٥٧٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ وَإِغَارَتِهِ عَلَى الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، خَامِسَ الْمُحَرَّمِ، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ، وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى مِنَ التَّطَيُّرِ أَنَّهُ لَمَّا بَرَزَ مِنَ الْقَاهِرَةِ أَقَامَ بِخَيْمَتِهِ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْعَسَاكِرُ وَالنَّاسُ عِنْدَهُ، وَأَعْيَانُ دَوْلَتِهِ وَالْعُلَمَاءُ وَأَرْبَابُ الْآدَابِ، فَمِنْ بَيْنِ مُوَدِّعٍ لَهُ وَسَائِرٍ مَعَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ شَيْئًا فِي الْوَدَاعِ وَالْفِرَاقِ، وَمَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ السَّفَرِ، وَفِي الْحَاضِرِينَ مُعَلِّمٌ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ، فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِ الْحَاضِرِينَ وَأَنْشَدَ:
تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجِدٍ فَمَا بَعْدَ الْعَشِيَّةِ مِنْ عَرَارِ
فَانْقَبَضَ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْدَ انْبِسَاطِهِ وَتَطَيَّرَ، وَتَنَكَّدَ الْمَجْلِسُ عَلَى الْحَاضِرِينَ، فَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ.
ثُمَّ سَارَ عَنْ مِصْرَ وَتَبِعَهُ مِنَ التُّجَّارِ وَأَهْلِ الْبِلَادِ، وَمَنْ كَانَ قَصَدَ مِصْرَ مِنَ الشَّامِ بِسَبَبِ الْغَلَاءِ بِالشَّامِ وَغَيْرِهِ، عَالَمٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا سَارَ جَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى أَيْلَةَ فَسَمِعَ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ جَمَعُوا لَهُ لِيُحَارِبُوهُ وَيَصُدُّوهُ عَنِ الْمَسِيرِ، فَلَمَّا قَارَبَ بِلَادَهُمْ فِي الْعَسَاكِرِ الْمُقَاتِلَةِ لَا غَيْرَ، فَشَنَّ الْغَارَاتِ بِأَطْرَافِ بِلَادِهِمْ، وَأَكْثَرَ ذَلِكَ بِبَلَدِ الْكَرَكِ وَالشَّوْبَكِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا أَقْدَمَ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ، ثُمَّ سَارَ فَأَتَى دِمَشْقَ، فَوَصَلَهَا حَادِيَ عَشَرَ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ.
[ ٩ / ٤٥٨ ]
ذِكْرُ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ شَقِيفًا مِنَ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، فِي صَفَرٍ، فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بِالشَّامِ شَقِيفًا مِنَ الْفِرِنْجِ، يُعْرَفُ بِحَبْسِ جَلْدِكَ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ طَبَرِيَّةَ، مُطِلٌّ عَلَى السَّوَادِ.
وَسَبَبُ فَتْحِهِ أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيرُ صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ جَمَعُوا لَهُ، وَحَشَدُوا الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، وَاجْتَمَعُوا بِالْكَرَكِ، بِالْقُرْبِ مِنَ الطَّرِيقِ، لَعَلَّهُمْ يَنْتَهِزُونَ فُرْصَةً، أَوْ يَظْفَرُونَ بِنُصْرَةٍ، وَرُبَّمَا عَاقُوا الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسِيرِ بِأَنْ يَقِفُوا عَلَى بَعْضِ الْمَضَايِقِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ خَلَتْ بِلَادُهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، فَسَمِعَ فَرْخَشَاهَ الْخَبَرَ، فَجَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ عَسَاكِرِ الشَّامِ، ثُمَّ قَصَدَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ وَأَغَارَ عَلَيْهَا، وَنَهَبَ دَبُورِيَّةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْقُرَى، وَأَسَرَ الرِّجَالَ وَقَتَلَ فِيهِمْ وَأَكْثَرَ وَسَبَى النِّسَاءَ، وَغَنِمَ الْأَمْوَالَ، وَفَتَحَ مِنْهُمُ الشَّقِيفَ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ أَذَىً شَدِيدٌ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِفَتْحِهِ فَرَحًا عَظِيمًا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِالْبِشَارَةِ، فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِ الْفِرِنْجِ، وَانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ.
ذِكْرُ إِرْسَالِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْيَمَنِ وَتُغَلُّبِهِ عَلَيْهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ أَخَاهُ سَيْفَ الْإِسْلَامِ طُغْدُكِينَ إِلَى بِلَادِ الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ بِتَمَلُّكِهَا وَقَطْعِ الْفِتَنِ بِهَا، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهَا، وَكَانَ بِهَا حِطَّانُ بْنُ مُنْقِذَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. وَكَتَبَ عِزُّ الدِّينِ عُثْمَانُ الزَّنْجِيلِيُّ مُتَوَلِّي عَدَنَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ بِاخْتِلَالِ الْبِلَادِ، وَيُشِيرُ بِإِرْسَالِ بَعْضِ أَهْلِهِ إِلَيْهَا،، لِأَنَّ حِطَّانَ كَانَ قَوِيَ عَلَيْهِ، فَخَافَهُ عُثْمَانُ، فَجَهَّزَ صَلَاحُ الدِّينِ أَخَاهُ سَيْفَ الْإِسْلَامِ وَسَيَّرَهُ إِلَى بِلَادِ الْيَمَنِ، فَوَصَلَ إِلَى
[ ٩ / ٤٥٩ ]
زَبِيدَ، فَخَافَهُ حِطَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ وَاسْتَشْعَرَ مِنْهُ، وَتَحَصَّنَ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ سَيْفُ الْإِسْلَامِ يُؤَمِّنُهُ وَيُهْدِي إِلَيْهِ وَيَتَلَطَّفُهُ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِ، فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَاعْتَمَدَ مَعَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ مِنَ الْإِحْسَانِ، فَلَمْ يَثِقْ حِطَّانُ بِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ دُسْتُورًا لِيَقْصِدَ الشَّامَ، فَامْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِ إِظْهَارًا لِلرَّغْبَةِ فِي كَوْنِهِ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ حِطَّانُ يُرَاجِعُهُ حَتَّى أَذِنَ لَهُ، فَأَخْرَجَ أَثْقَالَهُ، وَأَمْوَالَهُ، وَدَوَابَّهُ، وَأَهْلَهُ، وَأَصْحَابَهُ، وَكُلَّ مَا لَهُ، وَسَيَّرَ الْجَمِيعَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَخَلَ عَلَى سَيْفِ الْإِسْلَامِ لِيُوَدِّعَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَ جَمِيعَ مَالَهُ فَأَخَذَهُ عَنْ آخِرِهِ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، ثُمَّ سَجَنَهُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَقِيلَ إِنَّهُ قَتَلَهُ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا أَخَذَ مِنْهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الذَّهَبُ الْعَيْنُ فِي سَبْعِينَ غِلَافًا زَرْدِيَّةً مَمْلُوءَةً عَيْنًا.
وَأَمَّا عِزُّ الدِّينِ عُثْمَانُ الزَّنْجِيلِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ مَا جَرَى عَلَى حِطَّانَ خَافَ فَسَارَ نَحْوَ الشَّامِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، وَسَيَّرَ مُعْظَمَ أَمْوَالِهِ فِي الْبَحْرِ، فَصَادَفَهُمْ مَرَاكِبُ فِيهَا أَصْحَابُ سَيْفِ الْإِسْلَامِ، فَأَخَذُوا كُلَّ مَا لِعِزِّ الدِّينِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا مَا صَحِبَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَصَفَتْ زَبِيدُ وَعَدَنُ وَمَا مَعَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ لِسَيْفِ الْإِسْلَامِ.
ذِكْرُ إِغَارَةِ صَلَاحِ الدِّينِ عَلَى الْغَوْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ
لَمَّا وَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَقَامَ أَيَّامًا يُرِيحُ وَيَسْتَرِيحُ هُوَ وَجَنْدُهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَصَدَ طَبَرِيَّةَ، فَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَخَيَّمَ فِي الْأُقْحُوَانَةِ مِنَ الْأُرْدُنِّ، وَجَاءَتِ الْفِرِنْجُ بِجُمُوعِهَا فَنَزَلَتْ بِطَبَرِيَّةَ، فَسَيَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ فَرُّخْشَاهَ ابْنَ أَخِيهِ إِلَى بَيْسَانَ، فَدَخَلَهَا قَهْرًا، وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَقَتَلَ وَسَبَى، وَجَحَفَ الْغَوْرَ غَارَةً شَعْوَاءَ، فَعَمَّ أَهْلَهُ قَتْلًا وَأَسْرًا. وَجَاءَتِ الْعَرَبُ فَأَغَارَتْ عَلَى جِينِينَ وَاللَّجُونِ وَتِلْكَ الْوِلَايَةِ، حَتَّى قَارَبُوا مَرْجَ عَكَّا.
وَسَارَ الْفِرِنْجُ مِنْ طَبَرِيَّةَ، فَنَزَلُوا تَحْتَ جَبَلِ كَوْكَبَ، فَتَقَدَّمَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهِمْ،
[ ٩ / ٤٦٠ ]
وَأَرْسَلَ الْعَسَاكِرَ عَلَيْهِمْ يَرْمُونَهُمْ بِالنِّشَابِ، فَلَمْ يَبْرَحُوا، وَلَمْ يَتَحَرَّكُوا لِقِتَالٍ، فَأَمَرَ ابْنَيْ أَخِيهِ تَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ وَعِزَّ الدِّينِ فَرُّخْشَاهْ، فَحَمَلَا عَلَى الْفِرِنْجِ فِيمَنْ مَعَهُمَا، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ انْحَازُوا عَلَى حَامِيَتِهِمْ فَنَزَلُوا غَفْرَبَلَا، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ مَا قَدْ أَثْخَنَ فِيهِمْ وَفِي بِلَادِهِمْ عَادَ عَنْهُمْ إِلَى دِمَشْقَ.
ذِكْرُ حَصْرِ بَيْرُوتَ
ثُمَّ إِنَّهُ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى بَيْرُوتَ، فَنَهَبَ بَلَدَهَا، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ الْأُسْطُولَ الْمِصْرِيَّ بِالْمَجِيءِ فِي الْبَحْرِ إِلَيْهَا، فَسَارُوا وَنَازَلُوهَا، وَأَغَارُوا عَلَيْهَا وَعَلَى بَلَدِهَا، وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ فَوَافَاهُمْ وَنَهَبَ مَا لَمْ يَصِلِ الْأُسْطُولُ إِلَيْهِ، وَحَصَرَهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ عَازِمًا عَلَى مُلَازَمَتِهَا إِلَى أَنْ يَفْتَحَهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ وَهُوَ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَحْرَ قَدْ أَلْقَى بُطْسَةَ لِلْفِرِنْجِ فِيهَا جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ إِلَى دُمْيَاطَ، وَكَانُوا قَدْ خَرَجُوا لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَأَسَرُوا مَنْ بِهَا إِلَى أَنْ غَرِقَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ فَكَانَ عِدَّةُ الْأَسْرَى أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسَبْعِينَ أَسِيرًا، فَضُرِبَتْ بِذَلِكَ الْبَشَائِرُ.
ذِكْرُ عُبُورِ صَلَاحِ الدِّينِ الْفُرَاتَ وَمُلْكِهِ دِيَارَ الْجَزِيرَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ صَلَاحُ الدِّينِ الْفُرَاتَ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ وَمَلَكَهَا.
[ ٩ / ٤٦١ ]
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُظَفَّرَ الدِّينِ كَوْكَبَرِّيَّ بْنَ زَيْنِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ بُكْتُكِينَ وَهُوَ مُقْطَعٌ حَرَّانَ كَانَ قَدْ أَقْطَعَهُ إِيَّاهَا عِزُّ الدِّينِ أَتَابِكُ، الْمَدِينَةَ وَالْقَلْعَةَ، ثِقَةً بِهِ وَاعْتِمَادًا عَلَيْهِ، أَرْسَلَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَهُوَ يُحَاصِرُ بَيْرُوتَ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ مَعَهُ مُحِبٌّ لِدَوْلَتِهِ، وَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ لَهُ إِذَا عَبَرَ الْفُرَاتَ، وَيُطْمِعَهُ فِي الْبِلَادِ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ بَيْرُوتَ، وَرُسُلُ مُظَفَّرِ الدِّينِ تَتْرَى إِلَيْهِ يَحُثُّهُ عَلَى الْمَجِيءِ، فَجَدَّ صَلَاحُ الدِّينِ السَّيْرَ مُظْهِرًا أَنَّهُ يُرِيدُ حَصْرَ حَلَبَ سِتْرًا لِلْحَالِ.
فَلَمَّا قَارَبَ الْفُرَاتَ سَارَ إِلَيْهِ مُظَفَّرُ الدِّينِ فَعَبَرَ الْفُرَاتَ وَاجْتَمَعَ بِهِ وَعَادَ مَعَهُ فَقَصَدَ الْبِيَرَةَ، وَهِيَ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ عَلَى الْفُرَاتِ مِنَ الْجَانِبِ الْجَزَرِيِّ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدْ سَارَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ، وَفِي طَاعَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ ذَلِكَ قَبْلُ، فَعَبَرَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ الْفُرَاتَ عَلَى الْجِسْرِ الَّذِي عِنْدَ الْبِيَرَةِ.
وَكَانَ عِزُّ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَمُجَاهِدُ الدِّينِ لَمَّا بَلَغَهُمَا وُصُولُ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الشَّامِ قَدْ جَمَعَا الْعَسْكَرَ وَسَارَا إِلَى نَصِيبِينَ لِيَكُونَا عَلَى أُهْبَةٍ وَاجْتِمَاعٍ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى حَلَبَ، ثُمَّ تَقَدَّمَا إِلَى دَارَا، فَنَزَلَا عِنْدَهَا، فَجَاءَهُمَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا عُبُورُ صَلَاحِ الدِّينِ الْفُرَاتَ عَادَا إِلَى الْمَوْصِلِ وَأَرْسَلَا إِلَى الرُّهَا عَسْكَرًا يَحْمِيهَا وَيَمْنَعُهَا، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ قَوِيَ طَمَعُهُ فِي الْبِلَادِ، وَلَمَّا عَبَرَ صَلَاحُ الدِّينِ الْفُرَاتَ كَاتَبَ الْمُلُوكَ أَصْحَابَ الْأَطْرَافِ وَوَعَدَهُمْ، وَبَذَلَ لَهُمُ الْبَذُولَ عَلَى نُصْرَتِهِ، فَأَجَابَهُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَرَا أَرْسَلَانَ، صَاحِبُ الْحِصْنِ، إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، لِقَاعِدَةٍ كَانَتِ اسْتَقَرَّتْ بَيْنَهُمَا لَمَّا كَانَ نُورُ الدِّينِ عِنْدَهُ بِالشَّامِ، فَإِنَّهُ اسْتَقَرَّ الْحَالُ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يَحْصُرُ آمِدَ وَيَمْلِكُهَا، وَيُسَلِّمُهَا إِلَيْهِ.
وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى مَدِينَةِ الرُّهَا، فَحَصَرَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَقَاتَلَهَا أَشَدَّ قِتَالٍ. فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ أَنَّهُ عَدَّ فِي غِلَافِ رُمْحٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ خَرْقًا وَقَدْ خَرَقَتْهُ السِّهَامُ.
وَوَالَى الزَّحْفَ عَلَيْهَا، وَكَانَ حِينَئِذٍ مُقْطَعُهَا، وَهُوَ الْأَمِيرُ فَخَرُ الدِّينِ مَسْعُودُ
[ ٩ / ٤٦٢ ]
ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، فَحَيْثُ رَأَى شِدَّةَ الْقِتَالِ أَذْعَنَ إِلَىالتَّسْلِيمِ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ وَسَلَّمَ الْبَلَدَ، وَصَارَ فِي خِدْمَةِ صَلَاحَ الدِّينِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمَدِينَةَ زَحَفَ إِلَى الْقَلْعَةِ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ الدِّزْدَارُ الَّذِي بِهَا عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ، فَلَمَّا مَلَكَهَا سَلَّمَهَا إِلَى مُظَفَّرِ الدِّينِ مَعَ حَرَّانَ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا، عَلَى حَرَّانَ، إِلَى الرَّقَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا كَانَ بِهَا مُقْطَعُهَا قُطْبُ الدِّينِ يَنَّالُ بْنُ حَسَّانَ الْمَنْبَجِيُّ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى عِزِّ الدِّينِ أَتَابِكَ، وَمَلَكَهَا صَلَاحُ الدِّينِ وَسَارَ إِلَى الْخَابُورِ، قَرْقِيسْيَا، وَمَاكِسِينَ وَعُرَايَانَ، فَمَلَكَ جَمِيعَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى الْخَابُورِ جَمِيعِهِ سَارَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ لِوَقْتِهَا، وَبَقِيَتِ الْقَلْعَةُ، فَحَصَرَهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَمَلَكَهَا أَيْضًا، وَأَقَامَ بِهَا لِيُصْلِحَ شَأْنَهَا، ثُمَّ أَقْطَعَهَا أَمِيرًا كَانَ مَعَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ السَّمِينُ، وَسَارَ عَنْهَا وَمَعَهُ نُورُ الدِّينِ صَاحِبُ الْحِصْنِ.
وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَصَدُوا دِمَشْقَ، وَنَهَبُوا الْقُرَى، وَوَصَلُوا إِلَى دَارِيَا، وَأَرَادُوا تَخْرِيبَ جَامِعِهَا، فَأَرْسَلَ النَّائِبُ بِدِمَشْقَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةً مِنَ النَّصَارَى يَقُولُ لَهُمْ: إِذَا خَرَّبْتُمُ الْجَامِعَ جَدَدْنَا عِمَارَتَهُ، وَخَرَّبْنَا كُلَّ بَيْعَةٍ لَكُمْ فِي بِلَادِنَا، وَلَا نَمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ عِمَارَتِهَا، فَتَرَكُوهُ، وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِذَلِكَ أَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ يَتَعَصَّبُ لِعِزِّ الدِّينِ بِالْعَوْدِ، فَقَالَ: يُخَرِّبُونَ قُرًى وَنَمْلِكُ عِوَضَهَا بِلَادًا، وَنَعُودُ نُعَمِّرُهَا، وَنَقْوَى عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ فَكَانَ كَمَا قَالَ.
ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ الْمَوْصِلَ
لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ نَصِيبِينَ، جَمَعَ أُمَرَاءَهُ وَأَرْبَابَ الْمَشُورَةِ عِنْدَهُ وَاسْتَشَارَهُمْ بِأَيِّ الْبِلَادِ يَبْدَأُ، وَأَيُّهَا يَقْصِدُ، بِالْمَوْصِلِ أَمْ بِسِنْجَارَ أَمْ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَاخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ، فَقَالَ لَهُ مُظَفَّرُ الدِّينِ كَوْكَبَرِّيُّ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْدَأَ بِغَيْرِ الْمَوْصِلِ، فَإِنَّهَا فِي أَيْدِينَا لَا مَانِعَ لَهَا، فَإِنَّ عِزَّ الدِّينِ وَمُجَاهِدَ الدِّينِ مَتَى سَمِعَا بِمَسِيرِنَا إِلَيْهَا
[ ٩ / ٤٦٣ ]
تَرَكَاهَا وَسَارَا عَنْهَا إِلَى بَعْضِ الْقِلَاعِ الْجَبَلِيَّةِ.
وَوَافَقَهُ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ ابْنُ عَمِّهِ شِيرِكُوه، وَكَانَ قَدْ بَذَلَ لِصَلَاحِ الدِّينِ مَالًا كَثِيرًا لِيُقْطِعَهُ الْمَوْصِلَ إِذَا مَلَكَهَا. وَقَدْ أَجَابَهُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ، فَأَشَارَ بِهَذَا الرَّأْيِ لِهَوَاهُ، فَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَكَانَ عِزُّ الدِّينِ صَاحِبُهَا وَمُجَاهِدُ الدِّينِ قَدْ جَمَعَا بِالْمَوْصِلِ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ مَا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَأَظْهَرَا مِنَ السِّلَاحِ وَآلَاتِ الْحِصَارِ مَا حَارَتْ لَهُ الْأَبْصَارُ، وَبَذَلَا الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ، وَأَخْرَجَ مُجَاهِدُ الدِّينِ مِنْ مَالِهِ كَثِيرًا، وَاصْطَلَى الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، فَأَحْسَنَ تَدْبِيرَهَا، وَشَحَنُوا مَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ، كَالْجَزِيرَةِ وَسِنْجَارَ وَإِرْبِلَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْأَمْوَالِ.
وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ حَتَّى قَارَبَ الْمَوْصِلَ وَتَرَكَ عَسْكَرَهُ، وَانْفَرَدَ هُوَ وَمُظَفَّرُ الدِّينِ وَابْنُ عَمِّهِ نَاصِرُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ، وَمَعَهُمَا نَفَرٌ مِنْ أَعْيَانِ دَوْلَتِهِ، وَقَرُبُوا مِنَ الْبَلَدِ، فَلَمَّا قَرُبُوا رَآهُ وَحَقَّقَهُ، فَرَأَى مَا هَالَهُ وَمَلَأَ صَدْرَهُ وَصُدُورَ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُ رَأَى بَلَدًا عَظِيمًا كَبِيرًا، وَرَأَى السُّورَ وَالْفَصِيلَ قَدْ مُلِئَا مِنَ الرِّجَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ شُرَّافَةٌ إِلَّا وَعَلَيْهَا رَجُلٌ يُقَاتِلُ سِوَى مَنْ عَلَيْهِ مِنْ عَامَّةِ الْبَلَدِ الْمُتَفَرِّجِينَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ، وَأَنَّهُ يَعُودُ خَائِبًا، فَقَالَ لِنَاصِرِ الدِّينِ ابْنِ عَمِّهِ: إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمُعَسْكَرِ فَاحْمِلْ مَا بَذَلْتَ مِنَ الْمَالِ فَنَحْنُ مَعَكَ عَلَى الْقَوْلِ. فَقَالَ نَاصِرُ الدِّينِ: قَدْ رَجَعْتُ عَمَّا بَذَلْتُ مِنَ الْمَالِ، فَإِنَّ هَذَا الْبَلَدَ لَا يُرَامُ. فَقَالَ لَهُ وَلِمُظَفَّرِ الدِّينِ: غَرَّرْتُمَانِي وَأَطْمَعْتُمَانِي فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَلَوْ قَصَدْتُ غَيْرَهُ قَبْلَهُ لَكَانَ أَسْهَلَ أَخْذًا بِالِاسْمِ وَالْهَيْبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَنَا وَمَتَى نَازَلْنَاهُ، وَعُدْنَا مِنْهُ، يَنْكَسِرُ نَامُوسُنَا وَيَفُلُّ حَدُّنَا وَشَوْكَتُنَا.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَصَبَّحَ الْبَلَدَ، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ، فَنَازَلَهُ وَضَايَقَهُ، وَنَزَلَ مُحَاذِي بَابَ كِنْدَةَ، وَأَنْزَلَ صَاحِبَ الْحِصْنِ بِبَابِ الْجِسْرِ، وَأَنْزَلَ أَخَاهُ تَاجَ الْمُلُوكِ عِنْدَ الْبَابِ الْعِمَادِيِّ، وَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، فَلَمْ يَظْفَرْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ يَوْمًا بَعْضُ الْعَامَّةِ فَنَالُوا مِنْهُ، وَلَمْ يُمَكِّنْ عِزُّ الدِّينِ وَمُجَاهِدُ الدِّينِ أَحَدًا مِنَ الْعَسْكَرِ [أَنْ] يَخْرُجُوا لِقِتَالٍ بَلْ أُلْزِمُوا الْأَسْوَارَ، ثُمَّ إِنَّ تَقِيَّ الدِّينِ أَشَارَ عَلَى عَمِّهِ صَلَاحِ الدِّينِ بِنَصْبِ مَنْجَنِيقٍ، فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا الْبَلَدِ لَا يُنْصَبُ عَلَيْهِ مَنْجَنِيقٌ، وَمَتَى نَصَبْنَاهُ أَخَذُوهُ، وَلَوْ خَرَّبْنَا بُرْجًا وَبَدَنَةٍ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الدُّخُولِ لِلْبَلَدِ وَفِيهِ هَذَا الْخَلْقُ الْكَثِيرُ؟ فَأَلَحَّ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ: نُجَرِّبُهُمْ بِهِ، فَنَصَبَ مَنْجَنِيقًا، فَنُصِبَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلَدِ تِسْعَةُ مَجَانِيقَ، وَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَامَّةِ فَأَخَذُوهُ وَجَرَى عِنْدَهُ قِتَالٌ كَثِيرٌ، فَأَخَذَ بَعْضُ الْعَامَّةِ لَالُكَّةً مِنْ رِجْلَيْهِ، فِيهَا الْمَسَامِيرُ الْكَثِيرَةُ، وَرَمَى بِهَا
[ ٩ / ٤٦٤ ]
أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ جَاوْلِي الْأَسَدِيُّ، مُقَدَّمُ الْأَسَدِيَّةِ وَكَبِيرُهُمْ، فَأَصَابَ صَدْرَهُ، فَوَجَدَ لِذَلِكَ أَلَمًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ اللَّالُكَّةَ وَعَادَ عَنِ الْقِتَالِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَقَالَ: قَدْ قَاتَلْنَا أَهْلَ الْمَوْصِلِ بِحَمَاقَاتٍ مَا رَأَيْنَا بَعْدُ مِثْلَهَا، وَأَلْقَى الْلَّالُكَّةَ، وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَنَفَةً حَيْثُ ضُرِبَ بِهَذِهِ.
ثُمَّ إِنَّ صَلَاحَ الدِّينِ رَحَلَ مِنْ قُرْبِ الْبَلَدِ، وَنَزَلَ مُتَأَخِّرًا، خَوْفًا مِنَ الْبَيَاتِ، فَإِنَّهُ لِقُرْبِهِ كَانَ لَا يَأْمَنُ ذَلِكَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدَ الدِّينِ أَخْرَجَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي جَمَاعَةً مِنْ بَابِ السِّرِّ الَّذِي لِلْقَلْعَةِ، وَمَعَهُمُ الْمَشَاعِلُ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ وَيَنْزِلُ إِلَى دِجْلَةَ، مِمَّا يَلِي عَيْنَ الْكِبْرِيتِ، وَيُطْفِئُ الْمِشْعَلَ، فَرَأَى الْعَسْكَرُ النَّاسَ يَخْرُجُونَ، فَلَمْ يَشُكُّوا فِي الْكَبْسَةِ، فَحَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرَّحِيلِ وَالتَّأَخُّرِ لِيَتَعَذَّرَ الْبَيَاتُ عَلَى أَهْلِ الْمَوْصِلِ.
وَكَانَ صَدْرُ الدِّينِ شَيْخُ الشُّيُوخِ - ﵀ - قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ، قَبْلَ نُزُولِهِ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَمَعَهُ بَشِيرُ الْخَادِمُ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، فِي الصُّلْحِ، فَأَقَامَا مَعَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ إِلَى عِزِّ الدِّينِ وَمُجَاهِدِ الدِّينِ فِي الصُّلْحِ، فَطَلَبَ عِزُّ الدِّينِ إِعَادَةَ الْبِلَادِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، فَأَجَابَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تُسَلَّمَ إِلَيْهِ حَلَبُ، فَامْتَنَعَ عِزُّ الدِّينِ وَمُجَاهِدُ الدِّينِ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَجَابَ إِلَى تَسْلِيمِ الْبِلَادِ بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكُوا إِنْجَادَ صَاحِبِ حَلَبَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ: هُوَ أَخِي وَلَهُ الْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ وَلَا يَسَعُنِي نَكْثُهَا.
وَوَصَلَتْ أَيْضًا رُسُلُ قُزْلُ أَرْسَلَانَ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ، وَرُسُلُ شَاهْ أَرْمَنُ صَاحِبُ خِلَاطَ، فِي الْمَعْنَى، فَلَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرٌ وَلَا تَمَّ صُلْحٌ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَنَالُ مِنَ الْمَوْصِلِ غَرَضًا، وَلَا يَحْصُلُ عَلَى غَيْرِ الْعَنَاءِ وَالتَّعَبِ، وَأَنَّ مَنْ بِسِنْجَارَ مِنَ الْعَسَاكِرِ الْمَوْصِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ مَنْ يَقْصِدُونَهُ مِنْ عَسَاكِرِهِ وَأَصْحَابِهِ، سَارَ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَيْهَا.
[ ٩ / ٤٦٥ ]
ذِكْرُ مُلْكِهِ مَدِينَةَ سِنْجَارَ
لَمَّا سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى سِنْجَارَ، سَيَّرَ مُجَاهِدُ الدِّينِ إِلَيْهَا عَسْكَرًا قُوَّةً لَهَا وَنَجْدَةً، فَسَمِعَ بِهِمْ صَلَاحُ الدِّينِ، فَمَنَعَهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَأَوْقَعَ بِهِمْ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَسَارَ إِلَيْهَا وَنَازَلَهَا، وَكَانَ بِهَا شَرَفُ الدِّينِ أَمِيرُ أَمِيرَانَ هَنْدُوا أَخُو عِزِّ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فِي عَسْكَرٍ مَعَهُ، فَحَصَرَ الْبَلَدَ وَضَايَقَهُ، وَأَلَحَّ فِي قِتَالِهِ، فَكَاتَبَهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْأَكْرَادِ الَّذِينَ بِهِ مِنَ الزَّرْزَارِيَّةِ، وَخَامَرَ مَعَهُ، وَأَشَارَ بِقَصْدِهِ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْبَلَدَ، فَطَرَقَهُ صَلَاحُ الدِّينِ لَيْلًا فَسَلَّمَ إِلَيْهِ نَاحِيَتَهُ، فَمَلَكَ الْبَاشُورَةَ لَا غَيْرَ. فَلَمَّا سَمِعَ شَرَفُ الدِّينِ الْخَبَرَ اسْتَكَانَ وَخَضَعَ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَأَمِنَ، وَلَوْ قَاتَلَ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ لَأَخْرَجَ الْعَسْكَرَ الصَّلَاحِيَّ عَنْهَا، وَلَوِ امْتَنَعَ بِالْقَلْعَةِ لِحَفِظَهَا وَمَنَعَهَا، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ، فَلَمَّا طَلَبَ الْأَمَانَ أَجَابَهُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهِ، فَأَمَّنَهُ وَمَلَكَ الْبَلَدَ.
وَسَارَ شَرَفُ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاسْتَقَرَّ جَمِيعُ مَا مَلَكَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بِمُلْكِ سِنْجَارَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَصَدَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ الْمَوَاصِلَةُ إِذَا فَارَقَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَصْنٌ غَيْرُ الرُّهَا، فَلَمَّا مَلَكَ سِنْجَارَ صَارَتْ عَلَى الْجَمِيعِ كَالسُّورِ، وَاسْتَنَابَ بِهَا سَعْدَ الدِّينِ بْنَ مَعِينِ الدِّينِ أَنَزْ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَأَحْسَنِهِمْ صُورَةً وَمَعْنًى.
ذِكْرُ عَوْدِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى حَرَّانَ
لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ سِنْجَارَ وَقَرَّرَ قَوَاعِدَهَا سَارَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا شَاكِينَ مِنْ أَبِي الْهَيْجَاءِ السَّمِينِ، بَاكِينَ مِنْ ظُلْمِهِ، مُتَأَسِّفِينَ عَلَى دَوْلَةِ عِزِّ الدِّينِ وَعَدْلِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ ظُلْمَهُ، وَعَزَلَهُ عَنْهُمْ، وَأَخْذَهُ مَعَهُ، وَسَارَ إِلَى حَرَّانَ، وَفَرَّقَ عَسَاكِرَهُ لِيَسْتَرِيحُوا، وَبَقِيَ جَرِيدَةً فِي خَوَاصِّهِ وَثِقَاتِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا أَوَائِلَ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ.
[ ٩ / ٤٦٦ ]
ذِكْرُ اجْتِمَاعِ عِزِّ الدِّينِ وَشَاهْ أَرْمَنَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، اجْتَمَعَ أَتَابِكُ عِزُّ الدِّينِ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَشَاهْ أَرْمَنَ صَاحِبُ خِلَاطَ، عَلَى قِتَالِ صَلَاحِ الدِّينِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رُسُلَ عِزِّ الدِّينِ تَرَدَّدَتْ إِلَى شَاهْ أَرْمَنَ يَسْتَنْجِدُهُ وَيَسْتَنْصِرُهُ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ شَاهْ أَرْمَنَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ عِدَّةَ رُسُلٍ فِي الشَّفَاعَةِ إِلَيْهِ بِالْكَفِّ عَنِ الْمَوْصِلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِعِزِّ الدِّينِ، فَلَمْ يَجُبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَغَالَطَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَخِيرًا مَمْلُوكَهُ سَيْفَ الدِّينِ بَكْتُمَرَ الَّذِي مَلَكَ خِلَاطَ بَعْدَ شَاهْ أَرْمَنَ، فَأَتَاهُ وَهُوَ يُحَاصِرُ سِنْجَارَ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَرْحَلَ عَنْهَا، وَقَالَ لَهُ: إِنْ رَحَلَ عَنْهَا وَإِلَّا فَتَهَدَّدَهُ بِقَصْدِهِ وَمُحَارَبَتِهِ، فَأَبْلَغَهُ بَكْتُمَرُ الشَّفَاعَةَ، فَسَوَّفَهُ فِي الْجَوَابِ رَجَاءَ أَنْ يَفْتَحَهَا، فَلَمَّا رَأَى بَكْتُمَرُ ذَلِكَ أَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ الثَّانِيَةَ بِالتَّهْدِيدِ، وَفَارَقَهُ غَضْبَانَ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ خِلْعَةً وَلَا صِلَةً، وَأَخْبَرَ صَاحِبَهُ الْخَبَرَ، وَخَوَّفَهُ عَاقِبَةَ الْإِهْمَالِ وَالتَّوَانِي عَنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَسَارَ شَاهْ أَرْمَنَ مِنْ خِلَاطَ، وَكَانَ مُخَيِّمًا بِظَاهِرِهَا، وَسَارَ إِلَى مَارِدِينَ، وَصَاحِبُهَا حِينَئِذٍ قُطْبُ الدِّينِ بْنُ نَجْمِ الدِّينِ أَلْبِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ شَاهْ أَرْمَنَ، وَابْنُ خَالِ عِزِّ الدِّينِ وَحَمُوهُ، لِأَنَّ عِزَّ الدِّينِ كَانَ قَدْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ قُطْبَ الدِّينِ، وَحَضَرَ مَعَ شَاهْ أَرْمَنَ دَوْلَةُ شَاهْ صَاحِبُ بَدْلِيسَ وَأَرْزَنَ، وَسَارَ أَتَابِكُ عِزُّ الدِّينِ مِنَ الْمَوْصِلِ فِي عَسْكَرِهِ جَرِيدَةً مِنَ الْأَثْقَالِ.
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ مَلَكَ سِنْجَارَ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى حَرَّانَ، وَفَرَّقَ عَسَاكِرَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِاجْتِمَاعِهِمْ سَيَّرَ إِلَى تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ، وَهُوَ بِحَمَاةَ، يَسْتَدْعِيهِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ مُسْرِعًا، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالرَّحِيلِ وَحَذَّرَهُ مِنْهُ آخَرُونَ، وَكَانَ هَوَى صَلَاحِ الدِّينِ فِي الرَّحِيلِ، فَرَحَلَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِرَحِيلِهِ تَفَرَّقُوا، فَعَادَ شَاهْ أَرْمَنَ إِلَى خِلَاطَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّنِي أَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ وَأَعُودُ، وَرَجَعَ عِزُّ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَقَامَ قُطْبُ الدِّينِ بِمَارِدِينَ، وَسَارَ صَلَاحُ الدِّينِ فَنَزَلَ بِحَرْزَمَ تَحْتَ مَارِدِينَ عِدَّةَ أَيَّامٍ.
[ ٩ / ٤٦٧ ]
ذِكْرُ الظَّفَرِ بِالْفِرِنْجِ فِي بَحْرِ عَيْذَابَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمِلَ الْبُرُنْسُ صَاحِبُ الْكَرَكِ أُسْطُولًا، وَفَرَغَ مِنْهُ بِالْكَرَكِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا جَمْعُ قِطَعِهِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَحَمْلُهَا إِلَى بَحْرِ أَيْلَةَ، وَجَمْعُهَا فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ.
وَفَرَغَ مِنْهَا وَشَحَنَهَا بِالْمُقَاتَلَةِ وَسَيَّرَهَا، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ، وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فَرِقَّةٌ أَقَامَتْ عَلَى حِصْنِ أَيْلَةَ وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ يَحْصُرُونَهُ، وَيَمْنَعُ أَهْلَهُ مِنْ وُرُودِ الْمَاءِ، فَنَالَ أَهْلَهُ شِدَّةٌ شَدِيدَةٌ وَضِيقٌ عَظِيمٌ، أَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ سَارُوا نَحْوَ عَيْذَابَ، وَأَفْسَدُوا فِي السَّوَاحِلِ، وَنَهَبُوا وَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا مِنَ الْمَرَاكِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَنْ فِيهَا مِنَ التُّجَّارِ، وَبَغَتُوا النَّاسَ فِي بِلَادِهِمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْهَدُوا بِهَذَا الْبَحْرِ فِرِنْجِيًّا قَطُّ لَا تَاجِرًا وَلَا مُحَارِبًا.
وَكَانَ بِمِصْرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ يَنُوبُ عَنْ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَعَمَّرَ أُسْطُولًا وَسَيَّرَهُ، وَفِيهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمُقَدَّمُهُمْ حُسَامُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ، وَهُوَ مُتَوَلِّي الْأُسْطُولَ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَكَانَ مُظَفَّرًا فِيهِ، شُجَاعًا، كَرِيمًا، فَسَارَ لُؤْلُؤٌ مُجِدًّا فِي طَلَبِهِمْ، فَابْتَدَأَ بِالَّذِينِ عَلَى أَيْلَةَ فَانْقَضَّ عَلَيْهِمِ انْقِضَاضَ الْعُقَابِ عَلَى صَيْدِهَا، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَأَسَرَ الْبَاقِي، وَسَارَ مِنْ وَقْتِهِ بَعْدَ الظَّفَرِ يَقُصُّ أَثَرَ الَّذِينَ قَصَدُوا عَيْذَابَ، فَلَمْ يَرَهُمْ، وَكَانُوا قَدْ أَغَارُوا عَلَى مَا وَجَدُوهُ بِهَا، وَقَتَلُوا مَنْ لَقَوْهُ عِنْدَهَا، وَسَارُوا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرْسَى لِيَفْعَلُوا كَمَا فَعَلُوا فِيهِ، وَكَانُوا عَازِمِينَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الْحِجَازِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ - حَرَسَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَأَخْذِ الْحَاجِّ وَمَنْعِهَمْ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَالدُّخُولِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْيَمَنِ.
فَلَمَّا وَصَلَ لُؤْلُؤٌ إِلَى عَيْذَابَ وَلَمْ يَرَهُمْ سَارَ يَقْفُو أَثَرَهُمْ، فَبَلَغَ رَابِغَ وَسَاحِلَ الْجَوْزَاءِ وَغَيْرَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمْ بِسَاحِلِ الْجَوْزَاءِ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ هُنَاكَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْعَطَبَ وَشَاهَدُوا الْهَلَاكَ خَرَجُوا إِلَى الْبَرِّ، وَاعْتَصَمُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ، فَنَزَلَ لُؤْلُؤٌ مِنْ مَرَاكِبِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَأَخَذَ خَيْلًا مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ هُنَاكَ، فَرَكِبَهَا، وَقَاتَلَهُمْ فُرْسَانًا وَرَجَّالَةً، فَظَفِرَ بِهِمْ وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَخَذَ الْبَاقِينَ أَسْرَى، وَأَرْسَلَ بَعْضَهُمْ
[ ٩ / ٤٦٨ ]
إِلَى مِنًى لِيُنْحَرُوا بِهَا عُقُوبَةً لِمَنْ رَامَ إِخَافَةَ حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَرَمِ رَسُولِهِ - ﷺ - وَعَادَ بِالْبَاقِينَ إِلَى مِصْرَ، فَقُتِلُوا جَمِيعُهُمْ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، تُوُفِّيَ عِزُّ الدِّينِ فَرُّخْشَاهَ ابْنُ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْهُ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ ثِقَتُهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ وَأُمَرَائِهِ، وَكَانَ شُجَاعًا، كَرِيمًا، فَاضِلًا، عَالِمًا بِالْأَدَبِ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ مِنْ بَيْنِ أَشْعَارِ الْمُلُوكِ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى غَزْوِ الْفِرِنْجِ، فَمَرِضَ، وَعَادَ مَرِيضًا فَمَاتَ، وَوَصَلَ خَبَرُ مَوْتِهِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَقَدْ عَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ، فَأَعَادَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقَدَّمِ إِلَى دِمَشْقَ لِيَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى عَسْكَرِهَا.
وَفِيهَا مَاتَ فَخَرُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْحَسَنُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ. كَانَ أَبُوهُ وَزِيرَ الْخَلِيفَةِ وَأَخُوهُ أُسْتَاذَ الدَّارِ، فَتَصَوَّفَ هُوَ مِنْ زَمَنِ الصِّبَا، وَبَنَى مَدْرَسَةً وَرِبَاطًا بِبَغْدَادَ عِنْدَ عَقْدِ الْمُصْطَنَعِ، وَبَنَى جَامِعًا بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّي الْأَمِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ هَاشِمُ وَلَدُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الرَّفِيعِيِّ مِنْ سَوَادِ وَاسِطَ، وَكَانَ صَالِحًا ذَا قَبُولٍ عَظِيمٍ عِنْدَ النَّاسِ وَلَهُ مِنَ التَّلَامِذَةِ مَا لَا يُحْصَى.
[ ٩ / ٤٦٩ ]