تولى على مصر بعد أبيه الأمير احمد، ومشى على نظامه وطريقته، واستكثر من المماليك وزاد في عسكره شناترة العرب الشجعان حتى بلغوا نحو عشرة آلاف إنسان، وكان يجب الجياد من الخيل فاستكثر منها حتى ضاقت بها الاسطبلات، وكان لها أنساب مثبتة في الدواوين كأنساب الناس المعروفة.
قال ابن وصيف شاه:" كان الأمير خمارويه مولعا بالعمارات وغرس الأشجار. قيل إنه أنشأ ميدانا بالقرب من جامع أبيه، ونقل إليه الأشجار من سائر البلاد الهندية والشامية حتى من خراسان ومن مكة ومن اليمن، فكان به سائر الفواكه وسائر الرياحين، حتى الكادي والقرنفل والسنبل والزعفران وجوز الهند وغير ذلك من أنواع الفواكه والزهورات والرياحين والأشياء الغريبة التي لم تزرع قط بمصر، ثم زرع أشياء من أنواع الرياحين وجعلها كالسطور تقرأ، مثل "حسبنا الله ونعم الوكيل" وما أشبه ذلك من الألفاظ، ووكل بتلك السطور رجالا بأيديهم مقاريض من الذهب والفضة يصلحون بها ما يفسد من الأوراق ويخرج عن قالب الاعتدال في الأحرف حتى يستقيم الكلام في معناه. ثم أنه البس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر وطلاه بالذهب، فكانت الشمس إذا طلعت على تلك
[ ١ / ٤٩ ]
الأشجار لا يقدر أحد أن ينظر إليها من شدة اتقاد ذلك النحاس المموه بالذهب، وكان يسحق المسك والكافور وينثره على تلك الرياحين السطور
"وصنع في ذلك البستان بحيرة كبيرة وملأها من الزئبق. وكان يضع على ذلك الزئبق فراشا من جلد خباه أنعم من الحرير، وكان له حركات تمتلئ بالريح ثم يسد فاه بحبل ويطرح ذلك الفراش على ذلك الزئبق وينام عليه".
قال بعض المؤرخين ان خمارويه هذا كان يعتريه ضربان المفاصل، وكان يضع ذلك حتى يجد له راحة وينام ساعة من الليل.
قال ابن وصيف شاه: "خرج خمارويه يوما إلى الفضاء على سبيل التنزه، فلقيه أعرابي فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إن السنان وحد السيف لو نطقا … لحدثا عنك في الهيجاء بالعجب
أفنيت مالك تعطيه وتبذله … يا آفة الفضة البيضاء والذهب
فلما سمع خمارويه هذه الأبيات قال لغلامه: ادفع إليه ما معك في الخريطة. فوجد فيها خمسمائة درهم فدفعها إليه. فقال الأعرابي: زدني أيها الأمير فمثلك من يزيد. فقال خمارويه للمماليك: اطرحوا عليه مناطقكم وسيوفكم، وكانت مسقطة بالذهب. فقال الأعرابي: ومن يحمل لي ذلك؟ فأمر له ببغل، فحمل ذلك ومضى، فلما رجع خمارويه إلى قصره فرق على المماليك سيوفا ومناطق عوضا عما أخذ منهم.