٥٧٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ سَيْفِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَوِلَايَةِ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ بَعْدَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَالِثَ صَفَرٍ، تُوُفِّيَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مَرَضُهُ السُّلَّ، وَطَالَ بِهِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ فِي آخِرِهِ سِرْسَامٌ، وَمَاتَ.
وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى أَنَّ النَّاسَ خَرَجُوا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ يَسْتَسْقُونَ لِانْقِطَاعِ الْغَيْثِ وَشِدَّةِ الْغَلَاءِ، وَخَرَجَ سَيْفُ الدِّينِ فِي مَوْكِبِهِ، فَثَارَ بِهِ النَّاسُ وَقَصَدُوهُ بِالِاسْتِغَاثَةِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ وَقَصَدُوا مَسَاكِنَ الْخَمَّارِينَ، وَخَرَّبُوا أَبْوَابَهُمْ، وَدَخَلُوهَا، وَنَهَبُوهَا، وَأَرَاقُوا مَا بِهَا مِنْ خُمُورٍ، وَكَسَرُوا الظُّرُوفَ، وَعَمِلُوا مَا لَا يَحِلُّ، فَاسْتَغَاثَ أَصْحَابُ الدُّورِ إِلَى نُوَّابِ السُّلْطَانِ، وَخَصُّوا بِالشَّكْوَى رَجُلًا مِنَ الصَّالِحِينَ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ الدَّقَّاقُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ فِي الَّذِي فَعَلَهُ الْعَامَّةُ مِنَ النَّهْبِ، وَمَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، إِنَّمَا هُوَ أَرَاقَ الْخُمُورَ، وَنَهَى الْعَامَّةَ عَنِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَلَمَّا شَكَا الْخَمَّارُونَ مِنْهُ أُحْضِرَ بِالْقَلْعَةِ، وَضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَلَمَّا أُطْلِقَ لِيَنْزِلَ مِنَ الْقَلْعَةِ نَزَلَ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، فَأَرَادُوا تَغْطِيَتَهُ بِعِمَامَتِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا غَطَّيْتُ رَأْسِي حَتَّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ لِي مِمَّنْ ظَلَمَنِي! فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ أَيَّامٍ حَتَّى تُوُفِّيَ الدَّزْدَارُ الَّذِي تَوَلَّى أَذَاهُ، ثُمَّ بِعَقِبِهِ مَرِضَ سَيْفُ الدِّينِ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَعَمْرُهُ حِينَئِذٍ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ، مَلِيحَ الشَّبَابِ، تَامَّ الْقَامَةِ، أَبْيَضَ اللَّوْنِ وَكَانَ عَاقِلًا وَقُورًا، قَلِيلَ الِالْتِفَاتِ إِذَا رَكِبَ وَإِذَا جَلَسَ، عَفِيفًا لَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ مَا يُنَافِي الْعِفَّةَ.
[ ٩ / ٤٤٦ ]
وَكَانَ غَيُورًا شَدِيدَ الْغَيْرَةِ لَا يَدْخُلُ دُورَهُ غَيْرُ الْخَدَمِ الصِّغَارِ، فَإِذَا كَبِرَ أَحَدُهُمْ مَنْعَهُ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ سَفْكَ الدِّمَاءِ، وَلَا أَخْذَ الْأَمْوَالِ عَلَى شُحٍّ فِيهِ وَجُبْنٍ.
وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِالْمُلْكِ لِابْنِهِ مُعِزِّ الدِّينِ سَنْجَرْشَاهْ، وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَخَافَ عَلَى الدَّوْلَةِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَ بِالشَّامِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَامْتَنَعَ أَخُوهُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ مَوْدُودٍ مِنَ الْإِذْعَانِ لِذَلِكَ وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهِ، فَأَشَارَ الْأُمَرَاءُ الْأَكَابِرُ وَمُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمُلْكَ بَعْدَهُ فِي عِزِّ الدِّينِ أَخِيهِ، لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعَقْلِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ، وَأَنْ يُعْطِيَ ابْنَيْهِ بَعْضَ الْبِلَادِ، وَيَكُونُ مَرْجِعُهُمَا إِلَى عِزِّ الدِّينِ عَمِّهِمَا وَالْمُتَوَلِّي لِأَمْرِهِمَا مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْمُلْكَ فِي أَخِيهِ، وَأَعْطَى جَزِيرَةَ ابْنِ عُمَرَ وَقِلَاعَهَا لِوَلَدِهِ سَنْجَرْشَاهْ وَقَلْعَةَ عَقْرِ الْحُمَيْدِيَّةِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ نَاصِرِ الدِّينِ كَسُكَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَيْفُ الدِّينِ مَلَكَ بَعْدَهُ الْمَوْصِلَ وَالْبِلَادَ أَخُوهُ عِزُّ الدِّينِ، وَكَانَ الْمُدَبِّرَ لِلدَّوْلَةِ مُجَاهِدُ الدِّينِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي الْجَمِيعِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ وَلَمْ يَخْتَلِفِ اثْنَانِ.
ذِكْرُ مَسِيرِ صَلَاحِ الدِّينِ لِحَرْبِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ مِنَ الشَّامِ إِلَى بِلَادِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ، وَهِيَ مَلَطْيَةَ وَسِيوَاسَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَقُونِيَةَ لِيُحَارِبَهُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ قَرَا أَرْسَلَانَ بْنِ دَاوُدَ، صَاحِبَ حِصْنِ كَيْفَا وَغَيْرِهِ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ قَلَجِ أَرَسْلَانَ الْمَذْكُورِ، وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَحَبَّ مُغَنِّيَةً، فَتَزَوَّجَهَا، وَمَالَ إِلَيْهَا، وَحَكَمَتْ فِي بِلَادِهِ وَخَزَائِنِهِ، وَأَعْرَضَ عَنِ ابْنَةِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ، وَتَرَكَهَا نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَبَلَغَ أَبَاهَا الْخَبَرُ، فَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ نُورِ الدِّينِ وَأَخْذِ بِلَادِهِ، فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَسْتَجِيرُ بِهِ وَيَسْأَلُهُ كَفَّ يَدِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى قَلَجِ أَرْسَلَانَ فِي الْمَعْنَى، فَأَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّنِي كُنْتُ قَدْ سَلَّمْتُ إِلَى نُورِ الدِّينِ عِدَّةَ حُصُونٍ مُجَاوِرَةٍ بِلَادَهُ لَمَّا تَزَوَّجَ ابْنَتِي، فَحَيْثُ آلَ الْأَمْرُ إِلَى مَا
[ ٩ / ٤٤٧ ]
تَعْلَمُهُ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُعِيدَ إِلَيَّ مَا أَخَذَهُ مِنِّي.
وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حَالٌ فِيهَا، فَهَادَنَ صَلَاحُ الدِّينِ الْفِرِنْجَ، وَسَارَ فِي عَسَاكِرِهِ، وَكَانَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٌ صَاحِبُ حَلَبَ بِهَا، فَتَرَكَهَا ذَاتَ الْيَسَارِ، وَسَارَ عَلَى تَلِّ بَاشِرَ إِلَى رَعْبَانَ، فَأَتَاهُ بِهَا نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ وَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ قَلَجُ أَرْسَلَانَ بِقُرْبِهِ مِنْهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَكْبَرَ أَمِيرٍ عِنْدَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَعَلَ مَعَ ابْنَتِي كَذَا، وَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ بِلَادِهِ، وَتَعْرِيفِهِ مَحَلَّ نَفْسِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ، وَاجْتَمَعَ بِصَلَاحِ الدِّينِ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ، امْتَعَضَ صَلَاحُ الدِّينِ لِذَلِكَ وَاغْتَاظَ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لِصَاحِبِكَ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَئِنْ لَمْ يَرْجِعْ لَأَسِيرَنَّ إِلَى مَلَطْيَةَ وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا يَوْمَانِ، وَلَا أَنْزِلُ عَنْ فَرَسِي إِلَّا فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ أَقْصِدُ جَمِيعَ بِلَادِهِ وَآخُذُهَا مِنْهُ.
فَرَأَى الرَّسُولُ أَمْرًا شَدِيدًا، فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ، وَكَانَ قَدْ رَأَى الْعَسْكَرَ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالتَّجَمُّلِ، وَكَثْرَةِ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُقَارِبُهُ، فَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُمْ أَخَذَ بِلَادَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ يَطْلُبُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ، فَأَحْضَرَهُ فَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِي لَيْسَ رِسَالَةً عَنْ صَاحِبِي، وَأُحِبُّ أَنْ تُنْصِفَنِي، فَقَالَ لَهُ: قُلْ! فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا مَا هُوَ قَبِيحٌ بِمِثْلِكَ، وَأَنْتَ مِنْ أَعْظَمِ السَّلَاطِينِ وَأَكْبَرِهِمْ شَأْنًا، أَنْ تَسْمَعَ النَّاسُ عَنْكَ أَنَّكَ صَالَحْتَ الْفِرِنْجَ، وَتَرَكْتَ الْغَزْوَ وَمَصَالِحَ الْمَمْلَكَةِ، وَأَعْرَضْتَ عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ صَلَاحٌ لَكَ وَلِرَعِيَّتِكَ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَجَمَعْتَ الْعَسَاكِرَ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ، وَخَسِرْتَ أَنْتَ وَعَسَاكِرُكَ الْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ لِأَجْلِ قَحْبَةٍ مُغَنِّيَةٍ؟ وَمَا يَكُونُ عُذْرُكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَمُلُوكِ الْإِسْلَامِ وَالْعَالَمِ كَافَّةً؟ وَاحْسِبْ أَنَّ أَحَدًا مَا يُوَاجِهُكَ بِهَذَا، أَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَمْرَ هَكَذَا؟ ثُمَّ احْسِبْ أَنَّ قَلَجَ أَرْسَلَانَ مَاتَ، وَهَذِهِ ابْنَتُهُ قَدْ أَرْسَلَتْنِي إِلَيْكَ تَسْتَجِيرُ بِكَ، وَتَسْأَلُكَ أَنْ تُنْصِفَهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَإِنْ فَعَلْتَ، فَهُوَ الظَّنُّ بِكَ أَنْ لَا تَرُدَّهَا.
فَقَالَ: وَاللَّهِ الْحَقُّ بِيَدِكَ، وَإِنَّ الْأَمْرَ لَكَمَا تَقُولُ، وَلَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَيَّ وَتَمَسَّكَ بِي وَيَقْبُحُ بِي تَرْكُهُ، لَكِنَّكَ أَنْتَ اجْتَمِعْ بِهِ، وَأَصْلِحِ الْحَالَ بَيْنَكُمْ عَلَى مَا
[ ٩ / ٤٤٨ ]
تُحِبُّونَهُ، وَأَنَا أُعِينُكُمْ عَلَيْهِ، وَأُقَبِّحُ فِعْلَهُ عِنْدَهُ، وَوَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ جَمِيلٍ، فَاجْتَمَعَ الرَّسُولُ بِصَاحِبِ الْحِصْنِ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ، فَاسْتَقَرَّ أَنَّ صَاحِبَ الْحِصْنِ يُخْرِجُ الْمُغَنِّيَةَ عَنْهُ بَعْدَ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَفْعَلُ يَنْزِلُ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ نُصْرَتِهِ، وَيَكُونُ هُوَ وَقَلَجُ أَرْسَلَانَ عَلَيْهِ، وَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ وَعَادَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ، وَعَادَ نُورُ الدِّينِ إِلَى بِلَادِهِ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ أَخْرَجَ نُورُ الدِّينِ الْمُغَنِّيَةَ عَنْهُ، فَتَوَجَّهَتْ إِلَى بَغْدَادَ، وَأَقَامَتْ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَتْ.
ذِكْرُ قَصْدِ صَلَاحِ الدِّينِ بَلَدَ ابْنِ لِيُونَ الْأَرْمَنِيِّ
وَفِيهَا قَصَدَ صَلَاحُ الدِّينِ بَلَدَ ابْنِ لِيُونَ الْأَرْمَنِيِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْرِ قَلَجِ أَرْسَلَانَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ لِيُونَ الْأَرْمَنِيَّ كَانَ قَدِ اسْتَمَالَ قَوْمًا مِنَ التُّرْكُمَانِ وَبَذَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْعَوْا مَوَاشِيَهُمْ فِي بِلَادِهِ. وَهِيَ بِلَادٌ حَصِينَةٌ كُلُّهَا حُصُونٌ مَنِيعَةٌ، وَالدُّخُولُ إِلَيْهَا صَعْبٌ، لِأَنَّهَا مَضَايِقُ وَجِبَالٌ وَعِرَةٌ، ثُمَّ غَدَرَ بِهِمْ وَسَبَى حَرِيمَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَأَسَرَ رِجَالَهُمْ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ حَانَ أَجْلُهُ.
وَنَزَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى النَّهْرِ الْأَسْوَدِ، وَبَثَّ الْغَارَاتِ عَلَى بِلَادِهِ، فَخَافَ ابْنُ لِيُونَ عَلَى حِصْنٍ لَهُ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ أَنْ يُؤْخَذَ فَخَرَّبَهُ وَأَحْرَقَهُ، فَسَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَ مَا فِيهِ مِنْ ذَخَائِرَ وَأَقْوَاتٍ، فَغَنِمَهَا، وَانْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ بِمَا غَنِمُوهُ، فَأَرْسَلَ ابْنُ لِيُونَ يَبْذُلُ إِطْلَاقَ مِنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى وَالسَّبْيِ وَإِعَادَةِ أَمْوَالِهِمْ عَلَى أَنْ يَعُودُوا عَنْ بِلَادِهِ، فَأَجَابَهُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ، وَأُطْلِقَ الْأَسْرَى وَأُعِيدَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَعَادَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
[ ٩ / ٤٤٩ ]
ذِكْرُ مُلْكِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مَدِينَةَ قَفْصَةَ بَعْدَ خِلَافِ صَاحِبِهَا عَلَيْهِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَمَلَكَ قَفْصَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهَا عَلِيَّ بْنَ الْمُعِزِّ بْنِ الْمُعْتَزِّ لَمَّا رَأَى دُخُولَ التُّرْكِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَاسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى بَعْضِهَا، وَانْقِيَادَ الْعَرَبِ إِلَيْهِمْ، طَمِعَ أَيْضًا فِي الِاسْتِبْدَادِ وَالِانْفِرَادِ عَنْ يُوسُفَ وَكَانَ فِي طَاعَتِهِ، فَأَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ وَخَالَفَهُ وَأَظْهَرَ الْعِصْيَانَ، وَوَافَقَهُ أَهْلُ قَفْصَةَ، فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ أَصْحَابِ أَبِي يَعْقُوبَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَرْسَلَ وَالِي بِجَايَةَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ يُخْبِرُهُ بِاضْطِرَابِ أُمُورِ الْبِلَادِ، وَاجْتِمَاعِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى قَرَاقُوشَ التُّرْكِيِّ الَّذِي دَخَلَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَمَا جَرَى فِي قَفْصَةَ مِنْ قَتْلِ الْمُوَحِّدِينَ وَمُسَاعَدَةِ أَهْلِ قَفْصَةَ صَاحِبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَشَرَعَ فِي سَدِّ الثُّغُورِ الَّتِي يَخَافُهَا بَعْدَ مَسِيرِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ تَجَهَّزَ الْعَسْكَرُ وَسَارَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ قَفْصَةَ وَحَصَرَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهِيَ بَلْدَةٌ حَصِينَةٌ، وَأَهْلُهَا أَنْجَادٌ، وَقَطَعَ شَجَرَهَا.
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى صَاحِبِهَا وَأَهْلِهَا، خَرَجَ مِنْهَا مُسْتَخْفِيًا لَمْ يَعْرِفْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ قَفْصَةَ وَلَا مِنْ عَسْكَرِهِ، وَسَارَ إِلَى خَيْمَةِ يُوسُفَ، وَعَرَّفَ حَاجِبَهُ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُوسُفَ، فَدَخَلَ الْحَاجِبُ وَأَعْلَمَ يُوسُفَ بِوُصُولِ صَاحِبِ قَفْصَةَ إِلَى بَابِ خَيْمَتِهِ، فَعَجِبَ مِنْهُ كَيْفَ أَقْدَمَ عَلَى الْحُضُورِ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ، وَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: قَدْ حَضَرَتُ أَطْلُبُ عَفْوَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي وَعَنْ أَهْلِ بَلَدِي، وَأَنْ يَفْعَلَ مَا هُوَ أَهْلُهُ، وَاعْتَذَرَ، فَرَقَّ لَهُ يُوسُفُ فَعَفَا عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَتَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَوَّلَ سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسَيَّرَ عَلِيَّ بْنَ الْمُعِزِّ صَاحِبَهَا إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَكَانَ فِيهَا مُكَرَّمًا عَزِيزًا، وَأَقْطَعَهُ وِلَايَةً كَبِيرَةً، وَرَتَّبَ يُوسُفُ لِقَفْصَةَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُوَحِّدِينَ، وَحَضَرَ مَسْعُودُ بْنُ زِمَامٍ أَمِيرُ الْعَرَبِ عِنْدَ يُوسُفَ أَيْضًا، فَعَفَا عَنْهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى مَرَّاكُشَ، وَسَارَ يُوسُفُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَأَتَاهُ بِهَا رَسُولُ مَلِكِ الْفِرِنْجِ، صَاحِبِ صِقِلِّيَّةَ،
[ ٩ / ٤٥٠ ]
يَلْتَمِسُ مِنْهُ الصُّلْحَ، فَهَادَنَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَكَانَتْ بِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ مُجْدِبَةً فَتَعَذَّرَ عَلَى الْعَسْكَرِ الْقُوتُ وَعَلْفُ الدَّوَابِّ، فَسَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ مُسْرِعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ بْنُ أَيُّوبَ، أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ الْأَكْبَرُ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَهَا مِنْ أَخِيهِ إِقْطَاعًا، فَأَقَامَ بِهَا فَتُوُفِّيَ، وَكَانَ لَهُ أَكْثَرُ بِلَادِ الْيَمَنِ، وَنُوَّابُهُ هُنَالِكَ يَحْمِلُونَ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ مِنْ زَبِيدَ، وَعَدَنَ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ وَالْمَعَاقِلِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ كَفًّا يُخْرِجُ كُلَّ مَا يُحْمَلُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْيَمَنِ، وَدَخَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَحُكْمُهُ فِي بِلَادِ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ وَأَمْوَالِهِ نَافِذٌ، وَمَعَ هَذَا، فَلَمَّا مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ نَحْوُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ مِصْرِيَّةٍ دَيْنًا، فَوَفَّاهَا أَخُوهُ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْهُ لَمَّا دَخَلَ إِلَى مِصْرَ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ وَفَاتِهِ سَارَ إِلَى مِصْرَ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَاسْتَخْلَفَ بِالشَّامِ عِزَّ الدِّينِ فَرْخَشَاهَ ابْنَ أَخِيهِ شَاهِنْشَاهْ، وَكَانَ عَاقِلًا حَازِمًا شُجَاعًا.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلْفَةَ الْأَصْفَهَانِيُّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ حَافِظَ الْحَدِيثِ وَعَالِمًا بِهِ سَافَرَ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ.
وَتُوُفِّيَ أَيْضًا فِي الْمُحَرَّمِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْعَصَّارِ اللُّغَوِيُّ بِبَغْدَادَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْجَوَالِيقِيِّ.
[ ٩ / ٤٥١ ]