٥٠٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيِّ إِلَى الشَّامِ لِحَرْبِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرَ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ إِلَى الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا، وَالِيًا عَلَيْهَا، لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَوْدُودٍ، وَسَيَّرَ مَعَهُ وَلَدَهُ الْمَلِكَ مَسْعُودًا فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْأُمَرَاءِ بِطَاعَتِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاتَّصَلَتْ بِهِ عَسَاكِرُهَا، وَفِيهِمْ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، الَّذِي مَلَكَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ الْمَوْصِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ شَجَاعَةٌ فِي الْغَايَةِ.
وَاتَّصَلَ بِهِ أَيْضًا تَمِيرُكُ صَاحِبُ سَنْجَارَ وَغَيْرِهِمَا، فَسَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَسَلَّمَا إِلَيْهِ نَائِبَ مَوْدُودٍ بِهَا، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى مَارِدِينَ، فَنَازَلَهَا الْبُرْسُقِيُّ، حَتَّى أَذْعَنَ لَهُ إِيلْغَازِي صَاحِبُهَا، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا مَعَ وَلَدِهِ إِيَّازَ، فَسَارَ عَنْهُ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الرُّهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَنَازَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَاتَلَهَا، وَصَبَرَ لَهُ الْفِرِنْجُ، وَأَصَابُوا مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً، فَأَخَذُوا مِنْهُمْ تِسْعَةَ رِجَالٍ وَصَلَبُوهُمْ عَلَى سُورِهَا، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حِينَئِذٍ، وَحَمِيَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلُوا، فَقَتَلُوا مِنَ الْفِرِنْجِ خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَهْرَيْنِ وَأَيَّامًا.
وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرَحَلُوا مِنَ الرُّهَا إِلَى سُمَيْسَاطَ، بَعْدَ أَنْ خَرَّبُوا بَلَدَ سَرُوجَ وَبَلَدَ سُمَيْسَاطَ وَأَطَاعَهُ صَاحِبُ مَرْعَشَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى شَحْنَانَ، فَقَبَضَ عَلَى إِيَّازَ بْنِ إِيلْغَازِي، حَيْثُ لَمْ يَحُضَّ أَبُوهُ، وَنَهَبَ سَوَادَ مَارِدِينَ.
[ ٨ / ٦٠١ ]
وَلَمَّا بَلَغَ طُغْتِكِينَ الْخَبَرُ عَادَ إِلَى حِمْصَ، وَأَرْسَلَ فِي إِطْلَاقِهِ، فَامْتَنَعَ قُرْجَانُ، وَحَلَفَ: إِنْ لَمْ يَعُدْ طُغْتِكِينُ لَنَقْتُلَنَّ إِيلْغَازِي، فَأَرْسَلَ إِلَى طُغْتِكِينَ: إِنَّ الْمُلَاجَّةَ تُؤْذِينِي، وَتَسْفِكُ دَمِي، وَالْمَصْلَحَةُ عَوْدُكَ إِلَى دِمَشْقَ، فَعَادَ.
وَانْتَظَرَ قُرْجَانُ وُصُولَ الْعَسَاكِرِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ، فَخَافَ أَنْ يَنْخَدِعَ أَصْحَابُهُ لِطُغْتِكِينَ، وَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ حِمْصَ، فَعَدَلَ إِلَى الصُّلْحِ مَعَ إِيلْغَازِي عَلَى أَنْ يُطْلِقَهُ، وَيَأْخُذَ ابْنَهُ إِيَّازَ رَهِينَةً، وَيُصَاهِرَهُ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ طُغْتِكِينَ وَغَيْرِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَهُ، وَتَحَالَفَا، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ ابْنَهُ إِيَّازَ، وَسَارَ عَنْ حِمْصَ إِلَى حَلَبَ، وَجَمَعَ التُّرْكُمَانَ، وَعَادَ إِلَى حِمْصَ، وَطَالَبَ بِوَلَدِهِ إِيَّازَ، وَحَصَرَ قُرْجَانَ إِلَى أَنْ وَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ السُّلْطَانِيَّةُ، فَعَادَ إِيلْغَازِي عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ وَمُلْكِ ابْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ مَعَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ مَسْعُودُ بْنُ أَبِي الْمُظَفَّرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي سَعْدٍ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتُكِينَ، صَاحِبُ غَزْنَةَ، بِهَا، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَرْسِلَانْشَاهْ، وَأُمُّهُ سَلْجُوقِيَّةٌ، وَهِيَ أُخْتُ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسِلَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَقَبَضَ عَلَى إِخْوَانِهِ وَسَجَنَهُمْ، وَهَرَبَ أَخٌ لَهُ اسْمُهُ بَهْرَامُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَوَصَلَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ بْنِ مُلْكِشَاهْ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَرْسِلَانَشَاهْ فِي مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَلَا أَصْغَى إِلَى قَوْلِهِ، فَتَجَهَّزَ سَنْجَرُ لِلْمَسِيرِ إِلَى غَزْنَةَ، وَإِقَامَةِ بَهْرَامْشَاهْ فِي الْمُلْكِ.
فَأَرْسَلَ أَرْسِلَانْشَاهْ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ يَشْكُو مِنْ أَخِيهِ سَنْجَرَ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى أَخِيهِ سَنْجَرَ يَأْمُرُهُ بِمُصَالَحَةِ أَرْسِلَانْشَاهْ، وَتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ:
إِنْ رَأَيْتَ أَخِي وَقَدْ قَصَدَهُمْ، وَسَارَ نَحْوَهُمْ، أَوْ قَارَبَ أَنْ يَسِيرَ، فَلَا تَمْنَعْهُ، وَلَا تُبْلِغْهُ الرِّسَالَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَفُتُّ فِي عَضُدِهِ وَيُوهِنُهُ، وَلَا يَعُودُ، وَلَأَنْ يَمْلِكَ أَخِي الدُّنْيَا أَحَبُّ إِلَيَّ. فَوَصَلَ الرَّسُولُ إِلَى سَنْجَرَ، وَقَدْ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ إِلَى غَزْنَةَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْأَمِيرَ أُنَرَ، مُتَقَدِّمَ عَسْكَرِهِ، وَمَعَهُ الْمَلِكَ بَهْرَامْشَاهْ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا بُسْتَ، وَاتَّصَلَ بِهِمْ فِيهَا أَبُو الْفَضْلِ نَصْرُ بْنُ خَلَفٍ، صَاحِبُ سِجِسْتَانَ.
[ ٨ / ٦٠٢ ]
ذِكْرُ طَاعَةِ صَاحِبِ مَرْعَشَ وَغَيْرِهَا الْبُرْسُقِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ بَعْضُ جُنُودِ الْفِرِنْجِ، وَيُعْرَفُ بِكَوَاسِيلَ، وَهُوَ صَاحِبُ مَرْعَشَ، وَكَيْسُومَ، وَرَعْبَانَ وَغَيْرِهَا، فَاسْتَوْلَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ، وَتَحَصَّنَتْ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَأَحْسَنَتْ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَرَاسَلَتْ آقْسُنْقُرَ الْبُرْسُقِيَّ، وَهُوَ عَلَى الرُّهَا، وَاسْتَدْعَتْ مِنْهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِتُطِيعَهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا الْأَمِيرَ سُنْقُرَ دَزْدَارَ، صَاحِبَ الْخَابُورِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَكْرَمَتْهُ، وَحَمَلَتْ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا.
وَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهَا إِذْ جَاءَ جَمْعٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَوَاقَعُوا أَصْحَابَهُ، وَهُمْ نَحْوُ مِائَةِ فَارِسٍ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْفِرِنْجِ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَكْثَرَهُمْ وَعَادَ سُنْقُرُ دَزْدَارَ، وَقَدْ أَصْحَبَتْهُ الْهَدَايَا لِلْمَلِكِ مَسْعُودٍ وَالْبُرْسُقِيِّ، وَأَذْعَنَتْ بِالطَّاعَةِ، وَلَمَّا عَرَفَ الْفِرِنْجُ ذَلِكَ عَادَ كَثِيرٌ مِمَّنْ عِنْدَهَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْبُرْسُقِيِّ، وَإِيلْغَازِي وَأَسْرِ إِيلْغَازِي
لَمَّا قَبَضَ الْبُرْسُقِيُّ عَلَى إِيَّازَ بْنِ إِيلْغَازِي سَارَ إِلَى حِصْنِ كِيفَا، وَصَاحِبُهَا الْأَمِيرُ رُكْنُ الدَّوْلَةِ دَاوُدُ ابْنُ أَخِيهِ سُقْمَانَ، فَاسْتَنْجَدَهُ، فَسَارَ مَعَهُ فِي عَسْكَرِهِ وَأَحْضَرَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَسَارَا إِلَى الْبُرْسُقِيِّ، فَلَقِيَهُ، أَوَاخِرَ السَّنَةِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرُوا فِيهِ، فَانْهَزَمَ الْبُرْسُقِيُّ وَعَسْكَرُهُ، وَخُلِّصَ إِيَّازُ بْنُ إِيلْغَازِي مِنَ الْأُسَرِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، فَخَافَهُ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ إِلَى حَمِيِّهِ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَيَّامًا.
وَكَانَ طُغْتِكِينُ أَيْضًا قَدِ اسْتَوْحَشَ مِنَ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ نَسَبَ إِلَيْهِ قَتْلَ مَوْدُودٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَالِاحْتِمَاءِ بِهِمْ، فَرَاسَلَا صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَحَالَفَاهُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُمَا عَلَى بُحَيْرَةِ قَدَسَ، عِنْدَ حِمْصَ، وَجَدَّدُوا الْعُهُودَ، وَعَادَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ وَسَارَ إِيلْغَازِي إِلَى الرَّسْتَنِ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ دِيَارِ بَكْرٍ، وَجَمْعِ التُّرْكُمَانِ وَالْعَوْدِ، فَنَزَلَ بِالرَّسْتَنِ لِيَسْتَرِيحَ، فَقَصَدَهُ الْأَمِيرُ قُرْجَانُ بْنُ قُرَاجَةَ صَاحِبُ حِمْصَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْ إِيلْغَازِي أَصْحَابُهُ، فَظَفَرَ بِهِ قُرْجَانُ وَأَسَرَهُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيَسْأَلُهُ تَعْجِيلَ إِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ لِئَلَّا يَغْلِبَهُ طُغْتِكِينُ عَلَى إِيلْغَازِي.
[ ٨ / ٦٠٣ ]
وَسَمِعَ أَرْسِلَانْشَاهُ الْخَبَرَ، فَسَيَّرَ جَيْشًا كَثِيفًا، فَهَزَمَاهُ، وَنَهَبَاهُ وَعَادَ مَنْ سَلِمَ إِلَى غَزْنَةَ عَلَى أَسْوَأِ حَالٍ فَخَضَعَ حِينَئِذٍ أَرْسِلَانْشَاهْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ أُنَرَ يَضْمَنُ لَهُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ لِيَعُودَ عَنْهُ، وَيُحَسِّنُ لِلْمَلِكِ سَنْجَرَ الْعَوْدَةَ عَنْهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَتَجَهَّزَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ، بَعْدَ أُنَرَ، لِلْمَسِيرِ بِنَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَرْسِلَانْشَاهُ امْرَأَةَ عَمِّهِ نَصْرٍ تَسْأَلُهُ الصَّفْحَ وَالْعَوْدَ عَنْ قَصْدِهِ، وَهِيَ أُخْتُ الْمَلِكِ سَنْجَرَ مِنَ السُّلْطَانِ بُرْكِيارُقَ، وَكَانَ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ قَدْ قَتَلَ زَوْجَهَا، وَمَنَعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ غَزْنَةَ وَتَزَوَّجَهَا، فَسَيَّرَهَا الْآنَ أَرْسِلَانْشَاهْ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى أَخِيهِ أَوْصَلَتْ مَا مَعَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْهَدَايَا، وَكَانَ مَعَهَا مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَطَلَبَ مِنْ سَنْجَرَ أَنْ يُسَلِّمَ أَخَاهُ بَهْرَامَ إِلَيْهِ.
وَكَانَتْ مُوغَرَةَ الصَّدْرِ مِنْ أَرْسِلَانْشَاهْ، فَهَوَّنَتْ أَمْرَهُ عَلَى سَنْجَرَ، وَأَطْمَعَتْهُ فِي الْبِلَادِ، وَسَهَّلَتِ الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَتْ لَهُ مَا فَعَلَ بِإِخْوَانِهِ، وَكَانَ قَتَلَ بَعْضًا وَكَحَلَ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ مِنْهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ. فَسَارَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بُسْتَ أَرْسَلَ خَادِمًا مِنْ خَوَاصِّهِ إِلَى أَرْسِلَانْشَاهْ فِي رِسَالَةٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، فَسَارَ حِينَئِذٍ سَنْجَرُ مُجِدًّا، فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُ أَطْلَقَ الرَّسُولَ، وَوَصَلَ سَنْجَرُ إِلَى غَزْنَةَ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْمَصَافُّ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ غَزْنَةَ، بِصَحْرَاءَ شَهْرَابَاذَ، وَكَانَ أَرْسِلَانْشَاهْ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ، وَمَعَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فِيلًا، عَلَى كُلِّ فِيلٍ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَحَمَلَتِ الْفِيَلَةُ عَلَى الْقَلْبِ، وَفِيهِ سَنْجَرُ، فَكَانَ مَنْ فِيهِ يَنْهَزِمُونَ، فَقَالَ سَنْجَرُ لِغِلْمَانِهِ الْأَتْرَاكِ لِيَرْمُوهَا بِالنُّشَّابِ، فَتَقَدَّمَ ثَلَاثَةُ آلَافِ غُلَامٍ، فَرَمَوُا الْفِيَلَةَ رَشْقًا وَاحِدًا جَمِيعًا، فَقَتَلُوا مِنْهَا عِدَّةً، فَعَدَلَتِ الْفِيَلَةُ عَنِ الْقَلْبِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، وَبِهَا أَبُو الْفَضْلِ صَاحِبُ سِجِسْتَانَ، وَجَالَتْ عَلَيْهِمْ، فَضَعُفَ مَنْ فِي الْمَيْسَرَةِ، فَشَجَّعَهُمْ أَبُو الْفَضْلِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنَ الْهَزِيمَةِ مَعَ دِيَارِهِمْ، وَتَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ بِنَفْسِهِ، وَقَصَدَ كَبِيرَ الْفِيَلَةِ، وَمُتَقَدَّمُهَا، وَدَخَلَ تَحْتَهَا فَشَقَّ بَطْنَهَا، وَقَتَلَ فِيلَيْنِ آخَرَيْنِ.
وَرَأَى الْأَمِيرُ أُنَرُ، وَهُوَ فِي الْمَيْمَنَةِ، مَا فِي الْمَيْسَرَةِ مِنَ الْحَرْبِ، فَخَافَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَ مِنْ وَرَاءِ عَسْكَرِ غَزْنَةَ، وَقَصَدَ الْمَيْسَرَةَ وَاخْتَلَطَ بِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْغَزْنَوِيَّةِ، وَكَانَ رُكَّابُ الْفِيَلَةِ قَدْ شَدُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهَا بِالسَّلَاسِلِ، فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ، وَعَمِلَ فِيهِمُ السَّيْفُ، أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ، فَبَقُوا مُعَلَّقِينَ عَلَيْهَا.
[ ٨ / ٦٠٤ ]
وَدَخَلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ غَزْنَةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَمَعَهُ بُهْرَامْشَاهْ. فَأَمَّا الْقَلْعَةُ الْكَبِيرَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ تِسْعَةُ فَرَاسِخَ، وَهِيَ عَظِيمَةٌ، فَلَا مَطْمَعَ فِيهَا، وَلَا طَرِيقَ عَلَيْهَا.
وَكَانَ أَرْسِلَانْشَاهْ قَدْ سَجَنَ فِيهَا أَخَاهُ طَاهِرًا الْخَازِنَ، وَهُوَ صَاحِبُ بُهْرَامْشَاهْ، وَاعْتَقَلَ بِهَا أَيْضًا زَوْجَةَ بُهْرَامْشَاهْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَرْسِلَانْشَاهِ اسْتَمَالَ أَخُوهُ طَاهِرٌ الْمُسْتَحْفِظَ بِهَا، فَبَذَلَ لَهُ وَلِلْأَجْنَادِ الزِّيَادَاتِ، فَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ.
وَأَمَّا قَلْعَةُ الْبَلَدِ فَإِنَّ أَرْسِلَانْشَاهْ كَانَ اعْتَقَلَ بِهَا رَسُولَ سَنْجَرَ، فَلَمَّا أَطْلَقَهُ بَقِيَ غِلْمَانُهُ بِهَا، فَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ أَيْضًا بِغَيْرِ قِتَالٍ.
وَكَانَ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ بُهْرَامْشَاهْ وَبَيْنَ سَنْجَرَ أَنْ يَجْلِسَ بُهْرَامُ عَلَى سَرِيرِ جَدِّهِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتُكِينَ وَحْدَهُ، وَأَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ بَغَزْنَةَ لِلْخَلِيفَةِ، السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَلِلْمَلِكِ سَنْجَرَ، وَبَعْدَهُمْ لِبُهْرَامْشَاهْ. فَلَمَّا دَخَلُوا غَزْنَةَ كَانَ سَنْجَرُ رَاكِبًا، وَبُهْرَامْشَاهْ بَيْنَ يَدَيْهِ رَاجِلًا، حَتَّى جَاءَ السَّرِيرُ، فَصَعِدَ بُهْرَامْشَاهْ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ سَنْجَرُ، وَكَانَ يَخْطُبُ لَهُ بِالْمُلْكِ، وَلِبُهْرَامْشَاهْ بِالسُّلْطَانِ عَلَى عَادَةِ آبَائِهِ، فَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُسْمَعُ بِهِ.
وَحَصَلَ لِأَصْحَابِ سَنْجَرَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى مِنَ السُّلْطَانِ وَالرَّعَايَا، وَكَانَ فِي دُورٍ لِمُلُوكِهَا عِدَّةُ دُورٍ عَلَى حِيطَانِهَا أَلْوَاحُ الْفِضَّةِ، وَسَوَاقِي الْمِيَاهِ إِلَى الْبَسَاتِينِ مِنَ الْفِضَّةِ أَيْضًا، فَقُلِعَ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُهُ، وَنُهِبَ، فَلَمَّا سَمِعَ سَنْجَرُ مَا يَفْعَلُ مَنَعَ عَنْهُ بِجَهْدِهِ، وَصَلَبَ جَمَاعَةً حَتَّى كَفَّ النَّاسُ.
وَفِي جُمْلَةِ مَا حَصَلَ لِلْمَلِكِ سَنْجَرَ خَمْسَةُ تِيجَانَ قَيِّمَةٍ أَحَدُهَا تَزِيدُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ قِطْعَةٍ مُصَاغَةٍ مُرَصَّعَةٍ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ سَرِيرًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَأَقَامَ بِغَزْنَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حَتَّى اسْتَقَرَّ بُهْرَامْشَاهْ، وَعَادَ نَحْوَ خُرَاسَانَ، لَمْ يُخْطَبْ بِغَزْنَةَ لِسَلْجُوقِيٍّ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ، حَتَّى إِنَّ السُّلْطَانَ مُلْكِشَاهْ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَكَثْرَةِ مُلْكِهِ لَمْ يَطْمَعْ فِيهِ، وَكَانَ كُلَّمَا رَامَ ذَلِكَ مَنَعَ مِنْهُ نِظَامَ الْمُلْكِ.
وَأَمَّا أَرْسِلَانْشَاهْ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ قَصَدَ هِنْدُوسَتَانَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَقَوِيَتْ
[ ٨ / ٦٠٥ ]
شَوْكَتُهُ، فَلَمَّا عَادَ سَنْجَرُ إِلَى خُرَاسَانَ تَوَجَّهَ إِلَى غَزْنَةَ، فَلَمَّا عَرَفَ بُهْرَامْشَاهْ قَصْدَهُ إِيَّاهُ تَوَجَّهَ إِلَى بَامْيَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ سَنْجَرَ يُعْلِمَهُ الْحَالَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا. وَأَقَامَ أَرْسِلَانْشَاهْ بِغَزْنَةَ شَهْرًا وَاحِدًا، وَسَارَ يَطْلُبُ أَخَاهُ بُهْرَامْشَاهْ، فَبَلَغَهُ وُصُولُ عَسْكَرِ سَنْجَرَ، فَانْهَزَمَ بِغَيْرِ قِتَالٍ لِلْخَوْفِ الَّذِي قَدْ بَاشَرَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَ بِجِبَالِ أُوغَنَانَ، فَسَارَ أَخُوهُ بُهْرَامْشَاهْ وَعَسْكَرَ سَنْجَرُ فِي أَثَرِهِ، وَخَرَّبُوا الْبِلَادَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِهَا يَتَهَدَّدُونَهُمْ، فَسَلَّمُوهُ بَعْدَ الْمُضَايَقَةِ، فَأَخَذَهُ مُتَقَدِّمُ جَيْشِ الْمَلِكِ سَنْجَرَ، وَأَرَادَ حَمْلَهُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَخَافَ بُهْرَامْشَاهْ مِنْ ذَلِكَ، فَبَذَلَ لَهُ مَالًا، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَخَنَقَهُ وَدَفَنَهُ بِتُرْبَةِ أَبِيهِ بِغَزْنَةَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ أَحْسَنَ إِخْوَانِهِ صُورَةً، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لِتَتَّصِلَ الْحَادِثَةُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، كَانَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِهَا، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنَ الرُّهَا، وَحَرَّانَ، وَسُمَيْسَاطَ، وَبَالِسَ وَغَيْرِهَا، وَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الْهَدْمِ.
وَفِيهَا قُتِلَ تَاجُ الدَّوْلَةِ أَلْب أَرْسِلَانَ بْنُ رِضْوَانَ، صَاحِبُ حَلَبَ، قَتَلَهُ غِلْمَانٌ بِقَلْعَةِ حَلَبَ، وَأَقَامُوا بَعْدَهُ أَخَاهُ سُلْطَانَ شَاهْ بْنَ رِضْوَانَ، وَكَانَ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ لُؤْلُؤٌ الْخَادِمُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّرِيفُ النَّسِيبُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحَسَنِيُّ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، بِدِمَشْقَ.
[ ٨ / ٦٠٦ ]