(٥٢٨)
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ شَمْسِ الْمُلُوكِ شَقِيفَ تِيرُونَ وَنَهْبِهِ بَلَدَ الْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَارَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِسْمَاعِيلُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى شَقِيفِ تِيرُونَ وَهُوَ فِي الْجَبَلِ الْمُطِلِّ عَلَى بَيْرُوتَ وَصَيْدَا، وَكَانَ بِيَدِ الضَّحَّاكِ بْنِ جَنْدَلٍ رَئِيسِ وَادِي الْتَّيْمِ، قَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ بِهِ، فَتَحَامَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْفِرِنْجُ، يَحْتَمِي عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ بِالْأُخْرَى، فَسَارَ شَمْسُ الْمُلُوكِ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَظُمَ أَخْذُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ ; لِأَنَّ الضَّحَّاكَ كَانَ لَا يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ بِلَادِهِمُ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ، فَخَافُوا شَمْسَ الْمُلُوكِ، فَشَرَعُوا فِي جَمْعِ عَسَاكِرِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ سَارُوا إِلَى بَلَدِ حَوْرَانَ، فَخَرَّبُوا أُمَّهَاتِ الْبَلَدِ، وَنَهَبُوا مَا أَمْكَنَهُمْ نَهْبَهُ نُهْبَةً عَظِيمَةً.
وَكَانَ شَمْسُ الْمُلُوكِ، لَمَّا رَآهُمْ يَجْتَمِعُونَ جَمَعَ هُوَ أَيْضًا، وَحَشَدَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَنَزَلَ بِإِزَاءِ الْفِرِنْجِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَمْسَ الْمُلُوكِ نَهَضَ بِبَعْضِ عَسْكَرِهِ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ قُبَالَةً الْفِرِنْجِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَقَصَدَ بِلَادَهُمْ طَبَرِيَّةَ، وَالنَّاصِرَةَ، وَعَكَّا وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنِ الْبِلَادِ، فَنَهَبُ وَخَرَّبَ وَأَحْرَقَ وَأَهْلَكَ أَكْثَرَ الْبِلَادِ وَسَبَى النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَامْتَلَأَتْ أَيْدِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْفِرِنْجِ، فَانْزَعَجُوا، وَرَحَلُوا فِي الْحَالِ لَا يَلْوِي أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَطَلَبُوا بِلَادَهُمْ.
وَأَمَّا شَمْسُ الْمُلُوكِ فَإِنَّهُ عَادَ إِلَى عَسْكَرِهِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ الْفِرِنْجُ،
[ ٩ / ٥٠ ]
فَوَصَلَ سَالِمًا، وَوَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَأَوْهَا خَرَابًا فَفَتَّ فِي أَعَضَادِهِمْ وَتَفَرَّقُوا، وَرَاسَلُوا فِي تَجْدِيدِ الْهُدْنَةِ فَتَمَّ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لِلسَّنَةِ.
ذِكْرُ عَوْدِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ إِلَى الْجَبَلِ وَانْهِزَامِ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ مَلِكُ بِلَادِ الْجَبَلِ جَمِيعِهَا، وَأَجْلَى عَنْهَا أَخَاهُ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَسْعُودًا لَمَّا عَادَ مِنْ حَرْبِ أَخِيهِ بَلَغَهُ عِصْيَانُ دَاوُدَ ابْنِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَحَصَرَهُ بِقَلْعَةِ رُوئِينَ دَزْ، وَكَانَ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا، وَاشْتَغَلَ بِحَصْرِهِ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ الْعَسَاكِرَ، وَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَفْتَحُ الْبِلَادَ، فَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ، وَقَصَدَ مَسْعُودًا، فَلَمَّا قَارَبَ قَزْوِينَ سَارَ مَسْعُودٌ نَحْوَهُ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْعَسْكَرَانِ فَارَقَ مَسْعُودًا مِنْ أُمَرَائِهِ مَنْ كَانَ قَدِ اسْتَمَالَهُ طُغْرُلُ فَبَقِيَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا أَوَاخِرَ رَمَضَانَ.
وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ فِي الْقُدُومِ [إِلَى] بَغْدَادَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ نَائِبَهُ بِأَصْفَهَانَ أُلْبُقْشُ السِّلَاحِيُّ، وَمَعَهُ الْمَلِكُ سَلْجُوقْشَاهْ، فَلَمَّا سَمِعَ بِانْهِزَامِ مَسْعُودٍ قَصَدَ بَغْدَادَ أَيْضًا، فَنَزَلَ سَلْجُوقْشَاهْ بِدَارِ السُّلْطَانِ، فَأَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، ثُمَّ قَصَدَ مَسْعُودٌ بَغْدَادَ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ رُكَّابُ جِمَالٍ ;لِعَدَمٍ مَا يَرْكَبُونَهُ، وَلَقِيَ فِي طَرِيقَهِ شِدَّةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الدَّوَابَّ، وَالْخِيَامَ، وَالْآلَاتِ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ، فَدَخَلَ الدَّارَ السُّلْطَانِيَّةَ بِبَغْدَادَ مُنْتَصَفَ شَوَّالٍ، وَأَقَامَ طُغْرُلُ بِهَمَذَانَ.
ذِكْرُ حَصْرِ أَتَابَكْ زَنْكِي آمِدَ، وَالْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
دَاوُدَ، وَمُلْكِ زَنْكِي قَلْعَةَ الصُّورِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ أَتَابَكْ زَنْكِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَتَمُرْتَاشُ صَاحِبُ مَارِدِينَ،
[ ٩ / ٥١ ]
وَقَصَدَا مَدِينَةَ آمِدَ فَحَصَرَاهَا، فَأَرْسَلَ صَاحِبُهَا إِلَى دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ بْنِ أُرْتُقَ صَاحِبِ حِصْنِ كِيفَا يَسْتَنْجِدُهُ، فَجَمَعَ مَنْ أَمْكَنَهُ جَمْعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ آمِدَ لِيُرَحِّلَهُمَا عَنْهَا، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ آمِدَ، وَتَصَافُّوا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فَانْهَزَمَ دَاوُدُ، وَعَادَ مَفْلُولًا، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ.
وَأَقَامَ زَنْكِي وَتَمُرْتَاشُ عَلَى آمِدَ مُحَاصِرِينَ لَهَا، وَقَطَّعَا الشَّجَرَ، وَشَعَّثَا الْبَلَدَ، وَعَادَا عَنْهَا مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ غَرَضٍ، فَقَصَدَ زَنْكِي قَلْعَةَ الصُّورَ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، وَحَصَرَهَا وَضَايَقَهَا، فَمَلَكَهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاتَّصَلَ بِهِ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْكَفْرَتُوثِيِّ زَنْكِي، وَكَانَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، عَظِيمَ الرِّئَاسَةِ وَالْكِفَايَةِ، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ وَأَهْلِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ زَنْكِي قِلَاعَ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي عَلَى جَمِيعِ قِلَاعِ الْأَكْرَادِ الْحُمَيْدِيَّةِ، مِنْهَا قَلْعَةُ الْعَقْرِ وَقَلْعَةُ شُوشَ، وَغَيْرُهُمَا.
وَكَانَ لَمَّا مَلَكَ الْمَوْصِلَ أَقَرَّ صَاحِبَهَا الْأَمِيرَ عِيسَى الْحُمَيْدِيَّ عَلَى وِلَايَتِهَا وَأَعْمَالِهَا، وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا هُوَ بِيَدِهِ، فَلَمَّا حَصَرَ الْمُسْتَرْشِدُ الْمَوْصِلَ حَضَرَ عِيسَى هَذَا عِنْدَهُ، وَجَمَعَ الْأَكْرَادَ عِنْدَهُ فَأَكْثَرَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْمُسْتَرْشِدُ عَنِ الْمَوْصِلِ أَمَرَ زَنْكِي أَنْ تُحْصَرَ قِلَاعُهُمْ فَحُصِرَتْ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقُوتِلَتْ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى أَنْ مُلِكَتْ هَذِهِ السَّنَةَ، فَاطْمَأَنَّ إِذًا أَهْلُ سَوَادِ الْمَوْصِلِ الْمُجَاوِرُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُمْ فِي ضَائِقَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ نَهْبِ أَمْوَالِهِمْ، وَخَرَابِ الْبِلَادِ.
ذِكْرُ مُلْكِ قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ وَكَوَاشَى
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْأَكْرَادِ مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِهِمْ أَنَّ أَتَابَكْ زَنْكِي لَمَّا
[ ٩ / ٥٢ ]
مَلَكَ قِلَاعَ الْحُمَيْدِيَّةِ وَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا خَافَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ قَلْعَةِ آشِبَ وَالْجَزِيرَةِ وَنُوشَى، فَأَرْسَلَ إِلَى أَتَابَكْ زَنْكِي مَنِ اسْتَحْلَفَهُ لَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا، وَحَضَرَ عِنْدَ زَنْكِي بِالْمَوْصِلِ فَبَقِيَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ، فَدُفِنَ بِتَلِّ تَوْبَةَ.
وَلَمَّا سَارَ عْنَ آشِبَ إِلَى الْمَوْصِلِ أَخْرَجَ وَلَدَهُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْهَيْجَاءِ مِنْهَا ; خَوْفًا أَنَّ يَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَأَعْطَاهُ قَلْعَةَ نُوشَى، وَأَحْمَدُ هَذَا هُوَ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفِ بِالْمَشْطُوبِ، مِنْ أَكَابِرَ أُمَرَاءَ صَلَاحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ بِالشَّامِ.
وَلَمَّا أَخْرَجَهُ أَبُوهُ مَنْ آشِبَ اسْتَنَابَ بِهَا كُرْدِيًّا يُقَالُ لَهُ: بَاوُ الْأَرْجِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو الْهَيْجَاءِ سَارَ وَلَدُهُ أَحْمَدُ بْنُ نُوشَى إِلَى آشِبَ لِيَمْلِكَهَا، فَمَنَعَهُ بَاوُ وَأَرَادَ حِفْظَهَا لِوَلَدٍ صَغِيرٍ لِأَبِي الْهَيْجَاءِ اسْمُهُ عَلِيٌّ، فَسَارَ زَنْكِي بِعَسْكَرِهِ فَنَزَلَ عَلَى آشِبَ وَمَلَكَهَا.
وَسَبَبُ مَلْكِهَا أَنَّ أَهْلَهَا نَزَلُوا كُلُّهُمْ إِلَى الْقِتَالِ، فَتَرَكَهُمْ زَنْكِي حَتَّى قَارَبُوهُ، وَاسْتَجَرَّهُمْ حَتَّى أَبْعَدُوا عَنِ الْقَلْعَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، وَمَلَكَ زَنْكِي الْقَلْعَةَ فِي الْحَالِ، وَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ مُقَدِّمِي الْأَكْرَادِ فِيهِمْ بَاوُ فَقَتَلَهُمْ، وَعَادَ عَنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا، فَفِي غَيْبَتِهِ أَرْسَلَ نَصِيرَ الدِّينِ جَقَرَ نَائِبَ زَنْكِي، وَخَرَّبَ آشِبَ وَخَلَّى كُهَيْجَةَ وَنُوشَى وَقَلْعَةَ الْجَلَّابِ وَهِيَ قَلْعَةُ الْعِمَادِيَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى قَلْعَةِ الشَّعْبَانِيِّ، وَفَرَحٍ، وَكُوشِرَ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَأَلْقَى، وَنِيرُوَّةَ، وَهِيَ حُصُونٌ الْمِهْرَانِيَّةِ، فَحَصَرَهَا فَمَلَكَ الْجَمِيعَ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ الْجَبَلِ وَالزُّوزَانِ، وَأَمِنَتِ الرَّعَايَا مِنَ الْأَكْرَادِ.
وَأَمَّا بَاقِي قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ جَلَّ صُورَ، وَهَرُورُ، وَالْمَلَاسِي، وَمَابَرْمَا، وَيَابُوخَا، وَبَاكِزَا، وَنِسْبَاسُ، فَإِنَّ قُرَاجَةَ صَاحِبَ الْعِمَادِيَّةِ فَتَحَهَا مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ قَتْلِ زَنْكِي، وَقُرَاجَةُ هَذَا كَانَ أَمِيرًا قَدْ أَقْطَعَهُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ بَلَدَ الْهَكَّارِيَّةِ بَعْدَ قَتْلِ زَنْكِي، وَلَمْ أَعْلَمْ تَارِيخَ فَتْحِ هَذِهِ الْقِلَاعِ ;فَلِهَذَا ذَكَرْتُهُ هَاهُنَا.
وَحَكَى غَيْرَ هَذَا بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَكْرَادِ، وَخَالَفَ فِيهِ فَقَالَ:
إِنَّ زَنْكِي لَمَّا فَتَحَ قَلْعَةَ آشِبَ وَخَرَّبَهَا، وَبَنَى قَلْعَةَ الْعِمَادِيَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْهَكَّارِيَّةِ إِلَّا صَاحِبُ جَلَّ صُورَا، وَصَاحِبُ هَرُورَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَوْكَةٌ يُخَافُ مِنْهَا، عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَخَافَهُ أَصْحَابُ الْقِلَاعِ الْجَبَلِيَّةِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ صَاحِبَ الرَّبِيَّةِ، وَأَلْقَى، وَفَرَحٍ،
[ ٩ / ٥٣ ]
وَغَيْرِهَا تُوُفِّيَ، وَمَلَكَهَا بَعْدَهُ وَلَدُهُ عَلِيٌّ، وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ أُخْتُ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى - وَهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ - مَعَ زَنْكِي، وَكَانَا بِالْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلَهَا وَلَدُهَا عَلِيٌّ إِلَى أَخَوَيْهَا، وَطَلَبَا لَهُ الْأَمَانَ مِنْ زَنْكِي، وَحَلَّفَاهُ لَهُ فَفَعَلَ، وَنَزَلَ إِلَى خِدْمَةِ زَنْكِي، وَأَقَرَّهُ عَلَى قِلَاعِهِ، وَاشْتَغَلَ زَنْكِي بِفَتْحِ قِلَاعِ الْهَكَّارِيَّةِ، وَكَانَ الشَّعْبَانِيُّ بِيَدِ أَمِيرٍ مِنَ الْمِهْرَانِيَّةِ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ، فَأَخْذَهُ مِنْهُ، وَقَرَّبَهُ مِنْهُ لِكِبَرِهِ وَقِلَّةِ أَعْمَالِهِ.
وَكَانَ نَصِيرُ الدِّينِ جَقَرَ يَكْرَهُ عَلِيًّا صَاحِبَ الرَّبِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، فَحَسَّنَ لِزَنْكِي الْقَبْضَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَدِمَ زَنْكِي عَلَى قَبْضِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى نَصِيرِ الدِّينِ أَنْ يُطْلِقَهُ فَرَآهُ قَدْ مَاتَ، قِيلَ إِنَّ نَصِيرَ الدِّينِ قَتَلَهُ.
ثُمَّ أَرْسَلَ الْعَسْكَرُ إِلَى قَلْعَةِ الرَّبِيَّةِ فَنَازَلُوهَا بَغْتَةً، فَمَلَكُوهَا فِي سَاعَةٍ، وَأَسَرُوا كُلَّ مَنْ بِهَا مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ وَأَخَوَاتِهِ، وَكَانَتْ وَالِدَةُ عَلِيٍّ خَدِيجَةُ غَائِبَةً فَلَمْ تُوجَدْ، فَلَمَّا سَمِعَ زَنْكِي الْخَبَرَ بِفَتْحِ الرَّبِيَّةِ سَرَّهُ، وَأَمَرَ أَنْ تَسِيرَ الْعَسَاكِرُ إِلَى بَاقِي الْقِلَاعِ الَّتِي لَعَلِيٍّ، فَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فَحَصَرُوهَا، فَرَأَوْهَا مَنِيعَةً، فَرَاسَلَهُمْ زَنْكِي، وَوَعَدَهُمُ الْإِحْسَانَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى التَّسْلِيمِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُطْلِقَ كُلَّ مَنْ فِي السِّجْنِ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمُوا أَيْضًا قَلْعَةَ كَوَاشَى، فَمَضَتْ خَدِيجَةُ وَالِدَةُ عَلِيٍّ إِلَى صَاحِبِ كَوَاشَى، وَاسْمُهُ خَوْلُ وَهْرُونَ، وَهُوَ مِنَ الْمِهْرَانِيَّةِ، فَسَأَلَتْهُ النُّزُولَ عَنْ كَوَاشَى، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ، وَتَسَلَّمَ زَنْكِي الْقِلَاعَ، وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى، فَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا، فَقَالَ: يَنْزِلُ مِنْ مِثْلِ كَوَاشَى لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ النَّاسِ مُرُوءَةً لَا يَرُدُّ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ النَّاسِ عَقْلًا، وَاسْتَقَامَتْ وِلَايَةُ الْجِبَالِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْقَعَ الدَّانِشْمَنْدُ صَاحِبُ مَلَطْيَةَ بِالْفِرِنْجِ الَّذِينَ بِالشَّامِ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَأَسَرَ كَثِيرًا، وَفِيهَا اصْطَلَحَ الْخَلِيفَةُ وَأَتَابَكْ زَنْكِي، وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عُزِلَ شَرَفُ الدِّينِ أَنُوشِرْوَانُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ وِزَارَةِ
[ ٩ / ٥٤ ]
الْخَلِيفَةِ، وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أَمُّ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَفِيهَا سَيَّرَ الْمُسْتَرْشِدُ عَسْكَرًا إِلَى تَكْرِيتَ فَحَصَرُوا مُجَاهِدَ الدِّينِ بَهْرُوزَ فَصَانَعَ عَنْهَا بِمَالٍ فَعَادُوا عَنْهُ.
وَفِيهَا اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنَ الْعَسَاكِرِ السَّنْجَرِيَّةِ مَعَ الْأَمِيرِ أَرْغَشَ، وَحَصَرُوا قَلْعَةَ كَرْدَكُوهَ بِخُرَاسَانَ، وَهِيَ لِلْإِسْمَاعِيلِيَّةَ، وَضَيَّقُوا عَلَى أَهْلِهَا، وَطَالَ حَصْرُهَا، وَعَدِمَتْ عِنْدَهُمُ الْأَقْوَاتُ، فَأَصَابَ أَهْلَهَا تَشَنُّجٌ، وَكُزَازٌ، وَعَجْزَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنِ الْقِيَامِ فَضْلًا عَنِ الْقِتَالِ، فَلَمَّا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْفَتْحِ رَحَلَ الْأَمِيرُ أَرْغَشُ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ حَمَلُوا إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، وَأَعْلَاقًا نَفِيسَةً، فَرَحَلَ عَنْهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشٍ الْعُقَيْلِيُّ أَمِيرُ بَنِي عُقَيْلٍ، وَوَلِيَ الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ أَوْلَادُهُ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِمْ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي بَغْدَادَ رِعَايَةً لِحَقِّ جَدِّهِمْ مُهَارِشٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي الْحَدِيثَةِ لَمَّا فَعَلَ بِهِ الْبَسَاسِيرِيُّ مَا ذَكَرْنَا.
وَفِيهَا فِي الْمُحَرَّمِ تُوُفِّيَ الْفَقِيهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فَرْهُونَ الشَّافِعِيُّ الْفَارِقِيُّ، وَمَوْلِدُهُ بِمَيَّافَارِقِينَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتَفَقَّهَ بِهَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكَازَرُونِيِّ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْكَازَرُونِيُّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَادَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ الصَّبَّاغِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِوَاسِطَ، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا، لَا يُوَارِي وَلَا يُحَابِي أَحَدًا فِي الْحُكْمِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ [اللَّهِ] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ
[ ٩ / ٥٥ ]
الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيهِ وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَكَانَ يَعِظُ، وَيُكْثِرُ فِي كَلَامِهِ مِنَ التَّجَانُسِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَيْنَ الْقُدُودُ الْعَالِيَةُ، وَالْخُدُودُ الْوَرْدِيَّةُ، مُلِئَتْ بِهَا وَاللَّهِ الْعَالِيَةُ وَالْوَرْدِيَّةُ، وَهُمَا مَقْبَرَتَانِ بِنَهَرِ الْمُعَلَّى.
وَمِنْ شِعْرِهِ:
الدَّمْعُ دَمًا يَسِيلُ مِنْ أَجْفَانِي إِنْ عِشْتُ مَعَ الْبُكَا فَمَا أَجْفَانِي
سِجْنِي شَجَنِي وَهَمَّنِي سَمَّانِي الْعَاذِلُ بِالْمَلَامِ قَدْ سَمَّانِي
وَالذِّكْرُ لَهُمْ يَزِيدُ فِي أَشْجَانِي وَالنَّوْحُ مَعَ الْحَمَامِ قَدْ أَشْجَانِي
ضَاقَتْ بِبُعَادِ مُنْيَتِي أَعْطَانِي وَالْبَيْنُ يَدَ الْهُمُومِ قَدْ أَعْطَانِي
وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ الشَّاعِرُ، وَمِنْ شِعْرِهِ يَذُمُّ ثَقِيلًا:
لِي صَدِيقٌ عَجِبْتُ كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ تُقِلُّهْ
أَنَا أَرْعَاهُ مُكْرِمًا وَبِقَلْبِي مِنْهُ مَا يَنْسِفُ الْجِبَالَ أَقِلُّهْ
هُوَ مِثْلُ الْمَشِيبِ أَكْرَهُ رُؤْيَا هُ وَلَكِنْ أَصُونُهُ وَأُجِلُّهْ
وَلَهُ أَيْضًا:
سَادَ صِغَارُ النَّاسِ فِي عَصْرِنَا لَا دَامَ مِنْ عَصْرٍ وَلَا كَانَا
كَالدَّسْتِ مَهْمَا هَمَّ أَنْ يَنْقَضِيَ صَارَ بِهِ الْبَيْذَقُ فِرْزَانَا
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَبُو رَشِيدٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مِنْ أَهْلٍ طَبَرِسْتَانَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ أَيْضًا وَرَوَاهُ، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا، أَقَامَ بِجَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ سِنِينَ مُنْفَرِدًا يَعْبُدُ اللَّهَ ﷾، وَعَادَ إِلَى آمِلَ فَتُوُفِّيَ فِيهَا وَقَبَرُهُ يُزَارُ.
[ ٩ / ٥٦ ]