٥٧٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ غَزَاةٍ إِلَى بَلَدِ الْكَرَكِ مِنَ الشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ فَرْخَشَاهْ نَائِبُ صَلَاحِ الدِّينِ بِدِمَشْقَ إِلَى أَعْمَالِ كَرَكِ وَنَهَبَهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُرُنْسَ أَرْنَاطَ، صَاحِبَ الْكَرَكِ، كَانَ مِنْ شَيَاطِينِ الْفِرِنْجِ وَمَرَدَتِهِمْ، وَأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَجَهَّزَ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَمَنْ أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ فِي الْبَرِّ إِلَى تَيْمَاءَ، وَمِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي الشَّرِيفَةِ فَسَمِعَ عِزُّ الدِّينِ فَرْخَشَاهْ ذَلِكَ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيَّةَ وَسَارَ إِلَى بَلَدِهِ وَنَهَبَهُ وَخَرَّبَهُ، وَعَادَ إِلَى طَرَفِ بِلَادِهِمْ، وَأَقَامَ بِهَا لِيَمْنَعَ الْبُرُنْسَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَامْتَنَعَ بِسَبَبِهِ مِنْ مَقْصِدِهِ، فَلَمَّا طَالَ مَقَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ عَلِمَ الْبُرُنْسُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعُودُونَ حَتَّى يُفَرَّقَ جَمْعُهُ، فَفَرَّقَهُمْ وَانْقَطَعَ طَمَعُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، فَعَادَ فَرْخَشَاهْ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّ الْكُفَّارِ.
ذِكْرُ تَلْبِيسٍ يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ مِنْ مَثْلِهِ
كَانَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مُبَارَكُ بْنُ كَامِلِ بْنِ مُنْقِذِ الْكِنَانِيُّ يَنُوبُ عَنْ شَمْسِ الدَّوْلَةِ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ بِالْيَمَنِ وَتَحَكَّمَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْبِلَادِ بَعْدَ أَنْ فَارَقَهَا شَمْسُ الدَّوْلَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ هَوَاهُ بِالشَّامِ لِأَنَّهُ وَطَنُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى شَمْسِ الدَّوْلَةِ يَطْلُبُ الْإِذْنَ لَهُ فِي الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي الْمَجِيءِ، فَاسْتَنَابَ بِزَبِيدَ أَخَاهُ حَطَّانَ بْنَ كَامِلِ بْنِ مُنْقِذِ الْكِنَانِيَّ، وَعَادَ إِلَى شَمْسِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ مَعَهُ بِمِصْرَ، فَمَاتَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ، وَبَقِيَ مَعَ
[ ٩ / ٤٥٢ ]
صَلَاحِ الدِّينِ فَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ أَخَذَ أَمْوَالَ الْيَمَنِ وَادَّخَرَهَا، وَسَعَى بِهِ أَعْدَاؤُهُ، فَلَمْ يُعَارِضْهُ صَلَاحُ الدِّينِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ وَصَلَاحُ الدِّينِ بِمِصْرَ اصْطَنَعَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ طَعَامًا وَعَمِلَ دَعْوَةً كَبِيرَةً. وَدَعَا إِلَيْهَا أَعْيَانَ الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ بِقَرْيَةٍ تُسَمَّى الْعَدَوِيَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ يَتَجَهَّزُونَ مِنَ الْبَلَدِ، وَيَشْتَرُونَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، فَقِيلَ لِصَلَاحِ الدِّينِ إِنَّ ابْنَ مُنْقِذَ يُرِيدُ الْهَرَبَ، وَأَصْحَابَهُ يَتَزَوَّدُونَ لَهُ، وَمَتَى دَخَلَ الْيَمَنَ أَخْرَجَهُ عَنْ طَاعَتِكَ، فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فَأَخْذَهُ وَالنَّاسُ عِنْدَهُ وَحَبَسَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ جَلِيَّةَ الْحَالِ عَلِمَ أَنَّ الْحِيلَةَ تَمَّتْ لِأَعْدَائِهِ فِي قَبْضِهِ، فَخَفَّفَ مَا كَانَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ، وَسَهَّلَ أَمْرَهُ وَصَانَعَهُ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ، سِوَى مَا لَحِقَهَا مِنَ الْحَمْلِ لِإِخْوَةِ صَلَاحِ الدِّينِ وَأَصْحَابِهِ وَأَطْلَقَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ، وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا.
ذِكْرُ إِرْسَالِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ إِلَى الْيَمَنِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ صَلَاحُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنْ أُمَرَائِهِ مِنْهُمْ صَارِمُ الدِّينِ قُتْلُغُ أَبَهَ، وَالِي مِصْرَ، إِلَى الْيَمَنِ لِلِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بِهَا بَيْنَ نُوَّابِ أَخِيهِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ، وَهُمْ عِزُّ الدِّينِ عُثْمَانُ بْنُ الزَّنْجِيلِيِّ، وَالِي عَدَنَ، وَحِطَّانُ بْنُ مُنْقِذَ [وَالِي] زَبِيدَ وَغَيْرُهُمَا، فَإِنَّهُمْ لَمَّا بَلَغَهُمْ وَفَاةُ صَاحِبِهِمُ اخْتَلَفُوا وَجَرَتْ بَيْنَ عِزِّ الدِّينِ عُثْمَانَ وَبَيْنَ حِطَّانَ حَرْبٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرُومُ أَنْ يَغْلِبَ الْآخَرَ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَخَافَ صَلَاحُ الدِّينِ أَنْ يَطْمَعَ أَهْلُ الْبِلَادِ فِيهَا بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَأَنْ يُخْرِجُوهُمْ مِنَ الْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ هَؤُلَاءِ إِلَيْهَا، وَاسْتَوْلَى قُتْلُغُ أَبَهَ عَلَى زَبِيدَ وَأَزَالَ حِطَّانَ عَنْهَا.
ثُمَّ مَاتَ قُتْلُغُ أَبَهَ، فَعَادَ حِطَّانُ إِلَى إِمَارَةِ زَبِيدَ، وَأَطَاعَهُ النَّاسُ لِجُودِهِ وَشَجَاعَتِهِ.
[ ٩ / ٤٥٣ ]
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ وَمُلْكِ ابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ مَدِينَةَ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبَ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ صَاحِبُ حَلَبَ بِهَا، وَعُمْرُهُ نَحْوُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَصَفَ لَهُ الْأَطِبَّاءُ شُرْبَ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ حَتَّى أَسْتَفْتِيَ الْفُقَهَاءَ، فَاسْتَفْتَى، فَأَفْتَاهُ فَقِيهٌ مِنْ مُدَرِّسِي الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقُرْبِ الْأَجَلِ أَيُؤَخِّرُهُ شُرْبُ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ [لَهُ] الْفَقِيهُ: لَا! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا لَقِيتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَقَدِ اسْتَعْمَلْتُ مَا حَرَّمَهُ عَلَيَّ، وَلَمْ يَشْرَبْهَا.
فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ، أَحْضَرَ الْأُمَرَاءَ، وَسَائِرَ الْأَجْنَادِ، وَوَصَّاهُمْ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ عِمَادَ [الدِّينِ] ابْنَ عَمِّكَ أَيْضًا، وَهُوَ زَوْجُ أُخْتِكَ، وَكَانَ وَالِدُكَ يُحِبُّهُ وَيُؤْثِرُهُ، وَهُوَ تَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ سِنْجَارَ، فَلَوْ أَعْطَيْتَهُ الْبَلَدَ لَكَانَ أَصْلَحَ، وَعِزُّ الدِّينِ لَهُ [مِنَ الْبِلَادِ] مِنَ الْفُرَاتِ إِلَى هَمَذَانَ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى بَلَدِكَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَغِبْ عَنِّي، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى عَامَّةِ بِلَادِ الشَّامِ سِوَى مَا بِيَدِي، وَمَتَى سَلَّمْتُ حَلَبَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ يَعْجَزُ عَنْ حِفْظِهَا وَإِنْ مَلَكَهَا صَلَاحُ الدِّينِ لَمْ يَبْقَ لِأَهْلِنَا مَعَهُ مَقَامٌ، وَإِنْ سَلَّمْتُهَا إِلَى عِزِّ الدِّينِ أَمْكَنَهُ حِفْظُهَا بِكَثْرَةِ عَسَاكِرِهِ وَبِلَادِهِ.
فَاسْتَحْسَنُوا قَوْلَهُ وَعَجِبُوا مِنْ جَوْدَةِ فِطْنَتِهِ مَعَ شِدَّةِ مَرَضِهِ وَصِغَرِ سِنِّهِ.
ثُمَّ مَاتَ، وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا، عَفِيفَ الْيَدِ وَالْفَرْجِ وَاللِّسَانِ، مُلَازِمًا لِلدِّينِ، لَا
[ ٩ / ٤٥٤ ]
يُعْرَفُ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ الْمُلُوكُ وَالشَّبَابُ مَنْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ عَادِلًا فِيهِمْ.
وَلَمَّا قَضَى نَحْبَهُ أَرْسَلَ الْأُمَرَاءُ إِلَى أَتَابِكَ عِزِّ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ إِلَى حَلَبَ، فَسَارَ هُوَ وَمُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ إِلَى الْفُرَاتِ، وَأَرْسَلَ فَأَحْضَرَ الْأُمَرَاءَ عِنْدَهُ مِنْ حَلَبَ، فَحَضَرُوا، وَسَارُوا جَمِيعًا إِلَى حَلَبَ، وَدَخَلَهَا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ حِينَئِذٍ بِمِصْرَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَزَاحَمَهُمْ عَلَيْهَا وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا مِنَ الْفُرَاتِ كَانَ تَقِيُّ الدِّينَ عُمَرُ ابْنُ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ بِمَدِينَةِ مَنْبَجَ، فَسَارَ عَنْهَا هَارِبًا إِلَى حَمَاةَ، وَثَارَ أَهْلُ حَمَاةَ، وَنَادُوا بِشِعَارِ عِزِّ الدِّينِ، فَأَشَارَ عَسْكَرُ حَلَبَ عَلَى عِزِّ الدِّينِ بِقَصْدِ دِمَشْقَ، وَأَطْمَعُوهُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَأَعْلَمُوهُ مَحَبَّةَ أَهْلِهَا لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: بَيْنَنَا يَمِينٌ فَلَا نَغْدِرُ بِهِ، وَأَقَامَ بِحَلَبَ عِدَّةَ شُهُورٍ، ثُمَّ سَارَ عَنْهَا إِلَى الرَّقَّةِ.]
ذِكْرُ تَسْلِيمِ حَلَبَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ وَأَخَذِ سِنْجَارَ عِوَضًا عَنْهَا
لَمَّا وَصَلَ عِزُّ الدِّينِ إِلَى الرَّقَّةِ جَاءَتْهُ رُسُلُ أَخِيهِ عِمَادِ الدِّينِ، صَاحِبِ سِنْجَارَ، يَطْلُبُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ حَلَبَ وَيَأْخُذَ عِوَضًا عَنْهَا مَدِينَةَ سِنْجَارَ. فَلَمْ يَجُبْهُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَجَّ عِمَادُ الدِّينِ، وَقَالَ: إِنْ سَلَّمْتُمْ إِلَيَّ حَلَبَ. وَإِلَّا سَلَّمْتُ أَنَا سِنْجَارَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَشَارَ حِينَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ بِتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ أَشَدُّهُمْ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ، فَلَمْ يُمْكِنْ عِزَّ الدِّينِ مُخَالَفَتُهُ لِتَمَكُّنِهِ فِي الدَّوْلَةِ، وَكَثْرَةِ عَسَاكِرِهِ وَبِلَادِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَ مُجَاهِدَ الدِّينِ عَلَى ذَلِكَ خَوْفُهُ مِنْ عِزِّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ عَظُمَ فِي نَفْسِهِ، وَكَثُرَ مَعَهُ الْعَسْكَرُ.
وَكَانَ الْأُمَرَاءُ الْحَلَبِيُّونَ لَا يَلْتَفُّونَ إِلَى مُجَاهِدِ الدِّينِ، وَلَا يَسْلُكُونَ مَعَهُ مِنَ الْأَدَبِ مَا يَفْعَلُهُ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى تَسْلِيمِ حَلَبَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ وَأَخْذِ سِنْجَارَ عِوَضًا
[ ٩ / ٤٥٥ ]
عَنْهَا، فَسَارَ عِمَادُ الدِّينِ فَتَسَلَّمَهَا، وَسَلَّمَ سِنْجَارُ إِلَى أَخِيهِ، وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ بِمِصْرَ قَدْ بَلَغَهُ خَبَرُ مُلْكِ عِزِّ الدِّينِ حَلَبَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَخَافَ أَنْ يَسِيرَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ وَغَيْرِهَا، وَيَمْلُكَ الْجَمِيعَ، وَأَيِسَ مِنْ حَلَبَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينَ لَهَا بَرَزَ مِنْ يَوْمِهِ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ مِنَ الْوَهْنِ عَلَى دَوْلَةِ عِزِّ الدِّينِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ذِكْرُ حَصْرِ صَاحِبِ مَارِدِينَ قَلْعَةِ الْبِيَرَةِ وَمَصِيرِ صَاحِبِهَا مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ
كَانَتْ قَلْعَةُ الْبِيَرَةِ، وَهِيَ مُطِلَّةٌ عَلَى الْفُرَاتِ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، لِشِهَابِ الدِّينِ الْأَرْتَقِيِّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قُطْبِ الدِّينِ إِيلْغَازِي بْنِ أَلْبِيِّ بْنِ تَمْرِتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِي بْنِ أَرْتَقَ صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَكَانَ فِي طَاعَةِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبِ الشَّامِ، فَمَاتَ شِهَابُ الدِّينِ وَمَلَكَ الْقَلْعَةَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ وَصَارَ فِي طَاعَةِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ أَرْسَلَ صَاحِبُ مَارِدِينَ إِلَى عِزِّ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حَصْرِ الْبِيَرَةِ وَأَخْذِهَا، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَسَارَ فِي عَسْكَرِهِ إِلَى قَلْعَةِ سُمَيْسَاطَ، وَهِيَ لَهُ، وَنَزَلَ بِهَا وَسَيَّرَ الْعَسْكَرَ إِلَى الْبِيَرَةِ، فَحَصَرَهَا، فَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهَا بِطَائِلٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَازَمُوا الْحِصَارَ، فَأَرْسَلَ صَاحِبُهَا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُنْجِدَهُ وَيَرْحَلَ الْعَسْكَرُ الْمَارِدِينِيُّ عَنْهُ، وَيَكُونُ هُوَ فِي خِدْمَتِهِ، كَمَا كَانَ أَبُوهُ فِي خِدْمَةِ نُورِ الدِّينِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى صَاحِبِ مَارِدِينَ يَشْفَعُ فِيهِ، وَيَطْلُبُ أَنْ يَرْحَلَ عَسْكَرُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَفَاعَتَهُ.
وَاشْتَغَلَ صَلَاحُ الدِّينِ بِمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا رَأَى صَاحِبُ مَارِدِينَ طُولَ مَقَامِ
[ ٩ / ٤٥٦ ]
عَسْكَرِهِ عَلَى الْبِيَرَةِ، وَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهَا غَرَضًا، أَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى مَارِدِينَ، فَسَارَ صَاحِبُهَا إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى عَبَرَ مَعَهُ الْفُرَاتَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَتِ الْمُنْكَرَاتُ بِبَغْدَادَ فَأَقَامَ حَاجِبُ الْبَابِ جَمَاعَةً لِإِرَاقَةِ الْخُمُورِ، وَأَخْذِ الْمُفِسِدَاتِ، فَبَيْنَمَا امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ فِي مَوْضِعٍ، عَلِمَتْ بِمَجِيءِ أَصْحَابِ حَاجِبِ الْبَابِ. فَاضْطَّجَعَتْ، وَأَظْهَرَتْ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ، وَارْتَفَعَ أَنِينُهَا، فَرَأَوْهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَرَكُوهَا وَانْصَرَفُوا، فَاجْتَهَدَتْ بَعْدَهُمْ أَنْ تَقُومَ. فَلَمْ تَقْدِرْ، وَجَعَلَتْ تَصِيحُ: الْكَرْبَ الْكَرْبَ، إِلَى أَنْ مَاتَتْ. وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا، عَاشِرُ ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ هُمَامُ الدِّينِ تَتَرُ، صَاحِبُ قَلْعَةِ تَكْرِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ الْأَمِيرَ عِيسَى ابْنَ أَخِي مَوْدُودَ وَحَجَّ، فَتُوُفِّيَ، وَدُفِنَ بِالْمُعَلَّى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ.
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَبُو الْبَرَكَاتِ النَّحْوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ بِبَغْدَادَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ فِي النَّحْوِ، وَكَانَ فَقِيهًا صَالِحًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ فَاضِلًا كَثِيرَ الْوَرَعِ.
[ ٩ / ٤٥٧ ]