هو الحاكم بأمر الله، أبو علي منصور، ابن العزيز نزار بن معد الفاطمي العبيدي، وهو الثالث من خلفاء بني عبيد الله بمصر، بويع بالخلافة بعد موت أبيه العزيز في يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة من الهجرة. وكان مولده بالقاهرة في يوم الخميس سادس عشر جمادي الأولى سنة خمس وسبعين وثلثمائة، فلما تولى الخلافة أظهر العدل بين الرعية وسار في الناس سيرة حسنة، وأخذ في أسباب بناء جامعه الذي هو داخل باب النصر، وكان مبتدأ عمارته في سنة تسع وثمانين وثلثمائة، ولما تم أمره في الخلافة بمصر أفرد لليهود حارة زويلة وأمرهم بأن يسكنوا بها ولا يخالطوا المسلمين في حاراتهم. ثم أنه بعد مدة أمرهم بأن كلا منهم يدخل في دين الإسلام فخافوا منه وأسلموا كلهم، ثم أذن لهم بالعودة إلى دينهم فارتد منهم في يوم واحد أكثر من سبعة آلاف يهودي، ثم أنه أمر بهدم كنائسهم، ثم أنه أعادها كما كانت عليه أولا.
وفي أيامه توفي الأمير جوهر القائد وزير المعز، فلما مات وجد له من الأموال ما لا يحصى. فمن جملة ذلك من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم أربعة آلاف ألف درهم، ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق مجلدة، ومن القصب الزمرد ألف قصبة، ومن الثياب الديباج ورقّ تنيس خمسة وسبعين ألف قطعة، ووجد عنده دواة من الذهب طولها ذراع وهي مرصعة بالدر والياقوت، فقوم ما عليها من الجواهر باثني عشر ألف دينار، ووجد عنده لعبة من المسك والعنبر الخام إذا نزع ثيابه ألبسها عليها.
ووجد في داره مائة مسمار من الذهب على كل مسمار منها عمامة لون. ووجد عنده من المعالق الذهب والفضة ثلاثة آلاف معلقة. ووجد عنده عشرة آلاف زبدية صيني وبلور وفضة. ووجد عنده أربع قدور من الذهب وزن كل قدر مائة رطل ذهب، قيل كان يطبخ
[ ١ / ٦٣ ]
المسلوقة فيها. ووجد عنده سبعمائة خاتم بفصوص من الياقوت والزمرد والماس. ووجد عنده ثلاثة آلاف نرجسية ذهب وفضة وبلور وصيني … هذا كله خارج عن البغال والجمال والخيل والعبيد والجواري والفرش والأملاك والضياع وغير ذلك.
ولما مات الأمير جوهر القائد دفن بالقرافة الكبرى، ثم أن الحاكم بأمر الله لما توفي الأمير جوهر القائد استقر بالأمير برجوان عوضه بالوزارة. وبرجوان هذا هو صاحب الحارة المنسوبة إليه، وكان من أمراء الحاكم، وكان الحاكم يخشى من سطوة برجوان ولا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا برأيه، وصار معه كالمحجور عليه فأقام على ذلك مدة طويلة فما أطاق ذلك، فندب إلى برجوان من قتله وهو خارج من الحمام.
فلما قتل برجوان احتاط الحاكم على موجوده فوجد له أكثر مما وجد لجوهر القائد، فمن جملة ذلك وجد له من الذهب العين مائتا ألف ألف دينار، ومن الدراهم الفضة خمسون اردبا، ووجد له من القماش مائتان واحدى وستون بقجة، ووجد له ألف سروال من البعلبكي العال، وفي كل سروال نافجة مسك وتكة حرير أبيض، ووجد له ألف قميص حرير اسكندري وألف منديل حرير شغل اسكندرية، ووجد عنده من كل صنف من القماش ألف قطعة، ووجد عنده من الجواهر اثنا عشر صندوقا … هذا خارج عن الأملاك والضياع والخدم. ووجد عنده من البقر والأنعام والجاموس ما يباع لبنه في كل سنة بثلاثين ألف دينار على يد أبي الحسن بن يزيد العامل. ووجد له من الحواصل والمناخات ما لا يحصى لكثرته، فصار الحاكم ينقل في موجود برجوان في كل يوم دفعتين من حارة برجوان إلى قصر الزمرد الذي كان عند دار الضرب على مائتي جمل نقلتين في كل يوم نحو أربعين يوما.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي:" لما قتل برجوان صار الحاكم ما على يده يد، فعند ذلك طغى وتجبر وصار يفعل أشياء متضادة لا تقع إلا من المجانين الذين في عقلهم خلل.
"فمن ذلك أنه مر يوما بحمام الذهب الذي بمصر فسمع بها ضجيج النساء وهن في الحمام، فأمر بأن يسد عليهن بابا الحمام، فسدوه عليهن من وقته وساعته بالحجر الفص، فاستمرت في الحمام حتى مات الجميع في الحمام ولم يجدوا لهن من حميم ولا شفيع.
"ومنها أنه منع الناس من بيع الزبيب، وأمر بحرق الروم وقطعها، فقطع منها نحو مائة ألف كرم.
"ومنها أنه منع الناس من بيع العسل الأسود وكسر منه نحو اثني عشر ألف مطر.
"ومنها أنه منع الناس من أكل الملوخية وأكل القرع، وكتب قسائم على الفلاحين ألا يزرعوا شيئا من الملوخية ولا القرع. وعلل تحريم الملوخية بكون أبي بكر الصديق كان
[ ١ / ٦٤ ]
يميل إليها، وعلل تحريم القرع يكون عائشة بنت أبي بكر كانت تميل إليه … وقيل أنه طلع يوما على جماعة يأكلون ملوخية فضربهم بالسياط، وطاف بهم في القاهرة، ثم أمر بأن تضرب أعناقهم عند باب زويلة.
"ومنا أنه نهى عن بيع السمك الذي لا قشر له، ونهى عن بيع الرطب، ونهى عن زرع الترمس".
"ومنها أنه أمر بقتل الكلاب، فقتل منها نحو ثلاثين ألف كلب".
"ومنها أنه صار يوقد الشمع في مجلسه ليلا ونهارا، ثم أنه صار يجلس في الظلام، واستمر على ذلك مدة طويلة.
"ومنها أنه أمر الناس بأن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها بالليل، وجعل الليل مقام النهار في جميع أحوال الناس فامتثلوا منه ذلك واستمروا عليه دهرا طويلا، ثم أنه مر في بعض الأيام على شيخ يعمل في التجارة من بعد العصر فوقف عليه وقال: "ألم أنهكم عن ذلك؟ ". فقال له الشيخ: "يا أمير المؤمنين، أما كان الناس يسهرون بالليل؟ … فهذا من جملة السهر". .. فتبسم وتركه، ثم أعاد الناس إلى ما كانوا عليه في الأول يتقاضون أشغالهم بالنهار.
"ومنها أنه كان يسبب الصحابة، وأمر بكتابة ذلك على سائر أبواب المساجد والجوامع، فأقام على ذلك مدة، ثم أنه أمر بمحو ذلك.
"ومنها أنه هدم قمامة وبنى مكانها مسجدا ثم أعادها على ما كانت عليه قمامة. وكان يبني عدة مدارس ويقرر بها المشايخ والصوفية ثم يقتلهم ويهدم تلك المدارس.
"ومنها أنه كان يعاقب جماعة من خواصه بسلب الألقاب، فإذا غضب على أحد سلب لقبه مدة طويلة لا يدعوه بذلك اللقب فيصير ذلك الرجل في حزن وبكاء حتى يرد عليه لقبه فيكون عنده ذلك عيدا.
"ومنها أنه أمر طائفة اليهود بأن يعملوا في أعناقهم إذا خرجوا إلى الأسواق قرم خشب وزن كل قرمة خمسة أرطال، وأمر النصارى بأن يعملوا في أعناقهم صلبانا من حديد قدر ذراع، وامرهم بأن يلبسوا المآزر الفسيحة، وألا يركبوا بهيمة، فأقاموا على ذلك مدة ثم أعادهم إلى ما كانوا عليه.
"ومنها أنه أمر الناس إذا ذكر اسمه الخطيب في يوم الجمعة وهو على المنبر تقوم الناس صفوفا أعظاما لذكره واحتراما لاسمه، فكان يفعل ذلك في سائر مملكته حتى في الحرمين الشريفين وبيت المقدس.
[ ١ / ٦٥ ]
" ومنها أنه يلبس جبة صوف أبيض ويركب على حمار عال أشهب يسمى القمر، ويطوف في أسواق مصر والقاهرة، ويباشر حسبة البلد بنفسه، وكان معه عبد أسود طويل عريض يمشي في ركابه يقال له مسعود، فان وجد أحدا من السوقة غش في بضاعته أمر ذلك العبد مسعودا بأن … والحاكم واقف على رأسه. وقد صار مسعود هذا مثلا عند لطفاء أهل مصر إذا مزحوا مع أحد يقولون أحضر له يا مسعود
"ومنها أنه أبطل صلاة التراويح نحو عشر سنين ثم أعادها كما كانت أولا.
"ومنها أنه كان يحب أهل العلم والصلحاء ثم يغضب عليهم ويقتلهم. وأقام يلبس الصوف مدة سبع سنين ثم ترك ذلك ولبس الحرير.
"ومنها أنه كان يركب على حماره الأشهب المدعو بالقمر فينزل عنه عند باب جامعه الذي عند باب النصر ويأخذ بيد من يختار من غلمانه فيرقده ويشق بطنه بيده ثم يخرج مصارينه بيده فيرميها إلى الكلاب ويترك المقتول مكانه حتى يدفنه أهله، وكان يعذب جماعة من خواصه بالنار، وقتل جماعة كثيرة من العلماء منهم أبو أسامة - وكان من كبار العلماء - ومنهم جبارة اللغوي. قيل إن الشيخ جبارة هذا كان يعرف للكلب في اللغة ثلثمائة اسم في لغات العرب، ومنهم الهروي وغير ذلك من العلماء.
"ومنها أنه كان عنده شجاعة وإقدام مع جبن وإدبار، وكان يحب الكرم ويكثر من البخل، وكان يحب فعل الخير ويتبعه بشيء من الشر، ويحب العدل في الرعية ويتبعه بشيء من الظلم والجور".
فكان كما قال القائل في المعنى:
أرى فيك أخلاقا حسانا قبيحة … وأنت لعمري كالذي أنا واصف
قريب بعيد، باذل متمنع … كريم بخيل، مستقيم مخالف
كذوب صدوق، ليس يدري صديقه … أيجفوه من تخليطه أم يلاطف
فلا أنت ذو غش، ولا أنت ناصح … وإني لفي شك لأمرك واقف
كذلك لساني هاج لك مادح … كما أن قلبي جاهل بك عارف
[ ١ / ٦٦ ]
قال القاضي شمس الدين بن خلكان في تاريخه إن الحاكم بأمر الله كان يعبد الكواكب كما كان جده المعز، وكان له اشتغال بأمر المطالب وله في ذلك أخبار كثيرة.
حكى بعض المؤرخين ان رجلا أودع عند رجل جرابا فيه ألف دينار وسافر إلى الحجاز، فلما عاد طلب ذلك الجراب من الرجل فأنكره، فشكا ذلك الرجل أمره إلى الحاكم، فقال له الحاكم:" اقعد لي في الشارع، فإذا مررت بك فقم إلي وتحدث معي ". فلما فعل ذلك ومر عليه الحاكم قام له وتحدث معه وأطال معه الحديث، فمر به الرجل الذي عنده الجراب فرأى صاحب الجراب يتحدث مع الحاكم حديثا طويلا، فلما مر الحاكم ومضى أحضر ذلك الرجل الجراب ودفعه إلى صاحبه وقال له:" تذكرت وديعتك وها هي "فوجده الرجل بختمه لم يفتح، فمضى به ذلك الرجل إلى الحاكم وعرفه بما جرى له مع الرجل، فقال له الحاكم:" خذ جرابك وامض إلى سبيلك ". فلما أصبح رأى ذلك الرجل الذي كان عنده ذلك الجراب مشنوقا على باب داره والناس يتحدثون في أمره.
قال ابن كثير:" وقع الغلاء بمصر في زمن الحاكم في سنة سبع وثمانين وثلثمائة، فاجتمع الناس تحت قصر الزمرد واستغاثوا بالحاكم في أن ينظر في أحوال الناس فقال لهم الحاكم: "إذا كان الغد أتوجه إلى جامع راشدة وأعود من مصر، فإن وجدت في طريقي مكانا خاليا من الغلة ضربت عنق صاحب ذلك المكان". ثم أنه توجه إلى جامع راشدة وتأخر هناك إلى ما بعد العصر، فما بقي أحد من أهل مصر والقاهرة إلا وحمل ما عنده من الغلال ووضعها في الطريق الذي يمر عليه الحاكم، فلما رجع من جامع راشدة وجد الغلال قد امتلأت بها الطرقات وشبعت أعين الناس، فقرر مع أصحاب الغلال أن أحدا لا يدخر في بيته شيئا من الغلال، وقرر معهم أسعار كل صنف من الغلال بثمن معين لا يزيد ولا ينقص، فعند ذلك سكن الوهج الذي كانت فيه الناس، ووقع الرخاء في مصر وسائر أعمالها، وذلك من شدة رعب الناس من الحاكم ومن سطوته … فكان كما قيل في المعنى:
صاحب أخا الشر لتسطو به … يوما على بعض صروف الزمان
فالرمح لا يرهب أنبوبه … إلا إذا ركب فيه السنان
وفي هذه السنة - وهي سنة سبع وثمانين وثلثمائة - توفي ابن زولاق صاحب تاريخ مصر ودفن بها.
[ ١ / ٦٧ ]
ومن النكت المضحكة ما قيل … كان في زمن الحاكم قاض بمصر يقال له النطاح.
وسبب ذلك أنه كان له طرطور وفيه قرنان من قرون البقر، فيضعه إلى جانبه، فإذا جاءه خصمان يتحاكمان عنده وجار أحدهما على الآخر يلبس القاضي ذلك الطرطور الذي فيه القرنان ويتباعد وينطح الخصم الذي يجور على صاحبه، فاشتهر أمره بين الناس بهذه الواقعة. فبلغ أمره إلى الحاكم فأرسل خلفه، فلما حضر بين يديه قال له: "ما هذا الأمر الذي قد اخترعته حتى قبحت سيرتك بين الناس؟ " فقال: "يا أمير المؤمنين، أشتهي أن تحضر مجلسي يوما وأنت من خلف ستارة لتنظر ماذا أقاسي من العوام، فإن كنت معذورا فيهم وإلا عاقبني بما تختار". فقال له الحاكم: "أنا غدا أحضر مجلسك حتى أرى ما تقول".
فلما أصبح الحاكم أتى إلى مجلس ذلك القاضي وقعد من خلف ستارة، فأتى إلى القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر بمائة دينار فاعترف المدعي عليه بها، فأمره القاضي بدفع ذلك إلى صاحبه فقال المدعي عليه: "إني معسر في هذا الوقت، فقسطوا على ذلك على قدر حالي". فقال القاضي للمدعى: "ما تقول؟ ". فقال: "أقسطها عليه في كل شهر عشرة دنانير". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فقال القاضي: "تكون خمسة دنانير".
فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فقال القاضي: "تكون دينارين". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فقال القاضي: "تكون دينارا". فقال المديون: "لا أقدر على ذلك". فلا زال القاضي يدرجه حتى قال له: "تكون عشرة دراهم في كل شهر". وهو يقول "لا أقدر على ذلك". فقال له القاضي: "وما القدر الذي تقدر عليه في كل شهر. فلعل أن يرضي به خصمك". فقال المديون: "أنا لا أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم في كل سنة، بشرط أن يكون خصمي في السجن لئلا يحصل معي هذا القدر ولا أجد خصمي فيذهب مني".
فلما سمع ذلك الحاكم لم يملك عقله وخرج من خلف الستارة وقال للقاضي: "انطح هذا النجس الشيطان وإلا فأنا أنطحه … ". وكان الحاكم أحمق من القاضي.
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخ الإسلام: "لا زال الحاكم بأمر الله يتزايد في الظلم والجور، واستخف بأهل مصر حتى أنه ادعى الربوبية من دون الله كما فعل فرعون، فكان إذا مر في الطرقات والأسواق يقول له جماعة من العوام:" يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت! ". وكانت جماعة من جهال العوام يسجدون له كلما رأوه، ومن لم يفعل ذلك ضرب عنقه.
ثم أنه ادعى في وقت أنه يعلم علم الغيب، فكان يقول لأمرائه ووزرائه:" يا فلان، أنت فعلت في بيتك البارحة ما هو كيت وكيت. وأنت يا فلان قلت البارحة ما هو كيت وكيت ". .. وكان ذلك باتفاق يعتمده مع العجائز اللاتي يدخلن إلى بيوت الأمراء والوزراء
[ ١ / ٦٨ ]
وغير ذلك من أعيان أهل مصر، فلما زاد الأمر في ذلك كتب إليه بعض الناس رقعة ورمى بها وهو في معظم موكبه، وكان في الرقعة هذه الأبيات:
بالجور والظلم قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أوتيت علم غيب … بين لنا كاتب البطاقة
فلما قرأ تلك الرقعة سكت عن الكلام في أمر ما كان يدعيه من علم الغيب.
روى ابن كثير أن الفاطمية كانوا يدعون الشرف ويقولون نحن أفضل من العباسية، لأننا من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ. وكان بعض العلماء الذين يتواجهون لهم أثبت لهم نسبا فاسدا بأنهم من ولد الإمام علي ﵁ وليس بصحيح، وإنما هم من ولد ديصان بن سعيد - وكان أصله مجوسيا - وقد وافق على ذلك جماعة من العلماء، مثل أبي حامد الاسفرايني، والشيخ أبي الحسن القدوري وغير ذلك من العلماء.
وكان الحاكم يذكر نسبه في كل جمعة وهو على المنبر يخطب، وكانت الناس ترفع إليه الرقاع في أشغالهم وهو على المنبر، فرفعت إليه رقعة فيها مكتوب هذه الأبيات:
أنا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع
ان كنت فيما قلته صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع
وان ترم تحقيق ما قلته … فاذكر لنا بعد الأب السابع
أو لا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع
فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع
فلما قرأ تلك الرقعة رجع عما كان يدعيه من النسب.
واستمر الحاكم على ما ذكرناه من أمر هذه الأفعال الشنيعة، ومخالفته لأمر الشريعة، حتى قتل. وكان سبب قتله أن أخته ست النصر لما زاد أخوها من هذه الفعال أراد قتلها، فلما تحققت ذلك - وكانت من النساء المدبرات - أخذت في تدبير الحيلة على قتل أخيها،
[ ١ / ٦٩ ]
فخرجت تحت الليل وأتت إلى دار الأمير سيف الدين بن رواش، وكان أكبر أمراء الحاكم.
فلما دخلت عليه اختلت به وعرفته أنها أخت الحاكم فبالغ في تعظيمها، فقالت له: "أنت تعلم ما قد فعله أخي بالرعية من القتل والجور وخراب البلاد، وقد عول على قتلي وقتلك". فقال لها الأمير سيف الدين: "وكيف الحيلة في قتله؟ ". فقالت له: "الرأي عندي أنك تندب إليه جماعة من العبيد السود يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فانه ينفرد بنفسه في الطريق، فيخرجون عليه ويقتلونه. فإذا قتل تكون أنت المدبر للملكة من بعده، وتولى ولده عليا". فاتفقا على ذلك ثم مضت إلى قصرها، فلما أصبح النهار خرج الحاكم على عادته إلى نحو حلوان، فأرسل الأمير سيف الدين خلفه عشرة من العبيد السود الغلاظ الشداد، وأعطى لكل عبد منهم خمسمائة دينار وعرفه كيف يقتله. فسبقه العبيد إلى حلوان، فلما وصل الحاكم هناك نزل بالقصبة التي في حلوان بشرقي البلد، فخرج عليه أولئك العبيد فقتلوه هناك، فلما أبطأ خبره على العسكر خرجت إليه جماعة من الجند يلتمسون رجوعه ومعهم جنائب الموكب بالسروج الدهب والكبابيش، فصاروا يخرجون إلى حلوان في كل يوم ينتظرون رجوعه مدة سبعة أيام، فلما أبطأ عليهم فوق السبعة أيام، خرج الأمير مظفر الحاجب ومعه جماعة من العسكر - وكانت عساكر الحاكم ما بين ترك وديلم ومصامدة وصقالبة وروم وعبيد سود وغير ذلك - فلما وصلوا إلى آخر القصبة التي بحلوان وجدوا حماره الأشهب المدعو بالقمر، وقد قطعت يداه ورجلاه، وعليه السرج واللجام، فتبعوا أثر الحمار فوجدوا ثياب الحاكم وكان عليه سبع جبب صوف بيض ورأوا فيها آثار ضرب السكاكين، فلم يشكوا بعد ذلك في قتله. فلما رجعوا إلى القاهرة أشيع قتل الحاكم.
وكان قتله في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكانت مدة خلافته بالديار المصرية والبلاد الشامية خمسا وعشرين سنة وأياما … ولم ينل أهل مصر من أفعاله مكرمة، وصاروا معه في قمع سمسمة، وصبروا على أذاه في هذه المدة وقد قاسوا منه أي شدة حتى فرج الله عنهم هذه الكربة العظيمة فكان كما قيل:
ودهر قطعناه بضيق وشدة … ونحن على نار قيام على الجمر
صبرنا له حتى أزيل وإنما … تفرج أيام الكريهة بالصبر
وفي هذه المدة قتل الحاكم من الناس ما لا يحصى عددهم من العلماء والفقهاء وغير ذلك.
[ ١ / ٧٠ ]
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: "ولما قتل الحاكم صار جماعة من الجهال المغفلين من وادي التيم من نواحي الشام يعتقدون حياة الحاكم إلى الآن، ويقولون لا بد أن يظهر في آخر الزمان ويعود إلى الخلافة، وأنه هو المهدى لا محالة، ويحلفون إلى الآن بغيبة الحاكم".