٥١٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ بَلْكَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ وَمُلْكِ تَمَرْتَاشَ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، قَبَضَ بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ، صَاحِبُ حَلَبَ، عَلَى الْأَمِيرِ حَسَّانَ الْبَعْلَبَكِّيِّ، صَاحِبِ مَنْبِجَ، وَسَارَ إِلَيْهَا فَحَصَرَهَا، فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرَ الْقَلْعَةَ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِ لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا لِئَلَّا يَقْوَى بِأَخْذِهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهُ تَرَكَ عَلَى الْقَلْعَةِ مَنْ يَحْصُرُهَا، وَسَارَ فِي بَاقِي عَسْكَرِهِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى مَنْبِجَ فَحَصَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتِلُ مَنْ بِهَا أَتَاهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، وَاضْطَرَبَ عَسْكَرُهُ وَتَفَرَّقُوا، وَخَلَصَ حَسَّانُ مِنَ الْحَبْسِ، فَكَانَ حُسَامُ الدِّينِ تَمَرْتَاشُ بْنُ إِيلْغَازِي بْنِ أُرْتُقَ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ بَلْكَ، فَحَمَلَهُ مَقْتُولًا إِلَى ظَاهِرِ حَلَبَ، وَتَسَلَّمَهَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَزَالَ الْحِصَارُ عَنْ قَلْعَةِ مَنْبِجَ، وَعَادَ إِلَيْهَا صَاحِبُهَا حَسَّانُ، وَاسْتَقَرَّ تَمَرْتَاشُ بِحَلَبَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا نَائِبًا لَهُ يَثِقُ بِهِ، وَرَتَّبَ عِنْدَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ جُنْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَادَ إِلَى مَارِدِينَ، لِأَنَّهُ رَأَى الشَّامَ كَثِيرَةَ الْحَرْبِ مَعَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ رَجُلًا يُحِبُّ الدَّعَةَ وَالرَّفَاهَةَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مَارِدِينَ أُخِذَتْ حَلَبُ مِنْهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٨ / ٦٩٢ ]
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ صُورَ بِالشَّامِ
كَانَتْ مَدِينَةُ صُورَ لِلْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ بِمِصْرَ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَانَ بِهَا وَالٍ مِنْ جِهَةِ الْأَفْضَلِ أَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَزِيرِ الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ، يُلَقَّبُ عِزَّ الْمُلْكِ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ حَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَنَهَبُوا بَلَدَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سِتٍّ تَجَهَّزَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ لِيَسِيرَ إِلَى صُورَ، فَخَافَهُمْ أَهْلُ صُورَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى أَتَابِكَ طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ عِنْدِهِ يَتَوَلَّاهُمْ وَيَحْمِيهِمْ، وَيَكُونُ الْبَلَدُ لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا وَالِيًا، وَعَسْكَرًا، وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْبَلَدَ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ وَالِيًا اسْمُهُ مَسْعُودٌ، وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، عَارِفًا بِالْحَرْبِ وَمَكَايِدِهَا، وَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرٍ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مِيرَةً وَمَالًا فَرَّقَهُ فِيهِمْ.
وَطَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَلَمْ تُغَيَّرِ الْخُطْبَةُ لِلْآمِرِ، صَاحِبِ مِصْرَ، وَلَا السِّكَّةُ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْضَلِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ صُورَةَ الْحَالِ، وَيَقُولُ: مَتَى وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ مِصْرَ مَنْ يَتَوَلَّاهَا، وَيَذُبُّ عَنْهَا، سَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُ أَنَّ الْأُسْطُولَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا بِالرِّجَالِ وَالْقُوَّةِ. فَشَكَرَهُ الْأَفْضَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُ فِيمَا فَعَلَهُ، وَجَهَّزَ أُسْطُولًا، وَسَيَّرَهُ إِلَى صُورَ، فَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ أَهْلِهَا.
وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، بَعْدَ قَتْلِ الْأَفْضَلِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا أُسْطُولٌ، عَلَى جَارِي الْعَادَةِ، وَأَمَرُوا الْمُقَدَّمَ عَلَى الْأُسْطُولِ أَنْ يُعْمِلَ الْحِيلَةَ عَلَى الْأَمِيرِ مَسْعُودٍ الْوَالِي بِصُورَ مِنْ قِبَلِ طُغْتِكِينَ، وَيَقْبِضَ عَلَيْهِ، وَيَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ مِنْهُ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَهْلَ صُورَ أَكْثَرُوا الشَّكْوَى مِنْهُ إِلَى الْآمِرِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ، صَاحِبِ مِصْرَ، بِمَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ، وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْأُسْطُولُ فَأَرْسَى عِنْدَ صُورَ، فَخَرَجَ مَسْعُودٌ إِلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَى الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَعِدَ إِلَى الْمَرْكِبِ الَّذِي فِيهِ الْمُقَدَّمِ اعْتَقَلَهُ، وَنَزَلَ الْبَلَدَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَعَادَ الْأُسْطُولُ إِلَى مِصْرَ، وَفِيهِ الْأَمِيرُ مَسْعُودٌ، فَأُكْرِمَ وَأُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَأُعِيدَ إِلَى دِمَشْقَ.
وَأَمَّا الْوَالِي مِنْ قِبَلِ الْمِصْرِيِّينَ فَإِنَّهُ طَيَّبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَرَاسَلَ طُغْتِكِينَ يَخْدُمُهُ بِالدُّعَاءِ وَالِاعْتِضَادِ، وَأَنَّ سَبَبَ مَا فَعَلَ هُوَ شَكْوَى أَهْلِ صُورَ مِنْ مَسْعُودٍ، فَأَحْسَنَ طُغْتِكِينُ الْجَوَابَ، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ الْمُسَاعَدَةَ.
[ ٨ / ٦٩٣ ]
وَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِانْصِرَافِ مَسْعُودٍ عَنْ صُورَ قَوِيَ طَمَعُهُمْ فِيهَا، وَحَدَّثُوا نُفُوسَهُمْ بِمُلْكِهَا، وَشَرَعُوا فِي الْجَمْعِ وَالتَّأَهُّبِ لِلنُّزُولِ عَلَيْهَا وَحَصْرِهَا، فَسَمِعَ الْوَالِي بِهَا لِلْمِصْرِيِّينَ الْخَبَرَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَلَا طَاقَةَ عَلَى دَفْعِ الْفِرِنْجِ عَنْهَا، لِقِلَّةِ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالْمِيرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْآمِرِ بِذَلِكَ، فَرَأَى أَنْ يَرُدَّ وِلَايَةَ صُورَ إِلَى طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَمَلَكَ صُورَ، وَرَتَّبَ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ مَا ظَنَّ فِيهِ كِفَايَةً.
وَسَارَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِمْ وَنَازَلُوهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَلَازَمُوا الْقِتَالَ، فَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَسَئِمَ مَنْ بِهَا الْقِتَالَ، وَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى بَانْيَاسَ لِيَقْرُبَ مِنْهُمْ، وَيَذُبَّ عَنِ الْبَلَدِ، وَلَعَلَّ الْفِرِنْجَ إِذَا رَأَوْا قُرْبَهُ مِنْهُمْ رَحَلُوا، فَلَمْ يَتَحَرَّكُوا، وَلَزِمُوا الْحِصَارَ، فَأَرْسَلَ طُغْتِكِينُ إِلَى مِصْرَ يَسْتَنْجِدُهُمْ، فَلَمْ يُنْجِدُوهُ، وَتَمَادَتِ الْأَيَّامُ، وَأَشْرَفَ أَهْلُهَا عَلَى الْهَلَاكِ، فَرَاسَلَ حِينَئِذٍ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَقَرَّرَ الْأَمْرَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْمَدِينَةَ إِلَيْهِمْ، وَيُمَكِّنُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَرِحَالِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْبَلَدِ، وَمَلَكَهُ الْفِرِنْجُ، وَفَارَقَهُ أَهْلُهُ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَحَمَلُوا مَا أَطَاقُوا، وَتَرَكُوا مَا عَجَزُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَعْرِضِ الْفِرِنْجُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الضَّعِيفُ عَجَزَ عَنِ الْحَرَكَةِ.
وَمَلَكَ الْفِرِنْجُ الْبَلَدَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَ فَتْحُهُ وَهَنًا عَظِيمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحْصِنِ الْبِلَادِ وَأَمْنَعِهَا، فَاللَّهُ يُعِيدُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقِرُّ أَعْيُنَ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِهِ، بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
ذِكْرُ عَزْلِ الْبُرْسُقِيِّ عَنْ شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ وَوِلَايَةِ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ الْبُرْسُقِيُّ عَنْ شِحْنَكِيَّةِ الْعِرَاقِ، وَوَلِيَهَا سَعْدُ الدَّوْلَةِ يَرْنَقْشُ الزَّكْوِيُّ.
[ ٨ / ٦٩٤ ]
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبُرْسُقِيَّ نَفَرَ عَنْهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَنْ يَعْزِلَ الْبُرْسُقِيَّ عَنِ الْعِرَاقِ وَيُعِيدَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَالِاشْتِغَالِ بِجِهَادِ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا عَلِمَ الْبُرْسُقِيُّ الْخَبَرَ شَرَعَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَوَصَلَ نَائِبُ يَرْنَقْشَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْبُرْسُقِيُّ الْأَمْرَ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ لِيَكُونَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الصَّغِيرُ إِلَى الْعِرَاقِ خَرَجَتِ الْعَسَاكِرُ وَالْمَوَاكِبُ إِلَى لِقَائِهِ، وَحُمِلَتْ لَهُ الْإِقَامَاتُ، وَكَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَتَسَلَّمَهُ الْبُرْسُقِيُّ وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَهُوَ وَوَالِدَتُهُ مَعَهُ.
وَلَمَّا سَارَ الْبُرْسُقِيُّ إِلَى الْمَوْصِلِ كَانَ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ بِالْبَصْرَةِ قَدْ سَيَّرَهُ الْبُرْسُقِيُّ إِلَيْهَا لِيَحْمِيَهَا، فَظَهَرَ مِنْ حِمَايَتِهِ لَهَا مَا عَجِبَ مِنْهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْصِدُ الْعَرَبَ وَيُقَاتِلُهُمْ فِي حِلَلِهِمْ، حَتَّى أَبْعَدُوا إِلَى الْبَرِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْبُرْسُقِيُّ يَأْمُرُهُ بِاللِّحَاقِ بِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ ضَجِرْنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ: كُلَّ يَوْمٍ لِلْمَوْصِلِ أَمِيرٌ جَدِيدٌ، وَنُرِيدُ نَخْدُمُهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَكُونَ مَعَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ فَأَكْرَمَهُ، وَأَقْطَعَهُ الْبَصْرَةَ وَأَعَادَهُ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْبُرْسُقِيِّ مَدِينَةَ حَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَلَكَ آقْسُنْقُرُ مَدِينَةَ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمَّا مَلَكُوا مَدِينَةَ صُورَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، طَمِعُوا، وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَتَيَقَّنُوا الِاسْتِيلَاءَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَاسْتَكْثَرُوا مِنَ الْجُمُوعِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَيْهِمْ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، فَأَطْمَعَهُمْ طَمَعًا ثَانِيًا، لَا سِيَّمَا فِي حَلَبَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَهَا شِيعَةٌ، وَهُمْ يَمِيلُونَ إِلَيَّ لِأَجْلِ الْمَذْهَبِ، فَمَتَى رَأَوْنِي سَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيَّ. وَبَذَلَ لَهُمْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ بُذُولًا كَثِيرَةً، وَقَالَ: إِنَّنِي أَكُونُ هَاهُنَا نَائِبًا عَنْكُمْ وَمُطِيعًا لَكُمْ. فَسَارُوا مَعَهُ إِلَيْهَا وَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَوَطَّنُوا نُفُوسَهُمْ عَلَى الْمُقَامِ الطَّوِيلِ وَأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهَا حَتَّى يَمْلِكُوهَا، وَبَنَوُا الْبُيُوتَ لِأَجْلِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ.
فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا ذَلِكَ ضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَخَافُوا الْهَلَاكَ، وَظَهَرَ لَهُمْ مِنْ صَاحِبِهِمْ تَمَرْتَاشَ الْوَهَنُ وَالْعَجْزُ، وَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا دُفِعُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، أَعْمَلُوا الرَّأْيَ فِي طَرِيقٍ يَتَخَلَّصُونَ بِهِ، فَرَأَوْا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ الْبُرْسُقِيِّ،
[ ٨ / ٦٩٥ ]
صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَسْتَنْجِدُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ الْمَجِيءَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ.
فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَقَصَدَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِالْبَلَدِ، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، يَقُولُ: إِنَّنِي لَا أَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْكُمْ، وَالْفِرِنْجُ يُقَاتِلُونَكُمْ، إِلَّا إِذَا سَلَّمْتُمُ الْقَلْعَةَ إِلَى نُوَّابِي، وَصَارَ أَصْحَابِي فِيهَا، فَإِنَّنِي لَا أَدْرِي مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَنَا لَقِيتُ الْفِرِنْجَ، فَإِنِ انْهَزَمْنَا مِنْهُمْ وَلَيْسَتْ حَلَبُ بِيَدِ أَصْحَابِي حَتَّى أَحْتَمِيَ أَنَا وَعَسْكَرِي بِهَا، لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ، وَحِينَئِذٍ تُؤْخَذُ حَلَبُ وَغَيْرُهَا.
فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمُوا الْقَلْعَةَ إِلَى نُوَّابِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا فِيهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، سَارَ فِي الْعَسَاكِرِ الَّتِي مَعَهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهَا رَحَلَ الْفِرِنْجُ عَنْهَا، وَهُوَ يَرَاهُمْ، فَأَرَادَ مَنْ فِي مُقَدِّمَةِ عَسْكَرِهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَمَنَعَهُمْ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ كُفِينَا شَرَّهُمْ، وَحَفَظْنَا بَلَدَنَا مِنْهُمْ، وَالْمَصْلَحَةُ تَرْكُهُمْ حَتَّى يَتَقَرَّرَ أَمْرُ حَلَبَ وَنُصْلِحُ حَالَهَا وَنُكْثِرُ ذَخَائِرَهَا، ثُمَّ حِينَئِذٍ نَقْصِدُهُمْ وَنُقَاتِلُهُمْ.
فَلَمَّا رَحَلَ الْفِرِنْجُ خَرَجَ أَهْلُ حَلَبَ وَلَقُوهُ، وَفَرِحُوا بِهِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى أَصْلَحَ الْأُمُورَ وَقَرَّرَهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ فِي الْعِرَاقِ، وَالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَالشَّامِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، فَقَلَّتِ الْأَقْوَاتُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَدَامَ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَفِيهَا وَصَلَ مَنْصُورُ بْنُ صَدَقَةَ أَخُو دُبَيْسٍ إِلَى بَغْدَاذَ تَحْتَ الِاسْتِظْهَارِ، فَمَرِضَ بِهَا، فَأَحْضَرَ الْخَلِيفَةُ الْأَطِبَّاءَ وَأَمَرَهُمْ بِمُعَالَجَتِهِ، وَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، وَجُعِلَ فِي حُجْرَةٍ، وَأُدْخِلَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا سَارَ دُبَيْسٌ مِنَ الشَّامِ، بَعْدَ رَحِيلِهِ عَنْ حَلَبَ، وَقَصَدَ الْمَلِكَ طُغْرَلَ، فَأَغْرَاهُ بِالْخَلِيفَةِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْعِرَاقِ، وَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، مُقَدَّمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، صَاحِبُ أَلَمُوتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ.
[ ٨ / ٦٩٦ ]
وَفِيهَا أَيْضًا تُوُفِّيَ دَاوُدُ مَلِكُ الْأَبْخَازِ، وَشَمْسُ الدَّوْلَةِ بْنُ نَجْمِ الدِّينِ إِيلْغَازِي.
وَفِيهَا ثَارَ أَهْلُ آمِدَ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ كَثُرُوا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، فَضَعُفَ أَمْرُهُمْ بِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْخَطِيبِ الْبَغْدَاذِيِّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بُرْهَانَ أَبُو الْفَتْحِ، الْفَقِيهُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَمَّامِيِّ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ حَمَّامِيًّا، وَكَانَ حَنْبَلِيًّا، تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ عُقَيْلٍ، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، وَتَفَقَّهَ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَالشَّاشِيِّ.
[ ٨ / ٦٩٧ ]