٥٧٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ذِكْرُ وُصُولِ أُسْطُولِ صِقِلِّيَّةَ إِلَى مَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَانْهِزَامِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ ظَفِرَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَعَسْكَرِ مِصْرَ بِأُسْطُولِ الْفِرِنْجِ مِنْ صِقِلِّيَّةَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ [إِرْسَالِ] أَهْلِ مِصْرَ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِسَاحِلِ الشَّامِ، وَإِلَى صَاحِبِ صِقِلِّيَّةَ، لِيَقْصِدُوا دِيَارَ مِصْرَ لِيَثُورُوا بِصَلَاحِ الدِّينِ وَيُخْرِجُوهُ مِنْ مِصْرَ، فَجَهَّزَ صَاحِبُ صِقِلِّيَّةَ أُسْطُولًا كَثِيرًا عُدَّتُهُ مِائَتَا شِينِيٍّ تَحْمِلُ الرَّجَّالَةَ، وَسِتُّ وَثَلَاثُونَ طَرِيدَةً تَحْمِلُ الْخَيْلَ، وَسِتَّةُ مَرَاكِبَ كِبَارٍ تَحْمِلُ آلَةَ الْحَرْبِ، وَأَرْبَعُونَ مَرْكَبًا تَحْمِلُ الْأَزْوَادَ، وَفِيهَا مِنَ الرَّاجِلِ خَمْسُونَ أَلْفًا، وَمِنَ الْفُرْسَانِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٌ، مِنْهَا خَمْسُمِائَةُ تَرَكْبَلِيٍّ.
وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّ صَاحِبِ صِقِلِّيَّةَ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ، فَوَصَلُوا إِلَيْهَا فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا وَطُمَأْنِينَةٍ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِسِلَاحِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ لِيَمْنَعُوهُمْ مِنَ النُّزُولِ، وَأَبْعَدُوا عَنِ الْبَلَدِ، فَمَنْعَهُمُ الْوَالِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِمُلَازَمَةِ السُّورِ، وَنَزَلَ الْفِرِنْجُ إِلَى الْبَرِّ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ وَالْمَنَارَةَ وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الدَّبَّابَاتِ وَالْمَجَانِيقَ وَقَاتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَصَبَرَ لَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَرَأَى الْفِرِنْجُ مِنْ شَجَاعَةِ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَحُسْنِ سِلَاحِهِمْ مَا رَاعَهُمْ.
وَسُيِّرَتِ الْكُتُبُ بِالْحَالِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَسْتَدْعُونَهُ لِدَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ، وَدَامَ الْقِتَالُ أَوَّلَ يَوْمٍ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، ثُمَّ عَاوَدَ الْفِرِنْجُ الْقِتَالَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، وَجَدُّوا، وَلَازَمُوا الزَّحْفَ، حَتَّى وَصَلَتِ الدَّبَّابَاتُ إِلَى قُرْبِ السُّورِ، وَوَصَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ الْعَسَاكِرِ
[ ٩ / ٤٠٢ ]
الْإِسْلَامِيَّةِ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي أَقْطَاعِهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقَوِيَتْ بِهِمْ نُفُوسُ أَهْلِهَا، وَأَحْسَنُوا الْقِتَالَ وَالصَّبْرَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَابَ الْبَلَدِ وَخَرَجُوا مِنْهُ عَلَى الْفِرِنْجِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهُمْ غَارُّونَ، وَكَثُرَ الصِّيَاحُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، فَارْتَاعَ الْفِرِنْجُ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الدَّبَّابَاتِ فَأَحْرَقُوهَا، وَصَبَرُوا لِلْقِتَالِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَيْهِمْ، وَظَهَرَتْ أَمَارَاتُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا مُبَاشِرِينَ الْقِتَالَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَدَخَلَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَيْهِ وَهُمْ فَرِحُونَ مُسْتَبْشِرُونَ بِمَا رَأَوْا مِنْ تَبَاشِيرَ الظَّفَرِ وَقُوَّتِهِمْ، وَفَشَلِ الْفِرِنْجِ وَفُتُورِ حَرْبِهِمْ، وَكَثْرَةِ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ فِي رَجَّالَتِهِمْ.
وَأَمَّا صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَهُ الْخَبَرُ سَارَ بِعَسَاكِرِهِ، وَسَيَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ وَمَعَهُ ثَلَاثُ جَنَائِبَ لِيَجِدَّ السَّيْرَ عَلَيْهَا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُبَشِّرُ بِوُصُولِهِ، وَسَيَّرَ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى دُمْيَاطَ خَوْفًا عَلَيْهَا، وَاحْتِيَاطًا لَهَا، فَسَارَ ذَلِكَ الْمَمْلُوكُ، فَوَصَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ مِنْ يَوْمِهِ وَقْتَ الْعَصْرِ، وَالنَّاسُ قَدْ رَجَعُوا مِنَ الْقِتَالِ، فَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِمَجِيءِ صَلَاحِ الدِّينِ وَالْعَسَاكِرِ مُسْرِعِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ عَادُوا إِلَى [الْقِتَالِ، وَقَدْ] زَالَ مَا بِهِمْ مِنْ تَعَبٍ وَأَلَمِ الْجِرَاحِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ مَعَهُ، فَهُوَ يُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُشَاهَدَ قِتَالُهُ.
وَسَمِعَ الْفِرِنْجُ بِقُرْبِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي عَسَاكِرِهِ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَازْدَادُوا تَعَبًا وَفُتُورًا، فَهَاجَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الظَّلَامِ، وَوَصَلُوا إِلَى خِيَامِهِمْ فَغَنِمُوهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْلِحَةِ الْكَثِيرَةِ وَالتَّحَمُّلَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي رَجَّالَةِ الْفِرِنْجِ، فَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، وَقَرَّبُوا شَوَانِيَهُمْ إِلَى السَّاحِلِ لِيَرْكَبُوا فِيهَا، فَسَلِمَ بَعْضُهُمْ وَرَكِبَ، وَغَرِقَ بَعْضُهُمْ، وَغَاصَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَاءِ وَخَرَقَ بَعْضَ شَوَانِيِّ الْفِرِنْجِ فَغَرِقَتْ، فَخَافَ الْبَاقُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَوَلَّوْا هَارِبِينَ، وَاحْتَمَى ثَلَاثَمِائَةٌ مِنْ فُرْسَانِ الْفِرِنْجِ عَلَى رَأْسِ تَلٍّ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بُكْرَةٍ، وَدَامَ الْقِتَالُ إِلَى أَنْ أَضْحَى النَّهَارُ، فَغَلَبَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ وَقَهَرُوهُمْ فَصَارُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُمْ وَحَاقَ بِالْكَافِرِينَ مَكْرُهُمْ.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
ذِكْرُ خِلَافِ الْكَنْزِ بِصَعِيدِ مِصْرَ
وَفِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ الْكَنْزُ بِصَعِيدِ مِصْرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْبِلَادِ وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ هُنَاكَ أَمِيرٌ مِنَ الصَّلَاحِيَّةِ فِي أَقْطَاعِهِ، وَهُوَ أَخُو الْأَمِيرِ أَبِي الْهَيْجَاءِ السَّمِينِ، فَقَتَلَهُ الْكَنْزُ، فَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى أَخِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَرَاءِ وَأَشْجَعِهِمْ، فَسَارَ إِلَى قِتَالِ الْكَنْزِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ صَلَاحُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْعَسْكَرِ، وَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ طَوْدٍ، فَاحْتَمَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوا مَنْ بِهَا، وَظَفِرُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَذُلُّوا بَعْدَ الْعِزِّ وَقُهِرُوا وَاسْتَكَانُوا.
ثُمَّ سَارَ الْعَسْكَرُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ طَوْدٍ إِلَى الْكَنْزِ، وَهُوَ فِي طُغْيَانِهِ يَعْمَهُ، فَقَاتَلُوهُ، فَقُتِلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمِنَتْ بَعْدَهُ الْبِلَادُ وَاطْمَأَنَّ أَهْلُهَا.
ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ دِمَشْقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا مَاتَ وَمَلَكَ ابْنُهُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ بَعْدَهُ كَانَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينَ قَدْ هَرَبَ مِنْ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي إِلَى حَلَبَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَقَامَ بِهَا عِنْدَ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى سَيْفُ الدِّينِ عَلَى الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ خَافَ ابْنُ الدَّايَةِ أَنْ يُغِيرَ إِلَى حَلَبَ فَيَمْلِكُهَا، فَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْضُرَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ إِلَى حَلَبَ، فَلَمَّا قَارَبَ دِمَشْقَ سَيَّرَ إِلَيْهِ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقَدَّمِ عَسْكَرًا فَنَهَبُوهُ، وَعَادَ مُنْهَزِمًا إِلَى حَلَبَ، فَأَخْلَفَ عَلَيْهِ ابْنُ الدَّايَةِ عِوَضَ مَا أُخِذَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ بِدِمَشْقَ نَظَرُوا فِي الْمَصْلَحَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ مَسِيرَهُ إِلَى حَلَبَ أَصْلَحُ لِلدَّوْلَةِ مِنْ مَقَامِهِ بِدِمَشْقَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّايَةِ يَطْلُبُونَ إِرْسَالَ سَعْدِ الدِّينِ لِيَأْخُذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ، فَجَهَّزَهُ وَسَيَّرَهُ وَعَلَى نَفْسِهَا بِرَاقِشُ تَجْنِي، فَسَارَ إِلَى
[ ٩ / ٤٠٤ ]
دِمَشْقَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ وَعَادَ إِلَى حَلَبَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا قَبَضَ سَعِدُ الدِّينِ عَلَى شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ وَإِخْوَتِهِ، وَعَلَى رَئِيسِ بْنِ الْخَشَّابِ رَئِيسِ حَلَبَ وَمُقَدَّمِ الْأَحْدَاثِ بِهَا، وَلَوْلَا مَرَضُ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ.
وَاسْتَبَدَّ سَعْدُ الدِّينِ بِتَدْبِيرِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَخَافَهُ ابْنُ الْمُقَدَّمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِدِمَشْقَ وَقَالُوا: إِذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ حَلَبَ أَخَذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ وَسَارَ بِهِ إِلَيْنَا، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِحَلَبَ، وَكَاتَبُوا سَيْفَ الدِّينِ غَازِي صَاحِبَ الْمَوْصِلِ لِيَعْبُرَ الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ دِمَشْقَ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً عَلَيْهِ لِيَعْبُرَ الْفُرَاتَ وَيَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ فَيُمْنَعُ عَنْهَا وَيَقْصِدُهُ ابْنُ عَمِّهِ وَعَسْكَرُ حَلَبَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَيَهْلَكُ. أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا زَلْفِنْدَارُ عِزُّ الدِّينِ، وَالْجَبَانُ يُقَدِّرُ الْبَعِيدَ مِنَ الشَّرِّ قَرِيبًا، وَيَرَى الْجُبْنَ حَزْمًا، كَمَا قَالَ:
يَرَى الْجُبَنَاءُ أَنَّ الْجُبْنَ حَزْمٌ وَتِلْكَ طَبِيعَةُ الرَّجُلِ الْجَبَانِ
فَلَمَّا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْيِ زَلْفِنْدَارُ قَبِلَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ قَصْدِ دِمَشْقَ، وَرَاسَلَ سَعْدَ الدِّينِ وَالْمَلِكَ الصَّالِحَ وَصَالَحَهُمَا عَلَى مَا أَخَذَهُ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنِ الْعُبُورِ إِلَى دِمَشْقَ عَظْمَ خَوْفُهُمْ، وَقَالُوا: حَيْثُ صَالَحَهُمْ سَيْفُ الدِّينِ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَانِعٌ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَيْنَا، فَكَاتَبُوا حِينَئِذٍ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ، صَاحِبَ مِصْرَ، وَاسْتَدْعُوهُ لِيُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ كَبِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْمُقَدَّمِ، وَمَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُخَامَرَةَ أَبِيهِ فِي تَسْلِيمِ سِنْجَارَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ.
فَلَمَّا وَصَلَتِ الرُّسُلُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ، وَسَارَ جَرِيدَةً فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ وَالْفِرِنْجُ فِي طَرِيقِهِ، فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ، فَلَمَّا وَطِئَ أَرْضَ الشَّامِ قَصَدَ بُصْرَى، وَكَانَ [بِهَا] حِينَئِذٍ صَاحِبُهَا وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَاتَبَهُ، فَخَرَجَ وَلَقِيَهُ، فَلَمَّا رَأَى قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاجْتَمَعَ بِالْقَاضِي الْفَاضِلِ وَقَالَ: مَا أَرَى مَعَكُمْ عَسْكَرًا، وَهَذَا بَلَدٌ عَظِيمٌ لَا يُقْصَدُ بِمِثْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ، وَلَوْ مَنَعَكُمْ مَنْ بِهِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ أَخَذَكُمْ أَهْلُ السَّوَادِ، فَإِنْ كَانَ مَعَكُمْ مَالٌ سَهُلَ الْأَمْرُ. فَقَالَ: مَعَنَا: مَالٌ كَثِيرٌ يَكُونُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَضَرْبَ صَاحِبُ بُصْرَى عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: هَلَكْتُمْ وَأَهْلَكْتُمُونَا، وَجَمِيعُ مَا كَانَ مَعَهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ.
ثُمَّ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ فَخَرَجَ كُلُّ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَيْهِ، فَلَقُوهُ
[ ٩ / ٤٠٥ ]
وَخَدَمُوهُ، وَدَخْلَ الْبَلَدَ، وَنَزَلَ فِي دَارِ وَالِدِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِدَارِ الْعَقِيقِيِّ، وَكَانَتِ الْقَلْعَةُ بِيَدِ خَادِمٍ اسْمُهُ رَيْحَانُ، فَأَحْضَرَ صَلَاحُ الدِّينِ كَمَالَ الدِّينِ بْنَ الشَّهْرَزُورِيَّ وَهُوَ قَاضِي الْبَلَدِ وَالْحَاكِمُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ مِنَ الدِّيوَانِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى رَيْحَانَ لِيُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَنَا مَمْلُوكُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَمَا جِئْتُ إِلَّا لِأَنْصُرَهُ وَأَخْدِمَهُ، وَأُعِيدُ الْبِلَادَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَخْطُبُ لَهُ فِي بِلَادِهِ كُلِّهَا، فَصَعِدَ كَمَالُ الدَّيْنِ إِلَى رَيْحَانَ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى سَلَّمَ الْقَلْعَةَ، فَصَعِدَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، وَأَخْذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَخْرَجَهَا وَاتَّسَعَ بِهَا وَثَبَّتَ قَدَمَهُ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُظْهِرُ طَاعَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَيُخَاطِبُهُ بِالْمَمْلُوكِ، وَالْخُطْبَةُ وَالسِّكَّةُ بِاسْمِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ مَدِينَتَيْ حِمْصَ وَحَمَاةَ
لَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُ صَلَاحِ الدِّينِ لِدِمَشْقَ، وَقَرَّرَ أَمْرَهَا، اسْتَخْلَفَ بِهَا أَخَاهُ سَيْفَ الْإِسْلَامِ طُغْدُكِينَ بْنَ أَيُّوبَ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حِمْصَ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْأُولَى، وَكَانَتْ حِمْصُ وَحَمَاةُ وَقَلْعَةُ بَعْرِينَ وَسَلَمِيَّةَ وَتَلُّ خَالِدٍ وَالرُّهَا مِنْ بَلْدِ الْجَزِيرَةِ فِي أَقَطَاعِ الْأَمِيرِ فَخْرِ الدِّينِ مَسْعُودِ الزَّعْفَرَانِيِّ، فَلَمَّا مَاتَ نُورُ الدِّينِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ بِهَا لِسُوءِ سِيرَتِهِ فِي أَهْلِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي قِلَاعِ هَذِهِ الْبِلَادِ حُكْمٌ إِنَّمَا فِيهَا وُلَاةٌ لِنُورِ الدِّينِ. وَكَانَ بِقَلْعَةِ حِمْصَ وَالٍ يَحْفَظُهَا، فَلَمَّا نَزَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى حِمْصَ، حَادِي عَشَرَ الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ، رَاسَلَ مَنْ فِيهَا بِالتَّسْلِيمِ، فَامْتَنَعُوا، فَقَاتَلَهُمْ مِنَ الْغَدِ، فَمَلَكَ الْبَلَدَ وَأَمَّنَ أَهْلَهُ، وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ الْقَلْعَةُ وَبَقِيَتْ مُمْتَنِعَةً إِلَى أَنْ عَادَ مِنْ حَلَبَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَتَرَكَ بِمَدِينَةِ حِمْصَ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَيَمْنَعُ مَنْ بِالْقَلْعَةِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَأَنْ تَصَعَدَ إِلَيْهِمْ مَيْرَةٌ.
وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ لَا يُظْهِرُ إِلَّا طَاعَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ نُورِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ لِحِفْظِ بِلَادِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَاسْتِعَادَةِ مَا
[ ٩ / ٤٠٦ ]
أَخَذَهُ سَيْفُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مِنَ الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَمَاةَ مَلَكَ الْمَدِينَةَ مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ بِقَلْعَتِهَا الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكُ، وَهُوَ مِنَ الْمَمَالِيكِ النُّورِيَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ حِفْظَ بِلَادِهِ عَلَيْهِ، فَاسْتَحْلَفَهُ جُورْدِيكُ عَلَى ذَلِكَ فَحَلِفَ وَسَيَّرَهُ إِلَى حَلَبَ فِي اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَى طَاعَةِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَفِي إِطْلَاقِ شَمْسِ الدِّينِ عَلِيٍّ وَحَسَنٍ وَعُثْمَانَ أَوْلَادِ الدَّايَةِ مِنَ السِّجْنِ، فَسَارَ جُورْدِيكُ إِلَى حَلَبَ، وَاسْتَخْلَفَ بِقَلْعَةِ حَمَاةَ أَخَاهُ لِيَحْفَظَهَا، فَلَمَّا وَصَلَ جُورْدِيكُ إِلَى حَلَبَ قَبَضَ عَلَيْهِ كَمُشْتَكِينَ وَسَجَنَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَخُوهُ بِذَلِكَ سَلَّمَ الْقَلْعَةَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَمَلَكَهَا.
ذِكْرُ حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ حَلَبَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا وَمُلْكِهِ قَلْعَةَ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ
لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ حَمَاةَ سَارَ إِلَى حَلَبَ فَحَصَرَهَا ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَرَكِبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ، وَهُوَ صَبِيٌّ عُمْرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَمَعَ أَهْلَ حَلَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ إِحْسَانَ أَبِي إِلَيْكُمْ وَمَحَبَّتَهُ لَكُمْ وَسِيرَتَهُ فِيكُمْ، وَأَنَا يَتِيمُكُمْ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الظَّالِمُ الْجَاحِدُ إِحْسَانُ وَالِدِي إِلَيْهِ يَأْخُذُ بَلَدِي وَلَا يُرَاقِبُ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا الْخَلْقَ، وَقَالَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا وَبَكَى فَأَبْكَى النَّاسَ، فَبَذَلُوا لَهُ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ دُونَهُ، وَالْمَنْعِ عَنْ بَلَدِهِ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ، قَدْ أَلِفُوا الْحَرْبَ وَاعْتَادُوهَا، حَيْثُ كَانَ الْفِرِنْجُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَ صَلَاحَ الدِّينِ عِنْدَ جَبَلِ جَوْشَنَ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ.
وَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينُ إِلَى سِنَانَ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَبَذَلَ لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً لِيَقْتُلُوا صَلَاحَ الدِّينِ، فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْهُمْ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا وَصَلُوا رَآهُمْ أَمِيرٌ اسْمُهُ
[ ٩ / ٤٠٧ ]
خُمَارْتِكِينُ، صَاحِبُ قَلْعَةِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَعَرَفَهُمْ لِأَنَّهُ جَارُهُمْ فِي الْبِلَادِ، كَثِيرُ الْاجْتِمَاعِ بِهِمْ وَالْقِتَالِ لَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ لَهُمْ: مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ جِئْتُمْ؟ فَجَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ مُثْخَنَةٍ، وَحَمَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيَقْتُلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ، وَقَاتَلَ الْبَاقُونَ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِّيَّةِ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً ثُمَّ قُتِلُوا.
وَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَاصِرًا لِحَلَبَ إِلَى سَلْخِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَرَحَلَ عَنْهَا مُسْتَهَلَّ رَجَبَ، وَسَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّ الْقُمَّصَ رِيمُنْدُ الصَّنْجِيلِيُّ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، كَانَ قَدْ أَسَرَهُ نُورُ الدِّينِ عَلَى حَارِمٍ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَطْلَقَهُ سَعْدُ الدِّينِ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ وَأَلْفِ أَسِيرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ اجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَكَانَ عَظِيمًا فِيهِمْ مِنْ أَعْيَانِ شَيَاطِينِهِمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُرِّيَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مَاتَ أَوَّلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِهِمْ شَجَاعَةً وَأَجْوَدَهُمْ رَأْيًا وَمَكْرًا وَمَكِيدَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ ابْنًا مَجْذُومًا عَاجِزًا عَنْ تَدْبِيرِ الْمُلْكِ، فَمَلَّكَهُ الْفِرِنْجُ صُورَةً لَا مَعْنًى تَحْتَهَا، وَتَوَلَّى الْقُمُّصُ رِيمُنْدُ تَدْبِيرَ الْمُلْكِ، وَإِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ، عَنْ أَمْرِهِ يُصْدِرُونَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ بِحَلَبَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْبِلَادِ الَّتِي بِيَدِ صَلَاحِ الدِّينِ لِيَرْحَلَ عَنْهُمْ، فَسَارَ إِلَى حِمْصَ وَنَازَلَهَا سَابِعَ رَجَبٍ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ لِقَصْدِهَا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ فَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ، فَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ ثَامِنَ رَجَبٍ، بَعْدَ نُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَى حِمْصَ بِيَوْمٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الرَّسْتَنِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِقُرْبِهِ رَحَلُوا عَنْ حِمْصَ، وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، فَحَصَرَ الْقَلْعَةَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، فَصَارَ أَكْثَرُ الشَّامِ بِيَدِهِ.
وَلَمَّا مَلَكَ حِمْصَ سَارَ مِنْهَا إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَبِهَا خَادِمٌ اسْمُهُ يُمْنٌ، وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا مِنْ أَيَّامِ نُورِ الدِّينِ، فَحَصَرَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ يُمْنٌ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِمَنْ عِنْدَهُ،
[ ٩ / ٤٠٨ ]
فَأَمَّنَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ رَابِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ.
ذِكْرُ حَصْرِ سَيْفِ الدِّينِ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ بِسِنْجَارَ
لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ دِمَشْقَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ كَتَبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُورِ الدِّينِ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي بْنِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودِ، يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَيَطْلُبَ أَنْ يَعْبُرَ إِلَيْهِ لِيَقْصِدُوا صَلَاحَ الدِّينِ وَيَأْخُذُوا الْبِلَادَ مِنْهُ، فَجَمَعَ سَيْفُ الدِّينِ عَسَاكِرَهُ، وَكَاتِبَ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي، صَاحِبَ سِنْجَارَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ بِعَسَاكِرِهِ لِيَجْتَمِعَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الشَّامِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ قَدْ كَاتَبَ عِمَادَ الدِّينِ وَأَطْمَعَهُ فِي الْمُلْكِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَبِيرُ، فَحَمَلَهُ الطَّمَعُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَلَى أَخِيهِ، فَلَمَّا رَأَى سَيْفُ الدِّينِ امْتِنَاعَهُ جَهَّزَ أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودًا فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، هُوَ مُعْظَمُ عَسْكَرِهِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ، وَجَعَلَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْعَسْكَرِ مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مَحْمُودٍ، وَيُلَقَّبُ أَيْضًا زَلْفِنْدَارَ، وَجَعَلَهُ الْمُدَبِّرَ لِلْأَمْرِ، وَسَارَ سَيْفُ الدِّينِ إِلَى سِنْجَارَ فَحَصَرَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَاتَلَهَا، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ، وَامْتَنَعَ عِمَادُ الدِّينِ بِهَا، وَأَحْسَنَ حِفْظَهَا وَالذَّبَّ عَنْهَا، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِانْهِزَامِ عَسْكَرِهِ الَّذِي مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، فَرَاسَلَ حِينَئِذٍ أَخَاهُ عِمَادَ الدِّينِ، وَصَالَحَهُ عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَرَحَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَثَبَتَ قَدَمُ صَلَاحُ الدِّينِ بَعْدَ هَذِهِ الْهَزِيمَةِ، وَخَافَهُ النَّاسُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيْفِ الدِّينِ (غَازِي فِي الصُّلْحِ)، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَالٌ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ عَسْكَرِ سَيْفِ الدِّينِ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَحَصْرِهِ مَدِينَةَ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَسْكَرُ سَيْفِ الدِّينِ مَعَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ وَعِزِّ الدِّينِ زَلْفِنْدَارَ إِلَى حَلَبَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا عَسَاكِرُ حَلَبَ، وَسَارُوا كُلُّهُمْ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيُحَارِبُوهُ، فَأَرْسَلَ
[ ٩ / ٤٠٩ ]
صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى سَيْفِ الدِّينِ يَبْذُلُ تَسْلِيمَ حِمْصَ وَحَمَاةَ، وَأَنْ يُقِرَّ بِيَدِهِ مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَهُوَ فِيهَا نَائِبُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِ جَمِيعِ مَا أُخِذَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَالْعَوْدِ إِلَى مِصْرَ.
وَكَانَ صَلَاحُ الدِّينِ يَجْمَعُ عَسَاكِرَهُ وَيَتَجَهَّزُ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ سَيْفُ الدِّينِ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا بَذَلَ سَارَ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ وَزَلْفِنْدَارَ، فَالْتَقَوْا تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ، بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ حَمَاةَ، بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ قُرُونُ حَمَاةَ، وَكَانَ زَلْفِنْدَارُ جَاهِلًا بِالْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، غَيْرُ عَالِمٍ بِتَدْبِيرِهَا، مَعَ جُبْنٍ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُزِقَ سَعَادَةً وَقَبُولًا مِنْ سَيْفِ الدِّينِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ لَمْ يَثْبُتِ الْعَسْكَرُ السَّيْفِيُّ، وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَخٌ عَلَى أَخِيهِ، وَثَبَتَ عِزُّ الدِّينِ أَخُو سَيْفِ الدِّينِ بَعْدَ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ثَبَاتَهُ قَالَ: إِمَّا أَنَّ هَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَرْبَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَمْلَةِ عَلَيْهِ، فَحَمَلُوا فَأَزَالُوهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ.
وَتَبِعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ حَتَّى جَاوَزُوا مُعَسْكَرِهِمْ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَآلَةً، وَسِلَاحًا عَظِيمًا، وَدَوَابَّ فَارِهَةً، وَعَادُوا بَعْدَ طُولِ الْبِيكَارَ مُسْتَرِيحِينَ، وَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى حَلَبَ، وَتَبِعَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، فَنَازَلَهُمْ بِهَا مُحَاصِرًا لَهَا وَمُقَاتِلًا، وَقَطَعَ حِينَئِذٍ خُطْبَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ بْنِ نُورِ الدِّينِ، وَأَزَالَ اسْمَهُ عَنِ السِّكَّةِ فِي بِلَادِهِ، وَدَامَ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ رَاسَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا بِيَدِهِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَلَهُمْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَانْتَظَمَ الصُّلْحُ وَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ وَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ، وَوَصَلَتْ إِلَيْهِ بِهَا خِلَعُ الْخَلِيفَةِ مَعَ رَسُولِهِ.
[ ٩ / ٤١٠ ]
ذِكْرُ مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ قَلْعَةَ بِعَرِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ، مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ قَلْعَةَ بِعَرِينَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ [صَاحِبُهَا] فَخْرَ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ الزَّعْفَرَانِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ النُّورِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى قُوَّةَ صَلَاحِ الدِّينِ نَزَلَ مِنْهَا، وَاتَّصَلَ بِصَلَاحِ الدِّينِ، وَظَنَّ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ وَيُشَارِكُهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مِثْلُ مَا كَانَ مَعَ نُورِ الدِّينِ، فَلَمْ يَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَفَارَقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ إِقْطَاعِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الْأَيَّامِ النُّورِيَّةِ غَيْرُ بِعَرِينَ وَنَائِبِهِ بِهَا، فَلَمَّا صَالَحَ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَلِكَ الصَّالِحَ بِحَلَبَ، عَادَ إِلَى حَمَاةَ وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بِعَرِينَ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، فَحَصَرَهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَدَامَ قِتَالَهَا، فَسَلَّمَهَا وَالِيهَا بِالْأَمَانِ، فَلَمَّا مَلَكَهَا عَادَ إِلَى حَمَاةَ، فَأَقْطَعَهَا خَالَهُ شِهَابَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ تَكِشَ الْحَارِمِيَّ، وَأَقْطَعَ حِمْصَ نَاصِرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ ابْنَ عَمِّهِ شِيرْكُوهْ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا أَوَاخِرَ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْبَهْلَوَانِ مَدِينَةَ تَبْرِيزَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْبَهْلَوَانُ بْنُ إِيلْدِكْزَ مَدِينَةَ تَبْرِيزَ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِ آقْسُنْقُرَ الْأَحْمَدِيلِيِّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَهْلَوَانَ سَارَ إِلَى مَرَاغَةَ وَحَصَرَهَا، وَكَانَ ابْنُ آقْسُنْقُرَ الْأَحْمَدِيلِيُّ صَاحِبُهَا قَدْ مَاتَ، وَوَصَّى بِالْمُلْكِ لِابْنِهِ فَلَكِ الدِّينِ، فَقَصَدَهُ الْبَهْلَوَانُ، وَنَزَلَ عَلَى قَلْعَةِ رُويِينَ دُزْ وَحَصَرَهَا فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، فَتَرَكَهَا، وَحَصَرَ مَرَاغَةَ، وَسَيَّرَ أَخَاهُ قُزْلَ أَرْسَلَانَ فِي جَيْشٍ إِلَى مَدِينَةِ تَبْرِيزَ فَحَصَرَهَا أَيْضًا.
وَكَانَ الْبَهْلَوَانُ يُقَاتِلُ أَهْلَ مَرَاغَةَ، فَظَفِرُوا بِطَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ صَدْرُ الدِّينِ قَاضِي مَرَاغَةَ، وَأَطْلَقَهُمْ، فَحَسُنَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَهْلَوَانِ، وَشَرَعَ الْقَاضِي فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمُوا تَبْرِيزَ إِلَى الْبَهْلَوَانِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ، وَحَلِفَ
[ ٩ / ٤١١ ]
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَتَسَلَّمَ الْبَهْلَوَانُ تِبْرِيزُ وَأَعْطَاهَا أَخَاهُ قُزْلَ أَرْسَلَانَ، وَرَحَلَ عَنْ مَرَاغَةَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ شُمْلَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ شُمْلَةُ التُّرْكُمَانِيُّ، صَاحِبُ خُوزِسْتَانَ، وَكَانَ قَدْ كَثُرَتْ وِلَايَتُهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَبَنَى عِدَّةَ حُصُونٍ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى عِشْرِينَ سَنَةٍ.
وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بَعْضَ التُّرْكُمَانِ، فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَاسْتَعَانُوا بِشَمْسِ الدِّينِ الْبَهْلَوَانِ بْنِ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبِ عِرَاقِ الْعَجَمِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَاقْتَتَلُوا فَأَصَابَ شُمْلَةَ سَهْمٌ، ثُمَّ أُخِذَ أَسِيرًا وَوَلَدُهُ وَابْنُ أَخِيهِ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ مِنَ التُّرْكُمَانِ الْأَقْشَرِيَّةِ، وَلَمَّا مَاتَ مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ.
ذِكْرُ هَرَبِ قُطْبِ الدِّينِ قَايْمَازَ مِنْ بَغْدَادَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَوَّالٍ، سَيَّرَ عَلَاءُ الدِّينِ تُنَامُشَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ ابْنُ أَحْمَدَ قُطْبُ الدِّينِ قَايْمَازُ زَوْجُ أُخْتِهِ، عَسْكَرًا إِلَى الْغَرَّافِ، فَنَهَبُوا أَهْلَهُ، وَبَالَغُوا فِي أَذَاهُمْ، فَجَاءَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ إِلَى بَغْدَادَ وَاسْتَغَاثُوا، فَلَمْ يُغَاثُوا لِضَعْفِ الْخَلِيفَةِ مَعَ قَايْمَازَ وَتُنَامُشَ، وَتَحَكُّمِهِمَا عَلَيْهِ، فَقَصَدُوا جَامِعَ الْقَصْرِ وَاسْتَغَاثُوا فِيهِ، وَمَنَعُوا الْخَطِيبَ، وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ أَكْثَرَ النَّاسِ، فَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ مَا جَرَى، فَلَمْ يَلْتَفِتْ قُطْبُ الدِّينِ وَتُنَامُشُ إِلَى مَا فَعَلَ، وَاحْتَقَرُوهُ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِاحْتِقَارِهِمْ وَازْدِرَائِهِمْ أَهْلَهُ.
فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ ذِي الْقِعْدَةِ قَصَدَ قُطْبُ الدِّينِ قَايْمَازُ أَذَى ظَهِيرِ الدِّينِ بْنِ الْعَطَّارِ، وَكَانَ صَاحِبَ الْمَخْزَنِ، وَهُوَ خَاصُّ الْخَلِيفَةِ، وَلَهُ بِهِ عِنَايَةٌ تَامَّةٌ، فَلَمْ يُرَاعِ الْخَلِيفَةَ فِي صَاحِبِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَهَرَبَ، فَأَحْرَقَ قُطْبُ الدِّينِ دَارَهُ،
[ ٩ / ٤١٢ ]
وَحَالِفَ الْأُمَرَاءَ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ وَالْمُظَاهَرَةِ لَهُ، وَجَمَعَهُمْ، وَقَصَدَ دَارَ الْخَلِيفَةِ لِعِلْمِهِ أَنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ فِيهَا، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ وَرَأَى الْغَلَبَةَ صَعِدَ إِلَى سَطْحِ دَارِهِ وَظَهَرَ لِلْعَامَّةِ وَأَمَرَ خَادِمًا فَصَاحَ وَاسْتَغَاثَ، وَقَالَ لِلْعَامَّةِ: مَالُ قُطْبِ الدِّينِ لَكُمْ وَدَمُهُ لِي، فَقَصَدَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ دَارَ قُطْبِ الدِّينِ لِلنَّهْبِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ لِضِيقِ الشَّوَارِعِ وَغَلَبَةِ الْعَامَّةِ، فَهَرَبَ مِنْ دَارِهِ مِنْ بَابِ فَتْحِةٍ فِي ظَهْرِهَا لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ عَلَى بَابِهَا، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَأُخِذَ مِنْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى، فَرُئِيَ فِيهَا مِنَ التَّنَعُّمِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ بَيْتَ الطَّهَارَةِ الَّذِي كَانَ لَهُ فِيهِ سِلْسِلَةُ ذَهَبٍ مِنَ السَّقْفِ إِلَى مُحَاذِي وَجْهِ الْقَاعِدِ عَلَى الْخَلَا، وَفِي أَسْفَلِهَا كُرَةٌ كَبِيرَةٌ ذَهَبٌ، مُخْرَّمَةٌ، مَحْشُوَّةٌ بِالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ لِيَشُمَّهَا إِذَا قَعَدَ، فَتَشَبَّثَ بِهَا إِنْسَانٌ وَقَطَعَهَا وَأَخَذَهَا، وَدَخَلَ بَعْضُ الصَّعَالِيكِ فَأَخَذَ عِدَّةَ أَكْيَاسٍ مَمْلُوءَةٍ دَنَانِيرُ.
وَكَانَ الْأَقْوِيَاءُ قَدْ وَقَفُوا عَلَى الْبَابِ يَأْخُذُونَ مَا يَخْرُجُ بِهِ النَّاسُ، فَلَمَّا أَخَذَ ذَلِكَ الصُّعْلُوكُ الْأَكْيَاسَ قَصَدَ الْمَطْبَخَ فَأَخَذَ مِنْهُ قِدْرًا مَمْلُوءَةً طَبِيخًا، وَأَلْقَى الْأَكْيَاسَ فِيهَا وَحَمَلَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَخَرَجَ بِهَا، وَالنَّاسُ يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أُرِيدُ شَيْئًا أُطَعِمُهُ عِيَالِي الْيَوْمَ، فَنَجَا بِمَا مَعَهُ، فَاسْتَغْنَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَظَهَرَ الْمَالُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ نِعْمَةِ قُطْبِ الدِّينِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ تَبِعَهُ تُنَامُشُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَنُهِبَتْ دُورُهُمْ أَيْضًا، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأُحْرِقَ أَكْثَرُهَا، وَسَارَ قُطْبُ الدِّينِ إِلَى الْحِلَّةِ وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ صَدْرَ الدِّينِ شَيْخَ الشُّيُوخِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ يَخْدَعُهُ حَتَّى سَارَ عَنِ الْحِلَّةِ إِلَى الْمَوْصِلِ عَلَى الْبَرِّ، فَلَحِقَهُ وَمَنْ مَعَهُ عَطَشٌ عَظِيمٌ فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ. وَمَاتَ قُطْبُ الدِّينِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَحُمِلَ وَدُفِنَ بِظَاهِرِ بَابِ الْعِمَادِيِّ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ هُنَاكَ.
وَهَذَا عَاقِبَةُ عِصْيَانِ الْخَلِيفَةِ، وَكُفْرَانِ الْإِحْسَانِ، وَالظُّلْمِ، وَسُوءِ التَّدْبِيرِ، فَإِنَّهُ ظَلَمَ أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَكَفْرَ إِحْسَانَ الْخَلِيفَةِ الَّذِي كَانَ قَدْ غَمَرَهُ، وَلَوْ أَقَامَ بِالْحِلَّةِ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَعَاوَدَ بَغْدَادَ لَاسْتَوْلَى عَلَى الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا كَانَ، فَإِنَّ عَامَّةَ بَغْدَادَ كَانُوا يُرِيدُونَهُ، وَكَانَ قَوِيَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْبِلَادِ فَأَطَاعُوهُ.
وَلَمَّا مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَ عَلَاءُ الدِّينِ تُنَامُشُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَقَامَ مُدِيدَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ بِالْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ، فَعَادَ إِلَيْهَا وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنَّ مَاتَ بِغَيْرِ إِقْطَاعٍ،
[ ٩ / ٤١٣ ]
وَكَانَ هَذَا آخَرَ أَمْرِهِمْ.
وَلَمَّا أَقَامَ قُطْبُ الدِّينِ بِالْحِلَّةِ امْتَنَعَ الْحَاجُّ مِنَ السَّفَرِ، فَتَأَخَّرُوا إِلَى أَنْ رَحَلَ عَنْهَا، فَدَخَلُوا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى عَرَفَاتٍ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَفَاتَ كَثِيرًا مِنْهُمُ الْحَجُّ.
وَلَمَّا هَرَبَ قُطْبُ الدِّينِ خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عَضُدِ الدِّينِ الْوَزِيرِ وَأُعِيدَ [إِلَى] الْوِزَارَةِ.
قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي قُطْبِ الدِّينِ وَتُنَامُشَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:
إِنْ كُنْتَ مُعْتَبِرًا بِمُلْكٍ زَائِلٍ وَحَوَادِثٍ عَنَقِيَّةِ الْإِدْلَاجِ
فَدَعِ الْعَجَائِبَ وَالتَّوَارِيخَ الْأُولَى وَانْظُرْ إِلَى قَايْمَازَ وَابْنِ قَمَاجِ
عَطَفَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمَا فَسَقَاهُمَا مِنْ كَأْسِهِ صِرْفًا بِغَيْرِ مِزَاجِ
فَتَبَدَّلُوا بَعْدَ الْقُصُورِ وَظِلِّهَا وَنَعِيمِهَا بِمَهَامِهٍ وَفِجَاجِ
فَلْيَحْذَرِ الْبَاقُونَ مِنْ أَمْثَالِهَا نَكَبَاتِ دَهْرٍ خَائِنٍ مِزْعَاجِ
وَكَانَ قُطْبُ الدِّينِ كَرِيمًا، طَلْقَ الْوَجْهِ، مُحِبًّا لِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، كَثِيرَ الْبَذْلِ لِلْمَالِ. وَالَّذِي كَانَ جَرَى مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ تُنَامُشُ وَلَمْ يَكُنْ بِإِرَادَتِهِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ زَعِيمُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَمَّرِ بْنِ جَعْفَرَ أَبُو الْفَضْلِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عِدَّةَ سِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الطَّرِيقِ، وَنَابَ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَتَنَقَّلَ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ.
[ ٩ / ٤١٤ ]