٥٦٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ وَمُلْكِ ابْنِهِ بَعْدَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ شَاهْ مَازَنْدَرَانْ رُسْتُمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ قَارِنَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ كَتَمَ ابْنُهُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَسَنُ مَوْتَهُ أَيَّامًا، حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَى سَائِرِ الْحُصُونِ وَالْبِلَادِ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ خَبَرُ وَفَاتِهِ أَظْهَرَ إِيثَاقُ صَاحِبُ جُرْجَانَ وَدِهِسْتَانَ الْمُنَازَعَةَ لِوَلَدِهِ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَرْعَ حَقَّ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَذُبُّ عَنْهُ وَيَحْمِيهِ إِذَا الْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ مُنَازَعَتِهِ عَلَى شَيْءٍ غَيْرَ سُوءِ السُّمْعَةِ وَقُبْحِ الْأُحْدُوثَةِ.
ذِكْرُ حَصْرِ عَسْكَرِ الْمُؤَيَّدِ نَسَا وَرَحِيلِهِمْ عَنْهَا
كَانَ الْمُؤَيَّدُ قَدْ سَيَّرَ جَيْشًا إِلَى مَدِينَةِ نَسَا، فَحَصَرُوهَا إِلَى جُمَادَى الْأُولَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَسَيَّرَ خُوَارَزْم شَاهْ أَيْل أَرْسِلَان بْنُ أَتْسِزَ جَيْشًا إِلَى نَسَا، فَلَمَّا قَارَبُوهَا رَحَلَ عَنْهَا عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ، وَعَادُوا إِلَى نَيْسَابُورَ أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى.
وَسَارَ عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ إِلَى عَسْكَرِ خُوَارَزْمَ، لِأَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى نَيْسَابُورَ، فَتَقَدَّمَ الْعَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِيُّ لِيَرُدَّهُمْ عَنْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَسْكَرُ الْخُوَارَزْمِيُّ بِهِمْ عَادَ عَنْهُمْ، وَصَارَ صَاحِبُ نَسَا فِي طَاعَةِ خُوَارَزْم شَاهْ وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِيهَا.
وَسَارَ عَسْكَرُ خُوَارَزْمَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَالْتَجَأَ صَاحِبُهَا الْأَمِيرُ إِيثَاقُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ،
[ ٩ / ٣١٩ ]
صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، بَعْدَ تَمَكُّنِ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا، فَقَبِلَهُ الْمُؤَيَّدُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، فَأَقَامُوا عِنْدَهُ حَتَّى دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَبَلَدِهِ مِنْ جِهَةِ طَبَرِسْتَانَ.
وَأَمَّا دِهِسْتَانُ فَإِنَّ عَسْكَرَ خُوَارَزْمَ غَلَبُوا عَلَيْهَا وَصَارَ لَهُمْ فِيهَا شِحْنَةٌ.
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ الْمُؤَيَّدِ عَلَى هَرَاةَ
قَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ صَاحِبِ هَرَاةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، فَلَمَّا قُتِلَ تَجَهَّزَ الْأُمَرَاءُ الْغُزِّيَّةُ وَسَارُوا إِلَى هَرَاةَ وَحَصَرُوهَا، وَقَدْ تَوَلَّى أَمْرَهَا إِنْسَانٌ يُلَقَّبُ أَثِيرَ الدِّينِ، وَكَانَ لَهُ مَيْلٌ إِلَى الْغُزِّ، وَهُوَ يُحَارِبُهُمْ ظَاهِرًا، وَيُرَاسِلُهُمْ بَاطِنًا، فَهَلَكَ لِهَذَا السَّبَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَرَاةَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُهَا فَقَتَلُوهُ، وَقَامَ مَقَامَهُ أَبُو الْفُتُوحِ عَلِيُّ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ الطُّغْرَائِيُّ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا إِلَى الْمُؤَيَّدِ أَيْ أَبَهْ، صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مَمْلُوكَهُ سَيْفَ الدِّينِ تِنْكِزَ فِي جَيْشٍ، وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ أَغَارُوا عَلَى سَرْخَسَ، وَمَرْوَ، فَأَخَذُوا دَوَابَّ الْغُزِّ وَعَادُوا سَالِمِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْغُزُّ بِذَلِكَ رَحَلُوا عَنْ هَرَاةَ إِلَى مَرْوَ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ قَلْجِ أَرْسِلَان وَبَيْنَ ابْنِ دَانِشْمَنْدَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمَلِكِ قَلْجِ أَرْسِلَان بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَان، صَاحِبِ قُونِيَةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَبَيْنَ يَاغِي أَرْسِلَان بْنِ دَانِشْمَنْدَ، صَاحِبِ مَلَطْيَةَ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ.
وَسَبَبُهَا أَنْ قَلْجَ أَرْسِلَان تَزَوَّجَ ابْنَةَ الْمَلِكِ صَلِيقَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، فَسُيِّرَتِ الزَّوْجَةُ إِلَى قَلْجِ أَرْسِلَان مَعَ جَهَازٍ كَثِيرٍ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، وَأَغَارَ يَاغِي أَرْسِلَان صَاحِبُ مَلَطْيَةَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَرُوسَ وَمَا مَعَهَا وَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِابْنِ أَخِيهِ ذِي النُّونِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَانِشْمَنْدَ، فَأَمَرَهَا بِالرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَفَعَلَتْ ; لِيَنْفَسِخَ النِّكَاحُ مِنْ قَلْجِ أَرْسِلَان، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَزَوَّجَهَا مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَجَمَعَ قَلْجُ أَرْسِلَان عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى ابْنِ دَانِشْمَنْدَ، فَالْتَقَيَا وَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ قَلْجُ أَرْسِلَان، وَالْتَجَأَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَاسْتَنْصَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيرًا، فَمَاتَ يَاغِي أَرْسِلَان بْنُ دَانِشْمَنْدَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَمَلَكَ قَلْجُ
[ ٩ / ٣٢٠ ]
أَرْسِلَان بَعْضَ بِلَادِهِ، وَاصْطَلَحَ هُوَ وَالْمَلِكُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَانِشْمَنْدَ، لِأَنَّهُ مَلَكَ الْبِلَادَ بَعْدَ عَمِّهِ يَاغِي أَرْسِلَان، وَاسْتَوْلَى ذُو النُّونِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَانِشْمَنْدَ عَلَى مَدِينَةِ قَيْسَارِيَّةَ، وَمَلَكَ شَاهَان شَاهْ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو قَلْجِ أَرْسِلَان عَلَى مَدِينَةِ أَنْكُورِيَّةَ وَاسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمْ وَاتَّفَقُوا.
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ وَقَلْجِ أَرْسِلَان
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَحْشَةٌ مُتَأَكَّدَةٌ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي، صَاحِبِ الشَّامِ، وَبَيْنَ قَلْجِ أَرْسِلَان بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَلْجِ أَرْسِلَان، صَاحِبِ الرُّومِ، أَدَّتْ إِلَى الْحَرْبِ وَالتَّضَاغُنِ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهَا إِلَى مِصْرَ كَتَبَ الصَّالِحُ بْنُ رُزَّيْكَ، وَزِيرُ صَاحِبِ مِصْرَ، إِلَى قَلْجِ أَرْسِلَان يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَأْمُرُهُ بِمُوَافَقَتِهِ، وَكَتَبَ فِيهِ شِعْرًا:
نَقُولُ وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَتَفَهَّمُ وَيَعْلَمُ وَجْهَ الرَّأْيِ وَالرَّأْيُ مُبْهَمُ
وَمَا كُلُّ مَنْ قَاسَ الْأُمُورَ وَسَاسَهَا يُوَفَّقُ لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ أَحْزَمُ
وَمَا أَحَدٌ فِي الْمُلْكِ يَبْقَى مُخَلَّدًا وَمَا أَحَدٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ يَسْلَمُ
أَمِنْ بَعْدِ مَا ذَاقَ الْعِدَى طَعْمَ حَرْبِكُمْ
[بِفَيْهِمْ وَكَانَتْ] وَهِيَ صَابٌ وَعَلْقَمُ رَجَعْتُمْ إِلَى حُكْمِ التَّنَافُسِ بَيْنَكُمْ
وَفِيكُمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ نَارٌ تُضْرَمُ أَمَا عِنْدَكُمْ مَنْ يَتَّقِي اللَّهَ وَحْدَهُ
أَمَا فِي رَعَايَاكُمْ مِنَ النَّاسِ مُسْلِمُ تَعَالَوْا لَعَلَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ
إِذَا مَا نَصَرْنَا الدِّينَ نَحْنُ وَأَنْتُمُ وَنَنْهَضُ نَحْوَ الْكَافِرِينَ بِعَزْمَةٍ
بِأَمْثَالِهَا تُحْوَى الْبِلَادُ وَتُقْسَمُ
وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ هَذِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْحَادِثَةَ وَأَنَّ الصَّالِحَ أَرْسَلَ بِهَذَا الشِّعْرِ، فَإِنْ كَانَ الشِّعْرُ لِلصَّالِحِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْحَادِثَةُ قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ، لِأَنَّ الصَّالِحَ قُتِلَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشِّعْرُ لَهُ فَالْحَادِثَةُ فِي هَذَا التَّارِيخِ، (وَيُحْتَمَلُ) أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّنَافُسُ كَانَ أَيَّامَ الصَّالِحِ (فَكَتَبَ الْأَبِيَّاتِ ثُمَّ) امْتَدَّ إِلَى الْآنِ.
[ ٩ / ٣٢١ ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرَ، وَقَعَ بِأَصْفَهَانَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ صَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ الْخَجَنْدِيِّ وَبَيْنَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، بِسَبَبِ التَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ، فَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاحْتَرَقَ وَهُدِمَ كَثِيرٌ مِنَ الدُّورِ وَالْأَسْوَاقِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا عَلَى أَقْبَحِ صُورَةٍ.
وَفِيهَا بَنَى الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ قَلْعَةً بِالْقُرْبِ مِنْ قَزْوِينَ، فَقِيلَ لِشَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ عَنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِنْكَارٌ لِهَذِهِ الْحَالِ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِمْ وَغَائِلَتِهِمْ، فَتَقَدَّمُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَزْوِينَ، فَحَصَرُوهَا، وَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ.
وَحَكَى لِي بَعْضُ أَصْدِقَائِنَا بَلْ مَشَايِخِنَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْفُضَلَاءِ، قَالَ: كُنْتُ بِقَزْوِينَ أَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ، وَكَانَ بِهَا إِنْسَانٌ يَقُودُ جَمْعًا كَبِيرًا، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ، وَلَهُ عِصَابَةٌ حَمْرَاءُ، إِذَا قَاتَلَ عَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، قَالَ: فَكُنْتُ أُحِبُّهُ وَأَشْتَهِي الْجُلُوسَ مَعَهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا إِذَا هُوَ يَقُولُ: كَأَنِّي بِالْمَلَاحِدَةِ وَقَدْ قَصَدُوا الْبَلَدَ غَدًا، فَخَرَجْنَا إِلَيْهِمْ وَقَاتَلْنَاهُمْ، فَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ وَأَنَا مُتَعَصِّبٌ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ، فَقَتَلْنَاهُمْ، فَلَمْ يُقْتَلْ غَيْرِي، ثُمَّ تَرْجِعُ الْمَلَاحِدَةُ، وَيَرْجِعُ أَهْلُ الْبَلَدِ.
قَالَ: فَوَ اللَّهِ لَمَّا كَانَ الْغَدُ إِذْ قَدْ وَقَعَ الصَّوْتُ بِوُصُولِ الْمَلَاحِدَةِ، فَخَرَجَ النَّاسُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ قَوْلَ الرَّجُلِ، فَخَرَجْتُ وَاللَّهِ وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا [أَنْ] أَنْظُرَ هَلْ يَصِحُّ مَا قَالَ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى عَادَ النَّاسُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَيْدِيهِمْ قَتِيلًا بِعِصَابَتِهِ الْحَمْرَاءِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ بَيْنَهُمْ غَيْرُهُ، فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا مِنْ قَوْلِهِ كَيْفَ صَحَّ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا الْيَقِينُ؟
وَلَمَّا حَكَى لِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ تَارِيخِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَلِهَذَا أُثْبِتُهَا هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ.
وَفِيهَا قَبَضَ الْمُؤَيَّدُ أَيْ أَبَهْ، صَاحِبُ نَيْسَابُورَ، عَلَى وَزِيرِهِ ضِيَاءِ الْمُلْكِ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ٩ / ٣٢٢ ]
أَبِي طَالِبٍ سَعْدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ مَحْمُودٍ الرَّازِيِّ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ نَصِيرَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَوْفِيِّ، وَكَانَ أَيَّامَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ يَتَوَلَّى إِشْرَافَ دِيوَانِهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ السَّنْجَرِيَّةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ النَّاسَ حَجُّوا سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَقُوا شِدَّةً، وَانْقَطَعَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي فَيْدَ، وَالثَّعْلَبِيَّةِ، وَوَاقِصَةَ، وَغَيْرِهَا، وَهَلَكَ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَمْضِ الْحَاجُّ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، ﷺ، لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَلِشَدَّةِ الْغَلَاءِ فِيهَا، وَعَدَمِ مَا يُقْتَاتُ، وَوَقَعَ الْوَبَاءُ فِي الْبَادِيَةِ وَهَلَكَ مِنْهُمْ عَالَمٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ، وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ بِمَكَّةَ غَالِيَةً.
وَفِيهَا، فِي صَفَرَ، قَبَضَ الْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ عَلَى الْأَمِيرِ تَوْبَةَ بْنِ الْعُقَيْلِيِّ، وَكَانَ قَدْ قَرُبَ مِنْهُ قُرْبًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَخْلُو مَعَهُ، وَأَحَبَّهُ الْمُسْتَنْجِدُ مَحَبَّةً كَثِيرَةً، فَحَسَدَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَوَضَعَ كُتُبَا مِنَ الْعَجَمِ مَعَ قَوْمٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِيُؤْخَذُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأُخِذُوا وَأُحْضِرُوا عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، فَأَظْهَرُوا الْكُتُبَ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ الشَّدِيدِ، فَلَمَّا وَقَفَ الْخَلِيفَةُ عَلَيْهَا خَرَجَ إِلَى نَهْرِ الْمَلِكِ يَتَصَيَّدُ، وَكَانَتْ حِلَلُ تَوْبَةَ عَلَى الْفُرَاتِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَقُبِضَ وَأُدْخِلَ بَغْدَادَ لَيْلًا وَحُبِسَ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، فَلَمْ يُمَتَّعِ الْوَزِيرُ بَعْدَهُ بِالْحَيَاةِ بَلْ مَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ تَوْبَةُ مَنْ أَكْمَلِ الْعَرَبِ مُرُوءَةً وَعَقْلًا وَسَخَاءً وَإِجَازَةً، وَاجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ خِلَالِ الْكَمَالِ مَا تَفَرَّقَ فِي النَّاسِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، تُوُفِّيَ الشِّهَابُ مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَامِدِيُّ الْهَرَوِيُّ وَزِيرُ السُّلْطَانِ أَرْسِلَان، وَوَزِيرُ أَتَابِكِهِ شَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَوْنُ الدِّينِ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ أَبُو الْمُظَفَّرِ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَدُفِنَ
[ ٩ / ٣٢٣ ]
بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا لِلْحَنَابِلَةِ بِبَابِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ حَنْبَلِيَّ الْمَذْهَبِ، دَيِّنًا، خَيِّرًا، عَالِمًا يَسْمَعُ حَدِيثَ النَّبِيِّ، ﷺ، وَلَهُ فِيهِ التَّصَانِيفُ الْحَسَنَةُ، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَنَافَقَ عَلَى الْمُقْتَفِي نِفَاقًا عَظِيمًا، حَتَّى إِنَّ الْمُقْتَفِي كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَزِرْ لِبَنِي الْعَبَّاسِ مِثْلُهُ، وَلَمَّا مَاتَ قَبَضَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ.
وَتُوُفَّيَ بِهَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْبَغْدَادِيُّ بِالْمَوْصِلِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْ قَوْلِهِ:
أَفْدِي الَّذِي وَكَّلَنِي حُبُّهُ بِطُولِ إِعْلَالٍ وَإِمْرَاضٍ
وَلَسْتُ أَدْرِي بَعْدَ ذَا كُلِّهِ أَسَاخِطٌ مَوْلَايَ أَمْ رَاضٍ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ الْبَرْزِيِّ الشَّافِعِيُّ، (تَفَقَّهَ عَلَى الْفَقِيهِ) إِلْكِيَا الْهَرَّاسِيِّ، وَكَانَ وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي الْفِقْهِ، تَأْتِيهِ الْفَتَاوَى مِنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ، وَهُوَ مِنْ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ.
[ ٩ / ٣٢٤ ]