هو الظاهر لدين الله علي، بن منصور بن نزار ابن المعز معد، وهو الرابع من خلفاء بني عبيد الله الفاطمية بمصر، بويع له بالخلافة بعد أبيه الحاكم بأمر الله في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتلقب بالظاهر لدين الله. تولى الخلافة وله من العمر نحو ست عشرة سنة، وكانت عمته ست النصر أخت الحاكم هي القائمة بأمور دولته، والأمير سيف الدين بن رواش.
وفي أيامه اضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية، واستولى على البلاد الشامية الأمير حسان شيخ عربان جبل نابلس، وصار يستخرج خراجها لنفسه، ونزع أيدي العمال عنها.
وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة من خلافته توفيت ست النصر أخت الحاكم بأمر الله، فظهر لها موجود عظيم من المال والجواهر والقماش والتحف لا يحصى لكثرته، ووجد لها أربعة آلاف جارية ما بين بيض وسود ومولدات، فمنهن ألف وخمسمائة أبكار والبقية ثيبات، ووجد عندها ثلاثون زيرا صينيا مملوءة من المسك السحيق، وأما بقية الموجودة فما ضبط لكثرته.
ومن الحوادث في أيامه جاءت الأخبار من مكة أن رجلا أعجميا قد حضر إلى مكة وجماعة من الأعاجم معه فأظهروا أنهم يريدون الحج، فأقاموا في مكة مدة، ثم غافلوا الناس في وقت القائلة ودخلوا الحرم وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وكسروه ثلاث قطع، فأدركهم الناس وأمسكوهم فقطعوا أيديهم وصلبوهم على أبواب الحرم، ثم أن الناس أعادوا الحجر الأسود إلى مكانه ولصقوا ما كسر منه.
وفي أيام الظاهر هذا اذن لأقباط مصر فيما كان يعمل في ليلة الغطاس بالديار المصرية، وكان هذا الأمر قد بطل من أيام المعز كما تقدم، وكان من أجل المواسم بمصر. وذلك أن ليلة الغطاس - وهي في الحادي عشر من شهر طوبه - تجتمع جماعة من المسلمين وجماعة من الأقباط النصارى عند شاطئ النيل قدام المقياس، فتنصب هناك الخيام على جانبي النيل وتوضع فيها الأسرة لأعيان القبط من الرؤساء، وكان البحر يمتلئ
[ ١ / ٧١ ]
بالمراكب والزوارق، ويجتمع فيها السواد الأعظم من الخاص والعام من المسلمين والنصارى، فإذا دخل الليل تزين المراكب بالقناديل وتشعل فيها الشموع، وكذلك على جوانب الشطوط من بر مصر والروضة، وكان يشعل على الشطوط في تلك الليلة أكثر من ألف مشعال وألف فانوس وتنزل رؤساء القبط في المراكب، وكان ينفق في تلك الليلة من الأموال ما لا يحصى في مآكل ومشارب، تتجاهر الناس بشرب الخمر، وتجتمع أرباب الملاهي وأرباب الملاعب من كل فن، ويخرج الناس في تلك الليلة عن الحد في اللهو والفرجة، ولا يغلق في تلك الليلة دكان ولا درب ولا سوق، وكانوا يهادون رؤساء الأقباط في تلك الليلة بأطنان القصب والبوري والحلوى القاهرية والكمثري والتفاح الفتحي والسفرجل والأترج والنارنج والليمون المراكبي وطاقات النرجس وغير ذلك من الأنواع اللطيفة، وكانوا بعد العشاء يغطسون في بحر النيل - النصارى مع المسلمين سوية - ويزعمون أن من يغطس في تلك الليلة يأمن من الضعف في تلك السنة. فلما كان وقت الغطاس نادى الخليفة الظاهر بالا يختلط النصارى بالمسلمين عند الغطاس، وكان في قصر جده المعز الذي يشرف على بحر النيل يتفرج على ذلك المهرجان الذي يحصل في تلك الليلة. وكان المعز لما قدم إلى مصر ورأى ما يحصل في ليلة الغطاس من المفاسد العظيمة أمر بابطال ذلك، واستمر ذلك باطلا من سنة اثنتين وستين وثلثمائة إلى سنة خمس عشرة وأربعمائة. فأمر الخليفة الظاهر بإعادة ذلك حتى يتفرج عليه.
قال المسبحي: إن في الدولة الفاطمية كان رؤساء القبط يضربون في يوم خميس العدس خراريب من ذهب ويفرقونها على أرباب الدولة برسم التبرك. وكانوا يضربون من هذه الخراريب نحو خمسمائة مثقال، فبطل ذلك جميعه من مصر من جملة ما بطل من القواعد القديمة.
واستمر الخليفة الظاهر لدين الله في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في يوم الأحد خامس عشر شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكانت مدة خلافته بمصر عشر سنين وتسعة أشهر (^١).
ولما مات الظاهر لدين الله تولى من بعده ابنه المستنصر بالله أبو تميم.