٥١٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ أَحْمَدَيْلَ بْنِ وَهْسُوذَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ، حَضَرَ أَتَابِكُ طُغْتِكِينُ، صَاحِبُ دِمَشْقَ، دَارَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِبَغْدَاذَ، وَحَضَرَ جَمَاعَةُ الْأُمَرَاءِ، وَمَعَهُمْ أَحْمَدَيْلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ وَهْسُوذَانَ الرَّوَادِيُّ، الْكُرْدِيُّ، صَاحِبُ مَرَاغَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَانِبِ طُغْتِكِينَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مُتَظَلِّمٌ، وَبِيَدِهِ رُقْعَةٌ، وَهُوَ يَبْكِي، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى السُّلْطَانِ، فَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ، فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ بِسِكِّينٍ، فَجَذَبَهُ أَحْمَدَيْلُ وَتَرَكَهُ تَحْتَهُ، فَوَثَبَ رَفِيقٌ لِلْبَاطِنِيِّ وَضَرَبَ أَحْمَدَيْلَ سِكِّينًا أُخْرَى، فَأَخَذَتْهُمَا السُّيُوفُ، وَأَقْبَلَ رَفِيقٌ لَهُمَا وَضَرَبَ أَحْمَدَيْلَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ إِقْدَامِهِ بَعْدَ قَتْلِ صَاحِبَيْهِ، وَظَنَّ طُغْتِكِينُ وَالْحَاضِرُونَ أَنَّ طُغْتِكِينَ كَانَ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ، وَأَنَّهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُمْ بَاطِنِيَّةٌ زَالَ هَذَا الْوَهْمُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ جَاوْلِي سَقَّاوُو وَحَالِ بِلَادِ فَارِسَ مَعَهُ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَاوْلِي سَقَّاوُو، كَانَ السُّلْطَانُ بِبَغْدَاذَ عَازِمًا عَلَى الْمُقَامِ بِهَا، فَاضْطَرَّ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى أَصْبَهَانَ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْ فَارِسَ، لِئَلَّا تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَ جَاوْلِي بِالْمَوْصِلِ إِلَى أَنْ مُلِكَتْ مِنْهُ وَأَخَذَهَا السُّلْطَانُ، فَلَمَّا قَصَدَ السُّلْطَانَ وَرَضِيَ عَنْهُ أَقْطَعَهُ بِلَادَ فَارِسَ، فَسَارَ جَاوْلِي إِلَيْهَا، وَمَعَهُ وَلَدُ السُّلْطَانِ جَغْرِي، وَهُوَ طِفْلٌ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ سَنَتَانِ، وَأَمَرَهُ بِإِصْلَاحِهَا، وَقَمْعِ الْمُفْسِدِينَ بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَأَوَّلُ مَا اعْتَمَدَهُ فِيهَا
[ ٨ / ٦١٢ ]
أَنَّهُ لَمْ يَتَوَسَّطْ بِلَادَ الْأَمِيرِ بَلْدَجِي، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مَمَالِيكِ السُّلْطَانِ مُلْكِشَاهْ، وَمِنْ جُمْلَةِ بِلَادِهِ كَلِيلُ وَسِرْمَاهُ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا بِتِلْكَ الْبِلَادِ.
وَرَاسَلَهُ جَاوْلِي لِيَحْضُرَ خِدْمَةَ جَغْرِي، وَلَدِ السُّلْطَانِ، وَعَلَّمَ جَغْرِي أَنْ يَقُولَ بِالْفَارِسِيَّةِ خُذُوهُ، فَلَمَّا دَخَلَ بَلْدَجِي قَالَ جَغْرِي، عَلَى عَادَتِهِ: خُذُوهُ، فَأَخَذَهُ وَقُتِلَ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ.
وَكَانَ لِبَلْدَجِي، مِنْ جُمْلَةِ حُصُونِهِ، قَلْعَةُ إِصْطَخْرَ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْقِلَاعِ وَأَحْصَنِهَا، وَكَانَ بِهَا أَهْلُهُ وَذَخَائِرُهُ، وَقَدِ اسْتَنَابَ فِي حِفْظِهَا وَزِيرًا لَهُ يُعْرَفُ بِالْجُهْرُمِيُّ، فَعَصَى عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَبَعْضَ الْمَالِ، وَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِ الْجُهْرُمِيِّ حَتَّى وَصَلَ جَاوْلِي إِلَى فَارِسَ فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَجَعَلَ فِيهَا أَمْوَالَهُ.
وَكَانَ بِفَارِسَ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الشُّوَانِكَارَةِ، وَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَمُقَدَّمُهُمُ الْحَسَنُ بْنُ الْمُبَارِزِ، الْمَعْرُوفُ بِخَسْرُو، وَلَهُ فَسَا وَغَيْرُهَا، فَرَاسَلَهُ جَاوْلِي لِيَحْضُرَ خِدْمَةَ جَغْرِي، فَأَجَابَ: إِنَّنِي عَبْدُ السُّلْطَانِ، وَفِي طَاعَتِهِ فَأَمَّا الْحُضُورُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، لِأَنَّنِي قَدْ عَرَفْتُ عَادَتَكَ مَعَ بَلْدَجِي وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّنِي أَحْمِلُ إِلَى السُّلْطَانِ مَا يُؤْثِرُهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ جَاوْلِي جَوَابَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مُقَامَ لَهُ بِفَارِسَ مَعَهُ، فَأَظْهَرَ الْعَوْدَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَحَمَلَ أَثْقَالَهُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَسَارَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ السُّلْطَانَ، وَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى خَسْرُو فَأَخْبَرَهُ، فَاغْتَرَّ وَقَعَدَ لِلشَّرَابِ، وَأَمِنَ.
وَأَمَّا جَاوْلِي فَإِنَّهُ عَادَ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى خَسْرُو جَرِيدَةً فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَخْمُورٌ نَائِمٌ، فَكَبَسَهُ، فَأَنْبَهَهُ أَخُوهُ فَضَلُّوهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ، فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ، فَأَفَاقَ، وَرَكِبَ مِنْ وَقْتِهِ وَانْهَزَمَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، وَنَهَبَ جَاوْلِي ثِقْلَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِهِ، وَنَجَا خَسْرُو إِلَى حِصْنِهِ، وَهُوَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا أُنْجُ.
وَسَارَ جَاوْلِي إِلَى مَدِينَةِ فَسَا فَتَسَلَّمَهَا، وَنَهَبَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ فَارِسَ مِنْهَا جَهْرَمٌ، وَسَارَ إِلَى خَسْرُو وَحَصَرَهُ مُدَّةً، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَرَأَى مِنِ امْتِنَاعِ حِصْنِهِ وَقُوَّتِهِ، وَكَثْرَةِ ذَخَائِرِهِ مَا عَلِمَ مَعَهُ أَنَّ الْمُدَّةَ تَطُولُ عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ لِيَشْتَغِلَ بِبَاقِي بِلَادِ فَارِسَ، وَرَحَلَ
[ ٨ / ٦١٣ ]
عَنْهُ إِلَى شِيرَازَ، فَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى كَازَرُونَ فَمَلَكَهَا، وَحَصَرَ أَبَا سَعْدٍ مُحَمَّدَ بْنَ مِمَّا فِي قَلْعَتِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ صَيْفًا وَشِتَاءً، فَرَاسَلَهُ جَاوْلِي فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَ الرَّسُولَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَوْمًا مِنَ الصُّوفِيَّةِ، فَأَطْعَمَهُمُ الْهَرِيسَةَ وَالْقَطَائِفَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَخُيِّطَتْ أَدْبَارُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الشَّمْسِ فَهَلَكُوا، ثُمَّ نَفِدَ مَا عِنْدَ أَبِي سَعْدٍ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ، وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ.
ثُمَّ إِنَّ جَاوْلِي أَسَاءَ مُعَامَلَتَهُ، فَهَرَبَ، فَقَبَضَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَبَثَّ الرِّجَالَ فِي أَثَرِهِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ زِنْجِيًّا يَحْمِلُ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: زَادِي فَفَتَّشَهُ، فَرَأَى دَجَاجًا، وَحَلْوَاءَ السُّكَّرِ، فَقَالَ: مَا هَذَا مِنْ طَعَامِكَ! فَضَرَبَهُ، فَأَقَرَّ عَلَى أَبِي سَعْدٍ، وَأَنَّهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَصَدُوهُ، وَهُوَ فِي شِعْبِ جَبَلٍ، فَأَخَذَهُ الْجُنْدِيُّ وَحَمَلَهُ إِلَى جَاوْلِي فَقَتَلَهُ.
وَسَارَ إِلَى دَارَابْجِرْدَ، وَصَاحِبُهَا اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَهَرَبَ صَاحِبُهَا مِنْهُ إِلَى كَرْمَانَ خَوْفًا مِنْهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ كَرِمَانَ صِهْرٌ، وَهُوَ أَرْسِلَانْشَاهْ بْنُ كِرْمَانْشَاهْ بْنِ أَرْسِلَانَ بِكْ بْنِ قَارُوتَ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ تَعَاضَدْنَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْنَا جَاوْلِي، وَطَلَبَ مِنْهُ النَّجْدَةَ.
وَسَارَ جَاوْلِي بَعْدَ هَرَبِهِ مِنْهُ إِلَى حِصَارِ رَتِيلَ رِنَنَهْ، يَعْنِي مَضِيقَ رِنَنَهْ، وَهُوَ مَوْضِعٌ لَمْ يُؤْخَذْ قَهْرًا قَطُّ، لِأَنَّهُ وَادٍ نَحْوُ فَرْسَخَيْنِ، وَفِي صَدْرِهِ قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ، وَأَهْلُ دَارَابْجِرْدَ يَتَحَصَّنُونَ بِهِ إِذَا خَافُوا، فَأَقَامُوا بِهِ، وَحَفِظُوا أَعْلَاهُ.
فَلَمَّا رَأَى جَاوْلِي حَصَانَتَهُ سَارَ يَطْلُبُ الْبَرِّيَّةَ نَحْوَ كَرْمَانَ، كَاتِمًا أَمْرَهُ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ طَرِيقِ كَرْمَانَ إِلَى دَارَابْجِرْدَ، مُظْهِرًا أَنَّهُ مِنْ عَسْكَرِ الْمَلِكِ أَرْسِلَانْشَاهْ، صَاحِبِ كَرْمَانَ، فَلَمْ يَشُكَّ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنَّهُمْ مَدَدٌ لَهُمْ مَعَ صَاحِبِهِمْ، فَأَظْهَرُوا السُّرُورَ، وَأَذِنُوا لَهُ دُخُولَ الْمَضِيقِ، فَلَمَّا دَخَلَهُ وَضَعَ السَّيْفَ فِيمَنْ هُنَاكَ، فَلَمْ يَنْجُ غَيْرُ الْقَلِيلِ، وَنَهَبَ أَمْوَالَ أَهْلِ دَارَابْجِرْدَ وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَرَاسَلَ خَسْرُو يُعْلِمَهُ أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى كَرْمَانَ، وَيَدْعُوهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ مُوَافَقَتِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ طَائِعًا، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى كَرْمَانَ، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِهَا الْقَاضِي أَبَا طَاهِرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ قَاضِيَ شِيرَازَ، يَأْمُرُهُ بِإِعَادَةِ الشُّوانْكَارَةِ لِأَنَّهُمْ رَعِيَّةُ السُّلْطَانِ، يَقُولُ: إِنَّهُ مَتَى أَعَادَهَمْ عَادَ عَنْ قَصْدِ بِلَادِهِ، وَإِلَّا قَصَدَهُ، فَأَعَادَ صَاحِبُ كَرْمَانَ جَوَابَ الرِّسَالَةِ يَتَضَمَّنُ الشَّفَاعَةَ فِيهِمْ، حَيْثُ اسْتَجَارُوا بِهِ.
[ ٨ / ٦١٤ ]
وَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ إِلَى جَاوْلِي أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ، وَأَفْسَدَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَجَعَلَهُ عَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وَقَرَّرَ مَعَهُ إِعَادَةَ عَسْكَرِ كَرْمَانَ لِيَدْخُلَ الْبِلَادَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ وَبَلَّغَ السِّيرَجَانَ، وَبِهَا عَسَاكِرُ صَاحِبِ كَرْمَانَ، وَوَزِيرُهُ مُقَدَّمُ الْجَيْشِ، أَعْلَمَ الْوَزِيرَ مَا عَلَيْهِ جَاوْلِي مِنَ الْمُقَارَبَةِ، وَأَنَّهُ يُفَارِقُ مَا كَرِهُوهُ، وَأَكْثَرَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَقَالَ: لَكِنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ مِنِ اجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ بِالسِّيرَجَانِ، وَإِنَّ أَعْدَاءَ جَاوْلِي طَمِعُوا فِيهِ بِهَذَا الْعَسْكَرِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُعَادَ الْعَسَاكِرُ إِلَى بِلَادِهَا.
فَعَادَ الْوَزِيرُ وَالْعَسَاكِرُ، وَخَلَتِ السِّيرَجَانُ، سَارَ جَاوْلِي فِي أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَزَلَ بِفَرَجَ، وَهِيَ الْحَدُّ بَيْنَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ، فَحَاصَرَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ كَرْمَانَ أَحْضَرَ الرَّسُولَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ إِعَادَةَ الْعَسْكَرِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ مَعَ الرَّسُولِ فَرَّاشٌ لِجَاوْلِي لِيَعُودَ إِلَيْهِ بِالْأَخْبَارِ، فَارْتَابَ بِهِ الْوَزِيرُ فَعَاقَبَهُ، فَأَقَرَّ عَلَى الرَّسُولِ، فَصُلِبَ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُ، وَصُلِبَ الْفَرَّاشُ، وَنَدَبَ الْعَسَاكِرَ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى جَاوْلِي، فَسَارُوا فِي سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ.
وَكَانَتِ الْوِلَايَةُ هِيَ الْحَدَّ بَيْنَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ بِيَدِ إِنْسَانٍ يُسَمَّى مُوسَى، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ وَمَكْرٍ، فَاجْتَمَعَ بِالْعَسْكَرِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْجَادَّةِ الْمَسْلُوكَةِ، وَقَالَ: إِنَّ جَاوْلِي مُحْتَاطٌ مِنْهَا، وَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، بَيْنَ جِبَالٍ وَمَضَايِقَ.
وَكَانَ جَاوْلِي يُحَاصِرُ فَرَجَ، وَقَدْ ضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، وَهُوَ يُدْمِنَ الشُّرْبَ، فَسَيَّرَ أَمِيرًا مِنْ عَسْكَرِهِ لِيَلْقَى الْعَسْكَرَ الْمُنْفَذَ مِنْ كَرْمَانَ، فَسَارَ الْأَمِيرُ، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ عَادُوا، فَرَجَعَ إِلَى جَاوْلِي وَقَالَ: إِنَّ الْعَسْكَرَ كَانَ قَلِيلًا، فَعَادَ خَوْفًا مِنَّا، فَاطْمَأَنَّ حِينَئِذٍ جَاوْلِي، وَأَدْمَنَ شُرْبَ الْخَمْرِ.
وَوَصَلَ عَسْكَرُ كَرْمَانَ إِلَيْهِ لَيْلًا، وَهُوَ سَكْرَانُ، نَائِمٌ، فَأَيْقَظَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَأَخْبَرَهُ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ، فَأَتَاهُ غَيْرُهُ وَأَيْقَظَهُ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاسْتَيْقَظَ وَرَكِبَ وَانْهَزَمَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ مُنْهَزِمِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ كَثِيرًا، وَأَدْرَكَهُ خَسْرُو وَابْنُ أَبِي سَعْدٍ الَّذِي قَتَلَ جَاوْلِي أَبَاهُ، فَسَارَا مَعَهُ فِي أَصْحَابِهِمَا، فَالْتَفَتَ، فَلَمْ يَرَ مَعَهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَتْرَاكِ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُمْ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّا لَا نَغْدِرُ بِكَ، وَلَنْ تَرَى مِنَّا إِلَّا الْخَيْرَ وَالسَّلَامَةَ، وَسَارَا مَعَهُ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ فَسَا، وَاتَّصَلَ بِهِ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ كَرْمَانَ الْأَسْرَى وَجَهَّزَهُمْ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ.
[ ٨ / ٦١٥ ]
وَبَيْنَمَا جَاوْلِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ لِيُعَاوِدَ كَرْمَانَ، وَيَأْخُذُ بِثَأْرِهِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ جَغْرِي بْنُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَعُمُرُهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِهِ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ كَرْمَانَ رَسُولًا إِلَى السُّلْطَانِ، وَهُوَ بِبَغْدَاذَ، يَطْلُبُ مِنْهُ مَنْعَ جَاوْلِي عَنْهُ، فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِرْضَاءِ جَاوْلِي وَتَسْلِيمِ فَرَجٍ إِلَيْهِ، فَعَادَ الرَّسُولُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَتُوِفِّيَ جَاوْلِي، فَأَمِنُوا مَا كَانُوا يَخَافُونَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى أَصْبَهَانَ، خَوْفًا عَلَى فَارِسَ مِنْ صَاحِبِ كَرْمَانَ.
ذِكْرُ فَتْحِ جَبَلَ وَسْلَاتَ وَتُونُسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ عَسْكَرُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى، صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ مَدِينَةَ تُونُسَ وَبِهَا أَحْمَدُ بْنُ خُرَاسَانَ، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، فَصَالَحَهُ عَلَى مَا أَرَادَ.
وَفِيهَا فَتَحَ أَيْضًا جَبَلَ وَسْلَاتَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَهُوَ جَبَلٌ مَنِيعٌ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُهُ، طُولَ الدَّهْرِ يَفْتِكُونَ بِالنَّاسِ، وَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَكَانَ أَهْلُ الْجَبَلِ يَنْزِلُونَ إِلَى الْجَيْشِ، وَيُقَاتِلُونَ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَعَمِلَ قَائِدُ الْجَيْشِ الْحِيلَةِ فِي الصُّعُودِ إِلَى الْجَبَلِ مِنْ شِعْبٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ يُصْعَدُ مِنْهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي أَعْلَاهُ، فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثَارَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْجَبَلِ، فَصَبَرَ لَهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَتَتَابَعَ الْجَيْشُ فِي الصُّعُودِ إِلَيْهِ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَمَى نَفْسَهُ فَتَكَسَّرَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْلَتَ، وَاحْتَمَى جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ بِقَصْرٍ فِي الْجَبَلِ، فَلَمَّا أَحَاطَ بِهِمُ الْجَيْشُ طَلَبُوا أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُصْلِحُ حَالَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةً مِنَ الْعَرَبِ وَالْجُنْدِ، فَثَارَ بِهِمْ أُولَئِكَ بِالسِّلَاحِ، فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَطَلَعَ الْبَاقُونَ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ، وَنَادَوْا أَصْحَابَهُمْ مِنَ الْجَيْشِ، فَأَتَوْهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ: بَعْضُهُمْ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ أَسْفَلِهِ، فَأَلْقَى مِنْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ أَيْدِيَهُمْ، فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ.
[ ٨ / ٦١٦ ]
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِطُوسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي عَاشُورَاءَ، كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِطُوسَ، فِي مَشْهَدِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا ﵇.
وَسَبَبُهَا: أَنَّ عَلَوِيًّا خَاصَمَ فِي الْمَشْهَدِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، بَعْضَ فُقَهَاءِ طُوسَ، فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى مُضَارَبَةٍ، وَانْقَطَعَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ اسْتَعَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحِزْبِهِ، فَثَارَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ حَضَرَهَا جَمِيعُ أَهْلِ طُوسَ، وَأَحَاطُوا بِالْمَشْهَدِ وَخَرَّبُوهُ، وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ جَمَاعَةٌ وَنُهِبَتْ أَمْوَالٌ جَمَّةٌ، وَافْتَرَقُوا.
وَتَرَكَ أَهْلُ الْمَشْهَدِ الْخُطْبَةَ أَيَّامَ الْجُمُعَاتِ فِيهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ عَضُدَ الدِّينِ فَرَامَرْزُ بْنُ عَلِيٍّ سُورًا مَنِيعًا يَحْتَمِي بِهِ مَنْ بِالْمَشْهَدِ عَلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِسُوءٍ، وَكَانَ بِنَاؤُهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ النَّارُ فِي الْحَظَائِرِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ، فَاحْتَرَقَتِ الْأَخْشَابُ الَّتِي بِهَا، وَاتَّصَلَ الْحَرِيقُ إِلَى دَرْبِ السِّلْسِلَةِ، وَتَطَايَرَ الشَّرَرُ إِلَى بَابِ الْمَرَاتِبِ، فَاحْتَرَقَتْ مِنْهُ عِدَّةُ دُورٍ، وَاحْتَرَقَتْ خِزَانَةُ كُتُبِ النِّظَامِيَّةِ، وَسَلِمَتِ الْكُتُبُ، لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمَّا أَحَسُّوا بِالنَّارِ نَقَلُوهَا.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ، السَّرْقُسْطِيُّ، وَكَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، وَرَدَ الْعِرَاقَ نَحْوَ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ، سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَسَكَنَ مَرْوَ الرُّوذِ، فَمَاتَ بِهَا، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ:
وَمُهَفْهَفٌ يَخْتَالُ فِي أَبْرَادِهِ مَرَحَ الْقَضِيبِ اللَّدْنِ تَحْتَ الْبَارِحِ
أَبْصَرْتُ فِي مِرْآةِ فِكْرَيَ خَدَّهُ فَحَكَيْتُ فِعْلَ جُفُونِهِ بِجَوَارِحِي
[ ٨ / ٦١٧ ]
مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ فِعْلَ تَوَهُّمِي
يَقْوَى تَعَدِّيهِ، فَيَجْرَحُ جَارِحِي لَا غَرْوَ إِنْ جَرَحَ التَّوَهُّمُ خَدَّهُ
فَالسِّحْرُ يَعْمَلُ فِي الْبَعِيدِ النَّازِحِ
وَفِيهَا، فِي شَعْبَانَ، تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَيَانَ الرَّزَّازُ، وَمَوْلِدُهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بِشْرَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السَّمْعَانِيُّ، رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ، بِمَرْوَ، وَمُوَلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَصَنَّفَ فِيهِ، لَهُ فِيهِ أَمَالٍ حَسَنَةٌ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ، فَأَحْسَنَ مَا شَاءَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْكَلْوَذَانِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتَفْقَّهَ عَلَى أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ.
[ ٨ / ٦١٨ ]