٤٩٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ بَلْكَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ مَدِينَةَ عَانَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، اسْتَوْلَى بَلْكُ بْنُ بَهْرَامَ بْنِ أُرْتُقَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي إِيلْغَازِي بْنِ أُرْتُقَ، عَلَى مَدِينَةِ عَانَةَ، وَالْحَدِيثَةِ، وَكَانَ لَهُ مَدِينَةُ سَرُوجٍ، فَأَخَذَهَا الْفِرِنْجُ مِنْهُ، فَسَارَ عَنْهَا إِلَى عَانَةَ وَأَخَذَهَا مِنْ بَنِي يَعِيشَ بْنِ عِيسَى بْنِ خِلَاطٍ، فَقَصَدَ بَنُو يَعِيشَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنَ مَزْيَدٍ، وَمَعَهُمْ مَشَايِخُهُمْ، فَسَأَلُوهُ الْإِصْعَادَ إِلَيْهَا، وَأَنْ يَتَسَلَّمَهَا مِنْهُمْ، فَفَعَلَ وَأَصْعَدَ مَعَهُمْ.
فَرَحَلَ التُّرْكُمَانُ وَبَهْرَامُ عَنْهَا، وَأَخَذَ صَدَقَةُ رَهَائِنَهُمْ، وَعَادَ إِلَى حِلَّتِهِ، فَرَجَعَ بَلْكُ إِلَيْهَا وَمَعَهُ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَمَانَعَهُ أَصْحَابُهُ قَلِيلًا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْمَخَاضَةِ إِلَيْهَا، فَخَاضَهَا وَعَبَرَ، وَمَلَكَهُمْ وَنَهَبَهُمْ، وَسَبَى جَمِيعَ حَرَمِهِمْ وَانْحَدَرَ طَالِبًا هَيْتَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّامِيِّ، فَبَلَغَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْهَا، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ، وَلَمَّا سَمِعَ صَدَقَةُ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ، ثُمَّ أَعَادَهُمْ عِنْدَ عَوْدِ بَلْكَ.
ذِكْرُ غَارَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى الرَّقَّةِ وَقَلْعَةِ جَعْبَرَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، أَغَارَ الْفِرِنْجُ مِنَ الرُّهَا عَلَى مَرْجِ الرَّقَّةِ وَقَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَكَانُوا لَمَّا خَرَجُوا مِنَ الرُّهَا افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ، وَأَبْعَدُوا يَوْمًا وَاحِدًا تَكُونُ الْغَارَةُ عَلَى الْبَلَدَيْنِ فِيهِ، فَفَعَلُوا مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ، وَأَغَارُوا، وَاسْتَاقُوا الْمَوَاشِيَ، وَأَسَرُوا مَنْ وَقَعَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتِ الْقَلْعَةُ وَالرَّقَّةُ لِسَالِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بَدْرَانَ بْنِ الْمُقَلَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ السُّلْطَانُ مَلِكْشَاهْ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيهَا.
[ ٨ / ٤٩٢ ]
ذِكْرُ الصُّلْحِ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ مَلِكْشَاهْ.
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْحُرُوبَ تَطَاوَلَتْ بَيْنَهُمَا، وَعَمَّ الْفَسَادُ، فَصَارَتِ الْأَمْوَالُ مَنْهُوبَةً، وَالدِّمَاءُ مَسْفُوكَةً، وَالْبِلَادُ مُخَرَّبَةً، وَالْقُرَى مُحَرَّقَةً، وَالسَّلْطَنَةُ مَطْمُوعًا فِيهَا، مَحْكُومًا عَلَيْهَا، وَأَصْبَحَ الْمُلُوكُ مَقْهُورِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَاهِرِينَ، وَكَانَ الْأُمَرَاءُ الْأَكَابِرُ يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ وَيَخْتَارُونَهُ لِيَدُومَ تَحَكَّمُهُمْ، وَانْبِسَاطُهُمْ، وَإِدْلَالُهُمْ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ حِينَئِذٍ بِالرَّيِّ وَالْخُطْبَةُ لَهُ بِهَا، وَبِالْجَبَلِ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَفَارِسَ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَالْجَزِيرَةِ، وَبِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِيهَا، وَبِبِلَادِ أَرَانِيَّةَ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وأَصْبَهَانَ، وَالْعِرَاقِ، كُلِّهَا مَا عَدَا تِكْرِيتَ.
وَأَمَّا أَعْمَالُ الْبَطَائِحِ فَيُخْطَبُ بِبَعْضِهَا لبَرْكِيَارُقَ، وَبِبَعْضِهَا لِمُحَمَّدٍ.
وَأَمَّا الْبَصْرَةُ فَكَانَ يُخْطَبُ فِيهَا لَهُمَا جَمِيعًا.
وَأَمَّا خُرَاسَانُ فَإِنَّ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ كَانَ يُخْطَبُ لَهُ فِي جَمِيعِهَا، وَهِيَ مِنْ حُدُودِ جُرْجَانَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَلِأَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ.
فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ الْمَالَ عِنْدَهُ مَعْدُومًا، وَالطَّمَعَ مِنَ الْعَسْكَرِ زَائِدًا، أَرْسَلَ الْقَاضِيَ أَبَا الْمُظَفَّرِ الْجُرْجَانِيَّ الْحَنَفِيَّ، وَأَبَا الْفَرَجِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْهَمَذَانِيَّ، الْمَعْرُوفَ بِصَاحِبِ قُرَاتِكِينَ، إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ فِي تَقْرِيرِ قَوَاعِدِ الصُّلْحِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَرَاغَةَ، فَذَكَرَا لَهُ مَا أُرْسِلَا فِيهِ، وَرَغَّبَاهُ فِي الصُّلْحِ وَفَضِيلَتِهِ، وَمَا شَمِلَ الْبِلَادَ مِنَ الْخَرَابِ، وَطَمَعِ عَدُوِّ الْإِسْلَامِ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ فِيهِ رُسُلًا، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ: أَنَّ السُّلْطَانَ بَرْكِيَارُقَ لَا يَعْتَرِضُ أَخَاهُ مُحَمَّدًا فِي الطَّبْلِ، وَأَنْ لَا يُذْكَرَ مَعَهُ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ الَّتِي صَارَتْ لَهُ، وَأَنْ لَا يُكَاتِبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَلْ تَكُونُ الْمُكَاتَبَةُ مِنَ الْوَزِيرَيْنِ، وَلَا يُعَارَضُ أَحَدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ فِي قَصْدِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ مِنَ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ
[ ٨ / ٤٩٣ ]
بِإِسْبِيذَرُوذَ، إِلَى بَابِ الْأَبْوَابِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالشَّامِ، وَيَكُونَ لَهُ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ بِلَادُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ.
فَأَجَابَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى هَذَا، وَزَالَ الْخُلْفُ، وَالشَّغْبُ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى أَصْحَابِهِ بأَصْبَهَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالِانْصِرَافِ عَنِ الْبَلَدِ، وَتَسْلِيمِهِ إِلَى أَصْحَابِ أَخِيهِ، وَسَارَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَلَمَّا سَلَّمَهَا إِلَيْهِ أَصْحَابُ أَخِيهِ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ، وَفِي خِدْمَتِهِ، فَامْتَنَعُوا، وَرَأَوْا لُزُومَ خِدْمَةِ صَاحِبِهِمْ، فَسَمَّاهُمْ أَهْلُ الْعَسْكَرَيْنِ جَمِيعًا: أَهْلَ الْوَفَاءِ، وَتَوَجَّهُوا مِنْ أَصْبَهَانَ، وَمَعَهُمْ حَرِيمُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُمْ بَرْكِيَارُقُ، وَحَمَّلَ لِأَهْلِ أَخِيهِ الْمَالَ الْكَثِيرَ، وَمِنَ الدَّوَابِّ ثَلَاثَمِائَةِ جَمَلٍ، وَمِائَةً وَعِشْرِينَ بَغْلًا، تَحْمِلُ الثَّقَلَ، وَسَيَّرَ مَعَهُمُ الْعَسَاكِرَ يَخْدِمُونَهُمْ.
وَلَمَّا وَصَلَتْ رُسُلُ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ بِالصُّلْحِ، وَمَا اسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَيْهِ، حَضَرَ إِيلْغَازِي بِالدِّيوَانِ، وَسَأَلَ فِي إِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لبَرْكِيَارُقَ، فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ، وَخُطِبَ لَهُ بِالدِّيوَانِ يَوْمَ الْخَمِيسَ تَاسِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى، وَخُطِبَ لَهُ، مِنَ الْغَدِ، بِالْجَوَامِعِ، وَخُطِبَ لَهُ أَيْضًا بِوَاسِطَ.
وَلَمَّا خَطَبَ إِيلْغَازِي بِبَغْدَاذَ لبَرْكِيَارُقَ، وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ، أَرْسَلَ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَقُولُ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْسُبُ إِلَيَّ كُلَّ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ إِيلْغَازِي مِنْ إِخْلَالٍ بِوَاجِبِ الْخِدْمَةِ، وَشَرْطِ الطَّاعَةِ، وَمِنَ اطِّرَاحِ الْمُرَاقَبَةِ، وَالْآنَ، فَقَدْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلسُّلْطَانِ الَّذِي اسْتَنَابَهُ، وَأَنَا غَيْرُ صَابِرٍ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أَسِيرُ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ بَغْدَاذَ.
فَلَمَّا سَمِعَ إِيلْغَازِي ذَلِكَ شَرَعَ فِي جَمْعِ التُّرْكُمَانِ، وَوَرَدَ صَدَقَةُ بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ مُقَابِلَ التَّاجِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضِ، وَنَزَلَ فِي مُخَيَّمِهِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَفَارَقَ إِيلْغَازِي بَغْدَاذَ إِلَى بَعْقُوبَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَدَقَةَ يَعْتَذِرُ عَنْ طَاعَتِهِ لبَرْكِيَارُقَ بِالصُّلْحِ الْوَاقِعِ، وَأَنَّ إِقْطَاعَهُ حُلْوَانَ وَغَيْرَهَا فِي جُمْلَةِ بِلَادِهِ، وَأَنَّ بَغْدَاذَ الَّتِي هُوَ شِحْنَةٌ فِيهَا قَدْ صَارَتْ لَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي طَاعَتِهِ. فَرَضِيَ عَنْهُ صَدَقَةُ، وَعَادَ إِلَى الْحِلَّةِ.
[ ٨ / ٤٩٤ ]
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ سُيِّرَتِ الْخِلَعُ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، وَلِلْأَمِيرِ إِيَازَ، وَلِوَزِيرِ بَرْكِيَارُقَ، وَهُوَ الْخَطِيرُ، وَالْعَهْدُ بِالسَّلْطَنَةِ، وَحَلَفُوا جَمِيعُهُمْ لِلْخَلِيفَةِ وَعَادُوا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ جُبَيْلًا وَعَكَّا مِنَ الشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَتْ مَرَاكِبُ مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ إِلَى مَدِينَةِ اللَّاذِقِيَّةِ، وَفِيهَا التُّجَّارُ، وَالْأَجْنَادُ، وَالْحُجَّاجُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَاسْتَعَانَ بِهِمْ صَنْجِيلُ الْفِرِنْجيُّ عَلَى حِصَارِ طَرَابُلُسَ، فَحَصَرُوهَا مَعَهُ بَرًّا وَبَحْرًا، وَضَايَقُوهَا، وَقَاتَلُوهَا أَيَّامًا، فَلَمْ يَرَوْا فِيهَا مَطْمَعًا، فَرَحَلُوا عَنْهَا إِلَى مَدِينَةِ جُبَيْلٍ، فَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلُوا عَلَيْهَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا عَجْزَهُمْ عَنِ الْفِرِنْجِ أَخَذُوا أَمَانًا، وَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ تَفِ الْفِرِنْجُ لَهُمْ بِالْأَمَانِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَنْقَذُوهَا بِالْعُقُوبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْعَذَابِ.
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ جُبَيْلٍ سَارُوا إِلَى مَدِينَةِ عَكَّا، اسْتَنْجَدَهُمُ الْمَلِكُ بَغْدَوِينُ، مَلِكُ الْفِرِنْجِ، صَاحِبُ الْقُدْسِ عَلَى حِصَارِهَا، فَنَازَلُوهَا، وَحَصَرُوهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَكَانَ الْوَالِي بِهَا اسْمُهُ بَنَا، وَيُعْرَفُ بِزَهْرِ الدَّوْلَةِ الْجُيُوشِيِّ، نِسْبَةً إِلَى مَلِكِ الْجُيُوشِ الْأَفْضَلِ، فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَزَحَفُوا إِلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَعَجَزَ عَنْ حِفْظِ الْبَلَدِ، فَخَرَجَ مِنْهُ، وَمَلَكَ الْفِرِنْجُ الْبَلَدَ بِالسَّيْفِ قَهْرًا، وَفَعَلُوا بِأَهْلِهِ الْأَفْعَالَ الشَّنِيعَةَ، وَسَارَ الْوَالِي بِهِ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ، وَاعْتَذَرَ إِلَى الْأَفْضَلِ فَقَبِلَ عُذْرَهُ.
[ ٨ / ٤٩٥ ]
ذِكْرُ غَزْوِ سُقْمَانَ وَجَكَرْمَشَ الْفِرِنْجَ
لَمَّا اسْتَطَالَ الْفِرِنْجُ، خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، بِمَا مَلَكُوهُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَاتَّفَقَ لَهُمُ اشْتِغَالُ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ وَمُلُوكِهِ، بِقِتَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، تَفَرَّقَتْ حِينَئِذٍ بِالْمُسْلِمِينَ الْآرَاءُ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ، وَتَمَزَّقَتِ الْأَمْوَالُ.
وَكَانَتْ حَرَّانُ لِمَمْلُوكٍ مِنْ مَمَالِيكِ مَلِكْشَاهْ اسْمُهُ قُرَاجَهْ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا إِنْسَانًا يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَخَرَجَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَعَصَى الْأَصْبَهَانَيُّ عَلَى قُرَاجَهْ، وَأَعَانَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ لِظُلْمِ قُرَاجَهْ.
وَكَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ جَلْدًا، شَهْمًا، فَلَمْ يَتْرُكْ بِحَرَّانَ مِنْ أَصْحَابِ قُرَاجَهْ سِوَى غُلَامٍ تُرْكِيٍّ يُعْرَفُ بِجَاوْلِي، وَجَعَلَهُ أَصْفَهْسَلَارَ الْعَسْكَرِ، وَأَنِسَ بِهِ، فَجَلَسَ مَعَهُ يَوْمًا لِلشُّرْبِ، فَاتَّفَقَ جَاوْلِي مَعَ خَادِمٍ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَتَلَاهُ وَهُوَ سَكْرَانٌ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ سَارَ الْفِرِنْجُ إِلَى حَرَّانَ وَحَصَرُوهَا.
فَلَمَّا سَمِعَ مُعِينُ الدَّوْلَةِ سُقْمَانُ، وَشَمْسُ الدَّوْلَةِ جَكَرْمِشُ ذَلِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ، وَسُقْمَانُ يُطَالِبُ بِقَتْلِ ابْنِ أَخِيهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَعِدُّ لِلِقَاءِ صَاحِبِهِ، وَأَنَا أَذْكُرُ سَبَبَ قَتْلِ جَكَرْمِشَ لَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَرْسَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ يَدْعُوهُ إِلَى الِاجْتِمَاعِ مَعَهُ لِتَلَافِي أَمْرِ حَرَّانَ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَثَوَابِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجَابَ صَاحِبَهُ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَسَارَا فَاجْتَمَعَا عَلَى الْخَابُورِ، وَتَحَالَفَا، وَسَارَا إِلَى لِقَاءِ الْفِرِنْجِ.
وَكَانَ مَعَ سُقْمَانُ سَبْعَةُ آلَافِ فَارِسٍ مَعَ التُّرْكُمَانِ، وَمَعَ جَكَرْمِشَ ثَلَاثَةُ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ التُّرْكِ، وَالْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ الْبَلِيخِ، وَكَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَهُمْ هُنَاكَ، فَاقْتَتَلُوا، فَأَظْهَرَ الْمُسْلِمُونَ الِانْهِزَامَ، فَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ نَحْوَ فَرْسَخَيْنِ، فَعَادَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَامْتَلَأَتْ أَيْدِي التُّرْكُمَانِ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَوَصَلُوا إِلَى الْأَمْوَالِ
[ ٨ / ٤٩٦ ]
الْعَظِيمَةِ، لِأَنَّ سَوَادَ الْفِرِنْجِ كَانَ قَرِيبًا، وَكَانَ بِيمُنْدُ، صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَطَنْكِرِي، صَاحِبُ السَّاحِلِ، قَدِ انْفَرَدَا وَرَاءَ جَبَلٍ لِيَأْتِيَا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ، إِذَا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَلَمَّا خَرَجَا رَأَيَا الْفِرِنْجَ مُنْهَزِمِينَ، وَسَوَادَهُمْ مَنْهُوبًا، فَأَقَامَا بِاللَّيْلِ، وَهَرَبَا، فَتَبِعَهُمَا الْمُسْلِمُونَ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِمَا كَثِيرًا، وَأَسَرُوا كَذَلِكَ، وَأَفْلَتَا فِي سِتَّةِ فُرْسَانٍ.
وَكَانَ الْقُمَّصُ بَرْدَوِيلُ، صَاحِبُ الرُّهَا، قَدِ انْهَزَمَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَمَامِصَتِهِمْ، وَخَاضُوا نَهْرَ الْبَلِيخِ، فَوَحِلَتْ خُيُولُهُمْ، فَجَاءَ التُّرْكُمَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِ سُقْمَانَ فَأَخَذَهُمْ، وَحَمَلَ بَرْدَوِيلَ إِلَى خِيَمِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ سَارَ فِيمَنْ مَعَهُ لِاتِّبَاعِ بِيمُنْدَ، فَرَأَى أَصْحَابُ جَكَرْمِشَ أَنَّ أَصْحَابَ سُقْمَانَ قَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالِ الْفِرِنْجِ، وَيَرْجِعُونَ هُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ طَائِلٍ، فَقَالُوا لِجَكَرْمَشَ: أَيُّ مَنْزِلَةٍ تَكُونُ لَنَا عِنْدَ النَّاسِ، وَعِنْدَ التُّرْكُمَانِ إِذَا انْصَرَفُوا بِالْغَنَائِمِ دُونَنَا؟ وَحَسَّنُوا لَهُ أَخْذَ الْقُمَّصِ، فَأَنْفَذَ فَأَخَذَ الْقُمَّصَ مِنْ خِيَمِ سُقْمَانَ، فَلَمَّا عَادَ سُقْمَانُ شَقَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَرَكَبَ أَصْحَابُهُ لِلْقِتَالِ، فَرَدَّهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا يَقُومُ فَرَحُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ بِغَمِّهِمْ بِاخْتِلَافِنَا، وَلَا أُؤْثِرُ شِفَاءَ غَيْظِي بِشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَرَحَلَ لِوَقْتِهِ، وَأَخَذَ سِلَاحَ الْفِرِنْجِ، وَرَايَاتِهِمْ، وَأَلْبَسَ أَصْحَابَهُ لُبْسَهُمْ، وَأَرْكَبَهُمْ خَيْلَهُمْ، وَجَعَلَ يَأْتِي حُصُونَ شَيْحَانَ، وَبِهَا الْفِرِنْجُ، فَيَخْرُجُونَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَصْحَابَهُمْ نُصِرُوا، فَيَقْتُلُهُمْ وَيَأْخُذُ الْحِصْنَ مِنْهُمْ، فَعَلَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ حُصُونٍ.
وَأَمَّا جَكَرْمِشُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى حَرَّانِ، فَتَسَلَّمَهَا، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا صَاحِبَهُ.
وَسَارَ إِلَى الرُّهَا، فَحَصَرَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَمَعَهُ الْقُمَّصُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ خِيَامِ سُقْمَانَ، فَفَادَاهُ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ دِينَارًا، وَمِائَةٍ وَسِتِّينَ أَسِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى مِنَ الْفِرِنْجِ يُقَارِبُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَتِيلٍ.
[ ٨ / ٤٩٧ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ دُقَاقَ وَمُلْكِ وَلَدِهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ دُقَاقُ بْنُ تُتُشَ بْنِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، وَخَطَبَ أَتَابِكُهُ طُغْتِكِينُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ، لَهُ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَعَلَ اسْمَ الْمَمْلَكَةِ فِيهِ، ثُمَّ قَطَعَ خُطْبَتَهُ وَخَطَبَ لِبُكْتَاشَ بْنِ تُتُشَ، عَمِّ هَذَا الطِّفْلِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ إِنَّ طُغْتِكِينَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ الرَّحْبَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا فَمَلَكَهَا وَعَادَ، فَمَنَعَهُ طُغْتِكِينُ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ، فَمَضَى إِلَى حُصُونٍ لَهُ، وَأَعَادَ طُغْتِكِينُ خُطْبَةَ الطِّفْلِ وَلَدِ دُقَاقَ.
وَقِيلَ إِنَّ سَبَبَ اسْتِيحَاشِ بُكْتَاشَ مِنْ طُغْتِكِينَ أَنَّ وَالِدَتَهُ خَوَّفَتْهُ مِنْهُ، وَقَالَتْ: إِنَّهُ زَوْجُ وَالِدَةِ دُقَاقَ، وَهِيَ لَا تَتْرُكُهُ حَتَّى تَقْتُلَكَ وَيَسْتَقِيمَ الْمُلْكُ لِوَلَدِهَا، فَخَافَ، ثُمَّ إِنَّهُ حَسَّنَ لَهُ مَنْ كَانَ يَحْسُدُ طُغْتِكِينَ مُفَارَقَةَ دِمَشْقَ، وَقَصْدَ بَعْلَبَكَّ، وَجَمْعَ الرِّجَالِ، وَالِاسْتِنْجَادَ بالْفِرِنْجِ، وَالْعَوْدَ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَخْذِهَا مِنْ طُغْتِكِينَ، فَخَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ سِرًّا فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَلَحِقَهُ الْأَمِيرُ أَيْتِكِينُ الْحَلَبِيُّ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَرَّرَ مَعَ بُكْتَاشَ ذَلِكَ، وَهُوَ صَاحِبُ بُصْرَى، فَعَاثَا فِي نُوَاحِي حَوْرَانَ، وَلَحِقَ بِهِمَا مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْفَسَادَ، وَرَاسَلَا بَغْدَوِينَ مَلِكَ الْفِرِنْجِ يَسْتَنْجِدَانِهِ، فَأَجَابَهُمَا إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِمَا فَاجْتَمَعَا بِهِ، وَقَرَّرَا الْقَوَاعِدَ مَعَهُ، وَأَقَامَا عِنْدَهُ مُدَّةً، فَلَمْ يَرَيَا مِنْهُ غَيْرَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِفْسَادِ فِي أَعْمَالِ دِمَشْقَ، وَتَخْرِيبِهَا، فَلَمَّا يَئِسَا مِنْ نَصْرِهِ عَادَا مِنْ عِنْدِهِ، وَتَوَجَّهَا فِي الْبَرِّيَّةِ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَمَلَكَهَا بُكْتَاشُ وَعَادَ عَنْهَا. وَاسْتَقَامَ أَمْرُ طُغْتِكِينَ بِدِمَشْقَ وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَبَثَّ فِيهِمُ الْعَدْلَ، فَسُرُّوا بِهِ سُرُورًا كَثِيرًا.
[ ٨ / ٤٩٨ ]
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ صَدَقَةَ عَلَى وَاسِطَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، انْحَدَرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ مِنَ الْحِلَّةِ إِلَى وَاسِطَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ بِهَا فِي الْأَتْرَاكِ: مَنْ أَقَامَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، فَسَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، وَجَمَاعَةٌ إِلَى بَغْدَاذَ، وَصَارَ مَعَ صَدَقَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُ أَحْضَرَ مُهَذَّبَ الدَّوْلَةِ بْنَ أَبِي الْجَبْرِ، صَاحِبَ الْبَطِيحَةِ، فَضَمَّنَهُ الْبَلَدَ لِمُدَّةٍ، آخِرُهَا آخِرُ السَّنَةِ، بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعَادَ إِلَى الْحِلَّةِ، فَأَقَامَ مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ بِوَاسِطَ إِلَى سَادِسِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَانْحَدَرَ إِلَى بَلَدِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أُطْلِقَ سَدِيدُ الْمُلْكِ أَبُو الْمَعَالِي مِنَ الِاعْتِقَالِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ وَزِيرَ الْخَلِيفَةِ، وَلَمَّا أُطْلِقَ هَرَبَ إِلَى الْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ، وَمِنْهَا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَوَلَّاهُ الْإِشْرَافَ عَلَى مَمَالِكِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو سَعْدٍ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمُوصَلَايَا، فَجْأَةً، وَكَانَ قَدْ أُضِرَّ، وَكَانَ بَلِيغًا فَصِيحًا، وَكَانَ ابْتِدَاءُ خِدْمَتِهِ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، خَدَمَ الْخُلَفَاءَ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، كُلُّ يَوْمٍ تَزْدَادُ مَنْزِلَتُهُ، حَتَّى تَابَ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، جَمِيلَ الْمَحْضَرِ، صَالِحَ النِّيَّةِ، وَوَقَفَ أَمْلَاكَهُ عَلَى أَبْوَابِ الْبِرِّ، وَمُكَاتَبَاتُهُ مَشْهُورَةٌ حَسَنَةٌ، وَلَمَّا مَاتَ خَلَعَ عَلَى ابنِ أُخْتِهِ أَبِي نَصْرٍ، وَلُقِّبَ " نِظَامَ الْحَضْرَتَيْنِ "، وَقُلِّدَ دِيوَانَ الْإِنْشَاءِ.
وَفِيهَا كَانَتْ ببَغْدَاذَ بَيْنَ الْعَامَّةِ فِتَنٌ كَثِيرَةٌ، وَانْتَشَرَ الْعَيَّارُونَ.
وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ سَاوَةَ الطَّبِيبُ الْوَاسِطِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْحُذَّاقِ فِي الطِّبِّ، وَلَهُ فِيهَا إِصَابَاتٌ حَسَنَةٌ.
[ ٨ / ٤٩٩ ]
وَفِيهَا عَزَلَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ وَزِيرَهُ الْمُجِيرَ أَبَا الْفَتْحِ الطُّغَرَائِيَّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمِيرَ بَزْغَشَ، وَهُوَ أَصْفَهْسَلَارُ الْعَسْكَرِ السَّنْجَرِيُّ، أُلْقِيَ إِلَيْهِ مُلَطَّفٌ فِيهِ: لَا يَتِمُّ لَكَ أَمْرٌ مَعَ هَذَا السُّلْطَانِ، وَوَقَعَ إِلَى سَنْجَرَ، لَا يَتِمُّ لَكَ أَمْرٌ مَعَ الْأَمِيرِ بَزْغَشَ، مَعَ كَثْرَةِ جُمُوعِهِ، فَجَمَعَ بَزْغَشُ أَصْحَابَ الْعَمَائِمِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُلَطَّفَيْنِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى كَاتِبِ الطُّغَرَائِيِّ، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ فَقُتِلَ، وَقَبَضَ سَنْجَرُ عَلَى الطُّغَرَائِيِّ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ بَزْغَشُ، وَقَالَ لَهُ: حَقُّ خِدْمَةٍ، فَأَبْعَدَهُ إِلَى غَزْنَةَ، وَفِيهَا جَمَعَ بَزْغَشُ كَثِيرًا مِنْ عَسَاكِرِ خُرَاسَانَ، وَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، وَسَارَ إِلَى قِتَالِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَقَصَدَ طَبَسَ، وَهِيَ لَهُمْ، فَخَرَّبَهَا وَمَا جَاوَرَهَا مِنَ الْقِلَاعِ وَالْقُرَى، وَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَالنَّهْبَ، وَالسَّبْيَ، وَفَعَلَ بِهِمُ الْأَفْعَالَ الْعَظِيمَةَ، ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ سَنْجَرَ أَشَارُوا بِأَنْ يُؤَمَّنُوا، وَيُشْرَطُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَبْنُونَ حِصْنًا، وَلَا يَشْتَرُونَ سِلَاحًا، وَلَا يَدْعُونَ أَحَدًا إِلَى عَقَائِدِهِمْ، فَسَخِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ هَذَا الْأَمَانَ، وَهَذَا الصُّلْحَ، وَنَقَمُوهُ عَلَى سَنْجَرَ، ثُمَّ إِنَّ بَزْغَشَ، بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْغَزَاةِ، تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ الْجِهَادَ، ﵀.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ الطُّرَيْثِيثِيُّ، وَكَانَ صُوفِيًّا مُحَدِّثًا مَشْهُورًا.
وَفِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَاضِي الْكُوفَةِ، وَمَوْلِدُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ تَلَامِيذِ الْقَاضِي الدَّامَغَانِيِّ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ.
[ ٨ / ٥٠٠ ]
وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ تُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْبُسْرِيِّ الْبُنْدَارُ، الْمُحَدِّثُ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
[ ٨ / ٥٠١ ]