٥٢٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ حَرْبِ الْفِرِنْجِ وَالْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ شَأْنُ ابْنِ رُدْمِيرَ الْفِرِنْجِيِّ بِالْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَطَالَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَجَاسَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَخَاضَهَا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَرِيبِ قُرْطُبَةَ، وَأَكْثَرَ النَّهْبَ وَالسَّبْيَ وَالْقَتْلَ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ زَائِدِ الْحَدِّ فِي الْكَثْرَةِ، وَقَصَدُوهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ فِي حِصْنٍ مَنِيعٍ لَهُ اسْمُهُ أَرْنِيسُولُ، فَحَصَرُوهُ، وَكَسَبَهُمْ لَيْلًا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ.
ذِكْرُ قَصْدِ بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِخُرَاسَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْوَزِيرُ الْمُخْتَصُّ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَزِيرُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، بِغَزْوِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَقَتْلِهِمْ أَيْنَ كَانُوا، وَحَيْثُمَا ظُفِرَ بِهِمْ، وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيِ حَرِيمِهِمْ، وَجَهَّزَ جَيْشًا إِلَى طُرَيْثِيثَ، وَهِيَ لَهُمْ، وَجَيْشًا إِلَى بَيْهَقَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ، وَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ قَرْيَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِهِمُ اسْمُهَا طَرَّزُ، وَمُقَدَّمُهُمْ بِهَا إِنْسَانٌ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ سَمِينَ.
وَسَيَّرَ إِلَى كُلِّ طَرَفٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ جَمْعًا مِنَ الْجُنْدِ، وَوَصَّاهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ لَقُوهُ مِنْهُمْ، فَقَصَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي سُيِّرَتْ إِلَيْهَا. فَأَمَّا الْقَرْيَةُ الَّتِي بِأَعْمَالِ بَيْهَقَ
[ ٨ / ٧٠٢ ]
فَقَصَدَهَا الْعَسْكَرُ، فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ بِهَا، وَهَرَبَ مُقَدَّمُهُمْ، وَصَعِدَ مَنَارَةَ الْمَسْجِدِ وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْهَا فَهَلَكَ، وَكَذَلِكَ الْعَسْكَرُ الْمُنْفَذُ إِلَى طُرَيْثِيثَ قَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا فَأَكْثَرُوا، وَغَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَعَادُوا.
ذِكْرُ مُلْكِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ قَلْعَةَ بَانْيَاسَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ أَمَرُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ بِالشَّامِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَمَلَكُوا بَانْيَاسَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَهْرَامَ ابْنَ أُخْتِ الْأَسْدَابَاذِيِّ، لَمَّا قُتِلَ خَالُهُ بِبَغْدَاذَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، هَرَبَ إِلَى الشَّامِ، وَصَارَ دَاعِيَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فِيهِ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ فِي الْبِلَادِ، وَيَدْعُو أَوْبَاشَ النَّاسِ وَطُغَامَهُمْ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يُخْفِي شَخْصَهُ فَلَا يُعْرَفُ، وَأَقَامَ بِحَلَبَ مُدَّةً، وَنَفَرَ إِلَى إِيلْغَازِي صَاحِبِهَا.
وَأَرَادَ إِيلْغَازِي أَنْ يَعْتَضِدَ بِهِ لِاتِّقَاءِ النَّاسِ شَرَّهُ وَشَرَّ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَقَصَدَ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِهِمْ، وَأَشَارَ إِيلْغَازِي عَلَى طُغْتِكِينَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ عِنْدَهُ لِهَذَا السَّبَبِ، فَقَبِلَ رَأْيَهُ، وَأَخَذَهُ إِلَيْهِ، فَأَظْهَرَ حِينَئِذٍ شَخْصَهُ، وَأَعْلَنَ دَعْوَتَهُ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُرِيدُ الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، وَأَعَانَهُ الْوَزِيرُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَعْدٍ الْمَرْغِينَانِيُّ قَصْدًا لِلِاعْتِضَادِ بِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ، فَعَظُمَ شَرُّهُ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَصَارَ أَتْبَاعُهُ أَضْعَافَ مَا كَانُوا، فَلَوْلَا أَنَّ عَامَّةَ دِمَشْقَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ مَذَاهِبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنَّهُمْ يُشَدِّدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمَلَكَ الْبَلَدَ.
ثُمَّ إِنَّ بَهْرَامَ رَأَى مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ فَظَاظَةً وَغِلْظَةً عَلَيْهِ، فَخَافَ عَادِيَتَهُمْ، فَطَلَبَ مِنْ طُغْتِكِينَ حِصْنًا يَأْوِي إِلَيْهِ هُوَ وَمِنِ اتَّبَعَهُ، فَأَشَارَ الْوَزِيرُ بِتَسْلِيمِ قَلْعَةِ بَانْيَاسَ إِلَيْهِ، فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَعَظُمَ حِينَئِذٍ خَطْبُهُ، وَجَلَتِ الْمِحْنَةُ بِظُهُورِهِ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلِ السُّنَّةِ وَالسِّتْرِ وَالسَّلَامَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَنْطِقُوا بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، خَوْفًا مِنْ سُلْطَانِهِمْ أَوَّلًا، وَمِنْ شَرِّ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ ثَانِيًا، فَلَمْ يَقْدَمْ أَحَدٌ عَلَى إِنْكَارِ هَذِهِ الْحَالِ، فَانْتَظَرُوا بِهِمُ الدَّوَائِرَ.
[ ٨ / ٧٠٣ ]
ذِكْرُ قَتْلِ الْبُرْسُقِيِّ وَمُلْكِ ابْنِهِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَامِنَ ذِي الْقَعْدَةِ، قُتِلَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسُنْقُرُ الْبُرْسُقِيُّ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ، قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ يَوْمَ جُمُعَةٍ بِالْجَامِعِ، وَكَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ الْعَامَّةِ، وَكَانَ قَدْ رَأَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِهِ أَنَّ عِدَّةً مِنَ الْكِلَابِ ثَارَتْ بِهِ، فَقَتَلَ بَعْضَهَا، وَنَالَ مِنْهُ الْبَاقِي مَا آذَاهُ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِهِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ: لَا أَتْرُكُ الْجُمُعَةَ لِشَيْءٍ أَبَدًا، فَغَلَبُوا عَلَى رَأْيِهِ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قَصْدِ الْجُمُعَةِ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَخَذَ الْمُصْحَفَ يَقْرَأُ فِيهِ، فَأَوَّلَ مَا رَأَى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، فَرَكِبَ إِلَى الْجَامِعِ عَلَى عَادَتِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا عِدَّةَ الْكِلَابِ الَّتِي رَآهَا، فَجَرَحُوهُ بِالسَّكَاكِينِ، فَجَرَحَ هُوَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً، وَقُتِلَ ﵀.
وَكَانَ مَمْلُوكًا تُرْكِيًّا، خَيِّرًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالصَّالِحِينَ، وَيَرَى الْعَدْلَ وَيَفْعَلُهُ، وَكَانَ مِنْ خَيْرِ الْوُلَاةِ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مُتَهَجِّدًا.
حَكَى لِي وَالِدِي، ﵀، عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ قَالَ: كُنْتُ فَرَّاشًا مَعَهُ، فَكَانَ يُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةٍ كَثِيرًا، وَكَانَ يَتَوَضَّأُ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَعِينُ بِأَحَدٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ لَيَالِي الشِّتَاءِ بِالْمَوْصِلِ، وَقَدْ قَامَ مِنْ فِرَاشِهِ، وَعَلَيْهِ فَرَجِيَّةٌ صَغِيرَةٌ وَبْرٌ، وَبِيَدِهِ إِبْرِيقٌ، فَمَشَى نَحْوَ دِجْلَةَ لِيَأْخُذَ مَاءً، فَمَنَعَنِي الْبَرْدُ مِنَ الْقِيَامِ، ثُمَّ إِنَّنِي خِفْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ لِآخُذَ الْإِبْرِيقَ مِنْهُ، فَمَنَعَنِي وَقَالَ: يَا مِسْكِينُ! ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ، فَإِنَّهُ بَرْدٌ، فَاجْتَهَدْتُ لِآخُذَ الْإِبْرِيقَ، فَلَمْ يُعْطِنِي، وَرَدَّنِي إِلَى مَكَانِي ثُمَّ تَوَضَّأَ وَقَامَ يُصَلِّي.
وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ ابْنُهُ عِزُّ الدِّينِ مَسْعُودٌ بِحَلَبَ يَحْفَظُهَا مِنَ الْفِرِنْجِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِيهِ بِالْخَبَرِ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَدَخَلَهَا أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَصْحَابِ أَبِيهِ بِهَا، وَأَقَرَّ وَزِيرَهُ الْمُؤَيِّدَ أَبَا غَالِبِ بْنَ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَلَى وِزَارَتِهِ، وَأَطَاعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْأَجْنَادُ، وَانْحَدَرَ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بِلَادِ أَبِيهِ.
[ ٨ / ٧٠٤ ]
وَوَقَعَ الْبَحْثُ عَنْ حَالِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالِاسْتِقْصَاءُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، فَقِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ إِلَى إِسْكَافٍ بِدَرْبِ إِيلِيَا، فَأُحْضِرَ وَوُعِدَ الْإِحْسَانُ إِنْ أَقَرَّ، فَلَمْ يُقِرَّ، فَهُدِّدَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ وَرَدُوا مِنْ سِنِينَ لِقَتْلِهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ إِلَى الْآنِ، فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَذَكَرُهُ، وَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَمَاتَ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عِزِّ الدِّينِ بْنِ الْبُرْسُقِيِّ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ وَالِدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَهُ الْفِرِنْجُ قَبْلَهُ لِشِدَّةِ عِنَايَتِهِمْ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْوَالِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِزُّ الدِّينِ فِي الْوِلَايَةِ قَبَضَ عَلَى الْأَمِيرِ بَابَكْرِ بْنِ مِيكَائِيلَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ ابْنَ أَخِيهِ قَلْعَةَ إِرْبَلَ إِلَى الْأَمِيرِ فَضْلٍ وَأَبِي عَلِيٍّ، ابْنَيْ أَبِي الْهَيْجَاءِ، وَكَانَ ابْنُ أَخِيهِ قَدْ أَخَذَهَا مِنْهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَرَاسَلَ ابْنَ أَخِيهِ، فَسَلَّمَ إِرْبَلَ إِلَى الْمَذْكُورَيْنِ.
ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ وَالسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ
كَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَ يَرْنَقْشَ الزَّكْوِيِّ، شِحْنَةِ بَغْدَاذَ، وَبَيْنَ نُوَّابِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ نُفْرَةٌ تَهَدَّدَهُ الْخَلِيفَةُ فِيهَا، فَخَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَسَارَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ، وَحَذَّرَهُ جَانِبَ الْخَلِيفَةِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ قَادَ الْعَسَاكِرَ، وَلَقِيَ الْحُرُوبَ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَمَتَى لَمْ تُعَاجِلْهُ بِقَصْدِ الْعِرَاقِ وَدُخُولِ بَغْدَاذَ، ازْدَادَ قُوَّةً وَجَمْعًا، وَمَنْعَهُ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْآنَ بِيَدِهِ.
فَتَوَجَّهَ السُّلْطَانُ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ يُعَرِّفُهُ مَا هِيَ الْبِلَادُ وَأَهْلُهَا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ، بِسَبَبِ دُبَيْسٍ، وَإِفْسَادِ عَسْكَرِهِ فِيهَا، وَأَنَّ الْغَلَاءَ قَدِ اشْتَدَّ بِالنَّاسِ لِعَدَمِ الْغَلَّاتِ وَالْأَقْوَاتِ، لِهَرَبِ الْأُكْرَةِ عَنْ بِلَادِهِمْ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ هَذِهِ الدَّفْعَةَ إِلَى أَنْ يَنْصَلِحَ حَالُ الْبِلَادِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهَا، فَلَا مَانِعَ لَهُ عَنْهَا، وَبَذَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَالًا كَثِيرًا.
فَلَمَّا سَمِعَ السُّلْطَانُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قَوِيَ عِنْدَهُ مَا قَرَّرَهُ الزَّكْوِيُّ، وَأَبَى أَنْ يُجِيبَ إِلَى التَّأَخُّرِ، وَصَمَّمَ الْعَزْمَ وَسَارَ إِلَيْهَا مُجِدًّا. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَلِيفَةَ الْخَبَرُ عَبَرَ هُوَ وَأَهْلُهُ وَحُرَمُهُ
[ ٨ / ٧٠٥ ]
وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، مُظْهِرًا لِلْغَضَبِ وَالِانْتِزَاحِ عَنْ بَغْدَاذَ إِنْ قَصَدَهَا السُّلْطَانُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ دَارِهِ بَكَى النَّاسُ جَمِيعُهُمْ بُكَاءً عَظِيمًا لَمْ يُشَاهَدْ مِثْلُهُ. فَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ، فَأَرْسَلَ يَسْتَعْطِفُ الْخَلِيفَةَ، وَيَسْأَلُهُ الْعَوْدَ إِلَى دَارِهِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَوْدِكَ هَذِهِ الدَّفْعَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ هَلْكَى بِشِدَّةِ الْغَلَاءِ، وَخَرَابِ الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى فِي دِينِهِ أَنْ يَزْدَادَ مَا بِهِمْ، وَهُوَ يُشَاهِدُهُمْ، فَإِنْ عَادَ السُّلْطَانُ، وَإِلَّا رَحَلَ هُوَ عَنِ الْعِرَاقِ لِئَلَّا يُشَاهِدَ مَا يَلْقَى النَّاسُ بِمَجِيءِ الْعَسَاكِرِ.
فَغَضِبَ السُّلْطَانُ لِقَوْلِهِ، وَرَحَلَ نَحْوَ بَغْدَاذَ، وَأَقَامَ الْخَلِيفَةُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَلَمَّا حَضَرَ عِيدُ الْأَضْحَى خَطَبَ النَّاسَ، وَصَلَّى بِهِمْ، فَبَكَى النَّاسُ لِخُطْبَتِهِ، وَأَرْسَلَ عَفِيفًا الْخَادِمِ، وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّهِ، فِي عَسْكَرٍ إِلَى وَاسِطَ لِيَمْنَعَ عَنْهَا نُوَّابَ السُّلْطَانِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ عِمَادَ الدِّينِ زِنْكِيَّ بْنَ آقْسُنْقُرَ، وَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ الْبَصْرَةُ، وَقَدْ فَارَقَ الْبُرْسُقِيَّ، وَاتَّصَلَ بِالسُّلْطَانِ، فَأَقْطَعَهُ الْبَصْرَةَ.
فَلَمَّا وُصَلَ عَفِيفٌ إِلَى وَاسِطَ سَارَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ، فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَكَانَ عَفِيفٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ يُحَذِّرُهُ الْقِتَالَ، وَيَأْمُرُهُ بِالِانْتِزَاحِ عَنْهُمْ، فَأَبَى وَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَبَرَ إِلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ عَفِيفٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ، وَتَغَافَلَ عَنْ عَفِيفٍ حَتَّى نَجَا لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيفَةَ جَمَعَ السُّفُنَ جَمِيعَهَا إِلَيْهِ، وَسَدَّ أَبْوَابَ دَارِ الْخِلَافَةِ سِوَى بَابِ النُّوبِيِّ، وَأَمَرَ حَاجِبَ الْبَابِ ابْنَ الصَّاحِبِ بِالْمُقَامِ فِيهِ لِحِفْظِ الدَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَوَاشِي الْخَلِيفَةِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ سِوَاهُ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي الْعِشْرِينِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَدَخَلَ بَعْضُ عَسْكَرِهِ إِلَى بَغْدَاذَ وَنَزَلُوا فِي دُورِ النَّاسِ، فَشَكَا النَّاسُ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ، وَبَقِيَ فِيهَا مَنْ لَهُ دَارٌ، وَبَقِيَ السُّلْطَانُ يُرَاسِلُ الْخَلِيفَةَ بِالْعَوْدِ، وَيَطْلُبُ الصُّلْحَ، وَهُوَ يَمْتَنِعُ.
وَكَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ مُنَاوَشَةٌ، وَالْعَامَّةُ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ يَسُبُّونَ السُّلْطَانَ أَفْحَشَ سَبٍّ. ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ دَخَلُوا دَارَ الْخِلَافَةِ، وَنَهَبُوا التَّاجَ،
[ ٨ / ٧٠٦ ]
وَحُجَرَ الْخَلِيفَةِ، أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَضَجَّ أَهْلُ بَغْدَاذَ مِنْ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا وَنَادَوُا الْغُزَاةَ، فَأَقْبَلُوا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَلَمَّا رَآهُمُ الْخَلِيفَةُ خَرَجَ مِنَ السُّرَادِقِ وَالشِّمْسَةُ عَلَى رَأْسِهِ، وَالْوَزِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ الْكُوسَاتِ وَالْبُوقَاتِ، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آلَ هَاشِمٍ! وَأَمَرَ بِتَقْدِيمِ السُّفُنِ، وَنَصَبَ الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَانَ لَهُ فِي الدَّارِ أَلْفُ رَجُلٍ مُخْتَفِينَ فِي السَّرَادِيبِ، فَظَهَرُوا، وَعَسْكَرُ السُّلْطَانِ مُشْتَغِلُونَ بِالنَّهْبِ، فَأُسِرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَنَهَبَ الْعَامَّةُ دَارَ وَزِيرِ السُّلْطَانِ، وَدُورَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَدَارَ عَزِيزِ الدِّينِ الْمُسْتَوْفِي، وَدَارَ الْحَكِيمِ أَوْحَدِ الزَّمَانِ الطَّبِيبِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الدُّرُوبِ.
ثُمَّ عَبَرَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ وَالسَّوَادِ، وَأَمَرَ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ، فَحُفِرَتْ بِاللَّيْلِ، وَحَفِظُوا بَغْدَاذَ مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ، وَوَقَعَ الْغَلَاءُ عِنْدَ الْعَسْكَرِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الْقِتَالُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَيْهِمْ عِنْدَ أَبْوَابِ الْبَلَدِ وَعَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَعَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ عَلَى أَنْ يَكْبِسُوا عَسْكَرَ السُّلْطَانِ، فَغَدَرَ بِهِمُ الْأَمِيرُ أَبُو الْهَيْجَاءِ الْكُرْدِيُّ، صَاحِبُ إِرْبَلَ، وَخَرَجَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقِتَالَ، فَالْتَحَقَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ بِالسُّلْطَانِ.
وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ بِوَاسِطَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ الْمُقَاتِلَةُ فِي السُّفُنِ، وَعَلَى الدَّوَابِّ فِي الْبَرِّ، فَجَمَعَ كَلَّ سَفِينَةٍ فِي الْبَصْرَةِ إِلَى بَغْدَاذَ، وَشَحَنَهَا بِالرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَكْثَرَ مِنَ السِّلَاحِ، وَأَصْعَدَ، فَلَمَّا قَارَبَ بَغْدَاذَ أَمَرَ كُلَّ مَنْ مَعَهُ فِي السُّفُنِ وَفِي الْبَرِّ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، وَإِظْهَارِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَلَدِ وَالنَّهْضَةِ، فَسَارَتِ السُّفُنُ فِي الْمَاءِ، وَالْعَسْكَرُ فِي الْبَرِّ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ قَدِ انْتَشَرُوا وَمَلَأُوا الْأَرْضَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَرَأَى النَّاسُ مَنْظَرًا عَجِيبًا، كَبُرَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَمَلَأَ صُدُورَهُمْ، وَرَكِبَ السُّلْطَانُ وَالْعَسْكَرُ إِلَى لِقَائِهِمْ، فَنَظَرُوا إِلَى مَا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وَعَظُمَ عِمَادُ الدِّينِ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَعَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى قِتَالِ بَغْدَاذَ حِينَئِذٍ، وَالْجِدِّ فِي ذَلِكَ فِي الْبَرِّ وَالْمَاءِ. فَلَمَّا رَأَى الْإِمَامُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ الْأَمْرَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَخُرُوجَ الْأَمِيرِ أَبِي الْهَيْجَاءِ مِنْ عِنْدِهِ، أَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَاصْطَلَحَا، وَاعْتَذَرَ السُّلْطَانُ مِمَّا جَرَى، وَكَانَ حَلِيمًا يَسْمَعُ سَبَّهُ بِأُذُنِهِ فَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهِ، وَعَفَا عَنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ جَمِيعِهِمْ.
وَكَانَ أَعْدَاءُ الْخَلِيفَةِ يُشِيرُونَ عَلَى السُّلْطَانِ بِإِحْرَاقِ بَغْدَاذَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: لَا تُسَاوِي الدُّنْيَا فِعْلُ مِثْلِ هَذَا. وَأَقَامَ بِبَغْدَاذَ إِلَى رَابِعِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَحَمَلَ الْخَلِيفَةُ مِنَ الْمَالِ إِلَيْهِ كَمَا اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ عَلَيْهِ، وَأَهْدَى لَهُ
[ ٨ / ٧٠٧ ]
سِلَاحًا وَخَيْلًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَمَرِضَ السُّلْطَانُ بِبَغْدَاذَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ بِمُفَارَقَتِهَا، فَرَحَلَ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا عُوفِيَ.
ذِكْرُ مَصَافٍّ بَيْنَ طُغْتِكِينَ أَتَابِكَ وَالْفِرِنْجِ بِالشَّامِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتِ الْفِرِنْجُ وَمُلُوكُهَا وَقَمَامِصَتُهَا وَكُنُودُهَا وَسَارُوا إِلَى نَوَاحِي دِمَشْقَ فَنَزَلُوا بِمَرْجِ الصُّفَّرِ عِنْدَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سَقْبَا بِالْقُرْبِ مِنْ دِمَشْقَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدَّ خَوْفُهُمْ، وَكَاتَبَ طُغْتِكِينُ أَتَابِكُ صَاحِبُهَا أُمَرَاءَ التُّرْكُمَانِ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ وَغَيْرِهَا وَجَمَعَهُمْ وَكَانَ قَدْ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ إِلَى جِهَةِ الْفِرِنْجِ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا ابْنَهُ تَاجَ الْمُلُوكِ بُورِيَّ فَكَانَ بِهَا، كُلَّمَا جَاءَتْ طَائِفَةٌ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَبِيهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا سَارَ بِهِمْ طُغْتِكِينُ إِلَى الْفِرِنْجِ فَالْتَقَوْا أَوَاخِرَ ذِي الْحِجَّةِ وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَسَقَطَ طُغْتِكِينُ عَنْ فَرَسِهِ، فَظَنَّ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قُتِلَ، فَانْهَزَمُوا وَرَكِبَ طُغْتِكِينُ فَرَسَهُ وَلَحِقَهُمْ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ وَبَقِيَ التُّرْكُمَانُ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَلْحَقُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْهَزِيمَةِ فَتَخَلَّفُوا، فَلَمَّا رَأَوْا فُرْسَانَ الْفِرِنْجِ قَدْ تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ وَأَنَّ مُعَسْكَرَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ لَيْسَ لَهُ مَانِعٌ وَلَا حَامٍ حَمَلُوا عَلَى الرَّجَّالَةِ فَقَتَلُوهُمْ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَنَهَبُوا مُعَسْكَرَ الْفِرِنْجِ وَخِيَامَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَجَمِيعَ مَا مَعَهُمْ وَفِي جُمْلَتِهِ كَنِيسَةٌ وَفِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ مَا لَا يَقُومُ كَثْرَةً فَنَهَبُوا ذَلِكَ جَمِيعَهُ وَعَادُوا إِلَى دِمَشْقَ سَالِمِينَ لَمْ يُعْدَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمَّا رَجَعَ الْفِرِنْجُ مِنْ أَثَرِ الْمُنْهَزِمِينَ وَرَأَوْا رَجَّالَتَهُمْ قَتْلَى وَأَمْوَالَهُمْ مَنْهُوبَةً تَمُّوا مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوِي الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ طَائِفَتَيْنِ تَنْهَزِمَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبَتِهَا!
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَصَرَ الْفِرِنْجُ رَفَنِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَهِيَ بَيْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا فَمَلَكُوهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيُّ، الْوَاعِظُ، وَهُوَ أَخُو
[ ٨ / ٧٠٨ ]
الْإِمَامِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَمَّهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: رِوَايَتُهُ فِي وَعْظِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يَقْدَحُ فِيهِ بِهَذَا، وَتَصَانِيفُهُ هُوَ وَوَعْظُهُ مَحْشُوٌّ بِهِ، مَمْلُوءَةٌ مِنْهُ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنَا مِنَ الْوَقِيعَةِ فِي النَّاسِ، ثُمَّ يَا لَيْتَ شِعْرِي أَمَا كَانَ لِلْغَزَالِيِّ حَسَنَةٌ تُذْكَرُ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَسَاوِئِ الَّتِي نَسَبَهَا إِلَيْهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الْهَوَى وَالْغَرَضِ؟
[ ٨ / ٧٠٩ ]