٥٦٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمْيَاطَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، نَزَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى مَدِينَةِ دِمْيَاطَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ الْفِرِنْجُ بِالشَّامِ، لَمَّا مَلَكَ أَسَدُ الدِّينِ شِيرِكُوهْ مِصْرَ، قَدْ خَافُوهُ، وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، وَكَاتَبُوا الْفِرِنْجَ الَّذِينَ بِصِقِلِّيَةَ وَالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهِمَا يَسْتَمِدُّونَهُمْ وَيُعَرِّفُونَهُمْ مَا تُجِدِّدَ مَنْ مُلْكِ الْأَتْرَاكِ مِصْرَ، وَأَنَّهُمْ خَائِفُونَ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنَ الْقُسُوسِ وَالرُّهْبَانِ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْحَرَكَةِ، فَأَمَدُّوهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، وَاتَّعَدُوا لِلنُّزُولِ عَلَى دِمْيَاطَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا، وَيَتَّخِذُونَهَا ظَهْرًا يَمْلِكُونَ بِهِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] فَإِلَى أَنْ دَخَلُوا كَانَ أَسَدُ الدِّينِ قَدْ مَاتَ وَمَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، وَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهَا.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا صَلَاحُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ فِي النِّيلِ وَحَشَرَ فِيهَا كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ، وَأَمَدَّهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالذَّخَائِرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَشْكُو مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْمَخَافَةِ، وَيَقُولُ: إِنِّي إِنْ تَأَخَّرْتُ عَنْ دِمْيَاطَ مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ، وَإِنْ سِرْتُ إِلَيْهَا خَلَّفَنِي الْمِصْرِيُّونَ فِي أَهْلِهَا وَأَمْوَالِهَا بِالشَّرِّ، وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِي، وَسَارُوا فِي أَثَرِي، وَالْفِرِنْجُ مِنْ أَمَامِي، فَلَا يَبْقَى لَنَا بَاقِيَةٌ.
فَسَيَّرَ نُورُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ أَرْسَالًا يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا، ثُمَّ سَارَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ الشَّامِيَّةِ، فَنَهَبَهَا، وَأَغَارَ عَلَيْهَا وَاسْتَبَاحَهَا، فَوَصَلَتِ الْغَارَاتُ إِلَى مَا لَمْ تَكُنْ تَبْلُغُهُ قَبْلُ لِخُلُوِّ الْبِلَادِ مِنْ مَانَعٍ.
[ ٩ / ٣٥٠ ]
فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ تَتَابَعُ الْعَسَاكِرُ إِلَى مِصْرَ، وَدُخُولِ نُورِ الدِّينِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَنَهْبِهَا وَتَخْرِيبِهَا، رَجَعُوا خَائِبِينَ لَمْ يَظْفَرُوا بِشَيْءٍ، وَوَجَدُوا بِلَادَهُمْ خَرَابًا، وَأَهْلَهَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، فَكَانُوا مَوْضِعَ الْمَثَلِ: خَرَجَتِ النَّعَامَةُ تَطْلُبُ قَرْنَيْنِ رَجَعَتْ بِلَا أُذُنَيْنِ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ مَقَامِهِمْ عَلَى دِمْيَاطَ خَمْسِينَ يَوْمًا أَخْرَجَ فِيهَا صَلَاحُ الدِّينِ أَمْوَالًا لَا تُحْصَى، حُكِيَ لِي أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنَ الْعَاضِدِ، أَرْسَلَ إِلَيَّ مُدَّةً لِمَقَامِ الْفِرِنْجِ عَلَى دِمْيَاطَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ سِوَى الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا.
ذِكْرُ حَصْرِ نُورِ الدِّينِ الْكَرَكَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى بَلَدَ الْفِرِنْجِ، فَحَصَرَ الْكَرَكَ، وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْمَعَاقِلِ عَلَى طَرَفِ الْبَرِّ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ أَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ يَطْلُبُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ وَالِدَهُ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ، فَجَهَّزَهُ نُورُ الدِّينِ، وَسَيَّرَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنَ التُّجَّارِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ مَنْ كَانَ لَهُ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ أُنْسٌ وَصُحْبَةٌ، فَخَافَ نُورُ الدِّينِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى الْكَرَكِ، فَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ جَمَعُوا لَهُ، وَسَارُوا إِلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلُوا فِي مُقَدِّمَتِهِمْ إِلَيْهِ ابْنَ هَنْفَرِيِّ وَقَرِيبَ بْنَ الرَّقِيقِ، وَهُمَا فَارِسَا الْفِرِنْجِ فِي وَقْتِهِمَا، فَرَحَلَ نُورُ الدِّينِ نَحْوَ هَذَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ لِيَلْقَاهُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهَا بَاقِي الْفِرِنْجُ، فَلَمَّا قَارَبَهُمَا رَجَعَا الْقَهْقَرَى، وَاجْتَمَعَا بِبَاقِي الْفِرِنْجِ.
وَسَلَكَ نُورُ الدِّينِ وَسَطَ بِلَادِهِمْ يَنْهَبُ وَيَحْرِقُ مَا عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْقُرَى إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَ عَلَى عَشْتَرَا، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ حَرَكَةَ الْفِرِنْجِ لِيَلْقَاهُمْ، فَلَمْ
[ ٩ / ٣٥١ ]
يَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَأَقَامَ هُوَ حَتَّى أَتَاهُ خَبَرُ الزَّلْزَلَةِ الْحَادِثَةِ فَرَحَلَ.
وَأَمَّا نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى مِصْرَ سَالِمًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَخَرَجَ الْعَاضِدُ الْخَلِيفَةُ فَالْتَقَاهُ إِكْرَامًا لَهُ.
ذِكْرُ غَزْوَةٍ لِسَرِيَّةٍ نُورِيَّةٍ
كَانَ شِهَابُ الدِّينِ إِلْيَاسُ بْنُ إِيلْغَازِي بْنِ أَرْتِقَ، صَاحِبُ قَلْعَةِ الْبِيرَةِ، قَدْ سَارَ فِي عَسْكَرِهِ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، إِلَى نُورِ الدِّينِ وَهُوَ بِعَشْتَرَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَرْيَةِ اللَّبْوَةِ، وَهِيَ مِنْ عَمَلِ بَعْلَبَكَّ، رَكِبَ مُتَصَيِّدًا، فَصَادَفَ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ مَنَّ الْفِرِنْجِ قَدْ سَارُوا لِلْإِغَارَةِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ سَابِعَ عَشَرَ شَوَّالًا، فَوَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ لَا سِيَّمَا الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّ أَلْفَ فَارِسٍ لَا يَصْبِرُونَ لِحَمْلَةِ ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ إِفْرِنْجِيَّةٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى بَيْنَ الطَّائِفِينَ، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَعَمَّهُمُ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَسَارَ شِهَابُ الدِّينِ بِرُءُوسِ الْقَتْلَى وَبِالْأَسْرَى إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَرَكِبَ نُورُ الدِّينِ وَالْعَسْكَرِ، فَلَقُوهُمْ، فَرَأَى نُورُ الدِّينِ فِي الرُّءُوسِ رَأْسَ مُقَدَّمِ الْإِسْبِتَارِ، صَاحِبِ حِصْنِ الْأَكْرَادِ، وَكَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ بِمَحَلٍّ كَبِيرٍ، وَكَانَ شَجًّا فِي حُلُوقِ الْمُسْلِمِينَ.
ذِكْرُ الزَّلْزَلَةِ وَمَا فَعَلَتْهُ بِالشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، ثَانِيَ عَشَرَ شَوَّالًا، كَانَتْ زَلَازِلُ عَظِيمَةٌ مُتَتَابِعَةٌ هَائِلَةٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا، وَعَمَّتْ أَكْثَرَ الْبِلَادِ مِنَ الشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْعِرَاقِ، وَغَيْرِهَا
[ ٩ / ٣٥٢ ]
مِنَ الْبِلَادِ، وَأَشَدُّهَا كَانَ بِالشَّامِ، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا مِنْ دِمَشْقَ، وَبَعْلَبَكَّ، وَحِمْصَ، وَحَمَاةَ، وَشَيْزَرَ، وَبُعْرَيْنَ، وَحَلَبَ، وَغَيْرَهَا، وَتَهَدَّمَتْ أَسْوَارُهَا وَقِلَاعُهَا، وَسَقَطَتِ الدُّوُرُ عَلَى أَهْلِهَا، وَهَلَكَ مِنْهُمْ مَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ.
فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ سَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ لِيُعَمِّرَ مَا انْهَدَمَ مِنْ سُورِهَا وَقَلْعَتِهَا، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَتَاهُ خَبَرُ بَاقِي الْبِلَادِ، وَخَرَابُ أَسْوَارِهَا وَقِلَاعِهَا، وَخُلُوِّهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَجَعَلَ بِبَعْلَبَكَّ مَنْ يُعَمِّرُهَا وَيَحْمِيهَا وَيَحْفَظُهَا، وَسَارَ إِلَى حِمْصَ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِلَى حَمَاةَ، (ثُمَّ إِلَى بَعْرِينَ)، وَكَانَ شَدِيدَ الْحَذَرِ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ مِنَ الْفِرِنْجِ، ثُمَّ أَتَى مَدِينَةَ حَلَبَ، فَرَأَى فِيهَا مِنْ آثَارِ الزَّلْزَلَةِ مَا لَيْسَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا، وَبَلَغَ الرُّعْبُ مِمَّنْ نَجَا كُلَّ مَبْلَغٍ، وَكَانُوا لَا يَقْدِرُونَ [أَنْ] يَأْوُوا [إِلَى] مَسَاكِنِهِمْ خَوْفًا مِنَ الزَّلْزَلَةِ، فَأَقَامَ بِظَاهِرِهَا، وَبَاشَرَ عِمَارَتَهَا بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَحْكَمَ أَسْوَارَ الْبِلَادِ وَجَوَامِعَهَا.
وَأَمَّا بِلَادُ الْفِرِنْجِ فَإِنَّ الزَّلَازِلَ أَيْضًا عَمِلَتْ بِهَا كَذَلِكَ، فَاشْتَغَلُوا بِعِمَارَةِ بِلَادِهِمْ خَوْفًا مِنْ نُورِ الدِّينِ عَلَيْهَا، فَاشْتَغَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِعِمَارَةِ بِلَادِهِ خَوْفًا مِنَ الْآخَرِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي وَمُلْكِ ابْنِهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، مَاتَ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ زَنْكِي، ابْنُ آقَنَسْقَرَ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ مَرَضُهُ حُمَّى حَادَّةً، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ
[ ٩ / ٣٥٣ ]
أَوْصَى بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ لِابْنِهِ الْأَكْبَرِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى ابْنِهِ الْآخَرِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي، وَإِنَّمَا صَرَفَ الْمُلْكَ عَنِ ابْنِهِ الْأَكْبَرِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي بْنِ مَوْدُودٍ ; لِأَنَّ الْقَيِّمَ بِأُمُورِ دَوْلَتِهِ، وَالْمُقَدَّمَ فِيهَا، كَانَ خَادِمًا لَهُ يُقَالُ لَهُ فَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَكَانَ يَكْرَهُ عِمَادَ الدِّينِ ; لِأَنَّهُ كَانَ طَوْعَ عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ، لِكَثْرَةِ مَقَامِهِ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّهُ زَوْجُ ابْنَتِهِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ يَبْغَضُ عَبْدَ الْمَسِيحِ، فَاتَّفَقَ فَخْرُ الدِّينِ وَخَاتُونُ ابْنَةِ حُسَامِ الدِّينِ تَمَرْتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِي، وَهِيَ وَالِدَةُ سَيْفِ الدِّينِ، عَلَى صَرْفِ الْمُلْكِ عَنْ عِمَادِ الدِّينِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ، فَرَحَلَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ مُسْتَنْصِرًا بِهِ ; لِيُعِينَهُ عَلَى أَخْذِ الْمُلْكِ لِنَفْسِهِ.
وَتُوُفِّيَ قُطْبُ الدِّينِ وَعُمُرُهُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُلْكُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا، وَكَانَ فَخْرُ الدِّينِ هُوَ الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ وَالْحَاكِمُ فِي الدَّوْلَةِ، وَكَانَ قُطْبُ الدِّينِ مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، وَأَعَفِّهِمْ عَنْ أَمْوَالِ رَعِيَّتِهِ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ، كَثِيرَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ، مَحْبُوبًا إِلَى كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ، عَطُوفًا عَلَى شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ، كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ، حَسَنَ الصُّحْبَةِ لَهُمْ، فَكَأَنَّ الْقَائِلَ أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ:
خُلُقٌ كَمَاءِ الْمُزْنِ طِيبَ مَذَاقَةٍ وَالرَّوْضَةِ الْغَنَّاءِ طِيبَ نَسِيمِ
كَالسَّيْفِ لَكِنْ فِيهِ حِلْمٌ وَاسِعٌ عَمَّنْ جَنَى وَالسَّيْفُ غَيْرُ حَلِيمِ
كَالْغَيْثِ إِلَّا أَنَّ وَابِلَ جُودِهِ أَبَدًا وُجُودُ الْغَيْثِ غَيْرُ مُقِيمِ
كَالدَّهْرِ إِلَّا أَنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَالدَّهْرُ قَاسِي الْقَلْبِ غَيْرُ رَحِيمِ
وَكَانَ سَرِيعَ الِانْفِعَالِ لِلْخَيْرِ، بَطِيئًا عَنِ الشَّرِّ، جَمَّ الْمَنَاقِبِ، قَلِيلَ الْمَعَايِبِ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
ذِكْرُ حَالَةٍ يَنْبَغِي لِلْمُلُوكِ أَنْ يَحْتَرِزُوا مِنْ مِثْلِهَا
حَدَّثَنِي وَالِدِي، ﵀، قَالَ: كُنْتُ أَتَوَلَّى جَزِيرَةَ ابْنِ عُمَرَ لِقُطْبِ الدِّينِ، كَمَا عَلِمْتُمْ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ أَتَانَا كِتَابٌ مِنَ الدِّيوَانِ بِالْمَوْصِلِ يَأْمُرُونَ بِمِسَاحَةِ جَمِيعِ بَسَاتِينِ الْعَقِيمَةِ، وَهَذِهِ الْعَقِيمَةُ هِيَ قَرْيَةٌ تُحَاذِي الْجَزِيرَةَ بَيْنَهُمَا دِجْلَةُ، وَلَهَا
[ ٩ / ٣٥٤ ]
بَسَاتِينُ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا يُمْسَحُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ شَيْءٌ مَعْلُومٌ، وَبَعْضُهَا عَلَيْهِ خَرَاجٌ، وَبَعْضُهَا مُطْلَقٌ مِنَ الْجَمِيعِ.
قَالَ: وَكَانَ لِي فِيهَا مِلْكٌ كَثِيرٌ، فَكُنْتُ أَقُولُ: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ أَنْ لَا يُغَيَّرَ عَلَى النَّاسِ شَيْءٌ، وَمَا أَقُولُ هَذَا لِأَجْلِ مِلْكِي، فَإِنَّنِي أَنَا أَمْسَحُ مِلْكِي، وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يَدُومَ الدُّعَاءُ مِنَ النَّاسِ لِلدَّوْلَةِ، فَجَاءَنِي كِتَابُ النَّائِبِ يَقُولُ: لَا بُدَّ مِنَ الْمِسَاحَةِ، قَالَ: فَأَظْهَرْتُ الْأَمْرَ، وَكَانَ بِهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ، لِي بِهِمْ أُنْسٌ، وَبَيْنَنَا مَوَدَّةٌ، فَجَاءَنِي النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَأُولَئِكَ مَعَهُمْ، يَطْلُبُونَ الْمُرَاجَعَةَ، فَأَعْلَمْتُهُمْ أَنَّنِي رَجَعْتُ وَمَا أُجِبْتُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَاءَنِي مِنْهُمْ رَجُلَانِ أَعْرِفُ صَلَاحَهُمَا، وَطَلَبَا مِنِّي الْمُعَاوَدَةَ وَمُخَاطَبَةً ثَانِيَةً، فَفَعَلْتُ، فَأَصَرُّوا عَلَى الْمَسْحِ، فَعَرَّفْتُهُمَا الْحَالَ.
قَالَ: فَمَا مَضَى إِلَّا عِدَّةُ أَيَّامٍ، وَإِذْ قَدْ جَاءَنِي الرَّجُلَانِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُمَا جَاءَا يَطْلُبَانِ الْمُعَاوَدَةَ، فَعَجِبْتُ مِنْهُمَا، وَأَخَذْتُ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: مَا جِئْنَا إِلَيْكَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا جِئْنَا نُعَرِّفَكَ أَنَّ حَاجَتَنَا قُضِيَتْ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُمَا قَدْ أَرْسَلَا إِلَى الْمَوْصِلِ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَهُمَا، فَقُلْتُ: مَنِ الَّذِي خَاطَبَ فِي هَذَا بِالْمَوْصِلِ؟ فَقَالَا: إِنَّ حَاجَتَنَا قَدْ قُضِيَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَلِكَافَّةِ أَهْلِ الْعَقِيمَةِ.
قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا مِمَّا قَدْ حَدَّثَا بِهِ نُفُوسَهُمَا، ثُمَّ قَامَا عَنِّي، لَمْ يَمْضِ غَيْرُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَإِذْ قَدْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنَ الْمَوْصِلِ يَأْمُرُونَ بِإِطْلَاقِ الْمِسَاحَةِ وَالْمُحْبَسِينَ وَالْمُكُوسَ، وَيَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ السُّلْطَانَ، يَعْنِي قُطْبَ الدِّينِ، مَرِيضٌ، يَعْنِي عَلَى حَالَةٍ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ جَاءَنَا الْكِتَابُ بِوَفَاتِهِ، فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِمَا، وَاعْتَقَدْتُهُ كَرَامَةً لَهُمَا، فَصَارَ وَالِدِي بَعْدَ ذَلِكَ يُكْثِرُ إِكْرَامَهُمَا وَاحْتِرَامَهُمَا وَيَزُورُهُمَا.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عَسَاكِرِ ابْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَابْنِ مَرْدَنِيشَ
كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَرْدَنِيشَ، مَلَكَ شَرْقَ الْأَنْدَلُسِ، قَدِ اتَّفَقَ هُوَ وَالْفِرِنْجُ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَابْنِهِ بَعْدَهُ، فَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ وَفَاةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ،
[ ٩ / ٣٥٥ ]
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ جَهَّزَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ مَعَ أَخِيهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَجَاسُوا بِلَادَهُ وَخَرَّبُوهَا، وَأَخَذُوا مَدِينَتَيْنِ مِنْ بِلَادِهِ، وَأَخَافُوا عَسَاكِرَهُ وَجُنُودَهُ، وَأَقَامُوا بِبِلَادِهِ مُدَّةً يَنْتَقِلُونَ فِيهَا وَيَجْبُونَ أَمْوَالَهَا.
ذِكْرُ وَفَاةِ صَاحِبِ كَرْمَانَ وَالْخُلْفِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ طُغْرُلُ بْنُ قَاوَرْتَ صَاحِبُ كَرْمَانَ، وَاخْتَلَفَ أَوْلَادُهُ بَهْرَام شَاهْ وَأَرْسِلَان شَاهْ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالٌ انْهَزَمَ فِيهِ بَهْرَام شَاهْ وَمَعَهُ أَخٌ لَهُ اسْمُهُ تُرْكَان شَاهْ، فَمَلَكَ الْبِلَادَ أَرْسِلَان شَاهْ، وَمَضَى بَهْرَام شَاهْ إِلَى خُرَاسَانَ، فَدَخَلَ عَلَى الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ وَاسْتَنْجَدَهُ، فَأَنْجَدَهُ بِعَسَاكِرَ سَارَ بِهَا إِلَى كَرْمَانَ، فَجَرَى بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ حَرْبٌ ظَفِرَ فِيهَا بَهْرَام شَاهْ، [وَهَرَبَ أَرْسِلَان شَاهْ، فَقَصَدَ أَصْفَهَانَ مُسْتَجِيرًا بِإِيلْدِكْزَ، فَأَنْفَذَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَاسْتَنْقَذُوا الْبِلَادَ مِنْ بَهْرَام شَاهْ وَسَلَّمُوهَا إِلَى أَخِيهِ أَرْسِلَان شَاهْ فَعَادَ] بَهْرَام شَاهْ إِلَى نَيْسَابُورَ مُسْتَجِيرًا بِالْمُؤَيَّدِ صَاحِبِهَا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ أَخَاهُ أَرْسِلَان شَاهْ مَاتَ، فَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَمَلَكَهَا، وَأَقَامَ بِهَا بِغَيْرِ مُنَازِعٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَتِ الْأَذِيَّةُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ، وَتَطَرَّقَ بِلَادَ حُلْوَانَ، وَنَهَبَ وَأَفْسَدَ، وَتَطَرَّقَ الْحُجَّاجُ، فَأُنْفِذَ إِلَيْهِ مِنْ بَغْدَادَ عَسْكَرٌ، فَنَازَلُوهُ فِي قِلَاعِهِ، وَضَايَقُوهُ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُ وَأَمْوَالَ أَهْلِهِ، حَتَّى أَذْعَنَ بِالطَّاعَةِ، وَلَا يُعَاوِدُ أَذَى الْحُجَّاجِ وَلَا غَيْرِهِمْ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ عَنْهُ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الدَّايَةِ، وَهُوَ رَضِيعُ نُورِ الدِّينِ، وَكَانَ أَعْظَمَ الْأُمَرَاءِ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ، وَلَهُ فِي أَقْطَاعِهِ حَلَبُ وَحَارِمُ وَقَلْعَةُ جَعْبَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَدَّ نُورُ الدِّينِ مَا كَانَ لَهُ إِلَى أَخِيهِ شَمْسِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ الدَّايَةِ.
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ شَافِعٍ أَبُو الْفَضْلِ الْجِيلِيُّ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ مِنْ مَشْهُورِي الْمُحَدِّثِينَ. الْجِيلِيُّ: بِالْجِيمِ وَالْيَاءُ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ.
[ ٩ / ٣٥٦ ]