٥١٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ لِحَرْبِ دُبَيْسٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَبَيْنَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ دُبَيْسًا أَطْلَقَ عَفِيفًا خَادِمَ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مَأْسُورًا عِنْدَهُ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً فِيهَا تَهْدِيدٌ لِلْخَلِيفَةِ بِإِرْسَالِ الْبُرْسُقِيِّ إِلَى قِتَالِهِ، وَتَقْوِيَتِهِ بِالْمَالِ، وَأَنَّ السُّلْطَانَ كَحَلَ أَخَاهُ، وَبَالَغَ فِي الْوَعِيدِ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَجَزَّ شَعْرَهُ، وَحَلَفَ لَيَنْهَبَنَّ بَغْدَاذَ، وَيُخَرِّبَهَا، فَاغْتَاظَ الْخَلِيفَةُ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَغَضِبَ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ بِالتَّبْرِيزِ إِلَى حَرْبِ دُبَيْسٍ، فَبَرَزَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَتَجَهَّزَ الْخَلِيفَةُ، وَبَرَزَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَاسْتَدْعَى الْعَسَاكِرَ، فَأَتَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشَ، صَاحِبُ الْحَدِيثَةِ، فِي عُقَيْلٍ، وَأَتَاهُ قِرْوَاشُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَأَرْسَلَ دُبَيْسًا إِلَى نَهْرِ مَلِكٍ فَنَهْبَ، وَعَمِلَ أَصْحَابُهُ كُلَّ عَظِيمٍ مِنَ الْفَسَادِ فَوَصَلَ أَهْلُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ فَنُودِيَ بِبَغْدَاذَ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنَ الْأَجْنَادِ أَحَدٌ، وَمَنْ أَحَبَّ الْجُنْدِيَّةَ مِنَ الْعَامَّةِ فَلْيَحْضُرْ، فَجَاءَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ.
فَلَمَّا عَلِمَ دُبَيْسٌ الْحَالَ كَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَعْطِفُهُ وَيَسْأَلُهُ الرِّضَا عَنْهُ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْرِجَتْ خِيَامُ الْخَلِيفَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَادَى أَهْلُ بَغْدَاذَ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، الْغَزَاةَ الْغَزَاةَ! وَكَثُرَ الضَّجِيجُ مِنَ النَّاسِ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَبَرَزَ الْخَلِيفَةُ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ أَسْوَدٌ، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرْحَةٌ، وَعَلَى كَتِفِهِ الْبُرْدَةُ، وَفِي يَدِهِ الْقَضِيبُ، وَفِي وَسَطِهِ مِنْطَقَةُ حَدِيدٍ صِينِيِّ، وَنَزَلَ الْخِيَامَ وَمَعَهُ وَزِيرُ نِظَامِ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ نِظَامِ
[ ٨ / ٦٨٣ ]
الْمُلْكِ، وَنَقِيبُ الطَّالِبِيِّينَ، وَنَقِيبُ النُّقَبَاءِ عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ، وَشَيْخُ الشُّيُوخِ صَدْرُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ.
وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ قَدْ نَزَلَ بِقَرْيَةِ جِهَارِ طَاقَ، وَمَعَهُ عَسْكَرُهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ عَنْ بَغْدَاذَ عَادُوا إِلَى خِدْمَتِهِ، فَلَمَّا رَأَوُا الشِّمْسَةَ تَرَجَّلُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بِالْبُعْدِ مِنْهُ.
وَدَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ، فَنَزَلَ الْخَلِيفَةُ، مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ، بِالْحَدِيثَةِ، بِنَهْرِ الْمَلِكِ، وَاسْتَدْعَى الْبُرْسُقِيَّ وَالْأُمَرَاءَ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ فِي الْحَرْبِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى النَّيْلِ، وَنَزَلُوا بِالْمُبَارَكَةِ، وَعَبَّأَ الْبُرْسُقِيُّ أَصْحَابَهُ، وَوَقَفَ الْخَلِيفَةُ مِنْ وَرَاءِ الْجَمِيعِ فِي خَاصَّتِهِ، وَجَعَلَ دُبَيْسٌ أَصْحَابَهُ صَفًّا وَاحِدًا، مَيْمَنَةً، وَمَيْسَرَةً، وَقَلْبًا، وَجَعَلَ الرَّجَّالَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَيَّالَةِ بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ قَدْ وَعَدَ أَصْحَابَهُ بِنَهْبِ بَغْدَاذَ، وَسَبْيِ النِّسَاءِ، فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ بَادَرَ أَصْحَابُ دُبَيْسٍ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمِ الْإِمَاءُ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، وَالْمَخَانِيثُ بِالْمَلَاهِي، وَلَمْ يُرَ فِي عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ غَيْرُ قَارِئٍ، وَمُسَبِّحٍ، وَدَاعٍ، فَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ.
وَكَانَ مَعَ أَعْلَامِ الْخَلِيفَةِ الْأَمِيرُ كَرَبَاوِيُّ بْنُ خُرَاسَانَ، وَفِي السَّاقَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشَ، وَفِي مَيْمَنَةِ عَسْكَرِ الْبُرْسُقِيِّ الْأَمِيرُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِلْيَاسَ مَعَ الْأُمَرَاءِ الْبَكْجِيَّةِ، فَحَمَلَ عَنْتَرُ بْنُ أَبِي الْعَسْكَرِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِ دُبَيْسٍ عَلَى مَيْمَنَةِ الْبُرْسُقِيِّ، فَتَرَاجَعَتْ عَلَى أَعْقَابِهَا، وَقُتِلَ ابْنُ أَخٍ لِلْأَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ الْبَكْجِيِّ، وَعَادَ عَنْتَرٌ وَحَمَلَ حَمْلَةً ثَانِيَةً عَلَى هَذِهِ الْمَيْمَنَةِ، فَكَانَ حَالُهَا فِي الرُّجُوعِ عَلَى أَعْقَابِهَا كَحَالِهَا الْأَوَّلِ، فَلَمَّا رَأَى عَسْكَرُ وَاسِطَ ذَلِكَ، وَمُقَدَّمُهُمُ الشَّهِيدُ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، حَمَلَ وَهُمْ مَعَهُ عَلَى عَنْتَرٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَتَوْهُمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ فَبَقِيَ عَنْتَرٌ فِي الْوَسَطِ، وَعِمَادُ الدِّينِ وَعَسْكَرُ وَاسِطَ مِنْ وَرَائِهِ، وَالْأُمَرَاءُ الْبَكْجِيَّةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأُسِرَ عَنْتَرٌ، وَأُسِرَ مَعَهُ بُرَيْكُ بْنُ زَائِدَةَ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُمَا وَلَمْ يُفْلِتْ أَحَدٌ.
وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ وَاقِفًا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ آقْ بُورِيُّ فِي الْكَمِينِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا اخْتَلَطَ النَّاسُ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى عَسْكَرِ دُبَيْسٍ، فَانْهَزَمُوا جَمِيعُهُمْ وَأَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ.
وَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ اشْتِدَادَ الْحَرْبِ جَرَّدَ سَيْفَهُ وَكَبَّرَ وَتَقَدَّمَ إِلَى الْحَرْبِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ عَسْكَرُ دُبَيْسٍ وَحُمِلَتِ الْأَسْرَى إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ صَبْرًا.
وَكَانَ عَسْكَرُ دُبَيْسٍ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَعَسْكَرُ الْبُرْسُقِيِّ ثَمَانِيَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَخَمْسَةِ آلَافِ رَاجِلٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ غَيْرُ عِشْرِينَ
[ ٨ / ٦٨٤ ]
فَارِسًا، وَحَصَلَ نِسَاءُ دُبَيْسٍ وَسَرَارِيِّهِ تَحْتَ الْأَسْرِ سِوَى بِنْتِ إِيلْغَازِي،، وَبِنْتِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَرَكَهُمَا فِي الْمَشْهَدِ.
وَعَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَلَمَّا عَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ ثَارَ الْعَامَّةُ بِهَا، وَنَهَبُوا مَشْهَدَ بَابِ التِّبْنِ، وَقَلَعُوا أَبْوَابَهُ، فَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ نَظَرَ أَمِيرَ الْحَاجِّ بِالرُّكُوبِ إِلَى الْمَشْهَدِ، وَتَأْدِيبِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَخْذِ مَا نُهِبَ، فَفَعَلَ وَأَعَادَ الْبَعْضَ وَخَفِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ.
وَأَمَّا دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ بِفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ، وَأَدْرَكَتْهُ الْخَيْلُ فَفَاتَهَا وَعَبَرَ الْفُرَاتَ، فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ وَقَدْ عَبَرَ، فَقَالَتْ لَهُ: دُبَيْرٌ جِئْتَ؟ فَقَالَ: دُبَيْرٌ مَنْ لَمْ يَجِئْ. وَاخْتَفَى خَبَرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأُرْجِفَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ غُزَيَّةَ مِنْ عَرَبِ نَجْدٍ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُحَالِفُوهُ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّا نُسْخِطُ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ، فَرَحَلَ إِلَى الْمُنْتَفَقِ، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْبَصْرَةِ وَأَخْذِهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا وَدَخَلُوهَا، وَنَهَبُوا أَهْلَهَا، وَقُتِلَ الْأَمِيرُ سَخْتُ كُمَانُ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهَا، وَأُجْلِيَ أَهْلُهَا.
فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يُعَاتِبُهُ عَلَى إِهْمَالِهِ أَمْرِ دُبَيْسٍ، حَتَّى تَمَّ لَهُ مِنْ أَمْرِ الْبَصْرَةِ مَا أَخَرَبَهَا، فَتَجَهَّزَ الْبُرْسُقِيُّ لِلِانْحِدَارِ إِلَيْهِ، فَسَمِعَ دُبَيْسٌ ذَلِكَ، فَفَارَقَ الْبَصْرَةَ، وَسَارَ عَلَى الْبَرِّ إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَالْتَحَقَ بِالْفِرِنْجِ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ حِصَارَ حَلَبَ، وَأَطْمَعَهُمْ فِي أَخْذِهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا، فَعَادُوا عَنْهَا، ثُمَّ فَارَقَهُمْ وَالْتَحَقَ بِالْمَلِكِ طُغْرَلَ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَأَقَامَ مَعَهُ، وَحَسَّنَ لَهُ قَصْدَ الْعِرَاقِ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ حِصْنَ الْأَثَارِبِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، مَلَكَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ الْأَثَارِبِ، مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَكْثَرُوا قَصْدَ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا بِالْإِغَارَةِ، وَالتَّخْرِيبِ، وَالتَّحْرِيقِ، وَكَانَ بِحَلْبَ حِينَئِذٍ بَدْرُ الدَّوْلَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أُرْتُقَ، وَهُوَ صَاحِبُهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِالْفِرِنْجِ قُوَّةٌ، وَخَافَهُمْ، فَهَادَنَهُمْ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْأَثَارِبَ وَيَكُفُّوا
[ ٨ / ٦٨٥ ]
عَنْ بِلَادِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَسَلَّمُوا الْحِصْنَ، وَتَمَّتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ الرَّعِيَّةِ بِأَعْمَالِ حَلَبَ، وَجُلِبَتْ إِلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ تَزَلِ الْأَثَارِبُ بِأَيْدِي الْفِرِنْجِ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا أَتَابِكُ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ بَلْكَ حَرَّانَ وَحَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، مَلَكَ بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ مَدِينَةَ حَرَّانَ، وَكَانَ قَدْ حَصَرَهَا، فَلَمَّا مَلَكَهَا سَارَ مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ حَلَبَ.
وَسَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صَاحِبَهَا بَدْرَ الدَّوْلَةِ قَدْ سَلَّمَ قَلْعَةَ الْأَثَارِبِ إِلَى الْفِرِنْجِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَعَلِمَ عَجْزَهُ عَنْ حِفْظِ بِلَادِهِ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ فِي مُلْكِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، وَنَازَلَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَضَايَقَهَا، وَمَنَعَ الْمِيرَةَ عَنْهَا، وَأَحْرَقَ زُرُوعَهَا، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ الْبَلَدَ وَالْقَلْعَةَ بِالْأَمَانِ، غِرَّةَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَبَقِيَ مَالِكًا لَهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ بِإِفْرِيقِيَّةَ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى، صَاحِبَ إِفْرِيقِيَةَ، لَمَّا اسْتَوْحَشَ مِنْ رُجَّارَ صَاحِبِ صِقِلِّيَةَ، جَدَّدَ الْأُسْطُولَ الَّذِي لَهُ، وَكَثَّرَ عَدَدَهُ، وَكَاتَبَ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ بِمُرَّاكِشَ بِالِاجْتِمَاعِ مَعَهُ عَلَى قَصْدِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، فَلَمَّا عَلِمَ رُجَّارُ ذَلِكَ كَفَّ عَنْ بَعْضِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ عَلِيًّا مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَوَلِيَ ابْنُهُ الْحَسَنُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ سَيَّرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أُسْطُولًا، فَفَتَحُوا نُقُوطَرَةَ بِسَاحِلِ بِلَادِ قِلَّوْرِيَةَ، فَلَمْ يَشُكَّ رُجَّارُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ، فَجَدَّ فِي تَعْمِيرِ الشَّوَانِي وَالْمَرَاكِبِ، وَحَشَدَ فَأَكْثَرَ، وَمَنَعَ مِنَ السَّفَرِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْغَرْبِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، قِيلَ: كَانَ ثَلَاثَمِائَةِ قِطْعَةٍ، فَلَمَّا انْقَطَعَتِ الطَّرِيقُ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ تَوَقَّعَ الْأَمِيرُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خُرُوجَ الْعَدُوِّ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْعُدَدِ،، وَتَجْدِيدِ الْأَسْوَارِ، وَجَمَعَ الْمُقَاتِلَةَ، فَأَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ وَمِنَ الْعَرَبِ جَمْعٌ كَثِيرٌ.
[ ٨ / ٦٨٦ ]
فَلَمَّا كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ سَارَ الْأُسْطُولُ الْفِرِنْجِيُّ فِي ثَلَاثِمِائَةِ قِطْعَةٍ، فِيهَا أَلْفُ فَرَسٍ وَفَرَسٌ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا سَارُوا مِنْ مَرْسَى عَلِيٍّ فَرَّقَتْهُمُ الرِّيحُ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ مَرَاكِبُ كَثِيرَةٌ، وَنَازَلَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ جَزِيرَةَ قَوْصَرَةَ فَفَتَحُوهَا، وَقَتَلُوا مَنْ بِهَا، وَسَبَوْا وَغَنِمُوا، وَسَارُوا عَنْهَا، فَوَصَلُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَنَازَلُوا الْحِصْنَ الْمَعْرُوفَ بِالدِّيمَاسِ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى، فَقَاتَلَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا هُنَاكَ وَالدِّيمَاسُ حِصْنٌ مَنِيعٌ، فِي وَسَطِهِ حِصْنٌ آخَرُ، وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَى الْبَحْرِ.
وَسَيَّرَ الْحَسَنُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُمُوعِ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَأَقَامَ هُوَ بِالْمَهْدِيَّةِ فِي جَمْعٍ آخَرَ يَحْفَظُهَا، وَأَخْذَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ الدِّيمَاسِ، وَجُنُودُ الْمُسْلِمِينَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ لَيَالٍ اشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَى الْحِصْنِ الدَّاخِلِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ صَاحَ الْمُسْلِمُونَ صَيْحَةً عَظِيمَةً ارْتَجَّتْ لَهَا الْأَرْضُ، وَكَبَّرُوا، فَوَقَعَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِ الْفِرِنْجِ، فَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَهْجُمُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَادَرُوا إِلَى شَوَانِيهِمْ، وَقَتَلُوا بِأَيْدِيهِمْ كَثِيرًا مِنْ خُيُولِهِمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ فَرَسٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مَعَهُمْ غَيْرُ فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا تَخَلَّفَ عَنِ الْفِرِنْجِ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الطُّلُوعِ إِلَى الْمَرَاكِبِ.
فَلَمَّا صَعِدَ الْفِرِنْجُ إِلَى مَرَاكِبِهِمْ أَقَامُوا بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى النُّزُولِ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا أَيِسُوا مِنْ خَلَاصِ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ فِي الدِّيمَاسِ سَارُوا وَالْمُسْلِمُونَ يُكَبِّرُونَ عَلَيْهِمْ وَيَصِيحُونَ بِهِمْ، وَأَقَامَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِصْنِ الدِّيمَاسِ فِي أُمَمٍ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، فَحَصَرُوهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ فَتْحُهُ لِحَصَانَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَلَمَّا عُدِمَ الْمَاءُ عَلَى مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَضَجِرُوا مِنْ مُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ وَخَرَجُوا، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِقَامَتِهِمْ فِي الْحِصْنِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَلَمَّا رَجَعَ الْفِرِنْجُ مَقْهُورِينَ أَرْسَلَ الْأَمِيرُ الْحَسَنُ الْبُشْرَى إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَأَكْثَرُوا، تَرَكْنَا ذَلِكَ خَوْفَ التَّطْوِيلِ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْفِرِنْجِ عَلَى خَرْتَبِرْتَ وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ عَلَى خَرْتَبِرْتَ مِنْ بِلَادِ دِيَارِ بَكْرٍ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ بَلْكَ بْنَ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ كَانَ صَاحِبَ خَرْتَبِرْتَ فَحَصَرَ قَلْعَةَ كَرْكَرَ، وَهِيَ تُقَارِبُ خَرْتَبِرْتَ، فَسَمِعَ الْفِرِنْجُ بِالشَّامِ الْخَبَرَ، فَسَارَ بَغْدُوِينُ مَلِكُ الْفِرِنْجِ فِي
[ ٨ / ٦٨٧ ]
جُمُوعِهِ إِلَيْهِ لِيُرَحِّلَهُ عَنْهَا، خَوْفًا أَنْ يَقْوَى بِمُلْكِهَا، فَلَمَّا سَمِعَ بَلْكُ بِقُرْبِهِ مِنْهُ رَحَلَ إِلَيْهِ، وَالْتَقَيَا فِي صَفَرٍ، وَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ، وَأُسِرَ مَلِكُهُمْ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ فُرْسَانِهِمْ، وَسَجَنَهُمْ بِقَلْعَةِ خَرْتَبِرْتَ، وَكَانَ بِالْقَلْعَةِ أَيْضًا جُوسُلِينُ، صَاحِبُ الرُّهَا، وَغَيْرُهُ مِنْ مُقَدَّمِي الْفِرِنْجِ كَانَ قَدْ أَسَرَهُمْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارَ بَلْكُ عَنْ خَرْتَبِرْتَ إِلَى حَرَّانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَمَلَكَهَا، فَأَعْمَلَ الْفِرِنْجُ الْحِيلَةَ بِاسْتِمَالَةِ بَعْضِ الْجُنْدِ، فَظَهَرُوا وَمَلَكُوا الْقَلْعَةَ.
فَأَمَّا الْمَلِكُ بَغْدُوِينُ فَإِنَّهُ اتَّخَذَ اللَّيْلَ جَمَلًا وَمَضَى إِلَى بِلَادِهِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِبَلْكَ صَاحِبِهَا، فَعَادَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَيْهَا وَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِالْقَلْعَةِ، وَاسْتَعَادَهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَعَادَ عَنْهَا.
ذِكْرُ قَتْلِ وَزِيرِ السُّلْطَانِ وَعَوْدِ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى وِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ عَلَى وَزِيرِهِ شَمْسِ الْمُلْكِ عُثْمَانَ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ وَقَتَلَهُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا أَشَارَ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْعَوْدِ عَنْ حَرْبِ الْكُرْجِ، وَخَالَفَهُ، وَكَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي مُخَالَفَتِهِ، تَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ أَعْدَاؤُهُ بِالسُّوءِ، وَنَبَّهُوا عَلَى تَهَوُّرِهِ، وَقِلَّةِ تَحْصِيلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِمَصَالِحِ الدَّوْلَةِ، فَفَسَدَ رَأْيُ السُّلْطَانِ فِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ الشِّهَابَ أَبَا الْمَحَاسِنِ، وَزِيرَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي نِظَامِ الْمُلْكِ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو طَاهِرٍ الْقُمِّيُّ، وَهُوَ عَدُوٌّ لِلْبَيْتِ النِّظَامِيِّ، فَسَعَى مَعَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى وَزِيرِهِ شَمْسِ الْمُلْكِ، فَصَادَفَ وُصُولَ الرَّسُولِ وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَهُ إِلَى طَغَايَرْكَ، فَبَعَثَهُ إِلَى خَلْخَالَ، فَحَبَسَهُ فِيهَا.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَصْرٍ الْمُسْتَوْفِيَ، الْمُلَقَّبَ بِالْعَزِيزِ، قَالَ لِلسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ: لَا نَأْمَنُ أَنْ يُرْسِلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ يَطْلُبُ الْوَزِيرَ، وَمَتَى اتَّصَلَ بِهِ لَا نَأْمَنُ شَرًّا يَحْدُثُ مِنْهُ.
وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ السَّيَّافُ لِيَقْتُلَهُ قَالَ: أَمْهِلْنِي حَتَّى
[ ٨ / ٦٨٨ ]
أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا صَلَّى جَعَلَ يَرْتَعِدُ، وَقَالَ لِلسَّيَّافِ: سَيْفِي أَجْوَدُ مِنْ سَيْفِكَ، فَاقْتُلْنِي بِهِ وَلَا تُعَذِّبْنِي، فَقُتِلَ ثَانِيَ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ ذَلِكَ عَزَلَ أَخَاهُ نِظَامَ الدِّينِ أَحْمَدَ مِنْ وِزَارَتِهِ، وَأَعَادَ جَلَالَ الدِّينِ أَبَا عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَأَقَامَ نِظَامَ الدِّينِ بِالْمُثَمَّنَةِ الَّتِي فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ.
وَأَمَّا الْعَزِيزُ الْمُسْتَوْفِي فَإِنَّهُ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ حَتَّى قُتِلَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، جَزَاءً لِسَعْيِهِ فِي قَتْلِ الْوَزِيرِ.
ذِكْرِ ظَفَرِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِالْكُرْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّتْ نِكَايَةُ الْكُرْجِ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ دَرْبَنْدَ شِرْوَانَ، فَسَارَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ إِلَى السُّلْطَانِ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ حِفْظِ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَالْكُرْجُ قَدْ وَصَلُوا إِلَى شَمَاخِي، فَنَزَلَ السُّلْطَانُ فِي بُسْتَانٍ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ الْكُرْجُ إِلَيْهِ، فَخَافَهُمُ الْعَسْكَرُ خَوْفًا شَدِيدًا.
وَأَشَارَ الْوَزِيرُ شَمَّسُ الْمُلْكِ عُثْمَانُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْعَوْدِ مِنْ هُنَاكَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ شِرْوَانَ بِذَلِكَ قَصَدُوا السُّلْطَانَ وَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نُقَاتِلُ مَا دُمْتَ عِنْدَنَا، وَإِنْ تَأَخَّرْتَ عَنَّا ضَعُفَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ وَهَلَكُوا، فَقَبِلَ قَوْلَهُمْ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ.
وَبَاتَ الْعَسْكَرُ عَلَى وَجَلٍ عَظِيمٍ، وَهُمْ بِنِيَّةِ الْمَصَافِّ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَلْقَى بَيْنَ الْكُرْجِ وَقُفْجَاقَ اخْتِلَافًا وَعَدَاوَةً، فَاقْتَتَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَرَحَلُوا شِبْهَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَأَقَامَ السُّلْطَانُ بِشِرْوَانَ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى هَمَذَانَ فَوَصَلَهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمَغَارِبَةِ وَعَسْكَرِ مِصْرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ لَوَاتَةَ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَنَهَبُوهَا، وَعَمِلُوا أَعْمَالًا شَنِيعَةً، فَجَمَعَ الْمَأْمُونُ بْنُ الْبَطَائِحِيِّ، الَّذِي وَزَرَ بِمِصْرَ بَعْدَ الْأَفْضَلِ، عَسْكَرَ مِصْرَ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَرَّرَ
[ ٨ / ٦٨٩ ]
عَلَيْهِمْ خَرْجًا مَعْلُومًا كُلَّ سَنَةٍ يَقُومُونَ بِهِ، وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَعَادَ الْمَأْمُونُ إِلَى مِصْرَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، أَمَرَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِبِنَاءِ سُورِ بَغْدَاذَ، وَأَنْ يُجْبَى مَا يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلَدِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَجُمِعَ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ كَرَاهَةَ النَّاسِ لِذَلِكَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ، فَسُرُّوا بِذَلِكَ، وَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْوَزِيرَ أَحْمَدَ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالَ: نُقَسِّطُ الْبَاقِيَ عَلَى أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ.
وَكَانَ أَهْلُ بَغْدَاذَ يَعْمَلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فِيهِ، وَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْعَمَلَ: يَعْمَلُ أَهْلُ كُلِّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدِينَ بِالطُّبُولِ وَالزُّمُورِ، وَزَيَّنُوا الْبَلَدَ، وَعَمِلُوا فِيهِ الْقِبَابَ.
وَفِيهَا عُزِلَ نَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ، وَهُدِمَتْ دَارُ عَلِيِّ بْنِ أَفْلَحَ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يُكْرِمُهُ، فَظَهَرَ أَنَّهُمَا عَيْنٌ لِدُبَيْسٍ يُطَالِعَانِهِ بِالْأَخْبَارِ، وَجَعَلَ الْخَلِيفَةُ نِقَابَةَ الْعَلَوِيِّينَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ، نَقِيبِ الْعَبَّاسِيِّينَ.
وَفِيهَا جَمَعَ الْأَمِيرُ بَلْكُ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى غَزَاةٍ بِالشَّامِ، فَلَقِيَهُ الْفِرِنْجُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ وَرَجَّالَتِهِمْ.
وَفِيهَا كَانَ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ أَكْثَرُهُ بِالْعِرَاقِ، فَبَلَغَ ثَمَنُ كَارَةِ الدَّقِيقِ الْخُشْكَارِ سِتَّةَ دَنَانِيرَ وَعَشَرَةَ قَرَارِيطَ، وَتَبِعَ ذَلِكَ مَوْتُ كَثِيرٍ، وَأَمْرَاضٌ زَائِدَةٌ هَلَكَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ قَاسِمُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو فُلَيْتَةَ، وَكَانَ أَعْدَلَ مِنْهُ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةِ، فَأَسْقَطَ الْمُكُوسَ، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ.
[ ٨ / ٦٩٠ ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْحَدَّادُ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُحَدِّثِينَ، سَافَرَ الْكَثِيرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِيهَا سَارَ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، إِلَى حِمْصَ، فَهَجَمَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَنَهَبَهَا وَأَحْرَقَ كَثِيرًا مِنْهَا وَحَصَرَهَا، وَصَاحِبُهَا قُرْجَانُ بِالْقَلْعَةِ، فَاسْتَمَدَّ صَاحِبُهَا طُغَانُ أَرْسِلَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ.
وَفِيهَا لَقِيَ أُسْطُولُ مِصْرَ أُسْطُولَ الْبَنَادِقَةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَ الظَّفَرُ لِلْبَنَادِقَةِ، وَأُخِذَ مِنْ أُسْطُولِ مِصْرَ عِدَّةُ قِطَعٍ، وَعَادَ الْبَاقِي سَالِمًا.
وَفِيهَا سَارَ الْأَمِيرُ مَحْمُودُ بْنُ قُرَاجَةَ، صَاحِبُ حَمَاةَ، إِلَى حِصْنِ أَفَامِيَةَ فَهَجَمَ عَلَى الرَّبَضِ بَغْتَةً، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ مِنَ الْقَلْعَةِ فِي يَدِهِ، فَاشْتَدَّ أَلَمُهُ، فَعَادَ إِلَى حَمَاةَ، وَقَلَعَ الزُّجَّ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ عُمِلَتْ عَلَيْهِ، فَمَاتَ مِنْهُ، وَاسْتَرَاحَ أَهْلُ عَمَلِهِ مِنْ ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، الْخَبَرَ سَيَّرَ إِلَى حَمَاةَ عَسْكَرًا، فَمَلَكَهَا وَصَارَتْ فِي جُمْلَةِ بِلَادِهِ، وَرَتَّبَ فِيهَا وَالِيًا وَعَسْكَرًا لِحِمَايَتِهَا.
[ ٨ / ٦٩١ ]