٥٩٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ وَمُلْكِ أَخِيهِ الْأَفْضَلِ دِيَارَ مِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ، صَاحِبُ دِيَارِ مِصْرَ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَوَصَلَ إِلَى الْفَيُّومِ مُتَصَيِّدًا. فَرَأَى ذِئْبًا، فَرَكَضَ فَرَسُهُ فِي طَلَبِهِ، فَعَثَرَ الْفَرَسُ فَسَقَطَ عَنْهُ فِي الْأَرْضِ وَلَحِقَتْهُ حُمَّى، فَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ مَرِيضًا، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا مَاتَ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ مَمْلُوكُ وَالِدِهِ فَخْرُ الدِّينِ جَهَارْكَسُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي بَلَدِهِ، فَأَحْضَرَ إِنْسَانًا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، وَأَرَاهُ الْعَزِيزَ مَيِّتًا. وَسَيَّرَهُ إِلَى الْعَادِلِ وَهُوَ يُحَاصِرُ مَارْدِينَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - وَيَسْتَدْعِيهِ لِيُمَلِّكَهُ الْبِلَادَ، فَسَارَ الْقَاصِدُ مُجِدًّا، فَلَمَّا كَانَ بِالشَّامِ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِ الْأَفْضَلِ عَلِيِّ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لِصَاحِبِكَ إِنَّ أَخَاهُ الْعَزِيزَ تُوُفِّيَ، وَلَيْسَ فِي الْبِلَادِ مَنْ يَمْنَعُهَا، فَلْيَسِرْ إِلَيْهَا فَلَيْسَ دُونَهَا مَانِعٌ.
وَكَانَ الْأَفْضَلُ مَحْبُوبًا إِلَى النَّاسِ يُرِيدُونَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ الْأَفْضَلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَإِذَا قَدْ وَصَلَهُ رُسُلُ الْأُمَرَاءِ مِنْ مِصْرَ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيُمَلِّكُوهُ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ سَيْفَ الدِّينِ يَازْكَجَ - مُقَدَّمَ الْأَسَدِيَّةِ، وَالْفِرْقَةَ الْأَسَدِيَّةَ وَالْأُمَرَاءَ الْأَكْرَادَ يُرِيدُونَهُ وَيَمِيلُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ الْمَمَالِيكُ النَّاصِرِيَّةُ الَّذِينَ هُمْ مِلْكُ أَبِيهِ يَكْرَهُونَهُ، فَاجْتَمَعَ
[ ١٠ / ١٥٧ ]
سَيْفُ الدِّينِ، - مُقَدَّمُ الْأَسَدِيَّةِ -، وَفَخْرُ الدِّينِ جَهَارْكَسُ - مُقَدَّمُ النَّاصِرِيَّةِ - لِيَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يُوَلُّونَهُ الْمُلْكَ، فَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ: نُوَلِّي ابْنَ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ سَيْفُ الدِّينِ: إِنَّهُ طِفْلٌ، وَهَذِهِ الْبِلَادُ ثَغْرُ الْإِسْلَامِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَيِّمٍ بِالْمُلْكِ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، وَيُقَاتِلُ بِهَا، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَجْعَلُ الْمُلْكَ فِي هَذَا الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَنَجْعَلُ مَعَهُ بَعْضَ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ يُدَبِّرُهُ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، فَإِنَّ الْعَسَاكِرَ لَا تُطِيعُ غَيْرَهُمْ، وَلَا تَنْقَادُ لِأَمِيرٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ جَهَارْكَسُ: فَمَنْ يَتَوَلَّى هَذَا؟ فَأَشَارَ يَازْكَجُ بِغَيْرِ الْأَفْضَلِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَهَارْكَسَ مُنَازَعَةٌ لِئَلَّا يُتَّهَمَ وَيَنْفَرَ جَهَارْكَسُ عَنْهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ وِلَايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ مِنْ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ إِلَى أَنْ ذَكَرَ آخِرَهُمُ الْأَفْضَلُ، فَقَالَ جَهَارْكَسُ: هُوَ بَعِيدٌ عَنَّا، وَكَانَ بِصَرْخَدَ مُقِيمًا فِيهَا مِنْ حِينِ أُخِذَتْ مِنْهُ دِمَشْقُ، فَقَالَ يَازْكَجُ: نُرْسِلُ إِلَيْهِ مَنْ يَطْلُبُهُ مُجِدًّا، فَأَخَذَ جَهَارْكَسُ يُغَالِطُهُ، فَقَالَ يَازْكَجُ: نَمْضِي إِلَى الْقَاضِي الْفَاضِلَ وَنَأْخُذُ رَأْيَهُ، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، (وَأَرْسَلَ يَازْكَجُ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَيُشِيرُ بِتَمْلِيكِ الْأَفْضَلِ)، فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَهُ، وَعَرَّفَاهُ صُورَةَ الْحَالِ، أَشَارَ بِالْأَفْضَلِ، فَأَرْسَلَ يَازْكَجُ فِي الْحَالِ الْقُصَّادَ وَرَاءَهُ، فَسَارَ عَنْ صَرْخَدَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ، مُتَنَكِّرًا فِي تِسْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا، لِأَنَّ الْبِلَادَ كَانَتْ لِلْعَادِلِ، وَيَضْبُطُ نُوَّابُهُ الطُّرُقَ، لِئَلَّا يَجُوزَ إِلَى مِصْرَ لِيَجِيءَ الْعَادِلُ وَيَمْلِكَهَا.
فَلَمَّا قَارَبَ الْأَفْضَلُ الْقُدْسَ، وَقَدْ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ، لَقِيَهُ فَارِسَانِ قَدْ أُرْسِلَا إِلَيْهِ مِنَ الْقُدْسِ، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّ مَنْ بِالْقُدْسِ قَدْ صَارَ فِي طَاعَتِهِ، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَوَصَلَ إِلَى بِلْبِيسَ خَامِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَقِيَهُ إِخْوَتُهُ، وَجَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيَّةُ، وَجَمِيعُ الْأَعْيَانِ، فَاتُّفِقَ أَنَّ أَخَاهُ الْمَلِكَ الْمُؤَيَّدَ مَسْعُودًا صَنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَصَنَعَ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ مَمْلُوكُ أَبِيهِ طَعَامًا، فَابْتَدَأَ بِطَعَامِ أَخِيهِ لِيَمِينٍ حَلَفَهَا أَخُوهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِهِ، فَظَنَّ جَهَارْكَسُ أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا انْحِرَافًا عَنْهُ وَسُوءَ اعْتِقَادٍ فِيهِ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّتُهُ، وَعَزَمَ عَلَى الْهَرَبِ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْأَفْضَلِ وَقَالَ: إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْعَرَبِ قَدِ اقْتَتَلُوا، وَلَئِنْ لَمْ تَمْضِ إِلَيْهِمْ تُصْلِحْ بَيْنَهُمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى فَسَادٍ، فَأَذِنَ لَهُ الْأَفْضَلُ فِي الْمُضِيِّ إِلَيْهِمْ، فَفَارَقَهُ، وَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى وَصَلَ
[ ١٠ / ١٥٨ ]
إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَدَخَلَهُ، وَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ، وَلَحِقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاصِرِيَّةِ مِنْهُمْ قَرَاجَةُ الزِّرَهْ كَشُ، وَسَرَا سُنْقُرُ، وَأَحْضَرُوا عِنْدَهُمْ مَيْمُونًا الْقَصْرِيَّ صَاحِبَ نَابُلُسَ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ، فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِهِ، وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى خِلَافِ الْأَفْضَلِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَهُوَ عَلَى مَارْدِينَ يَطْلُبُونَهُ إِلَيْهِمْ لِيَدْخُلُوا مَعَهُ إِلَى مِصْرَ لِيَمْلِكُوهَا، فَلَمْ يَسِرْ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ كَانَتْ أَطْمَاعُهُ قَدْ قَوِيَتْ فِي أَخْذِ مَارْدِينَ، وَقَدْ عَجَزَ مَنْ بِهَا عَنْ حِفْظِهَا،، فَظَنَّ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا، وَالَّذِي يُرِيدُونَهُ مِنْهُ لَا يَفُوتُهُ.
وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَإِنَّهُ دَخَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَمِعَ بِهَرَبِ جَهَارْكَسَ، فَأَهَمَّهُ ذَلِكَ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِيَعُودُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْدًا، وَلَحِقَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاصِرِيَّةِ أَيْضًا، فَاسْتَوْحَشَ الْأَفْضَلُ مِنَ الْبَاقِينَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ شُقَيْرَةُ وَأَيْبَكُ فُطَيْسُ، وَأَلْبَكْي الْفَارِسُ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ بَطَلٌ مَشْهُورٌ وَمُقَدَّمٌ مَذْكُورٌ، سِوَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ وَعُلُوِّ الْقَدْرِ، وَأَقَامَ الْأَفْضَلُ بِالْقَاهِرَةِ وَأَصْلَحَ الْأُمُورَ، وَقَرَّرَ الْقَوَاعِدَ، وَالْمَرْجِعُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ يَازْكَجَ.
ذِكْرُ حَصْرِ الْأَفْضَلِ لِمَدِينَةِ دِمَشْقَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
لَمَّا مَلَكَ الْأَفْضَلُ مِصْرَ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ، اسْتُعْظِمَ اسْمُ الْمَلِكِ لَهُ لِصِغَرِهِ، وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْأَفْضَلِ بِهَا، وَصَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ أَخِيهِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي، صَاحِبِ حَلَبَ، وَرُسُلُ ابْنِ عَمِّهِ أَسَدِ الدَّيْنِ شِيرْكُوه بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرْكُوه، صَاحِبِ حِمْصَ، يَحُثَّانِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى دِمَشْقَ، وَاغْتِنَامِ الْفُرْصَةِ بِغَيْبَةِ الْعَادِلِ عَنْهَا، وَبَذَلَا لَهُ الْمُسَاعَدَةَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالرِّجَالِ، فَبَرَزَ مِنْ مِصْرَ، مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، عَلَى عَزْمِ الْمَسِيرِ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَقَامَ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ إِلَى ثَالِثِ رَجَبٍ، وَرَحَلَ فِيهِ وَتَعَوَّقَ فِي مَسِيرِهِ، وَلَوْ بَادَرَ وَعَجَّلَ الْمَسِيرَ لِمَلَكَ دِمَشْقَ، لَكِنَّهُ تَأَخَّرَ، فَوَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ، فَنَزَلَ عِنْدَ جِسْرِ الْخَشَبِ عَلَى فَرْسَخٍ وَنِصْفٍ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَ الْعَادِلُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ نُوَّابَهُ بِدِمَشْقَ يُعَرِّفُونَهُ قَصْدَ الْأَفْضَلِ لَهُمْ، فَفَارَقَ مَارْدِينَ وَخَلَّفَ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الْكَامِلَ مُحَمَّدًا فِي جَمِيعِ الْعَسَاكِرِ عَلَى حِصَارِهَا، وَسَارَ جَرِيدَةً فَجَدَّ فِي السَّيْرِ، فَسَبَقَ الْأَفْضَلَ، فَدَخَلَ دِمَشْقَ قَبْلَ الْأَفْضَلِ بِيَوْمَيْنِ.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَى دِمَشْقَ مِنَ الْغَدِ، وَهُوَ رَابِعَ عَشْرَ شَعْبَانَ، وَدَخَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى عَسْقَلَانَ إِلَى دِمَشْقَ مِنْ بَابِ السَّلَامَةِ، وَسَبَبُ دُخُولِهِمْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَجْنَادِهِ مِمَّنْ بُيُوتُهُمْ مُجَاوِرَةٌ لِلْبَابِ، اجْتَمَعُوا بِالْأَمِيرِ مَجْدِ الدِّينِ أَخِي الْفَقِيهِ عِيسَى الْهَكَّارِيِّ، وَتَحَدَّثُوا مَعَهُ فِي أَنْ يَقْصِدَ هُوَ وَالْعَسْكَرُ بَابَ السَّلَامَةِ لِيَفْتَحُوهُ لَهُمْ، فَأَرَادَ مَجْدُ الدِّينِ أَنْ يَخْتَصَّ، بِفَتْحِ الْبَابِ وَحْدَهُ، فَلَمْ يُعْلِمِ الْأَفْضَلَ، وَلَا أَخْذَ مَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْأُمَرَاءِ، بَلْ سَارَ وَحْدَهُ بِمُفْرَدِهِ، وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفُتِحَ لَهُ الْبَابُ، فَدَخَلَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَامَّةُ الْبَلَدِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِ الْأَفْضَلِ، وَاسْتَسْلَمَ مَنْ بِهِ مِنَ الْجُنْدِ، وَنَزَلُوا عَنِ الْأَسْوَارِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَكَادَ يَسْتَسْلِمُ، وَتَمَاسَكَ.
وَأَمَّا الَّذِينَ دَخَلُوا الْبَلَدَ فَإِنَّهُمْ وَصَلُّوا إِلَى بَابِ الْبَرِيدِ، فَلَقَدْ رَأَى عَسْكَرُ الْعَادِلِ بِدِمَشْقَ قِلَّةَ عَدَدِهِمْ، وَانْقِطَاعَ مَدَدِهِمْ، وَثَبُوا بِهِمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ قَدْ نَصَبَ خَيْمَهً بِالْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ، وَقَارَبَ عَسْكَرُهُ الْبَابَ الْحَدِيدَ - وَهُوَ مِنْ أَبْوَابِ الْقَلْعَةِ - فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ أُشِيرَ عَلَى الْأَفْضَلِ بِالِانْتِقَالِ إِلَى مَيْدَانِ الْحَصَى، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُ مَنْ فِيهِ، وَضَعُفَتْ نُفُوسُ الْعَسْكَرِ الْمِصْرِيِّ، ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ الْأَكْرَادَ مِنْهُمْ تَحَالَفُوا، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً يَغْضَبُونَ لِغَضَبِ أَحَدِهِمْ، وَيَرْضَوْنَ لِرِضَى أَحَدِهِمْ، فَظَنَّ الْأَفْضَلُ وَبَاقِي الْأَسَدِيَّةُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا بِقَاعِدَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدِّمَشْقِيِّينَ، فَرَحَلُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ، وَتَأَخَّرُوا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَوَصَلَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرْكُوه صَاحِبُ حِمْصَ إِلَى الْأَفْضَلِ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَوَصَلَ بَعْدَهُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ صَاحِبُ حَلَبَ، ثَانِيَ عَشْرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَرَادُوا الزَّحْفَ إِلَى دِمَشْقَ، فَمَنَعَهُمُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ مَكْرًا بِأَخِيهِ وَحَسَدًا لَهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَخُوهُ الْأَفْضَلُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمَلِكُ الْعَادِلُ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ الْعَسَاكِرِ وَتَتَابُعَ الْأَمْدَادَ إِلَى الْأَفْضَلِ عَظُمَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَمَالِيكِ النَّاصِرِيَّةِ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَسَارُوا سَلْخَ شَعْبَانَ، فَوَصَلَ خَبَرُهُمْ إِلَى الْأَفْضَلِ، فَسَيَّرَ أَسَدَ الدِّينِ - صَاحِبَ حِمْصَ - وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى طَرِيقِهِمْ لِيَمْنَعُوهُمْ، فَسَلَكُوا غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، فَجَاءَ أُولَئِكَ وَدَخَلُوا دِمَشْقَ خَامِسَ رَمَضَانَ، فَقَوِيَ الْعَادِلُ بِهِمْ قُوَّةً عَظِيمَةً، وَأَيِسَ الْأَفْضَلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ دِمَشْقَ،
[ ١٠ / ١٦٠ ]
وَخَرَجَ عَسْكَرُ دِمَشْقَ فِي شَوَّالٍ، فَكَبَسُوا الْعَسْكَرَ الْمِصْرِيَّ، فَوَجَدُوهُمْ قَدْ حَذَّرُوهُمْ، فَعَادُوا عَنْهُمْ خَاسِرِينَ.
وَأَقَامَ الْعَسْكَرُ عَلَى دِمَشْقَ مَا بَيْنَ قُوَّةٍ وَضَعْفٍ، وَانْتِصَارٍ وَتَخَاذُلٍ، حَتَّى أَرْسَلَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ خَلَفَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَدْ رَحَلَ عَنْ مَارْدِينَ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ بِحَرَّانَ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ بِعَسْكَرِهِ، فَسَارَ عَلَى طَرِيقِ الْبَرِّ، فَدَخَلَ إِلَى دِمَشْقَ ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَحَلَ الْعَسْكَرُ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى ذَيْلِ جَبَلِ الْكُسْوَةِ سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَاسْتَقَرَّ أَنْ يُقِيمُوا بِحَوْرَانَ حَتَّى يَخْرُجَ الشِّتَاءُ، فَرَحَلُوا إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ شَدِيدٌ الْبَرْدِ، فَتَغَيَّرَ الْعَزْمُ عَنِ الْمُقَامِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَعُودَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِ، فَعَادَ الظَّاهِرُ صَاحِبُ حَلَبَ، وَأَسَدُ الدِّينِ صَاحِبُ حِمْصَ، إِلَى بِلَادِهِمَا، وَعَادَ الْأَفْضَلُ إِلَى مِصْرَ، فَكَانَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ وَفَاةِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ
فِي هَذِهِ [السَّنَةَ]، ثَامِنَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، صَاحِبُ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ بِمَدِينَةٍ سَلَا، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا مِنْ مُرَّاكِشَ، وَكَانَ قَدْ بَنَى مَدِينَةً مُحَاذِيَةً لِسَلَا وَسَمَّاهَا الْمَهْدِيَّةَ، مِنْ أَحْسَنِ الْبِلَادِ وَأَنْزَهِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا يُشَاهِدُهَا، فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ ذَا جِهَادٍ لِلْعَدُوِّ، وَدِينٍ، وَحُسْنِ سِيرَةٍ، وَكَانَ يَتَظَاهَرُ بِمَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَأَعْرَضَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَعَظُمَ أَمْرُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي أَيَّامِهِ، وَكَانَ
[ ١٠ / ١٦١ ]
بِالْمَغْرِبِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يُقَالُ لَهُمُ الْجَرْمِيَّةُ، وَمَنْسُوبُونَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرْمٍ، رَئِيسِ الظَّاهِرِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَغْمُورُونَ بِالْمَالِكِيَّةِ. فَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرُوا وَانْتَشَرُوا، ثُمَّ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ اسْتَقْضَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ وَمَالَ إِلَيْهِمْ.
وَلَمَّا مَاتَ قَامَ ابْنُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ وَلَّاهُ عَهْدَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَاسْتَقَامَ الْمُلْكُ وَأَطَاعَهُ النَّاسُ، وَجَهَّزَ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْأَنْدَلُسِ احْتِيَاطًا مِنَ الْفِرِنْجِ.
ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ الْمَهْدِيَّةِ عَلَى يَعْقُوبَ وَطَاعَتِهَا لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ
كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ، صَاحِبُ الْمَغْرِبِ، لَمَّا عَادَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا سَعِيدٍ عُثْمَانَ، وَأَبَا عَلِيٍّ يُونُسَ بْنَ عُمَرَ ايِنْتِي، وَهَمَا وَأَبُوهُمَا مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، فَوَلَّى عُثْمَانَ مَدِينَةَ تُونِسَ، وَوَلَّى أَخَاهُ الْمَهْدِيَّةَ، وَجَعَلَ قَائِدَ الْجَيْشِ بِالْمَهْدِيَّةِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ شُجَاعٌ مَشْهُورٌ، فَعَظُمَتْ نِكَايَتُهُ فِي الْعَرَبِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ يَخَافُهُ.
فَاتُّفِقَ أَنَّهُ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ طَائِفَةً مِنْ عَوْفٍ نَازِلُونَ بِمَكَانٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى جَازَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَائِدًا يَطْلُبُهُمْ، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَقَوْهُ أَمَامَهُمْ، فَهَرَبُوا وَتَرَكُوا الْمَالَ وَالْعِيَالَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ وَرَجَعَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَسَلَّمَ الْعِيَالَ إِلَى الْوَالِي، وَأَخَذَ مِنَ الْأَسْلَابِ وَالْغَنِيمَةِ مَا شَاءَ، وَسَلَّمَ الْبَاقِيَ إِلَى الْوَالِي وَإِلَى الْجُنْدِ.
ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ مِنْ بَنِي عَوْفٍ قَصَدُوا أَبَا سَعِيدِ بْنَ عُمَرَ ايِنْتِي، فَوُحِّدُوا، وَصَارُوا مِنْ حِزْبِ الْمُوَحِّدِينَ، وَاسْتَجَارُوا بِهِ فِي رَدِّ عِيَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ مَا أَخَذَ لَهُمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ: أَخَذَهُ الْجُنْدُ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَاسْتَمْهَلَهُ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ وَيَسْتَرِدَّ مِنَ الْجُنْدِ مَا يَجِدُهُ عِنْدَهُمْ، وَمَا عُدِمَ مِنْهُ غَرِمَ الْعِوَضَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، فَأَمْهَلَهُ، فَعَادَ إِلَى
[ ١٠ / ١٦٢ ]
الْمَهْدِيَّةِ وَهُوَ خَائِفٌ، فَلَمَّا وَصَلَهَا جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَأَعْلَمَهُمْ مَا كَانَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَحَالَفَهُمْ عَلَى مُوَافَقَتِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ، فَقَبْضَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ يُونُسَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْمَهْدِيَّةِ وَمَلَكَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ فِي مَعْنَى إِطْلَاقِ أَخِيهِ يُونُسَ، فَأَطْلَقَهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ فَرَّقَهَا فِي الْجُنْدِ وَأَطْلَقَ يُونُسَ. وَجَمَعَ أَبُو سَعِيدٍ الْعَسَاكِرَ، وَأَرَادَ قَصْدَهُ وَمُحَاصَرَتَهُ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُلَثَّمِ، فَحَالَفَهُ وَاعْتَضَدَ بِهِ، فَامْتَنَعَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ قَصْدِهِ.
وَمَاتَ يَعْقُوبُ، وَوَلِيَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، فَسَيَّرَ عَسْكَرًا مَعَ عَمِّهِ فِي الْبَحْرِ، وَعَسْكَرًا آخَرَ فِي الْبَرِّ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي حَفْصِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَلَمَّا وَصَلَ عَسْكَرُ الْبَحْرِ إِلَى بِجَايَةَ، وَعَسْكَرُ الْبَرِّ إِلَى قُسَنْطِينَةَ الْهَوَى، وَهَرَبَ الْمُلَثَّمُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَوَصْلَ الْأُسْطُولُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَشَكَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: أَنَا عَلَى طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ، وَلَا أُسَلِّمُهَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أُسَلِّمُهَا إِلَى مَنْ يَصِلُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ مَنْ يَتَسَلَّمُهَا مِنْهُ وَعَادَ إِلَى الطَّاعَةِ.
ذِكْرُ رَحِيلِ عَسْكَرِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ عَنْ مَارْدِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَالَ الْحِصَارُ عَنْ مَارْدِينَ، وَرَحَلَ عَسْكَرُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ عَنْهَا مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَمَّا حَصَرَ مَارْدِينَ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ دِيَارِ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةِ، وَخَافُوا إِنْ مَلَكَهَا أَنْ لَا يُبْقِيَ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ مَنْعِهِ [حَمَلَهُمْ] عَلَى طَاعَتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْعَزِيزُ، صَاحِبُ مِصْرَ، وَمَلَكَ الْأَفْضَلُ مِصْرَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَادِلِ اخْتِلَافٌ، وَأَرْسَلَ أَحَدَ عَسْكَرِ مِصْرَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ عَنْ مَارْدِينَ إِلَى دِمَشْقَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - بَرَزَ نُورُ الدِّينِ أَرَسِلَانُ شَاه بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، عَنْهَا ثَانِيَ شَعْبَانَ، وَسَارَ إِلَى دُنَيْسَرَ فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَوَافَقَهُ ابْنُ عَمِّهِ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ زِنْكِي بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَابْنُ عَمِّهِ الْآخَرِ مُعِزُّ الدِّينِ سَنْجَرُ شَاهْ بْنُ
[ ١٠ / ١٦٣ ]
غَازِي بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ بِدُنَيْسَرَ إِلَى أَنْ عَيَّدُوا عِيدَ الْفِطْرِ، ثُمَّ سَارُوا عَنْهَا سَادِسَ شَوَّالٍ وَنَزَلُوا بِحَرْزَمَ، وَتَقَدَّمَ الْعَسْكَرُ إِلَى تَحْتِ الْجَبَلِ لِيَرْتَادُوا مَوْضِعًا لِلنُّزُولِ.
وَكَانَ أَهْلُ مَارْدِينَ قَدْ عُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، وَكَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ فِيهِمْ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَانَ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ، فَلَمَّا رَأَى النِّظَامُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي دَوْلَةِ صَاحِبِهَا، ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْعَادِلِ فِي تَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ذَكَرَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ مَا يُقَوِّتُهُمْ، حَسْبُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفُوا عَلَيْهِ وَرَفَعُوا أَعْلَامَهُمْ إِلَى رَأْسِ الْقَلْعَةِ، وَجَعَلَ وَلَدُ الْعَادِلِ بِبَابِ الْقَلْعَةِ أَمِيرًا لَا يَتْرُكُ شَيْئًا يَدْخُلُهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ إِلَّا مَا يَكْفِيهِمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَأَعْطَى مَنْ بِالْقَلْعَةِ ذَلِكَ الْأَمِيرَ شَيْئًا، فَمَكَّنَهُمْ مِنْ إِدْخَالِ الذَّخَائِرِ الْكَثِيرَةِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ خَبَرُ وُصُولِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ عَسْكَرُهُ إِلَى ذَيْلِ جَبَلِ مَارْدِينَ، قَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ بْنَ الْعَادِلِ نَزَلَ بِعَسْكَرٍ مِنْ رَبَضِ مَارْدِينَ إِلَى لِقَاءِ نُورِ الدِّينِ وَقِتَالِهِ، وَلَوْ أَقَامُوا بِالرَّبَضِ لَمْ يُمْكِنْ نُورَ الدِّينِ وَلَا غَيْرَهُ الصُّعُودُ إِلَيْهِمْ، وَلَا إِزَالَتَهُمْ، لَكِنْ نَزَلُوا لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، فَلَمَّا أَصْحَرُوا مِنَ الْجَبَلِ اقْتَتَلُوا، وَكَانَ مِنْ عَجِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ قُطْبَ الدِّينِ - صَاحِبَ سِنْجَارَ - قَدْ وَاعَدَ الْعَسْكَرَ الْعَادِلِيَّ أَنْ يَنْهَزِمَ إِذَا الْتَقَوْا، وَلَمْ يُعْلِمْ بِذَلِكَ أَحَدًا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ وَاصْطَفَّتِ الْعَسَاكِرُ لِلْقِتَالِ أَلْجَأَتْ قُطْبَ الدِّينِ الضَّرُورَةُ بِالزَّحْمَةِ إِلَى أَنْ وَقَفَ فِي سَفْحِ شِعْبِ جَبَلِ مَارْدِينَ لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ لِلْعَسْكَرِ الْعَادِلِيِّ، وَلَا يَرَى الْحَرْبَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُورِ الدِّينِ، فَفَاتَهُ مَا أَرَادَهُ مِنَ الِانْهِزَامِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ وَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ نُورُ الدِّينِ بِنَفْسِهِ، وَاصْطَلَى الْحَرْبُ، [فَأَلْقَى] النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ وَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ إِلَى الرَّبَضِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، فَحَمَلُوا إِلَى بَيْنِ يَدَيْ نُورِ الدِّينِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَوَعَدَهُمُ الْإِطْلَاقَ إِذَا انْفَصَلُوا، وَلَمْ يَظُنَّ أَنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ وَمَنْ مَعَهُ يَرْحَلُونَ عَنْ مَارْدِينَ سَرِيعًا، فَجَاءَهُمْ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ لَمَّا صَعِدَ إِلَى الرَّبَضِ رَأَى أَهْلَ الْقَلْعَةِ قَدْ نَزَلُوا إِلَى الَّذِينَ جَعَلَهُمْ بِالرَّبَضِ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَنَالُوا مِنْهُمْ وَنَهَبُوهُمْ، فَأَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ
[ ١٠ / ١٦٤ ]
الْجَمِيعِ، فَأَعْمَلُوا رَأْيَهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ الرَّبَضِ لَيْلًا، فَرَحَلُوا لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ شَوَّالٍ، وَتَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ أَثْقَالِهِمْ وَرِحَالِهِمْ وَمَا أَعَدُّوهُ، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الْقَلْعَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ بِمَكَانِهِ لَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُمْ.
وَلَمَّا رَحَلُوا نَزَلَ صَاحِبُ مَارْدِينَ حُسَامُ الدِّينِ يَوْلَقُ بْنُ إِيلِغَازِي إِلَى نُورِ الدِّينِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى حِصْنِهِ، وَعَادَ أَتَابِكُ إِلَى دُنَيْسَرَ، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ حَرَّانَ وَحَصَرِهَا. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ مِنَ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ وَالسِّكَّةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّةُ نُورِ الدِّينِ، وَفَتَرَ عَزْمُهُ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، فَعَزَمَ عَلَى الْعُودِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَهُوَ يُقَدِّمُ إِلَى الْعَرْضِ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى إِذْ أَصَابَهُ مَرَضٌ، فَتَحَقَّقَ عَزْمُ الْعُودِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ وَالْمَلِكِ الظَّاهِرِ يَعْتَذِرُ عَنْ عَوْدِهِ بِمَرَضِهِ، فَوَصَلَ الرَّسُولُ ثَانِيَ ذِي الْحِجَّةِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى دِمَشْقَ.
وَكَانَ عَوْدُ نُورِ الدِّينِ مِنْ سَعَادَةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ يَنْتَظِرُونَ مَا يَجِيءُ مِنْ أَخْبَارِهِ. فَإِنَّ مَنْ بِحَرَّانَ اسْتَسْلَمُوا فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ عَادَ، فَلَمَّا عَادَ جَاءَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ إِلَى حَرَّانَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ عَنْ مَارْدِينَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعَ نُورُ الدِّينِ سَارَ الْكَامِلُ إِلَى حَرَّانَ، وَسَارَ إِلَى أَبِيهِ بِدِمَشْقَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ -، فَازْدَادَ بِهِ قُوَّةً، وَالْأَفْضَلُ وَمَنْ مَعَهُ ضَعْفًا.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِفَيْرُوزَكُوه مِنْ خُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ فِتْنَةً عَظِيمَةً بِعَسْكَرِ غِيَاثِ الدِّينِ - مَلِكِ الْغَوْرِ وَغَزْنَةَ - وَهُوَ بِفَيْرُوزَكُوه، عَمَّتِ الرَّعِيَّةَ وَالْمُلُوكَ وَالْأُمَرَاءَ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الْفَخْرَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّازِيَّ، الْإِمَامَ الْمَشْهُورَ، الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ، كَانَ قَدِمَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مُفَارِقًا لِبَهَاءِ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَأَكْرَمَهُ غِيَاثُ الدِّينِ، وَاحْتَرَمَهُ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ، وَبَنَى لَهُ مَدْرَسَةً بِهَرَاةَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجَامِعِ، فَقَصَدَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْبِلَادِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ، وَهُمْ كَثِيرُونَ بِهَرَاةَ، وَأَمَّا الْغُورِيَّةُ فَكُلُّهُمْ
[ ١٠ / ١٦٥ ]
كَرَّامِيَّةٌ، وَكَرِهُوهُ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ الْمَلِكُ ضِيَاءُ الدِّينِ، وَهُوَ عَمُّ غِيَاثِ الدِّينِ، وَزَوْجُ ابْنَتِهِ، فَاتُّفِقَ أَنْ حَضَرَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ بِفَيْرُوزَكُوه لِلْمُنَاظَرَةِ، وَحَضَرَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ وَالْقَاضِي مَجْدُ الدِّينِ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقُدْوَةِ، وَهُوَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ الْهَيْصَمِيَّةِ، وَلَهُ عِنْدُهُمْ مَحَلٌّ كَبِيرٌ لِزُهْدِهِ وَعِلْمِهِ وَبَيْتِهِ، فَتَكَلَّمَ الرَّازِيُّ. فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقُدْوَةِ، وَطَالَ الْكَلَامُ، فَقَامَ غِيَاثُ الدِّينِ، فَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ الْفَخْرُ وَسَبَّهُ وَشَتَمَهُ وَبَالَغَ فِي أَذَاهُ، وَابْنُ الْقُدْوَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ لَا يَفْعَلُ مَوْلَانَا إِلَّا وَأَخَذَكَ اللَّهُ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَانْفَصَلُوا عَلَى هَذَا.
وَقَامَ ضِيَاءُ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَشَكَا إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَذَمَّ الْفَخْرَ، وَنَسَبَهُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ وَمَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ، فَلَمْ يُصْغِ غِيَاثٌ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَعْظَ ابْنُ عَمِّ الْمَجْدِ بْنِ الْقُدْوَةِ بِالْجَامِعِ، فَلَقَدْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَالَ: بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا لَا نَقُولُ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَمَّا عِلْمُ أَرِسْطَاطَالِيسَ وَكُفْرِيَّاتُ ابْنِ سِينَا، وَفَلْسَفَةُ الْفَارَابِيِّ، فَلَا نَعْلَمُهَا، فَلِأَيِّ حَالٍ يُشْتَمُ بِالْأَمْسِ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ يَذُبُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَعَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ! وَبَكَى وَضَجَّ النَّاسُ، وَبَكَى الْكَرَّامِيَّةُ وَاسْتَغَاثُوا، وَأَعَانَهُمْ مَنْ يُؤْثِرُ بُعْدَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ عَنِ السُّلْطَانِ وَثَارَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَامْتَلَأَ الْبَلَدُ فِتْنَةً، وَكَادُوا يَقْتَتِلُونَ، وَيَجْرِي مَا يَهْلَكُ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ السُّلْطَانَ، فَأَرْسَلَ جَمَاعَةً مِنْ عِنْدِهِ إِلَى النَّاسِ وَسَكَّنَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ بِإِخْرَاجِ الْفَخْرِ مِنْ عِنْدِهِمْ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِالْعَوْدِ إِلَى هَرَاةَ، فَعَادَ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ مَسِيرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ إِلَى الرَّيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ تُكُشُ إِلَى الرَّيِّ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ، لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَائِبَهُ بِهَا مَيَاجِقَ قَدْ تَغَيَّرَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ،
[ ١٠ / ١٦٦ ]
فَخَافَهُ مَيَاجِقُ، فَجَعَلَ يَفِرُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَخُوَارِزْمُ شَاهْ فِي طَلَبِهِ يَدْعُوهُ إِلَى الْحُضُورِ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَمْتَنِعُ، فَاسْتَأْمَنَ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَهَرَبَ هُوَ، فَحَصَلَ بِقَلْعَةٍ مِنْ أَعْمَالٍ مَازَنْدَرَانَ فَامْتَنَعَ بِهَا، فَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي طَلَبِهِ، فَأُخِذَ مِنْهَا وَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْ خُوَارِزْمَ شَاهْ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ بِشَفَاعَةِ أَخِيهِ أَقْجَةَ.
(وَسُيِّرَتِ الْخِلَعُ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِخُوَارِزْمَ شَاهْ وَلِوَلَدِهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ)، وَتَقْلِيدِ بِمَا بِيَدِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَبِسَ الْخِلْعَةَ، وَاشْتَغَلَ بِقِتَالِ الْمَلَاحِدَةِ، فَافْتَتَحَ قَلْعَةً عَلَى بَابِ قَزْوِينَ تُسَمَّى أَرْسِلَانَ كَشَاه، وَانْتَقَلَ إِلَى حِصَارِ أَلَمُوتَ، فَقُتِلَ عَلَيْهَا صَدْرُ الدِّينُ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزَّانِ رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِالرَّيِّ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَهُ تَقَدُّمًا عَظِيمًا، قَتَلَهُ الْمَلَاحِدَةُ، وَعَادَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَوَثَبَ الْمَلَاحِدَةُ عَلَى وَزِيرِهِ نِظَامِ الْمُلْكِ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَتَلُوهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، فَأَمَرَ تُكُشُ وَلَدَهُ قُطْبَ الدِّينِ بِقَصْدِ الْمَلَاحِدَةِ، فَقَصَدَ قَلْعَةَ تُرْشِيشَ وَهِيَ مِنْ قِلَاعِهِمْ، فَحَصَرَهَا فَأَذْعَنُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَصَالَحُوهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَارَقَهَا، وَإِنَّمَا صَالَحَهُمْ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ خَبَرُ مَرَضِ أَبِيهِ، وَكَانُوا يُرَاسِلُونَهُ بِالصُّلْحِ فَلَا يَفْعَلُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَرَضِ أَبِيهِ لَمْ يَرْحَلْ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَالطَّاعَةِ وَرَحَلَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ - ﵀ - بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي دَوْلَةِ نُورِ الدِّينِ، وَالْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ وِلَايَتِهِ قَلْعَةَ الْمَوْصِلِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةً، وَوَلِيَ إِرْبَلَ سَنَةَ تِسْعٍ [وَخَمْسِينَ] وَخَمْسِمِائَةٍ، فَلَمَّا مَاتَ زَيْنُ الدِّينِ عَلَاءُ كُوجَكُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] بَقِيَ هُوَ الْحَاكِمُ فِيهَا، وَمَعَهُ مَنْ يَخْتَارُهُ مِنْ أَوْلَادِ زَيْنِ الدِّينِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَهُ حُكْمٌ.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
وَكَانَ عَاقِلًا، دَيِّنًا، خَيِّرًا، فَاضِلًا، يَعْرِفُ الْفِقْهَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَحْفَظُ مِنَ التَّارِيخِ وَالْأَشْعَارِ وَالْحِكَايَاتِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ، يَصُومُ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ نَحْوَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَهُ أَوْرَادٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَيُكْثِرُ الصَّدَقَةَ، وَكَانَ لَهُ فِرَاسَةٌ حَسَنَةٌ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، وَيَعْرِفُ الْفُقَرَاءَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَيَبَرُّهُمْ، وَبَنَى عِدَّةَ جَوَامِعٍ مِنْهَا الْجَامِعُ الَّذِي بِظَاهِرِ الْمَوْصِلِ بِبَابِ الْجِسْرِ، وَبَنَى الرُّبُطَ وَالْمَدَارِسَ وَالْخَانَاتِ فِي الطُّرُقِ، وَلَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْءٌ كَثِيرٌ - ﵀ - فَلَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا.
وَفِيهَا فَارَقَ غِيَاثُ الدِّينِ - صَاحِبُ غَزْنَةَ وَبَعْضِ خُرَاسَانَ - مَذْهَبَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَصَارَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِالْفَخْرِ مُبَارَكِ شَاه يَقُولُ الشِّعْرَ بِالْفَارِسِيَّةِ، مُتَفَنِّنًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ، فَأَوْصَلَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ الشَّيْخَ وَحِيدَ الدِّينِ أَبَا الْفَتْحِ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودٍ الْمَرْوَرُوذِيَّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ، فَأَوْضَحَ لَهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ، وَبَيَّنَ لَهُ فَسَادَ مَذْهَبِ الْكَرَّامِيَّةِ، فَصَارَ شَافِعِيًّا، وَبَنَى الْمَدَارِسَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَبَنَى بِغَزْنَةَ مَسْجِدًا لَهُمْ أَيْضًا، وَأَكْثَرَ مُرَاعَاتَهُمْ، فَسَعَى الْكَرَّامِيَّةُ فِي أَذَى وَحِيدِ الدِّينِ، فَلَمْ يُقَدِّرْهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ إِنَّ غِيَاثَ الدِّينِ وَأَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ لَمَّا مَلَكَا فِي خُرَاسَانَ قِيلَ لَهُمَا: إِنَّ النَّاسَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ يُزْرُونَ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ وَيَحْتَقِرُونَهُمْ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُفَارِقُوا مَذَاهِبَهُمْ فَصَارَا شَافِعِيَّيْنِ
وَقِيلَ: إِنَّ شِهَابَ الدِّينِ كَانَ حَنَفِيًّا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ فَضْلَانَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ إِمَامًا فَاضِلًا، وَدَرَسَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ [مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى] نُجَىٍّ النَّيْسَابُورِيِّ.
[ ١٠ / ١٦٨ ]