَانِيَاسَ، وَمَسِيرَهُ إِلَيْهَا، وَلَمَّا فَارَقَ دِمَشْقَ أَقَامَ لَهُ بِهَا خَلِيفَةً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَكَثُرُوا وَانْتَشَرُوا، وَمَلَكَ هُوَ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنِ الْجِبَالِ مِنْهَا الْقَدْمُوسُ
[ ٩ / ١٦ ]
وَغَيْرُهُ، وَكَانَ بِوَادِي التَّيْمِ مِنْ أَعْمَالِ بَعْلَبَكَّ أَصْحَابُ مَذَاهِبٍ مُخْتَلِفَةٍ مَنِ النَّصِيرِيَّةِ، وَالدُّرْزِيَّةِ وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمِيرُهُمُ اسْمُهُ الضَّحَّاكُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بَهْرَامُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ]، وَحَصَرَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الضَّحَّاكُ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَكَبَسَ عَسْكَرَ بَهْرَامَ فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً كَثِيرَةً، وَقُتِلَ بَهْرَامُ، وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ، وَعَادُوا إِلَى بَانِيَاسَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ.
وَكَانَ بَهْرَامُ قَدِ اسْتَخْلَفَ فِي بَانِيَاسَ رَجُلًا مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، فَقَامَ مَقَامَهُ، وَجَمَعَ شَمْلَ مَنْ عَادَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَبَثَّ دُعَاتَهُ فِي الْبِلَادِ، وَعَاضَدَهُ الْمَزْدُقَانِيُّ أَيْضًا، وَقَوَّى نَفْسَهُ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الِامْتِعَاضِ بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ وَالْهَمِّ بِسَبَبِهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْمَزْدُقَانِيَّ أَقَامَ بِدِمَشْقَ عِوَضَ بَهْرَامَ إِنْسَانًا اسْمُهُ أَبُو الْوَفَاءِ، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَقَامَ بِدِمَشْقَ، فَصَارَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِ صَاحِبِهَا تَاجِ الْمُلُوكِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَزْدُقَانِيَّ رَاسَلَ الْفِرِنْجَ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ مَدِينَةً صُورَ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقَرَّرَ بَيْنَهُمُ الْمِيعَادُ يَوْمَ جُمُعَةٍ ذَكَرُوهُ، وَقَرَّرَ الْمَزْدُقَانِيُّ مَعَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ أَنْ يَحْتَاطُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ (بِأَبْوَابِ الْجَامِعِ، فَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا مِنَ الْخُرُوجِ) مِنْهُ ;لِيَجِيءَ الْفِرِنْجُ وَيَمْلِكُوا الْبِلَادَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ تَاجَ الْمُلُوكِ صَاحِبَ دِمَشْقَ، فَاسْتَدْعَى الْمَزْدُقَانِيَّ إِلَيْهِ فَحَضَرَ وَخَلَا مَعَهُ، فَقَتَلَهُ تَاجُ الْمُلُوكِ، وَعَلَّقَ رَأَّسَهُ عَلَى بَابِ الْقَلْعَةِ، وَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِقَتْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ آلَافِ نَفْسٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ، وَرَدَّ عَلَى الْكَافِرِينَ كَيْدَهُمْ.
وَلَمَّا تَمَّتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ بِدِمَشْقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ خَافَ إِسْمَاعِيلُ وَالِي بَانِيَاسَ أَنْ يَثُورَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ النَّاسُ فَيَهْلَكُوا، فَرَاسَلَ الْفِرِنْجَ، وَبَذَلَ لَهُمْ تَسْلِيمَ بَانِيَاسَ إِلَيْهِمْ وَالِانْتِقَالَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَأَجَابُوهُ، فَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِمْ، وَانْتَقَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَلَقُوا شِدَّةً وَذِلَّةً وَهَوَانًا، وَتُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ أَوَائِلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ]، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّهُمْ.
[ ٩ / ١٧ ]
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمَشْقَ وَانْهِزَامِهِمْ
لَمَّا بَلَغَ الْفِرِنْجَ قَتْلُ الْمَزْدُقَانِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِدِمَشْقَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَتَأَسَّفُوا عَلَى دِمَشْقَ حَيْثُ لَمْ يَتِمْ لَهُمْ مُلْكُهَا، وَعَمَّتْهُمُ الْمُصِيبَةُ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ: صَاحِبُ الْقُدْسِ، وَصَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ، وَصَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْفِرِنْجِ وَقَمَامِصَتُهُمْ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ فِي الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ وَالزِّيَارَةِ، فَاجْتَمَعُوا فِي خَلْقٍ عَظِيمٍ نَحْوَ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَأَمَّا الرَّاجِلُ فَلَا يُحْصَى، وَسَارُوا إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْصُرُوهَا.
وَلَمَّا سَمِعَ تَاجُ الْمُلُوكِ بِذَلِكَ جَمَعَ الْعَرَبَ، وَالتُّرْكُمَانَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ ثَمَانِيَةُ آلَافِ فَارِسٍ، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَنَازَلُوا الْبَلَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَعْمَالِ دِمَشْقَ لِجَمْعِ الْمِيرَةِ وَالْإِغَارَةِ عَلَى الْبِلَادِ، فَلَمَّا سَمِعَ تَاجُ الْمُلُوكِ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا قَدْ سَارُوا إِلَى حَوْرَانَ لِنَهْبِهِ وَإِحْضَارِ الْمِيرَةِ، سَيَّرَ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَائِهِ يُعْرَفُ بِشَمْسِ الْخَوَاصِّ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ كَثِيرَةِ الْمَطَرِ، وَلَقُوا الْفِرِنْجَ مِنَ الْغَدِ، فَوَاقَعُوهُمْ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَتَلُوهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ غَيْرُ مُقَدِّمِهِمْ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دَابَّةٍ مُوقِرَةٍ وَثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، وَعَادُوا إِلَى دِمَشْقَ لَمْ يَمْسَسْهُمْ قَرْحٌ.
فَلَمَّا عَلِمَ مَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْفِرِنْجِ ذَلِكَ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرَحَلُوا عَنْهَا شِبْهَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَأَحْرَقُوا مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ مِنْ سِلَاحٍ وَمِيرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمَطَرُ شَدِيدٌ وَالْبَرَدُ عَظِيمٌ، يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ، فَكَثُرَ الْقَتْلَى مِنْهُمْ، وَكَانَ نُزُولُهُمْ وَرَحِيلُهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي مَدِينَةَ حَمَاةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي بْنُ آقَسُنْقَرَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مَدِينَةَ حَمَاةَ.
[ ٩ / ١٨ ]
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الشَّامِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَادَ الْفِرِنْجِ، وَأَرْسَلَ إِلَى تَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي بْنُ طُغْتِكِينَ صَاحِبِ دِمَشْقَ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْمَعُونَةَ عَلَى جِهَادِهِمْ، فَأَجَابَ إِلَى الْمُرَادِ، وَأَرْسَلَ مَنْ أَخَذَ لَهُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، فَلَمَّا وَصَلَتِ التَّوْثِقَةُ جَرَّدَ عَسْكَرًا مِنْ دِمَشْقَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ سُونَجَ وَهُوَ بِمَدِينَةِ حَمَاةَ، يَأْمُرُهُ بِالنُّزُولِ إِلَى الْعَسْكَرِ وَالْمَسِيرِ مَعَهُمْ إِلَى زَنْكِي، فَسَارُوا جَمِيعُهُمْ فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُمْ، وَأَحْسَنَ لِقَاءَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ أَيَّامًا.
ثُمَّ إِنَّهُ غَدَرَ بِهِمْ، فَقَبَضَ عَلَى سُونَجَ وَلَدِ تَاجِ الْمُلُوكِ وَعَلَى جَمَاعَةِ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، وَنَهَبَ خِيَامَهُمْ وَمَا فِيهَا مِنَ الْكُرَاعِ، وَاعْتَقَلَهُمْ بِحَلَبَ، وَهَرَبَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَسَارَ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى حَمَاةَ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا وَهِيَ خَالِيَةً مِنَ الْجُنْدِ الْحُمَاةِ الذَّابِّينَ، فَمَلَكَهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى حِمْصَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَرْجَانُ بْنُ قُرَاجَةَ مَعَهُ فِي عَسْكَرِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْغَدْرِ بِوَلَدِ تَاجِ الْمُلُوكِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَنَزَلَ عَلَى حِمْصَ وَحَصَرَهَا، وَطَلَبَ مِنْ قَرْجَانَ صَاحَبِهَا أَنْ يَأْمُرَ نُوَّابَهُ وَوَلَدَهُ الَّذِينَ فِيهَا بِتَسْلِيمِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِالتَّسْلِيمِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَا الْتَفَتُوا إِلَى قَوْلِهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا مُحَاصِرًا لَهَا، وَمُقَاتِلًا لِمَنْ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُلْكِهَا، فَرَحَلَ عَنْهَا عَائِدًا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ سُونَجَ بْنَ تَاجِ الْمُلُوكِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الدِّمَشْقِيِّينَ.
وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ فِي إِطْلَاقِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَاجِ الْمُلُوكِ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَجَابَ تَاجُ الْمُلُوكِ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ بَيْنَهُمْ أَمْرٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ بَيْمُنْدُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ حِصْنَ الْقَدْمُوسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا وَثَبَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ الْخُجَنْدِيِّ رَئِيسِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ، فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ ذَا رِئَاسَةٍ عَظِيمَةٍ وَتَحَكُّمٍ كَثِيرٍ.
[ ٩ / ١٩ ]
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ أَسْعَدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْمِيهَنِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، وَلَهُ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْخِلَافِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيِّ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ وَسَائِرِ النَّاسِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمْزَةُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّرِيفُ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ، النَّيْسَابُورِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَوَاهُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَجَمَعَ مَعَ شَرَفِ النَّسَبِ شَرَفَ النَّفْسِ وَالتَّقْوَى، وَكَانَ زَيْدِيَّ الْمَذْهَبِ.
[ ٩ / ٢٠ ]