٥٥٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ مَسِيرِ سُلَيْمَانَ شَاهْ إِلَى هَمَذَانَ
فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ سُلَيْمَانُ شَاهْ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى هَمَذَانَ لِيَتَوَلَّى السَّلْطَنَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ قَبْضِهِ وَأَخْذِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَسَبَبُ مَسِيِرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ الْمَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ لَمَّا مَاتَ أَرْسَلَ أَكَابِرَ الْأُمَرَاءِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى أَتَابِكَ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ إِرْسَالَ الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهْ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ إِلَيْهِمْ ; لِيُوَلُّوهُ السَّلْطَنَةَ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ شَاهْ سُلْطَانًا وَقُطْبُ الدِّينِ أَتَابِكَهُ، وَجَمَالُ الدِّينِ وَزِيرَ قُطْبِ الدِّينِ وَزِيرًا لِلْمَلِكِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، وَزَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ أَمِيرَ الْعَسَاكِرِ الْمَوْصِلِيَّةِ مُقَدَّمَ جَيْشِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، وَتَحَالَفُوا عَلَى هَذَا، وَجَهَّزَ سُلَيْمَانَ شَاهْ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ وَالْبِرَكِ وَالدَّوَابِّ وَالْآلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَصْلُحُ لِلسَّلَاطِينِ، وَسَارَ وَمَعَهُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ إِلَى هَمَذَانَ.
فَلَمَّا قَارَبُوا بِلَادَ الْجَبَلِ أَقْبَلَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِمْ أَرْسَالًا، كُلُّ يَوْمٍ يَلْقَاهُ طَائِفَةٌ وَأَمِيرٌ، فَاجْتَمَعَ مَعَ سُلَيْمَانَ شَاهْ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ، فَخَافَهُمْ زَيْنُ الدِّينِ عَلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ رَأَى مِنْ تَسَلُّطِهِمْ عَلَى السُّلْطَانِ وَاطِّرَاحِهِمْ لِلْأَدَبِ مَعَهُ مَا أَوْجَبَ الْخَوْفَ مِنْهُ، فَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَحِينَ عَادَ عَنْهُ لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُهُ، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ مَا أَرَادَهُ، وَقَبَضَ الْعَسْكَرُ عَلَيْهِ بِبَابِ هَمَذَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَخَطَبُوا لِأَرْسِلَان شَاهْ ابْنِ الْمَلِكِ طُغْرُلَ، وَهُوَ الَّذِي تَزَوَّجَ إِيلْدَكْزُ بِأُمِّهِ، وَسَيُذْكَرُ مَشْرُوحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٩ / ٢٦٩ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ الْفَائِزِ وَوِلَايَةِ الْعَاضِدِ الْعَلَوِيِّينِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، تُوُفِّيَ الْفَائِزُ بِنَصْرِ اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الظَّافِرُ، صَاحِبُ مِصْرَ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتَّ سِنِينَ وَنَحْوَ شَهْرَيْنِ، وَكَانَ لَهُ لَمَّا وَلِيَ خَمْسُ سِنِينَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَمَّا مَاتَ دَخَلَ الصَّالِحُ بْنُ رُزَّيْكَ الْقَصْرَ، وَاسْتَدْعَى خَادِمًا كَبِيرًا، وَقَالَ لَهُ: مَنْ هَا هُنَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ؟ فَقَالَ: هَا هُنَا جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ، وَذَكَرَ لَهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا كَبِيرَ السِّنِّ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ سِرًّا: لَا يَكُونُ عَبَّاسٌ أَحْزَمَ مِنْكَ حَيْثُ اخْتَارَ الصَّغِيرَ وَتَرَكَ الْكِبَارَ وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، فَأَعَادَ الصَّالِحُ الرَّجُلَ إِلَى مَوْضِعِهِ، وَأَمَرَ حِينَئِذٍ بِإِحْضَارِ الْعَاضِدِ لِدِينِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْحَافِظِ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُوهُ خَلِيفَةً، وَكَانَ الْعَاضِدُ ذَلِكَ الْوَقْتَ مُرَاهِقًا قَارَبَ الْبُلُوغَ، فَبَايَعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَزَوَّجَهُ الصَّالِحُ ابْنَتَهُ، وَنَقَلَ مَعَهَا مِنَ الْجِهَازِ مَا لَا يُسْمَعُ بِمِثْلِهِ، وَعَاشَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْعَاضِدِ وَخُرُوجِ الْأَمْرِ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ إِلَى الْأَتْرَاكِ وَتَزَوَّجَتْ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، ﵁، بِعِلَّةِ التَّرَاقِي، وَكَانَ مَوْلِدُهُ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ تُدْعَى يَاعِي، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَوَافَقَ أَبَاهُ الْمُسْتَظْهِرَ بِاللَّهِ فِي عِلَّةِ التَّرَاقِي وَمَاتَا جَمِيعًا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ مِنَ الرِّجَالِ ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَبَدَّ بِالْعِرَاقِ مُنْفَرِدًا عَنْ سُلْطَانٍ يَكُونُ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ الدَّيْلَمِ إِلَى الْآنِ،
[ ٩ / ٢٧٠ ]
وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ تَمَكَّنَ مِنَ الْخِلَافَةِ وَحَكَمَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ حِينِ تَحَكُّمِ الْمَمَالِيكِ عَلَى الْخُلَفَاءِ مِنْ عَهْدِ الْمُسْتَنْصِرِ إِلَى الْآنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَضِدُ، وَكَانَ شُجَاعًا مِقْدَامًا مُبَاشِرًا لِلْحُرُوبِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ يَبْذُلُ الْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ لِأَصْحَابِ الْأَخْبَارِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ حَتَّى كَانَ لَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ.
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْمُهُ يُوسُفُ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ تُدْعَى طَاوُسَ، بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِ، وَكَانَ لِلْمُقْتَفِي حَظِيَّةٌ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ أَبِي عَلِيٍّ، فَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ الْمُقْتَفِي وَأَيِسَتْ مِنْهُ أَرْسَلَتْ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَبَذَلَتْ لَهُمُ الْإِقْطَاعَاتِ الْكَثِيرَةَ وَالْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ لِيُسَاعِدُوهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا الْأَمِيرُ أَبُو عَلِيٍّ خَلِيفَةً، قَالُوا: كَيْفَ الْحِيلَةُ مَعَ وَلِيِّ الْعَهْدِ؟ فَقَالَتْ: إِذَا دَخَلَ عَلَى وَالِدِهِ قَبَضْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَبِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالُوا: لَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ، فَوَقَعَ اخْتِيَارُهُمْ عَلَى أَبِي الْمَعَالِي ابْنِ إِلْكِيَا الْهَرَّاسِيِّ، فَدَعَوْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَزِيرًا، فَبَذَلُوا لَهُ مَا طَلَبَ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمْ وَعَلِمَتْ أُمُّ أَبِي عَلِيٍّ أَحْضَرَتْ عِدَّةً مِنَ الْجَوَارِي وَأَعْطَتْهُنَّ السَّكَاكِينَ، وَأَمَرَتْهُنَّ بِقَتْلِ وَلِيِّ الْعَهْدِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ. وَكَانَ لَهُ خَصِيٌّ صَغِيرٌ يُرْسِلُهُ كُلَّ وَقْتٍ يَتَعَرَّفُ أَخْبَارَ وَالِدِهِ، فَرَأَى الْجَوَارِيَ بِأَيْدِيهِنَّ السَّكَاكِينُ، وَرَأَى بِيَدِ أَبِي عَلِيٍّ وَأُمِّهِ سَيْفَيْنِ، فَعَادَ إِلَى الْمُسْتَنْجِدِ فَأَخْبَرَهُ، وَأَرْسَلَتْ هِيَ إِلَى الْمُسْتَنْجِدِ تَقُولُ لَهُ إِنْ وَالِدَهُ قَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِيَحْضُرَ وَيُشَاهِدَهُ، فَاسْتَدْعَى أُسْتَاذَ الدَّارِ عَضُدَ الدِّينِ وَأَخَذَهُ مَعَهُ وَجَمَاعَةً مِنَ الْفَرَّاشِينَ، وَدَخَلَ الدَّارَ وَقَدْ لَبِسَ الدِّرْعَ وَأَخَذَ بِيَدِهِ السَّيْفَ، فَلَمَّا دَخَلَ ثَارَ بِهِ الْجَوَارِي، فَضَرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَجَرَحَهَا، وَكَذَلِكَ أُخْرَى، فَصَاحَ، وَدَخَلَ أُسْتَاذُ الدَّارِ وَمَعَهُ الْفَرَّاشُونَ، فَهَرَبَ الْجَوَارِي، وَأَخَذَ أَخَاهُ أَبَا عَلِيٍّ وَأُمَّهُ فَسَجَنَهُمَا، وَأَخَذَ الْجَوَارِيَ فَقَتَلَ مِنْهُنَّ، وَغَرَّقَ مِنْهُنَّ، وَدَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ جَلَسَ لِلْبَيْعَةِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهُ وَأَقَارِبُهُ، وَأَوَّلُهُمْ عَمُّهُ أَبُو
[ ٩ / ٢٧١ ]
طَالِبٍ، ثُمَّ أَخُوهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُقْتَفِي، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْمُسْتَنْجِدِ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ، وَأَرْبَابُ الدَّوْلَةِ وَالْعُلَمَاءُ، وَخُطِبَ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَنُثِرَتِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ.
حَكَى عَنْهُ الْوَزِيرُ عَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فِي الْمَنَامِ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَالَ لِي: يَبْقَى أَبُوكَ فِي الْخِلَافَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَكَانَ كَمَا قَالَ، ﷺ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي الْمُقْتَفِي بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَدَخَلَ بِي فِي بَابٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى رَأْسِ جَبَلٍ، وَصَلَّى بِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَلْبَسَنِي قَمِيصًا، ثُمَّ قَالَ لِي: قُلْ " «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ» "، وَذَكَرَ دُعَاءَ الْقُنُوتِ.
وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَقَرَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ عَلَى وَزَرَاتِهِ وَأَصْحَابَ الْوِلَايَاتِ عَلَى وِلَايَاتِهِمْ، وَأَزَالَ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ، وَقَبَضَ عَلَى الْقَاضِي ابْنِ الْمُرَخَّمِ وَقَالَ: وَكَانَ بِئْسَ الْحَاكِمُ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا كَثِيرًا، وَأُخِذَتْ كُتُبُهُ فَأُحْرِقَ مِنْهَا فِي الرَّحْبَةِ مَا كَانَ مِنْ عُلُومِ الْفَلَاسِفَةِ، فَكَانَ مِنْهَا: كِتَابُ " الشِّفَاءِ " لِابْنِ سِينَا، وَكِتَابُ " إِخْوَانِ الصَّفَا "، وَمَا شَاكَلَهُمَا، وَقَدَّمَ عَضُدَ الدِّينِ بْنَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَكَانَ أُسْتَاذُ الدَّارِ يُمَكِّنُهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْوَزِيرِ أَنْ يَقُومَ لَهُ، وَعَزَلَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الدَّامَغَانِيَّ، وَرَتَّبَ مَكَانَهُ أَبَا جَعْفَرٍ عَبْدَ الْوَاحِدِ الثَّقَفِيَّ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسْكَرِ خُوَارَزْمَ وَالْأَتْرَاكِ الْبَرَزِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَارَ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ خُوَارَزْمَ إِلَى أَجْحَهْ، وَهَجَمُوا عَلَى يَغْمُرْخَانْ بْنِ أَوْدَكَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ الْبَرَزِيَّةِ، فَأَوْقَعُوا بِهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ، فَانْهَزَمَ يَغْمُرْخَانْ، وَقَصَدَ السُّلْطَانَ مَحْمُودَ بْنَ مُحَمَّدِ الْخَانْ [وَالْأَتْرَاكَ الْغُزِّيَّةَ الَّذِينَ مَعَهُ وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ، وَظَنَّ يَغْمُرْخَانْ] أَنَّ اخْتِيَارَ الدِّينِ إِيثَاقَ هُوَ الَّذِي هَيَّجَ الْخُوَارَزْمِيَّةَ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ مِنَ الْغُزِّ إِنْجَادَهُ.
[ ٩ / ٢٧٢ ]
ذِكْرُ أَحْوَالِ الْمُؤَيَّدِ بِخُرَاسَانَ هَذِهِ السَّنَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا ثَلَاثَ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسَمِائَةٍ] عَوْدَ الْمُؤَيَّدِ " أَيْ أَبَهْ " إِلَى نَيْسَابُورَ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَرَأَى الْمُؤَيَّدُ تَحَكُّمَهُ فِي نَيْسَابُورَ وَتَمَكُّنَهُ فِي دَوْلَتِهِ، وَكَثْرَةَ جُنْدِهِ وَعَسْكَرِهِ، أَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، لَا سِيَّمَا أَهْلِ نَيْسَابُورَ، فَإِنَّهُ جَبَرَهُمْ وَبَالَغَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَشَرَعَ فِي إِصْلَاحِ أَعْمَالِهَا وَوِلَايَاتِهَا، فَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى نَاحِيَةِ أَسْقِيلَ، وَكَانَ بِهَا جَمْعٌ قَدْ تَمَرَّدُوا وَأَكْثَرُوا الْعَيْثَ وَالْفَسَادَ فِي الْبِلَادِ، وَطَالَ تَمَادِيهِمْ فِي طُغْيَانِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْمُؤَيَّدُ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَرْكِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَمُعَاوَدَةِ الطَّاعَةِ وَالصَّلَاحِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ سَرِيَّةً كَثِيرَةً، فَقَاتَلُوهُمْ، وَأَذَاقُوهُمْ عَاقِبَةَ مَا صَنَعُوا، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَخَرَّبُوا حِصْنَهُمْ.
وَسَارَ الْمُؤَيَّدُ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى بَيْهَقَ، فَوَصَلَهَا رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ، وَقَصَدَ مِنْهَا حِصْنَ خُسْرُوجَرْدَ، وَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ بَنَاهَ كَيْخَسْرُو الْمَلِكُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ قَتْلِ أَفْرَاسْيَابَ، وَفِيهِ رِجَالٌ شُجْعَانٌ، فَامْتَنَعُوا عَلَى الْمُؤَيَّدِ، فَحَصَرَهُمْ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ، فَصَبَرَ أَهْلُ الْحِصْنِ حَتَّى نَفَذَ صَبْرُهُمْ، ثُمَّ مَلَكَ الْمُؤَيَّدُ الْقَلْعَةَ وَأَخْرَجَ كُلَّ مَنْ فِيهَا [وَرَتَّبَ فِيهَا] مَنْ يَحْفَظُهَا، وَعَادَ مِنْهَا إِلَى نَيْسَابُورَ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى هَرَاةَ، فَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا غَرَضًا، فَعَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ كُنْدُرَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ طُرَيْثِيثَ، وَقَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا رَجُلٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ كَانَ خُرْبَنْدَةَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الرِّنُودِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْمُفْسِدِينَ، فَخَرَّبُوا كَثِيرًا مِنَ الْبِلَادِ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ، وَغَنِمُوا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى.
وَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ بِهِمْ عَلَى خُرَاسَانَ، وَزَادَ الْبَلَاءُ، فَقَصَدَهُمُ الْمُؤَيَّدُ، فَتَحَصَّنُوا بِالْحِصْنِ الَّذِي لَهُمْ، فَقُوتِلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْعَرَّادَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَاتِ، فَأَذْعَنَ هَذَا الْخُرْبَنْدَةُ أَحْمَدُ إِلَى طَاعَةِ الْمُؤَيَّدِ وَالِانْخِرَاطِ فِي سِلْكِ أَصْحَابِهِ وَأَشْيَاعِهِ، فَقَبِلَهُ أَحْسَنَ قَبُولٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ.
[ ٩ / ٢٧٣ ]
ثُمَّ إِنَّهُ عَصَى عَلَى الْمُؤَيَّدِ، وَتَحَصَّنَ بِحِصْنِهِ، فَأَخَذَهُ الْمُؤَيَّدُ مِنْهُ قَهْرًا وَعَنْوَةً، وَقَيَّدَهُ، وَاحْتَاطَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ وَأَرَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ وَمِنْ شَرِّهِ وَفَسَادِهِ.
وَقَصَدَ الْمُؤَيَّدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاحِيَةَ بَيْهَقَ عَازِمًا عَلَى قِتَالِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ، فَلَمَّا قَارَبَهَا أَتَاهُ زَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا وَدَعَاهُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَالْحِلْمِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وَوَعَظَهُ وَذَكَّرُهُ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ وَرَحَلَ عَنْهُمْ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ رُكْنُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدِ الْخَانْ إِلَى الْمُؤَيَّدِ بِتَقْرِيرِ نَيْسَابُورَ وَطُوسَ وَأَعْمَالِهَا عَلَيْهِ، وَرَدَّ الْحُكْمَ فِيهَا إِلَيْهِ، فَعَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ رَابِعَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِمَا تَقَرَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلِكِ مَحْمُودِ وَبَيْنَ الْغُزِّ مِنْ إِبْقَاءِ نَيْسَابُورَ عَلَيْهِ لِيَزُولَ الْخُلْفُ وَالْفِتَنُ عَنِ النَّاسِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ وَيَغْمُرْخَانْ
لَمَّا قَصَدَ يَغْمُرْخَانِ الْغُزَّ وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِمْ لِيَنْصُرُوهُ عَلَى إِيثَاقَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَسَّنَ لِلْخَوَارِزْمِيَّةِ قَصْدَهُ، أَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارُوا مَعَهُ عَلَى طَرِيقِ نَسَا وَأَبِيوَرْدَ، وَوَصَلُوا إِلَى الْأَمِيرِ إِيثَاقَ فَلَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ بِهِمْ قُوَّةً، فَاسْتَنْجَدَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ، فَجَاءَهُ وَمَعَهُ مِنَ الْأَكْرَادِ وَالدَّيْلَمِ وَالْأَتْرَاكِ وَالتُّرْكُمَانِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ نَوَاحِي أَبَسْكُونَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَاقْتَتَلُوا وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ الْغُزِّيَّةُ وَالْبَرْزِيَّةُ مِنْ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَيَعُودُونَ.
وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ الْأَمِيرُ إِيثَاقُ، فَحَمَلَتِ الْأَتْرَاكُ الْغُزِّيَّةُ عَلَيْهِ لَمَّا أَيِسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِقَلْبِ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ، فَانْهَزَمَ إِيثَاقُ وَتَبِعَهُ بَاقِي الْعَسْكَرِ، وَوَصَلَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ إِلَى سَارِيَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَكْثَرُهُمْ.
وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ التُّجَّارِ كَفَّنَ وَدَفَنَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَتْلَى سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ.
وَأَمَّا إِيثَاقُ فَإِنَّهُ قَصَدَ فِي هَرَبِهِ خُوَارَزْمَ وَأَقَامَ بِهَا، وَسَارَ الْغُزُّ مِنَ الْمَعْرَكَةِ إِلَى دِهِسْتَانَ، وَكَانَ الْحَرْبُ قَرِيبًا مِنْهَا، فَنَقَبُوا سُورَهَا، وَأَوْقَعُوا بِأَهْلِهَا وَنَهَبُوهُمْ أَوَائِلَ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبَعْدَ أَنْ خَرَّبُوا جُرْجَانَ وَفَرَّقُوا أَهْلَهَا فِي الْبِلَادِ وَعَادُوا إِلَى خُرَاسَانَ.
[ ٩ / ٢٧٤ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ خُسْرُوشَاهْ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَمُلْكِ ابْنِهِ بَعْدَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبَ، تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ خُسْرُوشَاهْ بْنُ بَهْرَام شَاهْ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، صَاحِبُ غَزْنَةَ، وَكَانَ عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ وَأَهْلِهِ، مُقَرَّبًا لِلْعُلَمَاءِ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ رَاجِعًا إِلَى قَوْلِهِمْ، وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ.
[وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَلِكْشَاهْ] فَلَمَّا مَلَكَ نَزَلَ عَلَاءُ الدِّينِ الْحُسَيْنُ، مَلِكُ الْغُورِ، إِلَى غَزْنَةَ فَحَصَرَهَا، وَكَانَ الشِّتَاءُ شَدِيدًا وَالثَّلْجُ كَثِيرًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ عَلَيْهَا، فَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ فِي صَفَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] .
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ إِيثَاقَ وَبَغْرَاتْكِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ شَعْبَانَ، كَانَ بَيْنَ الْأَمِيرِ إِيثَاقَ وَالْأَمِيرِ بَغْرَاتْكِينَ بِرَغْشَ الْجَرْكَانِيِّ حَرْبٌ، وَكَانَ إِيثَاقُ قَدْ سَارَ بَغْرَاتْكِينَ فِي آخِرِ أَعْمَالِ جُوَيْنَ، فَنَهَبُهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَكُلَّ مَا لَهُ، وَكَانَ ذَا نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَأَمْوَالٍ جَسِيمَةٍ، فَانْهَزَمَ بَغْرَاتْكِينُ عَنْهَا وَخَلَّاهَا، فَافْتَتَحَهَا إِيثَاقُ وَاسْتَغْنَى بِهَا، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِهَا، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ، وَأَمَّا بَغْرَاتْكِينُ فَإِنَّهُ رَاسَلَ الْمُؤَيَّدَ صَاحِبَ نَيْسَابُورَ، وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ وَمَعْدُودًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَتَلَقَّاهُ الْمُؤَيَّدُ بِالْقَبُولِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ مَلِكْشَاهْ بْنِ مَحْمُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مَلِكْشَاهْ ابْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْب
[ ٩ / ٢٧٥ ]
أَرْسِلَان بِأَصْفَهَانَ مَسْمُومًا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ جَمْعُهُ بِأَصْفَهَانَ أَرْسَلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَطَلَبَ أَنْ يَقْطَعُوا خُطْبَةَ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، وَيَخْطُبُوا لَهُ، وَيُعِيدُوا الْقَوَاعِدَ بِالْعِرَاقِ إِلَى مَا كَانَتْ أَوَّلًا، وَإِلَّا قَصَدَهُمْ، فَوَضَعَ الْوَزِيرُ عَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةِ خَصِيًّا كَانَ خِصِّيصًا بِهِ، يُقَالُ لَهُ: أَغْلَبُكُ الْكَوْهَرَايِينِيُّ.
فَمَضَى إِلَى بِلَادِ الْعَجَمِ، وَاشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ قَاضِي هَمَذَانَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَبَاعَهَا مِنْ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَهَا عَلَى سَمِّهِ وَوَعَدَهَا أُمُورًا عَظِيمَةً، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وَسَمَّتْهُ فِي لَحْمٍ مَشْوِيٍّ، فَأَصْبَحَ مَيِّتًا، وَجَاءَ الطَّبِيبُ إِلَى دَكْلَا وَشُمْلَةَ، فَعَرَّفَهُمَا أَنَّهُ مَسْمُومٌ، فَعَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْجَارِيَةِ، فَأُخِذَتْ، وَضُرِبَتْ، وَأَقَرَّتْ. وَهَرَبَ أَغْلَبُكُ، وَوَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ، وَوَفَّى لَهُ الْوَزِيرُ بِجَمِيعِ مَا اسْتَقَرَّ الْحَالُ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا مَاتَ أَخْرَجَ أَهْلُ أَصْفَهَانَ أَصْحَابَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَخَطَبُوا لِسُلَيْمَانَ شَاهْ وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَعَادَ شُمْلَةُ إِلَى خُوزَسْتَانَ، فَأَخَذَ مَا كَانَ مَلِكْشَاهْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مِنْهَا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ بْنُ شَاذِي مُقَدَّمُ جُيُوشِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي صَاحِبِ الشَّامِ، وَشِيرِكُوهْ هَذَا هُوَ الَّذِي مَلَكَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ. وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا أَرْسَلَ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ نَائِبُ قُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، رَسُولًا إِلَى الْمُسْتَنْجِدِ يَعْتَذِرُ مِمَّا جَنَاهُ مِنْ مُسَاعَدَةِ مُحَمَّد شَاهْ فِي حِصَارِ بَغْدَادَ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْحَجِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيَّ، مُدَرِّسَ النِّظَامِيَّةِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ قَتَلَمِشَّ يُطَيِّبَانِ قَلْبَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ وَيُعَرِّفَانِهِ الْإِذْنَ فِي الْحَجِّ، فَحَجَّ وَدَخَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ أَمِيرُ الْحَاجِّ، سَقَطَ عَنِ الْفَرَسِ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالْأُكْرَةِ،
[ ٩ / ٢٧٦ ]
فَسَالَ مُخُّهُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ فَمَاتَ.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزَّبِيدِيُّ، مِنْ أَهْلِ زَبِيدَ مَدِينَةٍ بِالْيَمَنِ مَشْهُورَةٍ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ نَحْوِيًّا وَاعِظًا، وَصَحِبَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ مُدَّةً، وَكَانَ مَوْتُهُ بِبَغْدَادَ.
[ ٩ / ٢٧٧ ]