هو الظافر بالله، أبو المنصور اسماعيل، بن الحافظ، بن المستنصر بالله، وهو التاسع من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ، وكان له من العمر لما تولى الخلافة سبع عشرة سنة. وكان شابا جميل الصورة، حسن الهيئة، وكان يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، وكان يهوى ابن وزيره عباس، وينزل إليه ويبيت عنده في غالب الأوقات، وامتحن به غاية الامتحان، قيل أنه أهدى في بعض الأوقات إلى ابن الوزير صينية من ذهب فيها ألف حبة من اللؤلؤ الكبار، وفصوص من الياقوت الأحمر والأصفر والزمرد الدناني، وألف نافجة من المسك، وعشرة آلاف دينار. ومن العجائب أن الوزير عباسا وولده نصرا لم ينفع فيهما شيء من ذلك، وقتلا الظافر عقيب ذلك كما سيأتي ذكره في موضعه.
ومن الحوادث في أيام الظافر أن في سنة احدى وخمسين وخمسمائة وقع وباء عظيم بين أرض الحجاز واليمن، وكان بينهما نحو من عشرين قرية، فدخل الوباء في ثماني عشرة قرية منها فأفناهم عن آخرهم حتى لم يبق منهم إنسان، فكانت مواشيهم سائبة لا قاني لها، ولا يستطيع أحد من الناس أن يدخل إلى تلك القرى، وكل من دخل إلى تلك القرى هلك من وقته بالطعن ومات. وأما القريتان اللتان حول تلك القرى فما عندهما شعور بما جرى على من حولهما من القرى مما أصابهم من الفناء والطعن، ولم يمت من هاتين القريتين طفل واحد … فسبحان القادر على كل شيء.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الظافر بالله، قيل كثر الكلام بين الناس في حق الوزير عباس بسبب ابنه نصر، فلما نزل الظافر إلى بيت الوزير عباس على جرى عادته وبات عنده، ندب إليه من قتله تحت الليل ورماه في بئر … فلما أصبح الوزير طلع إلى دار الخلافة ودخل إلى القصر، فقال لبعض الخدام:" أين أمير المؤمنين ". فقال له الخدام:" إن
[ ١ / ٧٩ ]
ابنك نصرا يعرف أين هو؟ ". ثم ان الوزير عباسا دخل إلى دور الحرم وأخرج الأمير عيسى بن الظافر، واحضر القضاة وأرباب الدولة وقال:" إن أمير المؤمنين الظافر نزل البارحة في مركب فانقلبت به فغرق ومات. والرأي عندي أننا نولي الأمير عيسى الخلافة عوضا عن أبيه الظافر، ونلقبه بالفائز بنصر الله ". وتراضوا على ذلك. ثم بعد ذلك شاع بين الناس أن الوزير عباسا قد قتل الظافر، فانقلبت الجند على الوزير عباس بسبب ذلك.
وكانت قتلة الظافر في ليلة الأحد ثاني صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأياما.
والظافر هذا هو الذي بنى الجامع المعروف الآن بجامع الفاكهاني، وهو بالقرب من الشوايين.