(٥٤٨)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ انْهِزَامِ سَنْجَرَ مِنَ الْغُزِّ وَنَهْبِهِمْ خُرَاسَانَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، انْهَزَمَ السُّلْطَانُ سَنْجَرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْغُزِّ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ مُسْلِمُونَ، كَانُوا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْخَطَا أَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَصَدُوا خُرَاسَانَ، وَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا فَأَقَامُوا بِنَوَاحِي بَلْخَ يَرْعَوْنَ فِي مَرَاعِيهَا، وَكَانَ لَهُمْ أُمَرَاءُ اسْمُ أَحَدِهِمْ دِينَارٌ، وَالْآخَرُ بُخْتِيَارُ، وَالْآخَرُ طَوْطَى، وَالْآخَرُ أَرْسَلَانَ، وَالْآخَرُ جَغَرُ، وَالْآخَرُ مَحْمُودٌ، فَأَرَادَ الْأَمِيرُ قَمَاجُ، وَهُوَ مُقْطِعُ بَلْخَ، إِبْعَادَهُمْ، فَصَانَعُوهُ بِشَيْءٍ بَذَلُوهُ لَهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ، فَأَقَامُوا عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَا يُؤْذُونَ أَحَدًا، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ.
ثُمَّ إِنَّ قَمَاجَ عَاوَدَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالِانْتِقَالِ عَنْ بَلَدِهِ، فَامْتَنَعُوا، وَانْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ طَوَائِفِ التُّرْكِ، فَسَارَ قَمَاجُ إِلَيْهِمْ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَجَاءَ إِلَيْهِ أُمَرَاؤُهُمْ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، وَيَتْرُكَهُمْ فِي مَرَاعِيهِمْ، وَيُعْطُونَهُ مِنْ كُلِّ بَيْتٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي الِانْتِزَاحِ عَنْ بَلَدِهِ، فَعَادُوا عَنْهُ، وَاجْتَمَعُوا وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ قَمَاجُ وَنَهَبُوا مَالَهُ وَمَالَ عَسْكَرِهِ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي الْعَسْكَرِ وَالرَّعَايَا، وَاسْتَرَقُّوا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَعَمِلُوا كُلَّ عَظِيمَةٍ، وَقَتَلُوا الْفُقَهَاءَ وَخَرَّبُوا الْمَدَارِسَ.
وَانْتَهَتِ الْهَزِيمَةُ بِقَمَاجَ إِلَى مَرْوَ، وَبِهَا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَرَاسَلَهُمْ سَنْجَرُ يَتَهَدَّدُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِمُفَارَقَةِ بِلَادِهِ، فَاعْتَذَرُوا، وَبَذَلُوا بَذْلًا كَثِيرًا لِيَكُفَّ عَنْهُمْ
[ ٩ / ١٩٩ ]
وَيَتْرُكَهُمْ فِي مَرَاعِيهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، وَقَصَدَهُمْ وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُ سَنْجَرَ، وَانْهَزَمَ هُوَ أَيْضًا، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ قَتْلًا وَأَسْرًا، فَصَارَ قَتْلَى الْعَسْكَرِ كَالتِّلَالِ، وَقُتِلَ عَلَاءُ الدِّينِ قَمَاجَ، وَأُسِرَ [السُّلْطَانُ سَنْجَرُ وَأُسِرَ] مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، [فَأَمَّا الْأُمَرَاءُ] فَضَرَبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَّا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَإِنَّ أُمَرَاءَ الْغُزِّ اجْتَمَعُوا، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ عَبِيدُكَ لَا نَخْرُجُ عَنْ طَاعَتِكَ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَمْ تُرِدْ قِتَالَنَا وَإِنَّمَا حُمِلْتَ عَلَيْهِ، فَأَنْتَ السُّلْطَانُ وَنَحْنُ الْعَبِيدُ ; فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَدَخَلُوا مَعَهُ إِلَى مَرْوَ وَهِيَ كُرْسِيُّ مُلْكِ خُرَاسَانَ، وَطَلَبَهَا مِنْهُ بُخْتِيَارُ إِقْطَاعًا، فَقَالَ السُّلْطَانُ: هَذِهِ دَارُ الْمُلْكِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِقْطَاعًا لِأَحَدٍ. فَضَحِكُوا مِنْهُ وَحَبَقَ لَهُ بُخْتِيَارُ بِفَمِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِ الْمُلْكِ وَدَخَلَ خَانَكَانِ مَرْوَ وَتَابَ عَنِ الْمُلْكِ.
وَاسْتَوْلَى الْغُزُّ عَلَى الْبِلَادِ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ مِنَ الْجَوْرِ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَوَلَّوْا عَلَى نَيْسَابُورَ وَالِيًا، فَسَقَطَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا وَعَسَفَهُمْ وَضَرَبَهُمْ، وَعَلَّقَ فِي الْأَسْوَاقِ ثَلَاثَ غَرَائِرَ، وَقَالَ: أُرِيدُ مَلْءَ هَذِهِ ذَهَبًا ; فَثَارَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ فَقَتَلُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَرَكِبَ الْغُزُّ وَدَخَلُوا نَيْسَابُورَ وَنَهَبُوهَا مُجْحِفًا، وَجَعَلُوهَا قَاعًا صَفْصَفًا، وَقَتَلُوا الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ وَأَحْرَقُوهَا، وَقَتَلُوا الْقُضَاةَ وَالْعُلَمَاءَ فِي الْبِلَادِ كُلِّهَا، فَمِمَّنْ [قُتِلَ] الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَرْسَابَنْدِيُّ، وَالْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ، وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى.
وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِي مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، فَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَاتِبُ:
مَضَى الَّذِي كَانَ يُجْنَى الدُّرُّ مِنْ فِيهِ يَسِيلُ بِالْفَضْلِ وَالْإِفْضَالِ وَادِيهِ
مَضَى ابْنُ يَحْيَى الَّذِي قَدْ كَانَ صَوْبَ حَيًا لِأَبْرَ شَهْرَ وَمِصْبَاحًا لِدَاجِيهِ
خَلَا خُرَاسَانُ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ وَرَعٍ لَمَّا نَعَاهُ إِلَى الْآفَاقِ نَاعِيهِ
لَمَّا أَمَاتُوهُ مَاتَ الدِّينُ وَا أَسَفًا مَنْ ذَا الَّذِي بَعْدَ مُحْيِي الدِّينِ يُحْيِيهِ
[ ٩ / ٢٠٠ ]
وَيَتَعَذَّرُ وَصْفُ مَا جَرَى مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ خُرَاسَانَ شَيْءٌ لَمْ تَنْهَبْهُ الْغُزُّ غَيْرَ هَرَاةَ وَدِهِسْتَانَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَصِينَةً فَامْتَنَعَتْ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي خُرَاسَانَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا فِيهِ زِيَادَةُ وُضُوحٍ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْغُزَّ قَوْمٌ انْتَقَلُوا مِنْ نَوَاحِي الثَّغْرِ مِنْ أَقَاصِي التُّرْكِ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ، وَأَسْلَمُوا، وَاسْتَنْصَرَ بِهِمُ الْمُقَنَّعُ صَاحِبُ الْمَخَارِيقِ وَالشَّعْبَذَةِ، حَتَّى تَمَّ أَمْرُهُ، فَلَمَّا سَارَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ خَذَلَهُ هَؤُلَاءِ الْغُزُّ وَأَسْلَمُوهُ، وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِي كُلِّ دَوْلَةٍ كَانُوا فِيهَا ; وَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ الْمُلُوكِ الْخَاقَانِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْأَتْرَاكَ الْقَارَغْلِيَّةَ قَمَعُوهُمْ، وَطَرَدُوهُمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ، فَدَعَاهُمُ الْأَمِيرُ زَنْكِي بْنُ خَلِيفَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَى حُدُودِ طَخَارِسْتَانَ إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَهُمْ بِلَادَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمِيرِ قَمَاجَ عَدَاوَةٌ أَحْكَمَتْهَا الْأَيَّامُ لِلْمُجَاوَرَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَى الْآخَرِ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَتَقَوَّى بِهِمْ زَنْكِي، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى بَلْخَ لِمُحَارَبَةِ قَمَاجَ، فَكَاتَبَهُمْ قَمَاجُ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَخَذَلُوا زَنْكِي عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأُخِذَ زَنْكِي وَابْنُهُ أَسِيرَيْنِ، فَقَتَلَ قَمَاجُ ابْنَ زَنْكِي، وَجَعَلَ يُطْعِمُ أَبَاهُ لَحْمَهُ، ثُمَّ قَتَلَ الْأَبَ أَيْضًا، وَأَقْطَعَ قَمَاجُ الْغُزَّ مَوَاضِعَ، وَأَبَاحَهُمْ مَرَاعِيَ بِلَادِهِ.
فَلَمَّا قَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغُورِيُّ بِغَزْنَةَ وَقَصَدَ بَلْخَ خَرَجَ إِلَيْهِ قَمَاجُ وَعَسَاكِرُهُ وَمَعَهُ الْغُزُّ، فَفَارَقَهُ الْغُزُّ وَانْضَمُّوا إِلَى الْغَوْرِيِّ حَتَّى مَلَكَ مَدِينَةَ بَلْخَ، فَسَارَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ إِلَى بَلْخَ، فَفَارَقَهَا الْغَوْرِيُّ بَعْدَ قِتَالٍ انْهَزَمَ مِنْهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، فَرَدَّهُ إِلَى غَزْنَةَ.
وَبَقِيَ الْغُزُّ بِنَوَاحِي طَخَارِسْتَانَ وَفِي نَفْسِ قَمَاجَ مِنْهُمُ الْغَيْظُ الْعَظِيمُ لِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ، فَأَرَادَ صَرْفَهُمْ عَنْ بِلَادِهِ، فَتَجَمَّعُوا، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنَ التُّرْكِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ أَرْسَلَانَ بُوقَا التُّرْكِيَّ، فَجَمَعَ قَمَاجُ عَسْكَرَهُ وَلَقِيَهُمْ فَاقْتَتَلُوا يَوْمًا كَامِلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَانْهَزَمَ قَمَاجُ وَعَسْكَرُهُ، وَأُسِرَ هُوَ وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَتَلُوهُمَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى نَوَاحِي بَلْخَ، وَعَاثُوا فِيهَا وَأَفْسَدُوا بِالنَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالسَّلْبِ.
[ ٩ / ٢٠١ ]
وَبَلَغَ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ الْخَبَرُ، فَجَمْعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَرَاسَلُوهُ يَعْتَذِرُونَ وَيَتَنَصَّلُونَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ مُقَدِّمَةُ السُّلْطَانِ، وَفِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ قَمَاجَ الْمَقْتُولِ، وَالْمُؤَيَّدُ أَيْ أَبَهْ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَوَصَلَ بَعْدَهُمُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، فَالْتَقَاهُ الْغُزُّ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلُوا يَعْتَذِرُونَ وَيَبْذُلُونَ الْأَمْوَالَ وَالطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ إِلَى كُلِّ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ سَنْجَرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَقُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَصَبَرُوا لَهُ، وَدَامَ قِتَالُهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ سَنْجَرَ، وَهُوَ مَعَهُمْ، فَتَوَجَّهُوا إِلَى بَلْخَ عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ، وَاقْتَتَلُوا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَانْهَزَمَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ أَيْضًا، وَمَضَى مُنْهَزِمًا إِلَى مَرْوَ فِي صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ، فَقَصَدَ الْغُزُّ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ الْخُرَاسَانِيُّ بِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ أَجْفَلُوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ هَارِبِينَ لِمَا دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْ خَوْفِهِمْ وَالرُّعْبِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا فَارَقَهَا السُّلْطَانُ وَالْعَسْكَرُ دَخَلَهَا الْغُزُّ وَنَهَبُوهَا أَفْحَشَ نَهْبٍ وَأَقْبَحَهُ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَقُتِلَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا وَأَعْيَانِهَا، مِنْهُمْ قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَرْسَابَنْدِيُّ، وَالْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَمَّا خَرَجَ سَنْجَرُ مِنْ مَرْوَ قَصَدَ إِنْدِرَابَةَ وَأَخَذَهُ الْغُزُّ أَسِيرًا، وَأَجْلَسُوهُ عَلَى تَخْتِ السَّلْطَنَةِ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَذَلُوا لَهُ طَاعَةً، ثُمَّ عَاوَدُوا الْغَارَةَ عَلَى مَرْوَ فِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا بَذَلُوا فِيهِ جُهْدَهُمْ وَطَاقَتَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَجَزُوا، فَاسْتَسْلَمُوا إِلَيْهِمْ، فَنَهَبُوهَا أَقْبَحَ مِنَ النَّهْبِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتْرُكُوا بِهَا شَيْئًا.
وَكَانَ قَدْ فَارَقَ سَنْجَرَ جَمِيعُ أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ وَوَزِيرُهُ طَاهِرُ بْنُ فَخْرِ الْمُلْكِ ابْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرُ نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ وَخَدَمِهِ ; فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى نَيْسَابُورَ أَحْضَرُوا الْمَلِكَ سُلَيْمَانَ شَاهْ ابْنَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَوَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَخَطَبُوا لَهُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَسَارَ فِي هَذَا الشَّهْرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ السُّلْطَانِيِّ إِلَى طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْغُزِّ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى أُمَرَائِهِمُ الْغُزِّيَّةِ فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ.
وَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهْ سَارُوا إِلَى مَرْوَ يَطْلُبُونَ الْغُزَّ، فَبَرَزَ الْغُزُّ إِلَيْهِمْ، فَسَاعَةَ رَآهُمُ الْعَسْكَرُ الْخُرَاسَانِيُّ انْهَزَمُوا وَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ،
[ ٩ / ٢٠٢ ]
وَقَصَدُوا نَيْسَابُورَ، وَتَبِعَهُمُ الْغُزُّ، فَمَرُّوا بِطُوسَ، وَهِيَ مَعْدِنُ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ، فَنَهَبُوهَا، وَسَبَوْا نِسَاءَهَا، وَقَتَلُوا رِجَالَهَا، وَخَرَّبُوا مَسَاجِدَهَا وَمَسَاكِنَ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ جَمِيعِ وِلَايَةِ طُوسَ إِلَّا الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ مَشْهَدُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى، وَمَوَاضِعُ أُخَرُ يَسِيرَةٌ لَهَا أَسْوَارٌ.
وَمِمَّنْ قُتِلَ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهَا إِمَامُهَا مُحَمَّدٌ الْمَارْشِكِيُّ، وَنَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ بِهَا عَلِيٌّ الْمُوسَوِيُّ، وَخَطِيبُهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُحْسِنِ، وَشَيْخُ شُيُوخِهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَفْنَوْا مَنْ بِهَا مِنَ الشُّيُوخِ الصَّالِحِينَ.
وَسَارُوا مِنْهَا إِلَى نَيْسَابُورَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَلَمْ يَجِدُوا دُونَهَا مَانِعًا وَلَا مُدَافِعًا، فَنَهَبُوهَا نَهْبًا ذَرِيعًا، وَقَتَلُوا أَهْلَهَا، فَأَكْثَرُوا حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا بِهَا أَحَدًا، حَتَّى إِنَّهُ أُحْصِيَ فِي مَحَلَّتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ قَتِيلٍ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَسَبَوْا نِسَاءَهَا وَأَطْفَالَهَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَبَقِيَ الْقَتْلَى فِي الدُّرُوبِ كَالتِّلَالِ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، وَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا بِالْجَامِعِ الْمَنِيعِيِّ وَتَحَصَّنُوا بِهِ، فَحَصَرَهُمُ الْغُزُّ فَعَجَزَ أَهْلُ نَيْسَابُورَ عَنْ مَنْعِهِمْ، فَدَخَلَ الْغُزُّ إِلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنَ الرَّجُلِ الْمَالَ، فَإِذَا أَعْطَاهُمُ الرَّجُلُ مَالَهُ قَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ، كَانَ رِحْلَةُ النَّاسِ مِنْ أَقْصَى الْغَرْبِ وَالشَّرْقِ إِلَيْهِ، وَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ:
يَا سَافِكًا دَمَ عَالِمٍ مُتَبَحِّرٍ قَدْ طَارَ فِي أَقْصَى الْمَمَالِكِ صِيتُهُ
بِاللَّهِ قُلْ لِي يَا ظَلُومُ وَلَا تَخَفْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الدِّينَ كَيْفَ تُمِيتُهُ
وَمِنْهُمُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْأَكَّافُ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ سِبْطُ الْقُشَيْرِيِّ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ الْفُرَاوِيُّ، وَالْإِمَامُ عَلِيٌّ الصَّبَّاغُ الْمُتَكَلِّمُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْمُلْقَابَاذِيُّ وَالْقَاضِي صَاعِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَاعِدٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الرَّازِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالزُّهَّادِ وَالصَّالِحِينَ، وَأَحْرَقُوا مَا بِهَا مِنْ خَزَائِنِ الْكُتُبِ وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا بَعْضُهَا.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
وَحَصَرُوا شَارِسْتَانَ، وَهِيَ مَنِيعَةٌ، فَأَحَاطُوا بِهَا، وَقَاتَلَهُمْ مَنْ فَوْقَ سُورِهَا، وَقَصَدُوا جُوَيْنَ فَنَهَبُوهَا، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ بَحْرَابَاذَ مِنْ أَعْمَالِ جُوَيْنَ، وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَمَوْا بَيْضَتَهُمْ وَالْبَاقِي أَتَى النَّهْبُ وَالْقَتْلُ عَلَيْهِ ; ثُمَّ قَصَدُوا أَسْفَرَايِينَ فَنَهَبُوهَا وَخَرَّبُوهَا، وَقَتَّلُوا فِي أَهْلِهَا فَأَكْثَرُوا.
وَمِمَّنْ قُتِلَ عَبْدُ الرَّشِيدِ الْأَشْعَثِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ دَوْلَةِ السُّلْطَانِ، فَتَرَكَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَطَلَبِ الْآخِرَةِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْفَنْدَرُوجِيُّ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْفَضَائِلِ لَا سِيَّمَا فِي عِلْمِ الْأَدَبِ.
وَلَمَّا فَرَغَ الْغُزُّ مِنْ جُوَيْنَ وَأَسْفَرَايِينَ عَاوَدُوا نَيْسَابُورَ، فَنَهَبُوا مَا بَقِيَ فِيهَا بَعْدَ النَّهْبِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ قَدْ لَحِقَ بِشَهْرَسْتَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَحَصَرَهُمُ الْغُزُّ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَنَهَبُوا مَا كَانَ فِيهَا لِأَهْلِهَا وَلِأَهْلِ نَيْسَابُورَ، وَنَهَبُوا الْحُرَمَ وَالْأَطْفَالَ، وَفَعَلُوا مَا لَمْ يَفْعَلْهُ الْكُفَّارُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْعَيَّارُونَ أَيْضًا يَنْهَبُونَ نَيْسَابُورَ أَشَدَّ مِنْ نَهْبِ الْغُزِّ وَيَفْعَلُونَ أَقْبَحَ مِنْ فِعْلِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ أَمْرَ الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهْ ضَعُفَ، وَكَانَ قَبِيحَ السِّيرَةِ سَيِّئَ التَّدْبِيرِ، وَإِنَّ وَزِيرَهُ طَاهِرَ بْنَ فَخْرِ الْمُلْكِ ابْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] فَضَعُفَ أَمْرُهُ، وَاسْتَوْزَرَ سُلَيْمَانُ شَاهْ بَعْدَهُ ابْنَهُ نِظَامَ الْمُلْكِ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ طَاهِرٍ، وَانْحَلَّ أَمْرُ دَوْلَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَفَارَقَ خُرَاسَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَعَادَ إِلَى جُرْجَانَ، فَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ وَرَاسَلُوا الْخَانْ مَحْمُودَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ بُغْرَاخَانْ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَخَطَبُوا لَهُ عَلَى مَنَابِرِ خُرَاسَانَ وَاسْتَدْعَوْهُ إِلَيْهِمْ، فَمَلَّكُوهُ أُمُورَهُمْ، وَانْقَادُوا لَهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى الْغُزِّ وَهُمْ يُحَاصِرُونَ هَرَاةَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَانَ الظَّفَرُ فِي أَكْثَرِهَا لِلُغُزِّ، وَرَحَلُوا فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ عَلَى هَرَاةَ إِلَى مَرْوَ وَعَاوَدُوا الْمُصَادَرَةَ لِأَهْلِهَا.
وَسَارَ خَاقَانُ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى نَيْسَابُورَ وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْمُؤَيَّدُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَرَاسَلَ الْغُزَّ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ،
[ ٩ / ٢٠٤ ]
هُدْنَةً عَلَى دَخَنٍ، وَسَيَرِدُ بَاقِي أَخْبَارِهِمْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمُؤَيَّدِ نَيْسَابُورَ وَغَيْرَهَا
كَانَ لِلسُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَمْلُوكٌ اسْمُهُ أَيْ أَبَهْ، وَلَقَبُهُ الْمُؤَيَّدُ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ تَقَدَّمَ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَأَطَاعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى نَيْسَابُورَ، وَطُوسَ، وَنَسَا، وَأَبِيوَرْدَ، وَشَهْرَسْتَانَ وَالدَّامَغَانِ، وَأَزَاحَ الْغُزَّ عَنِ الْجَمِيعِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاسْتَمَالَ النَّاسَ، وَوَفَّرَ الْخَرَاجَ عَلَى أَهْلِهِ، وَبَالَغَ فِي مُرَاعَاةِ أَرْبَابِ الْبُيُوتِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْبِلَادُ لَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الرَّعِيَّةُ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، فَرَاسَلَهُ خَاقَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي تَسْلِيمِ الْبِلَادِ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَامْتَنَعَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى الْمُؤَيَّدِ مَالٌ يَحْمِلُهُ إِلَى الْمَلِكِ مَحْمُودٍ، فَكَفَّ عَنْهُ مَحْمُودٌ، وَأَقَامَ الْمُؤَيَّدُ بِالْبِلَادِ هُوَ وَالْمَلِكُ مَحْمُودٌ.
ذِكْرُ مُلْكِ إِينَانْجَ الرَّيَّ
كَانَ إِينَانْجُ أَحَدَ مَمَالِيكِ سَنْجَرَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ فِتْنَةِ الْغُزِّ مَا ذَكَرْنَاهُ هَرَبَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَوَصَلَ إِلَى الرَّيِّ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقَامَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ شَاهْ بْنِ مَحْمُودِ شَاهْ بْنِ مَحْمُودٍ صَاحِبِ هَمَذَانَ، وَأَصْفَهَانَ، وَغَيْرِهِمَا، خَدَمَهُ وَهَدَايَا فَأَرْضَاهُ بِهَا، وَأَظْهَرَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ الْمَلِكُ مَحْمُودٌ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى عِدَّةِ بِلَادٍ تُجَاوِرُ الرَّيَّ، فَمَلَكَهَا، فَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَعَلَا شَأْنُهُ، وَصَارَتْ عَسَاكِرُهُ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ.
فَلَمَّا مَلَكَ سُلَيْمَانُ شَاهْ هَمَذَانَ، (عَلَى مَا نَذْكُرُهُ)، حَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَطَاعَهُ لِأُنْسِهِ بِهِ. كَانَ أَيَّامَ مُقَامِ سُلَيْمَانَ شَاهْ بِخُرَاسَانَ، فَتَقَوَّى أَمْرُهُ بِذَلِكَ.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
ذِكْرُ قَتْلِ ابْنِ السَّلَارِ وَزِيرِ الظَّافِرِ، وَوِزَارَةِ عَبَّاسٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ الْعَادِلُ بْنُ السَّلَارِ وَزِيرُ الظَّافِرِ بِاللَّهِ ; قَتَلَهُ رَبِيبُهُ عَبَّاسُ بْنُ أَبِي الْفُتُوحِ بْنِ يَحْيَى الصَّنْهَاجِيُّ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الظَّافِرُ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ وَلَدَهُ نَصْرًا، فَدَخَلَ عَلَى الْعَادِلِ وَهُوَ عِنْدَ جَدَّتِهِ أَمِّ عَبَّاسٍ، فَقَتَلَهُ وَوَلِيَ الْوِزَارَةَ (بَعْدَهُ رَبِيبُهُ) عَبَّاسٌ.
وَكَانَ عَبَّاسٌ قَدْ قَدِمَ مِنَ الْمَغْرِبِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ إِلَى مِصْرَ، وَتَعَلَّمَ الْخِيَاطَةَ، وَكَانَ خَيَّاطًا حَسَنًا، فَلَمَّا تَزَوَّجَ ابْنُ السَّلَارِ بِأُمِّهِ أَحَبَّهُ، وَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، فَجَازَاهُ بِأَنْ قَتَلَهُ وَوَلِيَ بَعْدَهُ.
وَكَانَتِ الْوِزَارَةُ فِي مِصْرَ لِمَنْ غَلَبَ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَالْوُزَرَاءُ كَالْمُتَمَلِّكِينَ، وَقَلَّ أَنْ وَلِيَهَا أَحَدٌ بَعْدَ الْأَفْضَلِ إِلَّا بِحَرْبٍ وَقَتْلٍ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهُمْ فِي تَرَاجِمَ مُفْرَدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَعَسَاكِرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ، كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَالْعَرَبِ عِنْدَ مَدِينَةِ سَطِيفَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ، وَهُمْ بَنُو هِلَالٍ وَالْأَبْتَحِ وَعَدِيٍّ وَرِيَاحٍ وَزُعْبٍ، وَغَيْرُهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، لَمَّا مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِلَادَ بَنِي حَمَّادٍ اجْتَمَعُوا مِنْ أَرْضِ طَرَابُلُسَ إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، وَقَالُوا: إِنْ جَاوَرْنَا عَبْدَ الْمُؤْمِنِ أَجْلَانَا مِنَ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ الرَّأْيُ إِلَّا إِلْقَاءَ الْجِدِّ مَعَهُ، وَإِخْرَاجَهُ مِنَ الْبِلَادِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ.
[ ٩ / ٢٠٦ ]
وَتَحَالَفُوا عَلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّضَافُرِ، وَأَنْ لَا يَخُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَعَزَمُوا عَلَى لِقَائِهِ بِالرِّجَالِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ لِيُقَاتِلُوا قِتَالَ الْحَرِيمِ.
وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمَلِكِ رُجَّارَ الْفِرِنْجِيِّ، صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُحْرِزُ بْنُ زِيَادٍ، وَجُبَارَةُ بْنُ كَامِلٍ، وَحَسَنُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وَعِيسَى بْنُ حَسَنٍ وَغَيْرُهُمْ، يَحُثُّهُمْ عَلَى لِقَاءِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْفِرِنْجِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُرْسِلُوا إِلَيْهِ الرَّهَائِنَ ; فَشَكَرُوهُ وَقَالُوا: مَا بِنَا حَاجَةٌ إِلَى نَجْدَتِهِ، وَلَا نَسْتَعِينُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَسَارُوا فِي عَدَدٍ لَا يُحْصَى، وَكَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ قَدْ رَحَلَ مِنْ بِجَايَةَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُمْ جَهَّزَ جَيْشًا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْهَنْتَانِيَّ، وَسَعْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى، وَكَانَ الْعَرَبُ أَضْعَافَهُمْ، فَاسْتَجَرَّهُمُ الْمُوَحِّدُونَ، وَتَبِعَهُمُ الْعَرَبُ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى أَرْضِ سَطِيفَ، بَيْنَ جِبَالٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَجَاءَهُ وَالْعَرَبُ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ، وَالتَقَى الْجَمْعَانِ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، فَانْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنِ انْهِزَامِ الْعَرَبِ وَنُصْرَةِ الْمُوَحِّدِينَ.
وَتَرَكَ الْعَرَبُ جَمِيعَ مَا لَهُمْ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَأَثَاثٍ وَنَعَمٍ، فَأَخَذَ الْمُوَحِّدُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَعَادَ الْجَيْشُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِجَمِيعِهِ، فَقَسَّمَ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَتَرَكَ النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ تَحْتَ الِاحْتِيَاطِ، وَوَكَّلَ بِهِمْ مِنَ الْخَدَمِ الْخِصْيَانِ مَنْ يَخْدُمُهُمْ وَيَقُومُ بِحَوَائِجِهِمْ، وَأَمَرَ بِصِيَانَتِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا مَعَهُ إِلَى مَرَّاكُشَ أَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسَاكِنِ الْفَسِيحَةِ، وَأَجْرَى لَهُمُ النَّفَقَاتِ الْوَاسِعَةَ، وَأَمَرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ابْنَهُ مُحَمَّدًا أَنْ يُكَاتِبَ أُمَرَاءَ الْعَرَبِ، وَيُعْلِمَهُمْ أَنَّ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ أَبُوهُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ بَذَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ وَالْكَرَامَةَ.
فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ مُحَمَّدٍ إِلَى الْعَرَبِ سَارَعُوا إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى مَرَّاكُشَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا أَعْطَاهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَعْطَاهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَاسْتَرَقَّ قُلُوبَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ، وَكَانَ بِهِمْ حَفِيًّا، وَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى
[ ٩ / ٢٠٧ ]
وِلَايَةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ لِلْعَهْدِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ بُونَةَ وَمَوْتِ رُجَّارَ وَمُلْكِ ابْنِهِ غُلْيَالِمَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أُسْطُولُ رُجَّارَ مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى مَدِينَةِ بُونَةَ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فَتَاهُ فِيلِبَ الْمَهْدَوِيَّ فَحَصَرَهَا وَاسْتَعَانَ بِالْعَرَبِ عَلَيْهَا، فَأَخَذُوهَا فِي رَجَبٍ، وَسَبَى أَهْلَهَا، وَمَلَكَ مَا فِيهَا، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْضَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، حَتَّى خَرَجُوا بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَى الْقُرَى، فَأَقَامَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَادَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَبَعْضُ الْأَسْرَى مَعَهُ، وَعَادَ إِلَى صِقِلِّيَةَ فَقَبَضَ رُجَّارُ عَلَيْهِ لِمَا اعْتَمَدَهُ مِنَ الرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بُونَةَ.
وَكَانَ فِيلِبُ، يُقَالُ إِنَّهُ وَجَمِيعُ فِتْيَانِهِ مُسْلِمُونَ، يَكْتُمُونَهُ ذَلِكَ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصُومُ مَعَ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَجَمَعَ رُجَّارُ الْأَسَاقِفَةَ وَالْقُسُوسَ وَالْفُرْسَانَ، فَحَكَمُوا بِأَنْ يُحْرَقَ، فَأُحْرِقَ فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا أَوَّلُ وَهَنٍ دَخَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِصِقِلِّيَةَ. وَلَمْ يُمْهِلِ اللَّهُ رُجَّارَ بَعْدَهُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى [مَاتَ] فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ مَرَضُهُ الْخَوَانِيقَ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَرِيبَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُلْكُهُ نَحْوَ سِتِّينَ سَنَةً ; وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غُلْيَالِمُ، وَكَانَ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ سَيِّئَ التَّصْوِيرِ، فَاسْتَوْزَرَ مَايُو الْبُرْصَانِيَّ، فَأَسَاءَ التَّدْبِيرَ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ حُصُونٌ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، وَبِلَادِ قَلُّورِيَّةَ، وَتَعَدَّى الْأَمْرُ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ بَهْرَامْ شَاهْ صَاحِبِ غَزْنَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ بَهْرَامْ شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبُ غَزْنَةَ بِهَا، وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ نِظَامُ الدِّينِ خُسْرُوشَاهْ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ بَهْرَامْ شَاهْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ، جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، مُكْرِمًا لَهُمْ، بَاذِلًا لَهُمُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ، جَامِعًا لِلْكُتُبِ تُقْرَأُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَفْهَمُ مَضْمُونَهَا ; وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ وَلَدُهُ خُسْرُوشَاهْ.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ بِالشَّامِ مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ، وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَمْلَكَةِ الظَّافِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ كُلَّ سَنَةٍ يَقْصِدُونَهَا وَيَحْصُرُونَهَا، فَلَا يَجِدُونَ إِلَى مُلْكِهَا سَبِيلًا، وَكَانَ الْوُزَرَاءُ بِمِصْرَ لَهُمُ الْحُكْمُ فِي الْبِلَادِ، وَالْخُلَفَاءُ مَعَهُمُ اسْمٌ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، وَكَانَ الْوُزَرَاءُ كُلَّ سَنَةٍ يُرْسِلُونَ إِلَيْهَا مِنَ الذَّخَائِرِ وَالْأَسْلِحَةِ وَالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ مَنْ يَقُومُ بِحِفْظِهَا. فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ ابْنُ السَّلَارِ الْوَزِيرُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ فِي مِصْرَ، وَوَلِيَ عَبَّاسٌ الْوِزَارَةَ، وَإِلَى أَنِ اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَةٌ، اغْتَنَمَ الْفِرِنْجُ اشْتِغَالَهُمْ عَنْ عَسْقَلَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَحَصَرُوهَا، فَصَبَرَ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى إِنَّهُمْ بَعْضَ الْأَيَّامِ قَاتَلُوا خَارِجَ السُّورِ، وَرَدُّوا الْفِرِنْجَ إِلَى خِيَامِهِمْ مَقْهُورِينَ، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَيْهَا فَأَيِسَ حِينَئِذٍ الْفِرِنْجُ مِنْ مُلْكِهِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى عَزْمِ الرَّحِيلِ إِذْ قَدْ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ الْخُلْفَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِهِ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، فَصَبَرُوا، وَكَانَ سَبَبَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمْ لَمَّا عَادُوا عَنْ قِتَالِ الْفِرِنْجِ قَاهِرِينَ مَنْصُورِينَ، ادَّعَى كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ النُّصْرَةَ مِنْ جِهَتِهِمْ كَانَتْ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا الْفِرِنْجَ خَاسِرِينَ، فَعَظُمَ الْخِصَامُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ قُتِلَ مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَتِيلٌ، وَاشْتَدَّ الْخَطْبُ حِينَئِذٍ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، فَطَمِعَ الْفِرِنْجُ، وَزَحَفُوا إِلَيْهِ وَقَاتَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَنْ يَمْنَعُهُمْ فَمَلَكُوهُ.
ذِكْرُ حَصْرِ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ تَكْرِيتَ وَعَوْدِهِمْ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ عَسْكَرًا إِلَى تَكْرِيتَ لِيَحْصُرُوهَا،
[ ٩ / ٢٠٩ ]
وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ أَبَا الْبَدْرِ ابْنَ الْوَزِيرِ عَوْنِ الدِّينِ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَتُرْشَكَ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْخَلِيفَةِ، وَغَيْرَهُمَا، فَجَرَى بَيْنَ أَبِي الْبَدْرِ وَتُرْشَكَ مُنَافَرَةٌ أَوْجَبَتْ أَنْ كَتَبَ ابْنُ الْوَزِيرِ يَشْكُو مِنْ تُرْشَكَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالْقَبْضِ عَلَى تُرْشَكَ، فَعَرَفَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَسْعُودِ بِلَالٍ، صَاحِبِ تَكْرِيتَ، وَصَالَحَهُ وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْوَزِيرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَسَلَّمَهُمْ إِلَى مَسْعُودِ بِلَالٍ، [فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ وَغَرِقَ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَسَارَ مَسْعُودُ بِلَالٍ] وَتُرْشَكُ مِنْ تَكْرِيتَ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ فَنَهَبَا وَأَفْسَدَا، فَسَارَ الْمُقْتَفِي عَنْ بَغْدَادَ لِدَفْعِهِمَا، فَهَرَبَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَصَدَ تَكْرِيتَ، فَحَصَرَهَا أَيَّامًا وَجَرَى لَهُ مَعَ أَهْلِهَا حُرُوبٌ مِنْ وَرَاءِ السُّورِ، فَقُتِلَ مِنَ الْعَسْكَرِ جَمَاعَةٌ بِالنُّشَّابِ، فَعَادَ الْخَلِيفَةُ عَنْهَا، وَلَمْ يَمْلِكْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَتْ مَرَاكِبُ مِنْ صِقِلِّيَةَ، فِيهَا جَمْعٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَنَهَبُوا مَدِينَةَ تِنِّيسَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ الْكُرْجِ بِأَرْمِينِيَّةَ وَبَيْنَ صُلَيْقٍ، صَاحِبِ أَرْزَنَ الرُّومِ، مَصَافٌّ وَحَرْبٌ شَدِيدَةٌ، وَانْهَزَمَ صَلِيقٌ وَأَسَرَهُ الْكُرْجُ ثُمَّ أَطْلَقُوهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَالِبٍ الْوَرَّاقُ - الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الطَّلَّايَةِ - الزَّاهِدُ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَهُ حَدِيثٌ وَرِوَايَةٌ.
[ ٩ / ٢١٠ ]
وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَرُوخِيُّ الْهَرَوِيُّ، رَاوِي " جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ "، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
[ ٩ / ٢١١ ]