٥٥٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وِزَارَةِ شَاوُرَ لِلْعَاضِدِ بِمِصْرَ ثُمَّ وِزَارَةِ الضِّرْغَامِ بَعْدَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، وُزِّرَ شَاوُرُ لِلْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ [صَاحِبِ مِصْرَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ وَوِزَارَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْدِمُ الصَّالِحَ] بْنَ رُزَّيْكَ وَلَزِمَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الصَّالِحُ وَوَلَّاهُ الصَّعِيدَ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْوِزَارَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ الصَّعِيدَ ظَهَرَتْ مِنْهُ كِفَايَةٌ عَظِيمَةٌ وَتَقَدُّمٌ زَائِدٌ، وَاسْتَمَالَ الرَّعِيَّةَ وَالْمُقَدَّمِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَعَسُرَ أَمْرُهُ عَلَى الصَّالِحِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ عَزْلُهُ، فَاسْتَدَامَ اسْتِعْمَالُهُ ; لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَلَمَّا جُرِحَ الصَّالِحُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ وَصِيَّتِهِ لِوَلَدِهِ الْعَادِلِ: إِنَّكَ لَا تُغَيِّرْ عَلَى شَاوُرَ، فَإِنَّنِي أَنَا أَقْوَى مِنْكَ وَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَلَمْ يُمْكِنِّي عَزْلُهُ، فَلَا تُغَيِّرُوا مَا بِهِ فَيَكُونَ لَكُمْ مِنْهُ مَا تَكْرَهُونَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ الصَّالِحُ مِنْ جِرَاحَتِهِ وَوَلِيَ ابْنُهُ الْعَادِلُ الْوِزَارَةَ حَسَّنَ لَهُ أَهْلُهُ عَزْلَ شَاوُرَ وَاسْتِعْمَالَ بَعْضِهِمْ مَكَانَهُ، وَخَوَّفُوهُ مِنْهُ إِنْ أَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْعَزْلِ، فَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً وَسَارَ إِلَى الْقَاهِرَةِ بِهِمْ، فَهَرَبَ مِنْهُ الْعَادِلُ ابْنُ الصَّالِحِ بْنِ رُزَّيْكَ، فَأُخِذَ وَقُتِلَ، فَكَانَتْ مُدَّةَ وِزَارَتِهِ وَوِزَارَةِ أَبِيهِ قَبْلَهُ تِسْعَ سِنِينَ وَشَهْرًا وَأَيَّامًا، وَصَارَ شَاوُرُ وَزِيرًا، وَتُلُقِّبَ بِأَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ بَنِي رُزَّيْكَ وَوَدَائِعَهُمْ وَذَخَائِرَهُمْ، وَأَخَذَ مِنْهُ (أَيْضًا طَيٌّ وَالْكَامِلُ ابْنَا شَاوُرَ) شَيْئًا كَثِيرًا، وَتَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهَا، وَجُحِدَ كَثِيرٌ، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ عِنْدَ انْتِقَالِ الدَّوْلَةِ عَنْ شَاوُرَ وَالْمِصْرِيِّينَ إِلَى الْأَتْرَاكِ.
ثُمَّ إِنَّ الضِّرْغَامَ جَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَنَازَعَ شَاوُرَ فِي الْوِزَارَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ،
[ ٩ / ٢٩٨ ]
وَظَهَرَ أَمْرُهُ، وَانْهَزَمَ شَاوُرُ مِنْهُ إِلَى الشَّامِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَصَارَ ضِرْغَامُ وَزِيرًا.
وَكَانَ هَذِهِ السَّنَةَ ثَلَاثَةُ وُزَرَاءَ: الْعَادِلُ بْنُ رُزَّيْكَ، وَشَاوُرُ، وَضِرْغَامُ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ ضِرْغَامُ مِنَ الْوِزَارَةِ قَتَلَ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّينَ لِتَخْلُوا لَهُ الْبِلَادُ مِنْ مُنَازِعٍ، فَضَعُفَتِ الدَّوْلَةُ بِهَذَا حَتَّى خَرَجَتِ الْبِلَادُ عَنْ أَيْدِيهِمْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ يُوسُفَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ، صَاحِبُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَإِفْرِيقِيَّةَ، وَالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَدْ سَارَ مِنْ مَرَّاكُشَ إِلَى سَلَا، فَمَرِضَ بِهَا وَمَاتَ.
وَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ جَمَعَ شُيُوخَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ جَرَّبْتُ ابْنِي مُحَمَّدًا. فَلَمْ أَرَهُ يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لَهُ ابْنِي يُوسُفُ، وَهُوَ أَوْلَى بِهَا، فَقَدِّمُوهُ لَهَا، وَوَصَّاهُمْ بِهِ، وَبَايَعُوهُ وَدُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَتَمُوا مَوْتَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَحُمِلَ مِنْ سَلَا فِي مِحَفَّةٍ بِصُورَةِ أَنَّهُ مَرِيضٌ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مَرَّاكُشَ.
وَكَانَ ابْنُهُ أَبُو حَفْصٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ حَاجِبًا لِأَبِيهِ، فَبَقِيَ مَعَ أَخِيهِ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مَعَ أَبِيهِ يَخْرُجُ فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ بِكَذَا، وَيُوسُفُ [لَمْ] يَقْعُدْ مَقْعَدَ أَبِيهِ إِلَى أَنْ كَمُلَتِ الْمُبَايَعَةُ لَهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَاسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الْأُمُورِ لَهُ، ثُمَّ أَظْهَرَ مَوْتَ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَكَانَ عَاقِلًا، حَازِمًا، سَدِيدَ الرَّأْيِ، حَسَنَ السِّيَاسَةِ لِلْأُمُورِ، كَثِيرَ الْبَذْلِ لِلْأَمْوَالِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ السَّفْكِ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ.
[ ٩ / ٢٩٩ ]
وَكَانَ يُعَظِّمُ أَمْرَ الدِّينِ وَيُقَوِّيهِ، وَيُلْزِمُ النَّاسَ فِي سَائِرِ بِلَادِهِ بِالصَّلَاةِ، وَمَنْ رُئِيَ وَقْتَ الصَّلَاةِ غَيْرَ مُصَلٍّ قُتِلَ، وَجَمَعَ النَّاسَ بِالْغَرْبِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْفُرُوعِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، الْمَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، وَالْكَلَامُ مَعَهُمْ وَلَهُمْ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمُؤَيَّدِ أَعْمَالَ قُومَسَ وَالْخُطْبَةِ لِلسُّلْطَانِ أَرْسِلَان بِخُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُؤَيَّدُ أَيْ أَبَهْ، صَاحِبُ نَيْسَابُورَ، إِلَى بِلَادِ قُومَسَ، فَمَلَكَ بَسْطَامَ وَدَامِغَانَ، وَاسْتَنَابَ بِقُومَسَ مَمْلُوكَهُ تِنْكِزَ، فَأَقَامَ تِنْكِزُ بِمَدِينَةِ بَسْطَامَ، فَجَرَى بَيْنَ تِنْكِزَ وَبَيْنَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ اخْتِلَافٌ أَدَّى إِلَى الْحَرْبِ، فَجَمَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَسْكَرَهُ، وَالْتَقَوْا أَوَائِلَ ذِي الْحِجَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ مَازَنْدَرَانْ، وَأُخِذَتْ أَسَلَابُهُمْ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ.
وَلَمَّا مَلَكَ الْمُؤَيَّدُ بِلَادَ قُومَسَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ أَرْسِلَان بْنُ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ خِلَعًا نَفِيسَةً، وَأَلْوِيَةً مَعْقُودَةً، وَهَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَهْتَمَّ بِاسْتِيعَابِ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَجْمَعَ، وَأَنْ يَخْطُبَ لَهُ، فَلَبِسَ الْمُؤَيَّدُ الْخِلَعَ، فَخَطَبَ لَهُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي هِيَ بِيَدِهِ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي هَذَا أَتَابِكَ شَمْسَ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ، فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ فِي مَمْلَكَةِ أَرْسِلَان، وَلَيْسَ لِأَرْسِلَانْ غَيْرُ الِاسْمِ، وَكَانَ بَيْنَ إِيلْدِكْزَ وَبَيْنَ الْمُؤَيَّدِ مَوَدَّةٌ ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ قَتْلِ الْمُؤَيَّدِ، فَلَمَّا أَطَاعَ الْمُؤَيَّدُ السُّلْطَانَ أَرْسِلَان خَطَبَ لَهُ بِبِلَادِهِ، وَهِيَ بِلَادُ قُومَسَ، وَنَيْسَابُورَ، وَطُوسَ، وَأَعْمَالُ نَيْسَابُورَ جَمِيعُهَا، وَمِنْ نَسَا إِلَى طَبَسَ كَنْكَلِي، وَكَانَ يَخْطُبُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ أَرْسِلَان، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ فِي جُرْجَانَ وَدِهِسْتَانَ لِخُوَارَزْم شَاهْ أَيْل أَرْسِلَان بْنِ أَتْسِزَ، وَبَعْدَهُ لِلْأَمِيرِ إِيثَاقَ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ فِي مَرْوَ وَبَلْخَ وَهَرَاةَ وَسَرَخْسَ، وَهَذِهِ الْبِلَادُ بِيَدِ الْغُزِّ، إِلَّا هَرَاةَ فَإِنَّهَا كَانَتْ بِيَدِ الْأَمِيرِ
[ ٩ / ٣٠٠ ]
إِيتِكِينَ، وَهُوَ مُسَالِمٌ لِلْغُزِّ، فَكَانُوا يَخْطُبُونَ لِلسُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلسُّلْطَانِ السَّعِيدِ الْمُبَارَكِ سَنْجَرَ، وَبَعْدَهُ لِلْأَمِيرِ الَّذِي هُوَ الْحَاكِمُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ.
ذِكْرُ قَتْلِ الْغُزِّ مَلِكَ الْغُورِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبَ، قُتِلَ سَيْفُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْغُورِيُّ، مَلِكُ الْغُورِ، قَتَلَهُ الْغُزُّ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَحَشَدَ فَأَكْثَرَ، وَسَارَ مِنْ جِبَالِ الْغُورِ يُرِيدُ الْغُزَّ وَهُمْ بِبَلْخَ، وَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مَلِكَ الْغُورِ خَرَجَ مِنْ مُعَسْكَرِهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ خَاصَّتِهِ، جَرِيدَةً، فَسَمِعَ بِهِ أُمَرَاءُ الْغُزِّ، فَسَارُوا يَطْلُبُونَهُ مُجِدِّينَ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَأَوْقَعُوا بِهِ، فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ. فَقُتِلَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَأُسِرَ طَائِفَةٌ، وَهَرَبَتْ طَائِفَةٌ، فَلَحِقُوا بِمُعَسْكَرِهِمْ وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ مُنْهَزِمِينَ لَا يَقِفُ الْأَبَ عَلَى ابْنِهِ وَلَا الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَتَرَكُوا كُلَّ مَا مَعَهُمْ بِحَالِهِ وَنَجَوْا بِنُفُوسِهِمْ.
فَكَانَ عُمُرُ مَلِكِ الْغُورِ لَمَّا قُتِلَ نَحْوَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ، فَمِنْ عَدْلِهِ وَخَوْفِهِ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ أَنَّهُ حَاصَرَ أَهْلَ هَرَاةَ، فَلَمَّا مَلَكَهَا أَرَادَ عَسْكَرُهُ أَنْ يَنْهَبُوهَا، فَنَزَلَ عَلَى دَرْبِ الْمَدِينَةِ، وَأَحْضَرَ الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ، فَأَعْطَى جَمِيعَ عَسْكَرِهِ مِنْهَا، وَقَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَنْهَبُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَتُسْخِطُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّ الْمُلْكَ يَبْقَى عَلَى الْكُفْرِ وَلَا يَبْقَى عَلَى الظُّلْمِ، وَلَمَّا قُتِلَ عَادَ الْغُزُّ إِلَى بَلْخَ وَمَرْوَ وَقَدْ غَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْعَسْكَرِ الْغَوْرِيِّ لِأَنَّ أَهْلَهُ تَرَكُوهُ وَنَجَوْا.
ذِكْرُ انْهِزَامِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ مَنِ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْهَزَمَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي مَنَ الْفِرِنْجِ، تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، وَهِيَ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْبُقَيْعَةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ نُورَ الدِّينِ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَدَخَلَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ وَنَزَلَ فِي الْبُقَيْعَةِ تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، مُحَاصِرًا لَهُ وَعَازِمًا عَلَى قَصْدِ طَرَابُلُسَ
[ ٩ / ٣٠١ ]
وَمُحَاصَرَتِهَا، فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَوْمًا فِي خِيَامِهِمْ، وَسَطَ النَّهَارِ، لَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا ظُهُورُ صُلْبَانِ الْفِرِنْجِ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ حِصْنُ الْأَكْرَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ اجْتَمَعُوا وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى كَبْسَةِ الْمُسْلِمِينَ نَهَارًا، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ آمِنِينَ، فَرَكِبُوا مِنْ وَقْتِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا حَتَّى يَجْمَعُوا عَسَاكِرَهُمْ، وَسَارُوا مُجِدِّينَ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا وَقَدْ قَرُبُوا مِنْهُمْ، فَأَرَادُوا مَنْعَهُمْ، فَلَمْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى نُورِ الدِّينِ يُعَرِّفُونَهُ الْحَالَ، فَرَهِقَهُمُ الْفِرِنْجُ بِالْحَمْلَةِ، فَلَمْ يَثْبُتِ الْمُسْلِمُونَ، وَعَادُوا يَطْلُبُونَ مُعَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفِرِنْجُ فِي ظُهُورِهِمْ، فَوَصَلُوا مَعًا إِلَى الْعَسْكَرِ النُّورِيِّ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ، وَأَخْذِ السِّلَاحِ إِلَّا وَقَدْ خَالَطُوهُمْ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ.
وَكَانَ أَشَدُّهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الدُّوقُسَ الرُّومِيَّ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ بِلَادِهِ إِلَى السَّاحِلِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الرُّومِ، فَقَاتَلُوا مُحْتَسِبِينَ فِي زَعْمِهِمْ، فَلَمْ يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ، وَقَصَدُوا خَيْمَةَ نُورِ الدِّينِ وَقَدْ رَكِبَ فِيهَا فَرَسَهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَلِسُرْعَتِهِ رَكِبَ الْفَرَسَ وَالشَّبَحَةُ فِي رِجْلِهِ، فَنَزَلَ إِنْسَانٌ كُرْدِيٌّ قَطَعَهَا، فَنَجَا نُورُ الدِّينِ، وَقُتِلَ الْكُرْدِيُّ، فَأَحْسَنَ نُورُ الدِّينِ إِلَى مُخَلَّفِيهِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِمُ الْوُقُوفَ.
وَنَزَلَ نُورُ الدِّينِ عَلَى بُحَيْرَةِ قَدَسَ بِالْقُرْبِ مِنْ حِمْصَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرَكَةِ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَتَلَاحَقَ بِهِ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ أَنْ تُقِيمَ هَا هُنَا، فَإِنَّ الْفِرِنْجَ رُبَّمَا حَمَلَهُمُ الطَّمَعُ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَيْنَا، فَنُؤْخَذُ وَنَحْنُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَوَبَّخَهُ وَأَسْكَتَهُ، وَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعِي أَلْفُ فَارِسٍ لَقِيتُهُمْ وَلَا أُبَالِي بِهِمْ، وَوَاللَّهِ لَا أَسْتَظِلُّ بِسَقْفٍ حَتَّى آخُذَ بِثَأْرِي وَثَأْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَلَبَ وَدِمَشْقَ، وَأَحْضَرَ الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْخِيَامَ وَالسِّلَاحَ وَالْخَيْلَ، فَأَعْطَى اللِّبَاسَ عِوَضَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ جَمِيعُهُ بِقَوْلِهِمْ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ كَأَنْ لَمْ تُصِبْهُ هَزِيمَةٌ، وَكُلُّ مَنْ قُتِلَ أَعْطَى أَقْطَاعَهُ لِأَوْلَادِهِ.
وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَازِمِينَ عَلَى قَصْدِ حِمْصَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ نُزُولُ نُورِ الدِّينِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ هَذَا إِلَّا وَعِنْدَهُ قُوَّةٌ يَمْنَعُنَا بِهَا.
وَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ نُورِ الدِّينِ كَثْرَةَ خَرْجِهِ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لَكَ فِي بِلَادِكَ
[ ٩ / ٣٠٢ ]
إِدْرَارَاتٍ وَصَدَقَاتٍ كَثِيرَةً عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْقُرَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ، فَلَوِ اسْتَعَنْتَ [بِهَا] فِي هَذَا الْوَقْتِ لَكَانَ أَصْلَحَ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَرْجُو النَّصْرَ إِلَّا بِأُولَئِكَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ، كَيْفَ أَقْطَعُ صِلَاتِ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ عَنِّي، وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِي، بِسِهَامٍ لَا تُخْطِئُ، وَأَصْرِفُهَا إِلَى مَنْ لَا يُقَاتِلُ عَنِّي إِلَّا إِذَا رَآنِي بِسِهَامٍ قَدْ تُصِيبُ وَقَدْ تُخْطِئُ، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَيْفَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ غَيْرَهُمْ؟
ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ رَاسَلُوا نُورَ الدِّينِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الصُّلْحَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَتَرَكُوا عِنْدَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ مَنْ يَحْمِيهِ وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.
ذِكْرُ إِجْلَاءِ بَنِي أَسَدٍ مِنَ الْعِرَاقِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ بِإِهْلَاكِ بَنِي أَسَدٍ الْحِلَّةِ الْمَزْيَدِيَّةِ، لِمَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادِهِمْ، وَلِمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْخَلِيفَةِ مِنْهُمْ مَنْ مُسَاعَدَتِهِمُ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا لَمَّا حَصَرَ بَغْدَادَ، فَأَمَرَ يَزْدَنَ بْنَ قَمَاجَ بِقِتَالِهِمْ وَإِجْلَائِهِمْ مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانُوا مُنْبَسِطِين فِي الْبَطَائِحِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، فَتَوَجَّهَ يَزْدَنُ إِلَيْهِمْ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مَعْرُوفٍ مُقَدَّمِ الْمُنْتَفَقِ، وَهُوَ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ، فَجَاءَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَحَصَرَهُمْ، وَسَكَّرَ عَنْهُمُ الْمَاءَ، وَصَابَرَهُمْ مُدَّةً، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ يَعْتِبُ عَلَى يَزْدَنَ وَيُعَجِّزُهُ وَيَنْسُبُهُ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ فِي التَّشَيُّعِ، وَكَانَ يَزْدَنُ يَتَشَيَّعُ، فَجَدَّ هُوَ وَابْنُ مَعْرُوفٍ فِي قِتَالِهِمْ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، وَسَدِّ مَسَالِكِهِمْ فِي الْمَاءِ، فَاسْتَسْلَمُوا حِينَئِذٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ قَتِيلٍ، وَنَادَى فِيمَنْ بَقِيَ: مَنْ وُجِدَ بَعْدَ هَذَا فِي الْحِلَّةِ الْمَزْيَدِيَّةِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ مَنْ يُعْرَفُ، وَسُلِّمَتْ بَطَائِحُهُمْ إِلَى ابْنِ مَعْرُوفٍ وَبِلَادُهُمْ.
[ ٩ / ٣٠٣ ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ فِي بَغْدَادَ حَرِيقٌ فِي بَابِ دَرْبِ فَرَاشَا إِلَى مَشْرَعَةِ الصَّبَّاغِينَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي رَجَبَ، تُوُفِّيَ سَدِيدُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بِدِيوَانِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ فَاضِلًا أَدِيبًا ذَا تَقَدُّمٍ كَثِيرٍ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالسَّلَاطِينِ، وَخَدَمَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ إِلَى الْآنِ فِي دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، وَعَاشَ حَتَّى قَارَبَ تِسْعِينَ سَنَةً.
وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَتُّوثِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ، إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْهَجْوِ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
يَا مَنْ هَجَرْتِ وَلَا تُبَالِي هَلْ تَرْجِعُ دَوْلَةُ الْوِصَالِ
هَلْ أَطْمَعُ يَا عَذَابَ قَلْبِي أَنْ يَنْعَمَ فِي هَوَاكِ بَالِي
الطَّرْفُ كَمَا عَهِدْتِ بَاكٍ وَالْجِسْمُ كَمَا تَرَيْنَ بَالِي
مَا ضَرَّكِ أَنْ تُعَلِّلِينِي فِي الْوَصْلِ بِمَوْعِدِ الْمُحَالِ
أَهْوَاكِ وَأَنْتِ حَظُّ غَيْرِي يَا قَاتِلَتِي فَمَا احْتِيَالِي
وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
[ ٩ / ٣٠٤ ]