٥٥٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ فَتْحِ الْمُؤَيَّدِ طُوسَ وَغَيْرَهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرَ، نَازَلَ الْمُؤَيَّدُ أَيْ أَبَهْ أَبَا بَكْرٍ جَانْدَارَ بِقَلْعَةِ وَسْكَرَهْ خُوَيَّ مِنْ طُوسَ وَكَانَ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا، وَهِيَ حَصِينَةٌ مَنِيعَةٌ لَا تُرَامُ، فَقَاتَلَهُ وَأَعَانَهُ أَهْلُ طَوْسَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِسُوءِ سِيرَتِهِ فِيهِمْ وَظُلْمِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ مُلَازَمَةَ الْمُؤَيَّدِ وَمُوَاصَلَةَ الْقِتَالِ عَلَيْهِ خَضَعَ وَذَلَّ وَاسْتَكَانَ، وَنَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ بِالْأَمَانِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنْهَا حَبَسَهُ الْمُؤَيَّدُ وَأَمَرَ بِتَقْيِيدِهِ.
ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى كُرِسَتَانَ، وَصَاحِبُهَا أَبُو بَكْرٍ فَاخِرٌ، فَنَزَلَ مِنْ قَلْعَتِهِ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ، وَصَارَ فِي طَاعَةِ الْمُؤَيَّدِ، وَدَانَ لَهُ وَوَافَقَهُ، وَسَيَّرَ جَيْشًا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا إِلَى أَسْفَرِايِّينَ، فَتَحَصَّنَ رَئِيسُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَاجُّ بِالْقَلْعَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ كَرِيمَ خُرَاسَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَكِنْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا بِئْسَ الْخَلَفُ، فَلَمَّا تَحَصَّنَ أَحَاطَ بِهِ الْعَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِيُّ، وَاسْتَنْزَلُوهُ مِنَ الْحِصْنِ، وَحَمَلُوهُ مُقَيَّدًا إِلَى شَاذِيَاخَ وَحُبِسَ بِهَا، وَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَمَلَكَ الْمُؤَيَّدُ أَيْضًا قُهُنْدُزَ نَيْسَابُورَ، وَاسْتَدَارَتْ مَمْلَكَةُ الْمُؤَيَّدِ حَوْلَ نَيْسَابُورَ وَعَادَتْ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَهَا انْتَقَلُوا إِلَى شَاذِيَاخَ، وَخُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ الْعَتِيقَةُ.
وَسَيَّرَ الْمُؤَيَّدُ جَيْشًا إِلَى خَوَافَ، وَبِهَا عَسْكَرٌ مَعَ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ اسْمُهُ أَرْغَشُ، فَكَمَّنَ أَرَغْشُ جَمْعًا فِي تِلْكَ الْمَضَايِقِ وَالْجِبَالِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى عَسْكَرِ الْمُؤَيَّدِ، فَقَاتَلَهُمْ وَطَلَعَ
[ ٩ / ٢٩١ ]
الْكَمِينُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ، وَعَادَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ بِنَيْسَابُورَ.
وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى بُوشَنْجِ هَرَاةَ، وَهِيَ فِي طَاعَةِ الْمَلِكِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْغُورِيِّ، فَحَصَرُوهَا، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهَا، وَدَامَ الْقِتَالُ وَالزَّحْفُ، فَسَيَّرَ الْمَلِكُ مُحَمَّدُ الْغُورِيُّ جَيْشًا إِلَيْهَا ; لِيَمْنَعَ عَنْهَا، فَلَمَّا قَارَبُوا هَرَاةَ فَارَقَهَا الْعَسْكَرُ الَّذِينَ يَحْصُرُهَا، وَعَادُوا عَنْهَا وَصَفَتْ تِلْكَ الْوِلَايَةُ لِلْغُورِيِّ.
ذِكْرُ أَخْذِ ابْنِ مَرْدَنِيشَ غَرْنَاطَةَ مِنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَعَوْدِهَا إِلَيْهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ أَهْلُ غَرْنَاطَةَ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَهِيَ لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ، إِلَى الْأَمِيرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَمَشْكَ صِهْرِ ابْنِ مَرْدَنِيشَ. فَاسْتَدْعُوهُ إِلَيْهِمْ ; لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، وَكَانَ قَدْ وَحَّدَ، وَصَارَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَفِي طَاعَتِهِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّضُهُ عَلَى قَصْدِ ابْنِ مَرْدَنِيشَ. فَفَارَقَ طَاعَةَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَعَادَ إِلَى مُوَافَقَةِ ابْنِ مَرْدَنِيشَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ رُسُلُ أَهْلِ غَرْنَاطَةَ سَارَ مَعَهُمْ إِلَيْهَا، فَدَخَلَهَا وَبِهَا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَامْتَنَعُوا بِحِصْنِهَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا سَعِيدٍ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ بِمَدِينَةِ مَالِقَةَ، فَجَمَعَ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَتَوَجَّهَ إِلَى غَرْنَاطَةَ لِنُصْرَةِ مَنْ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِهِمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَمَشْكَ، فَاسْتَنْجَدَ ابْنُ مَرْدَنِيشَ، مَلِكَ الْبِلَادِ بِشَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنْ أَنْجَادِ أَصْحَابِهِ وَمِنَ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ جَنَّدَهُمْ مَعَهُ، فَاجْتَمَعُوا بِضَوَاحِي غَرْنَاطَةَ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَمَنْ بِغَرْنَاطَةَ مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَبْلَ وُصُولِ أَبِي سَعِيدٍ إِلَيْهِمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَقَدِمَ أَبُو سَعِيدٍ، وَاقْتَتَلُوا أَيْضًا، فَانْهَزَمَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَثَبَتَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَالرَّجَّالَةِ الْأَجْلَادِ، حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَانْهَزَمَ حِينَئِذٍ أَبُو سَعِيدٍ وَلَحِقَ بِمَالَقَةَ.
وَسَمِعَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْخَبَرَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ سَلَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ فِي الْحَالِ ابْنَهُ أَبَا يَعْقُوبَ يُوسُفَ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ الْمُوَحِّدِينَ، فَجَدُّوا الْمَسِيرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَرْدَنِيشَ، فَسَارَ بِنَفْسِهِ وَجَيْشِهِ إِلَى غَرْنَاطَةَ لِيُعِينَ ابْنَ هَمَشْكَ، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ بِغَرْنَاطَةَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ ابْنُ مَرْدَنِيشَ فِي الشَّرِيعَةِ بِظَاهِرِهَا، وَنَزَلَ الْعَسْكَرُ الَّذِي كَانَ أَمَدَّ بِهِ ابْنَ هَمَشْكَ أَوَّلًا، وَهُمْ أَلْفَا فَارِسٍ، بِظَاهِرِ الْقَلْعَةِ
[ ٩ / ٢٩٢ ]
الْحَمْرَاءِ، وَنَزَلَ ابْنُ هَمَشْكَ بِبَاطِنِ الْقَلْعَةِ الْحَمْرَاءِ فَيْمَنْ مَعَهُ، وَوَصَلَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى جَبَلٍ قَرِيبٍ مِنْ غَرْنَاطَةَ، فَأَقَامُوا فِي سَفْحِهِ أَيَّامًا ثُمَّ سَيَّرُوا أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَبَيَّتُوا الْعَسْكَرَ الَّذِي بِظَاهِرِ الْقَلْعَةِ الْحَمْرَاءِ، وَقَاتَلُوهُمْ مِنْ جِهَاتِهِمْ، فَمَا لَحِقُوا يَرْكَبُونَ، فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ.
وَأَقْبَلَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِجُمْلَتِهِ، فَنَزَلُوا بِضَوَاحِي غَرْنَاطَةَ، فَعَلِمَ ابْنُ مَرْدَنِيشَ وَابْنُ هَمَشْكَ أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِمْ، فَفَرُّوا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ، وَاسْتَوْلَى الْمُوَحِّدُونَ عَلَى غَرْنَاطَةَ فِي بَاقِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ مَدِينَةِ سَلَا إِلَى مَرَّاكُشَ.
ذِكْرُ حَصْرِ نُورِ الدِّينِ حَارِمَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِي بْنِ آقَنَسْقَرَ، صَاحِبُ الشَّامِ، الْعَسَاكِرَ بِحَلَبَ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ حَارِمَ، وَهِيَ لِلْفِرِنْجِ غَرْبِيَّ حَلَبَ، فَحَصَرَهَا وَجَدَّ فِي قِتَالِهَا، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ بِحَصَانَتِهَا، وَكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنْ فُرْسَانِ الْفِرِنْجِ وَرَجَّالَتِهِمْ وَشُجْعَانِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ الْفِرِنْجُ ذَلِكَ جَمَعُوا فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَحَشَدُوا، وَاسْتَعَدُّوا، وَسَارُوا نَحْوَهُ ; لِيُرَحِّلُوهُ عَنْهَا، فَلَمَّا قَارَبُوهُ طَلَبَ مِنْهُمُ الْمُصَافَّ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَيْهِ، وَرَاسَلُوهُ، وَتَلَطَّفُوا الْحَالَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذَ الْحِصْنِ، وَلَا يُجِيبُونَهُ إِلَى الْمُصَافِّ، عَادَ إِلَى بِلَادِهِ.
وَمِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ أُسَامَةُ بْنُ مُرْشِدِ بْنِ مُنْقِدِ الْكِنَانِيُّ، وَكَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ فِي الْغَايَةِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى حَلَبَ دَخَلَ إِلَى مَسْجِدِ شِيزَرَ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَهُ فِي الْعَامِ الْمَاضِي سَائِرًا إِلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا دَخَلَهُ الْآنَ كَتَبَ عَلَى حَائِطِهِ:
لَكَ الْحَمْدُ يَا مَوْلَايَ كَمْ لَكَ مِنَّةً
،
عَلَيَّ وَفَضْلًا لَا يُحِيطُ بِهِ شُكْرِي
[ ٩ / ٢٩٣ ]
نَزَلْتُ بِهَذَا الْمَسْجِدِ الْعَامَ قَافِلًا مِنَ الْغَزْوِ مَوْفُورَ النَّصِيبِ مِنَ الْأَجْرِ
وَمِنْهُ رَحَلْتُ الْعِيسَ فِي عَامِيَ الَّذِي مَضَى نَحْوَ بَيْتِ اللَّهِ وَالرُّكْنِ وَالْحِجْرِ
فَأَدَّيْتُ مَفْرُوضِي وَأَسْقَطْتُ ثِقْلَ مَا تَحَمَّلْتُ مِنْ وِزْرِ الشَّبِيبَةِ عَنْ ظَهْرِي
ذِكْرُ مُلْكِ الْخَلِيفَةِ قَلْعَةَ الْمَاهِكِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبَ، مَلَكَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ قَلْعَةَ الْمَاهِكِيِّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سُنْقُرَ الْهَمَذَانِيَّ، صَاحِبَهَا، سَلَّمَهَا إِلَى أَحَدِ مَمَالِيكِهِ وَمَضَى إِلَى هَمَذَانَ، فَضَعُفَ هَذَا الْمَمْلُوكُ عَنْ مُقَاوَمَةِ مَنْ حَوْلَهَا مِنَ التُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِبَيْعِهَا مِنَ الْخَلِيفَةِ، فَرَاسَلَ فِي ذَلِكَ، فَاسْتَقَرَّتْ [عَلَى] خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَعِدَّةِ مِنَ الْقُرَى، فَسَلَّمَهَا وَتَسَلَّمَ مَا اسْتَقَرَّ لَهُ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ. وَهَذِهِ الْقَلْعَةُ لَمْ تَزَلْ مِنْ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ بِأَيْدِي التُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ وَإِلَى الْآنِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَرَجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَعْبَانَ، اجْتَمَعَتِ الْكَرَجُ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ يَبْلُغُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَدَخَلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَقَصَدُوا مَدِينَةَ دُوِينَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، فَمَلَكُوهَا وَنَهَبُوهَا، وَقَتَلُوا مَنْ أَهْلِهَا وَسَوَادِهَا نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ قَتِيلٍ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ سَبَايَا، وَأَسَرُوا كَثِيرًا، وَأَعْرُوا النِّسَاءَ وَقَادُوهُنَّ حُفَاةً عُرَاةً، وَأَحْرَقُوا الْجَوَامِعَ وَالْمَسَاجِدَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى بِلَادِهِمْ أَنْكَرَ نِسَاءُ الْكَرَجِ مَا فَعَلُوا بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَقُلْنَ لَهُمْ: قَدْ أَحْوَجْتُمُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنْ يَفْعَلُوا بِنَا مِثْلَ مَا فَعَلْتُمْ بِنِسَائِهِمْ، وَكَسَوْنَهُنَّ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى شَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبِ أَذْرَبِيجَانَ وَالْجَبَلِ وَأَصْفَهَانَ، جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَحَشَدَهَا، وَانْضَافَ إِلَيْهِ شَاهْ أَرْمَنْ بْنُ سَكْمَانَ الْقُطْبِيُّ، صَاحِبُ خِلَاطَ، وَابْنُ آقَنَسْقَرَ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ وَغَيْرِهَا، فَاجْتَمَعُوا فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَسَارُوا إِلَى بِلَادِ الْكَرَجِ فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] وَنَهَبُوهَا،
[ ٩ / ٢٩٤ ]
وَسَبَوْا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَأَسَرُوا الرِّجَالَ، وَلَقِيَهُمُ الْكَرَجُ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، وَكَانَ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الْكَرَجُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ وَأُسِرَ كَذَلِكَ.
وَكَانَ سَبَبُ الْهَزِيمَةِ أَنَّ بَعْضَ الْكَرَجِ حَضَرَ عِنْدَ إِيلْدِكْزَ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي عَسْكَرًا حَتَّى أَسِيرَ بِهِمْ فِي طَرِيقٍ أَعْرِفُهَا، وَأَجِيءُ إِلَى الْكَرَجِ مِنْ وَرَائِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ! فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَسْكَرًا، وَوَاعَدَهُ يَوْمًا يَصِلُ فِيهِ إِلَى الْكَرَجِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ الْكَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَلَ ذَلِكَ الْكَرَجِيُّ، الَّذِي أَسْلَمَ وَمَعَهُ الْعَسْكَرُ، وَكَبَّرُوا وَحَمَلُوا عَلَى الْكَرَجِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَانْهَزَمُوا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْأَسْرُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ لِكَثْرَتِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَيَقِّنِينَ الظَّفَرَ لِكَثْرَتِهِمْ، فَخَيَّبَ اللَّهُ ظَنَّهُمْ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَعَادَ الْمُسْلِمُونَ مَنْصُورِينَ قَاهِرِينَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَصَلَ الْحُجَّاجُ إِلَى مِنًى، وَلَمْ يَتِمَّ الْحَجُّ لِأَكْثَرِ النَّاسِ لِصَدِّهِمْ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَمَنْ دَخَلَ يَوْمَ النَّحْرِ مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى كَمُلَ حَجُّهُ، وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ مُنِعَ دُخُولَ مَكَّةَ لِفِتْنَةٍ جَرَتْ بَيْنَ أَمِيرِ الْحَاجِّ وَأَمِيرِ مَكَّةَ. كَانَ سَبَبُهَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ عَبِيدِ مَكَّةَ أَفْسَدُوا فِي الْحَاجِّ بِمِنًى، فَنَفَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْحَاجِّ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَرَجَعَ مَنْ سَلِمَ إِلَى مَكَّةَ، وَجَمَعُوا جَمْعًا وَأَغَارُوا عَلَى جِمَالِ الْحَاجِّ، وَأَخَذُوا مِنْهَا قَرِيبًا مِنْ أَلْفِ جَمَلٍ، فَنَادَى أَمِيرُ الْحَاجِّ فِي جُنْدِهِ، فَرَكِبُوا بِسِلَاحِهِمْ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ،، وَنُهِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَاجِّ وَأَهْلِ مَكَّةَ، فَرَجَعَ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، وَلَمْ يَقُمْ بِالزَّاهِرِ غَيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَعَادَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ رَجَّالَةً لِقِلَّةِ الْجِمَالِ، وَلَقُوا شِدَّةً.
[ ٩ / ٢٩٥ ]
وَمِمَّنْ حَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ جَدَّتُنَا أُمُّ أَبِينَا، فَفَاتَهَا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، فَاسْتُفْتِيَ لَهَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبَرَرِيُّ، فَقَالَ: تَدُومُ عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ إِحْرَامِهَا، وَإِنْ أَحَبَّتْ تَفْدِي وَتَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهَا إِلَى قَابِلٍ، وَتَعُودُ إِلَى مَكَّةَ، فَتَطُوفُ وَتَسْعَى، فَتُكْمِلُ الْحَجَّةَ الْأُولَى، ثُمَّ تُحْرِمُ إِحْرَامًا ثَانِيًا، وَتَعُودُ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَتَقِفُ وَتَرْمِيَ الْجِمَارَ، وَتَطُوفُ وَتَسْعَى، فَتَصِيرُ لَهَا حَجَّةً ثَانِيَةً، فَبَقِيَتْ عَلَى إِحْرَامِهَا إِلَى قَابِلٍ، وَحَجَّتْ وَفَعَلَتْ كَمَا قَالَ، فَتَمَّ حَجُّهَا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي.
وَفِيهَا نَزَلَ بِخُرَاسَانَ بَرْدٌ كَثِيرٌ عَظِيمُ الْمِقْدَارِ، أَوَاخِرَ نِيسَانَ، وَكَانَ أَكْثَرُهُ بِجُوَيْنِ وَنَيْسَابُورَ وَمَا وَالَاهُمَا، فَأَهْلَكَ الْغَلَّاتِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُ مَطَرٌ كَثِيرٌ دَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَفِيهَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَقَعَ الْحَرِيقُ بِبَغْدَادَ، احْتَرَقَ سُوقُ الطُّيُورِيِّينَ وَالدُّورُ الَّتِي تَلِيهِ مُقَابِلَهُ إِلَى سُوقِ الصِّفْرِ الْجَدِيدِ، وَالْخَانُ الَّذِي فِي الرَّحْبَةِ، وَدَكَاكِينُ الْبُزُورِيِّينَ وَغَيْرُهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْكَيَا الصَّبَاحِيُّ، صَاحِبُ أَلَمُوتَ، مُقَدَّمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَقَامَ ابْنُهُ مَقَامَهُ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَأَعَادَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ الصَّلَوَاتِ وَصِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى (قَزْوِينَ يَطْلُبُونَ مَنْ يُصَلِّي) بِهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ حُدُودَ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ.
وَفِيهَا، فِي رَجَبَ، دَرَسَ شَرَفُ الدِّينِ يُوسُفُ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ شُجَاعٌ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِمَدْرَسَةِ أَبِي حَنِيفَةَ،
[ ٩ / ٢٩٦ ]
وَكَانَ مَوْتُهُ فِي ذِيِ الْقَعْدَةِ.
وَفِيهَا، تُوُفِّيَ صَدَقَةُ بْنُ وَزِيرٍ الْوَاعِظُ.
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عَدِيُّ بْنُ مُسَافِرٍ الزَّاهِدُ الْمُقِيمُ بِبَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ مِنَ الشَّامِ، مِنْ بَلَدِ بَعْلَبَكَّ، فَانْتَقَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَتَبِعَهُ أَهْلُ السَّوَادِ وَالْجِبَالِ بِتِلْكَ النَّوَاحِي وَأَطَاعُوهُ، وَحَسَّنُوا الظَّنَّ فِيهِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ جِدًّا.
[ ٩ / ٢٩٧ ]