٥٨٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ إِطْلَاقِ مُجَاهِدِ الدِّينِ مِنَ الْحَبْسِ وَانْهِزَامِ الْعَجَمِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي مُحَرَّمٍ، أَطْلَقَ أَتَابِكُ عِزُّ الدِّينِ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ مِنَ الْحَبْسِ بِشَفَاعَةِ شَمْسِ الدِّينِ الْبَهْلَوَانِ، صَاحِبِ هَمَذَانَ وَبِلَادِ الْجَبَلِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَهْلَوَانِ وَأَخِيهِ قُزْلَ يَسْتَنْجِدُهُمَا عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَسَارَ إِلَى قُزْلَ أَوَّلًا، وَهُوَ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى الْبَهْلَوَانِ، وَقَالَ: مَا تَخْتَارُهُ أَنَا أَفْعَلُهُ، وَجَهَّزَ مَعَهُ عَسْكَرًا كَثِيرًا نَحْوَ ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَسَارُوا نَحْوَ إِرْبِلَ لِيَحْصُرُوهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهَا أَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ وَخَرَّبُوهَا، وَنَهَبُوا وَسَبَوْا، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ قَهْرًا، وَلَمْ يَقْدِرْ مُجَاهِدُ الدِّينِ عَلَى مَنْعِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ زَيْنُ الدِّينِ يُوسُفُ، صَاحِبُ إِرْبِلَ، فِي عَسْكَرِهِ، فَلَقِيَهُمْ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْقُرَى يَنْهَبُونَ وَيَحْرِقُونَ، فَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ فِيهِمْ بِتَفَرُّقِهِمْ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ وَعَسْكَرِهِ عَلَى أَوَّلِ مَنْ لَقِيَهُ مِنْهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَغَنِمَ الْإِرْبِلِيُّونَ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، وَعَادَ الْعَجَمُ إِلَى بِلَادِهِمْ مُنْهَزِمِينَ، وَعَادَ صَاحِبُ إِرْبِلَ إِلَى بَلَدِهِ مُظَفَّرًا غَانِمًا، وَعَادَ مُجَاهِدُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَكَانَ يَحْكِي: إِنَّنِي مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سُوءِ أَفْعَالِ الْعَجَمِ، فَإِنَّنِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا لَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ بِمُسْلِمٍ، وَكُنْتُ أَنْهَاهُمْ فَلَا يَسْمَعُونَ، حَتَّى كَانَ مِنَ الْهَزِيمَةِ مَا كَانَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ يَعْقُوبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَجَازَ الْبَحْرَ إِلَيْهَا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ عَسَاكِرِ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ جَمَعَ وَحَشَدَ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، فَلَمَّا عَبَرَ الْخَلِيجَ قَصَدَ غَرْبِيَّ الْبِلَادِ، فَحَصَرَ مَدِينَةَ شَنْتَرِينَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ، شَهْرًا،
[ ٩ / ٤٨٠ ]
فَأَصَابَهُ بِهَا مَرَضٌ فَمَاتَ مِنْهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَحُمِلَ فِي تَابُوتٍ إِلَى مَدِينَةِ إِشْبِيلِيَّةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا، وَمَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ بِالْمُلْكِ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُ قُوَّادِ الْمُوَحِّدِينَ وَأَوْلَادِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ [عَلَى تَمْلِيكِ وَلَدِهِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ] فَمَلَّكُوهُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُوهُ لِئَلَّا يَكُونُوا بِغَيْرِ مَلِكٍ يَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَامَ فِي ذَلِكَ أَحْسَنَ قِيَامٍ، وَأَقَامَ رَايَةَ الْجِهَادِ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي النَّاسِ. وَكَانَ دَيِّنًا مُقِيمًا لِلْحُدُودِ فِي الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَاسْتَقَامَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ وَانْقَادَتْ إِلَيْهِ بِأَسْرِهَا مَعَ سِعَةِ أَقْطَارِهَا، وَرَتَّبَ ثُغُورَ الْأَنْدَلُسِ وَشَحَنَهَا بِالرِّجَالِ، وَرَتَّبَ الْمُقَاتِلَةَ فِي سَائِرِ بِلَادِهَا، وَأَصْلَحَ أَحْوَالَهَا وَعَادَ إِلَى مُرَّاكِشَ.
وَكَانَ أَبُوهُ يُوسُفُ حَسَنَ السِّيرَةِ، وَكَانَ طَرِيقُهُ أَلْيَنَ مِنْ طَرِيقِ أَبِيهِ مَعَ النَّاسِ، يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَيُقَرِّبُهُمْ وَيُشَاوِرُهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ خِدْمَتِهِ وَخَاصَّتِهِ. وَأَحَبَّهُ النَّاسُ وَمَالُوا إِلَيْهِ، وَأَطَاعَهُ مِنَ الْبِلَادِ مَا امْتَنَعَ عَلَى أَبِيهِ، وَسَلَكَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ مَا كَانَ أَبُوهُ يَأْخُذُهُ، وَلَمْ يَتَعَدَّهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَاسْتَقَامَتْ لَهُ الْبِلَادُ بِحُسْنِ فِعْلِهِ مَعَ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
ذِكْرُ غَزْوِ صَلَاحِ الدِّينِ الْكَرَكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ دِمَشْقَ يُرِيدُ الْغَزْوَ، وَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ، فَأَتَتْهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَمِمَّنْ أَتَاهُ نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَرَا أَرْسَلَانَ، صَاحِبُ الْحِصْنِ. وَكَتَبَ إِلَى مِصْرَ لِيَحْضُرَ عَسْكَرُهَا عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَكِ، فَنَازَلَ الْكَرَكَ وَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهِ، وَأَمَرَ بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ عَلَى رَبَضَهِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الرَّبَضَ، وَبَقِيَ الْحِصْنُ، وَهُوَ وَالرَّبَضُ عَلَى سَطْحِ جَبَلٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا خَنْدَقًا
[ ٩ / ٤٨١ ]
عَظِيمًا عُمْقُهُ نَحْوُ سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَأَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِإِلْقَاءِ الْأَحْجَارِ وَالتُّرَابِ فِيهِ لِيَطِمَّهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الرَّمْيِ عَلَيْهِمْ بِالسِّهَامِ مِنَ الْجُرْخِ وَالْقَوْسِ وَالْأَحْجَارِ مِنَ الْمَجَانِيقِ، فَأَمَرَ أَنْ يُبْنَى بِالْأَخْشَابِ وَاللَّبِنِ مَا يُمَكِّنُ الرِّجَالَ يَمْشُونَ تَحْتَهُ إِلَى الْخَنْدَقِ وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ السِّهَامِ وَالْأَحْجَارِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ، فَصَارُوا يَمْشُونَ تَحْتَ السَّقَائِفِ وَيُلْقُونَ فِي الْخَنْدَقِ مَا يَطِمُّهُ، وَمَجَانِيقُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ ذَلِكَ تَرْمِي الْحِصْنَ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَأَرْسَلَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى مَلِكِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ يَسْتَمِدُّونَهُمْ وَيُعَرِّفُونَهُمْ عَجْزَهُمْ وَضَعْفَهُمْ عَنْ حِفْظِ الْحِصْنِ، فَاجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ عَنْ آخِرِهَا، وَسَارُوا إِلَى نَجْدَتِهِمْ عَجِلِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ بِمَسِيرِهِمْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ رَحَلَ عَنِ الْكَرَكِ إِلَى طَرِيقِهِمْ لِيَلْقَاهُمْ وَيُصَافِفَهُمْ، وَيُعُودَ بَعْدَ أَنْ يَهْزِمَهُمْ إِلَى الْكَرَكِ، فَقَرُبَ مِنْهُمْ وَخَيَّمَ وَنَزَلَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدُّنُوُّ مِنْهُمْ لِخُشُونَةِ الْأَرْضِ وَصُعُوبَةِ الْمَسْلَكِ إِلَيْهِمْ وَضِيقِهِ، فَأَقَامَ أَيَّامًا يَنْتَظِرُ خُرُوجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَبْرَحُوا مِنْهُ خَوْفًا عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَحَلَ عَنْهُمْ عِدَّةَ فَرَاسِخَ، وَجَعَلَ بِإِزَائِهِمْ مَنْ يُعْلِمُهُ بِمَسِيرِهِمْ، فَسَارُوا لَيْلًا إِلَى الْكَرَكِ، فَلَمَّا عَلِمَ صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ حِينَئِذٍ وَلَا يَبْلُغُ غَرَضَهُ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ نَابُلُسَ، وَنَهَبَ كُلَّ مَا عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَابُلُسَ أَحْرَقَهَا وَخَرَّبَهَا وَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ فِيهَا وَأَسَرَ وَسَبَى فَأَكْثَرَ، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى سَبَسْطِيَةَ، وَبِهَا مَشْهَدُ زَكَرِيَّاءَ - ﵇ - وَبِهَا كَنِيسَةٌ، وَبِهَا جَمَاعَةُ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَنْقَذَهُمْ، وَرَحَلَ إِلَى جِينِينَ فَنَهَبَهَا وَخَرَّبَهَا، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ وَنَهَبَ مَا عَلَى طَرِيقِهِ وَخَرَّبَهُ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي طَرِيقِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا يَغْنَمُونَ وَيُخَرِّبُونَ، وَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْمُلَثَّمِينَ بِجَابَةَ وَعَوْدِهَا إِلَى أَوْلَادِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ غَانِيَةَ وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُلَثَّمِينَ الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ صَاحِبُ جَزِيرَةِ مَيُورْقَةَ، إِلَى
[ ٩ / ٤٨٢ ]
بِجَايَةَ فَمَلَكَهَا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ بِوَفَاةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَمَّرَ أُسْطُولَهُ فَكَانَ عِشْرِينَ قِطْعَةً وَسَارَ فِي جُمُوعِهِ فَأَرْسَى فِي سَاحِلِ بِجَايَةَ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُ وَرِجَالُهُ مِنَ الشَّوَانِيِّ فَكَانُوا نَحْوَ مِائَتَيْ فَارِسٍ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ وَأَرْبَعَةِ آلَافِ رَاجِلٍ، فَدَخَلَ مَدِينَةَ بِجَايَةَ بِغَيْرِ قِتَالٍ لِأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّ وَالِيَهَا سَارَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ إِلَى مُرَّاكِشَ وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهَا جَيْشًا وَلَا مُمَانِعًا لِعَدَمِ عَدُوٍّ يَحْفَظُهَا مِنْهُ، فَجَاءَ الْمُلَثَّمُ وَلَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ أَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَى بِهَا وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَقَايَا دَوْلَةِ بَنِي حَمَّادٍ وَصَارُوا مَعَهُ فَكَثُرَ جَمْعُهُ بِهِمْ وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، فَسَمِعَ خَبَرَهُ وَالِي بِجَايَةَ فَعَادَ مِنْ طَرِيقِهِ وَمَعَهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، فَجَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْقَبَائِلِ الَّذِينَ فِي تِلْكَ الْجِهَاتِ نَحْوَ أَلْفِ فَارِسٍ، فَسَمِعَ بِهِمُ الْمُلَثَّمُ وَبِقُرْبِهِمْ مِنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ صَارَ مَعَهُ قَدْرُ أَلْفِ فَارِسٍ، وَتَوَاقَفُوا سَاعَةً فَانْضَافَ جَمِيعُ الْجُمُوعِ الَّتِي كَانَتْ مَعَ وَالِي بِجَايَةَ إِلَى الْمُلَثَّمِ، فَانْهَزَمَ حِينَئِذٍ وَالِي بِجَايَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ وَسَارُوا إِلَى مُرَّاكِشَ، وَعَادَ الْمُلَثَّمُ إِلَى بِجَايَةَ فَجَمَعَ جَيْشَهُ وَخَرَجَ إِلَى أَعْمَالِ بِجَايَةَ فَأَطَاعَهُ جَمِيعُهَا إِلَّا قُسَنْطِينَةَ الْهَوَى فَحَصَرَهَا إِلَى أَنْ جَاءَ جَيْشٌ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ مُرَّاكِشَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ إِلَى بِجَايَةَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَكَانَ بِهَا يَحْيَى وَعَبْدُ اللَّهِ أَخَوَا عَلِيِّ بْنَ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ، فَخَرَجَا مِنْهَا هَارِبَيْنِ وَلَحِقَا بِأَخِيهِمَا فَرَحَلَ عَنْ قُسَنْطِينَةَ وَسَارَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ.
وَكَانَ سَبَبُ إِرْسَالِ الْجَيْشِ مِنْ مُرَّاكِشَ أَنَّ وَالِيَ بِجَايَةَ وَصَلَ إِلَى يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ صَاحِبِ الْمَغْرِبِ وَعَرَّفَهُ مَا جَرَى بِبِجَايَةَ وَاسْتِيلَاءِ الْمُلَثَّمِينَ عَلَيْهَا، وَخَوْفِهِ عَاقِبَةَ التَّوَانِي، فَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ فِي الْبَرِّ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَجَهَّزَ الْأُسْطُولَ فِي الْبَحْرِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ وَاسْتَعَادُوهَا.
ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ مَارِدِينَ وَمُلْكِ وَلَدِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ قُطْبُ الدِّينِ إِيلْغَازِيُّ بْنُ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ أَلْبِيِّ بْنِ تَمْرِتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِيِّ بْنِ أَرْتَقَ صَاحِبُ مَارِدِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ حُسَامُ الدِّينِ بَوْلَقُ أَرْسَلَانَ، وَهُوَ طِفْلٌ وَقَامَ بِتَرْبِيَتِهِ وَتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ نِظَامُ الدِّينِ الْبُقْشُ مَمْلُوكُ أَبِيهِ، وَكَانَ شَاهْ أَرْمَنَ صَاحِبُ خِلَاطَ خَالَ قُطْبِ الدِّينِ فَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ، وَهُوَ رَتَّبَ الْبُقْشَ مَعَ وَلَدِهِ، وَكَانَ
[ ٩ / ٤٨٣ ]
الْبُقْشُ دَيِّنًا خَيِّرًا عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ حَلِيمًا، فَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ وَتَزَوَّجَ أُمَّهُ، فَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ لَمْ يُمَكِّنْهُ النِّظَامُ مِنْ مَمْلَكَتِهِ لِخَبْطٍ وَهَوَجٍ فِيهِ، وَكَانَ لِنِظَامِ الدِّينِ هَذَا مَمْلُوكٌ اسْمُهُ لُؤْلُؤٌ قَدْ تَحَكَّمَ فِي دَوْلَتِهِ وَحَكَمَ فِيهَا، فَكَانَ يَحْمِلُ النِّظَامَ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مَعَ الْوَلَدِ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ الْوَلَدُ وَلَهُ أَخٌ أَصْغَرُ مِنْهُ لَقَبُهُ قُطْبُ الدِّينِ، فَرَتَّبَهُ النِّظَامُ فِي الْمُلْكِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا الِاسْمُ، وَالْحُكْمُ إِلَى النِّظَامِ وَلُؤْلُؤٍ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، فَمَرِضَ النِّظَامُ الْبُقْشُ فَأَتَاهُ قُطْبُ الدِّينِ يَعُودُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ خَرَجَ مَعَهُ لُؤْلُؤٌ وَضَرَبَهُ قُطْبُ الدِّينِ بِسِكِّينٍ مَعَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَى النِّظَامِ وَبِيَدِهِ السِّكِّينُ فَقَتَلَهُ أَيْضًا، وَخَرَجَ وَحْدَهُ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ وَأَلْقَى الرَّأْسَيْنِ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا كُلُّهُمْ قَدْ أَنْشَأَهُمُ النِّظَامُ وَلُؤْلُؤٌ فَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَخْرَجَ مَنْ أَرَادَ وَتَرَكَ مَنْ أَرَادَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ مَارِدِينَ وَأَعْمَالِهَا وَقَلْعَةِ الْبَارِعِيَّةِ وَصُورَ، وَهُوَ إِلَى الْآنَ حَاكِمٌ فِيهَا حَازِمٌ فِي أَفْعَالِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
[الْوَفَيَاتُ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ صَدْرُ الدِّينِ شَيْخُ الشُّيُوخِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ شَيْخِ الشُّيُوخِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَيْخِ الشُّيُوخِ أَبِي سَعِيدٍ أَحْمَدَ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ فِي دِيوَانِ الْخِلَافَةِ رَسُولًا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَمَعَهُ شِهَابُ الدِّينِ بَشِيرٌ الْخَادِمُ فِي مَعْنَى الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِزِّ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَوَصَلَا إِلَى دِمَشْقَ وَصَلَاحُ الدِّينِ يَحْصُرُ الْكَرَكَ، فَأَقَامَا إِلَى أَنْ عَادَ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي الصُّلْحِ أَمْرٌ، وَمَرِضَا وَطَلَبَا الْعَوْدَةَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا صَلَاحُ الدِّينِ بِالْمَقَامِ إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا، فَلَمْ يَفْعَلَا وَسَارَا فِي الْحَرِّ فَمَاتَ بَشِيرٌ بِالسَّخْنَةِ.
وَمَاتَ صَدْرُ الدِّينِ بِالرَّحَبَةِ، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِ الْبُوقِ، وَكَانَ وَاحِدَ زَمَانِهِ، قَدْ جَمَعَ
[ ٩ / ٤٨٤ ]
بَيْنَ رِيَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَكَانَ مَلْجَأً لِكُلِّ خَائِفٍ، صَالِحًا، كَرِيمًا، حَلِيمًا، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي مَرَضِهِ هَذَا دَوَاءً تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ الْخُجَنْدِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، رَئِيسُ أَصْفَهَانَ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَابِ هَمَذَانَ وَقَدْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَلَهُ شِعْرٌ فَمِنْهُ:
بِالْحِمَى دَارٌ سَقَاهَا مَدْمَعِي يَا سَقَى اللَّهُ الْحِمَى مِنْ مَرْبَعِ
لَيْتَ شِعْرِي وَالْأَمَانِي ضَلَّةٌ هَلْ إِلَى وَادِي الْغَضَى مِنْ مَرْجِعِ؟
أَذِنَتْ عَلْوَةُ لِلْوَاشِي بِنَا مَا عَلَى عَلْوَةَ لَوْ لَمْ تَسْمَعِ
أَوْ تَحَرَّتْ رَشَدًا فِيمَا وَشَى أَوْ عَفَتْ عَنِّي فَمَا قَلْبِي مَعِي
﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
[ ٩ / ٤٨٥ ]