هو العاضد بالله، أبو محمد عبد الله، ابن الحافظ، بن المستنصر، وهو الحادي عشر من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد موت ابن عمه الفائز في رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قيل إن الخليفة المعز لما قدم إلى الديار المصرية قال لبعض علماء مصر: "أكتب لنا ألقابا تصلح للخلافة، حتى إذا تولى منا أحد تلقب بها". فكتب له ألقابا كثيرة آخرها العاضد بالله، فاتفق أن آخر من تولى منهم تلقب بالعاضد بالله، وبه انقرضت دولتهم. ولم يكن لهم من المساوئ سوى أنهم كانوا رافضة يسبون الصحابة في كل جمعة على المنابر.
[ ١ / ٨١ ]
ولما أن تولى العاضد استمر الصالح وزيرا، فأقام على ذلك مدة ومات، فتولى عوضه في الوزارة شاور بن مجير السعدي.
ومن الحوادث في أيام العاضد أن الفرنج استولوا على الديار المصرية ودخلوا بمراكبهم إلى بحر النيل ونزلوا على مدينة الفسطاط التي تقدم ذكرها لأنها كانت بالقرب من بركة الحبش من الرصد، فأحاطت عساكر الفرنج بمدينة الفسطاط، وأشرفوا على أخذها، وكان ملك الفرنج يسمى مرى، وكان معه نحو سبعين مركبا مشحونة بالمقاتلين، فلما رأى الخليفة العاضد عين الغلب، وصار الفرنج يأسرون جماعة من المسلمين وينهبون أموالهم، وقرروا على أهل مصر والقاهرة أموالا جزيلة، وأخذوا في أسباب جبايتها … فعند ذلك أشار الوزير على الخليفة بحرق مدينة الفسطاط خوفا من الفرنج أن يملكوها، فأذن له الخليفة في حرقها، فجمع الوزير العبيد وأحرقوها. وكانت هذه المدينة من أجل المدائن، وقد أنشأها عمرو بن العاص في مبتدأ الإسلام عند فتح مصر، وقد تقدم ذكر ذلك عند فتوح مصر. فلما قدم المعز من الغرب وبنى القاهرة تلاشى أمر مدينة الفسطاط.
وكانت القاهرة في غاية العمارة والتحصين، فلما أحرقت مدينة الفسطاط تحول الناس إلى القاهرة قيل بلغ كراء الجمل من مدينة الفسطاط إلى القاهرة عشرة دنانير كل نقلة، وصارت النار عمالة في مدينة الفسطاط واحدا وخمسين يوما حتى صار الدخان يرى من مسيرة ثلاثة أيام، فلما رأى الفرنج ذلك خافوا ورحلوا عن مصر.
قال عبد الله بن عبد الحكم: "وكان ذلك سببا لخراب مدينة الفسطاط، وصارت من يومئذ كيمانا يوجد فيها الأعمدة الرخام الأبيض إلى الآن. وكان أولها من حدرة ابن قميحة وآخرها عند الرصد، وكان حرقها وخرابها في سنة أربع وستين وخمسمائة".
وقال ابن المتوج إن الخليفة العاضد لما استولى مرى ملك الفرنج على مصر أرسل العاضد إلى الملك العادل نور الدين الشهيد صاحب دمشق بأن يرسل إلى أهل مصر نجدة ويدركهم قبل أن تملك الفرنج المدينة، فأرسل نور الدين الشهيد إلى مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب هو وأخوته، فلما قدموا إلى مصر تسامع بهم الفرنج فرحلوا عن مصر.
ولما رحلوا قويت شوكة بني أيوب بمصر، فخاف منهم العاضد، فخلع الوزير اشور بن مجير الدين السعدي من الوزارة، وولي أسد الدين شيركوه أخا أيوب عم صلاح الدين يوسف عوضا عن السعدي.
ثم أن أسد الدين صلب الوزير ابن مجير الدين السعدي على باب القاهرة لكونه أشار بحرق مدينة الفسطاط، ثم أن أسد الدين لما تم أمره في الوزارة تلقب بالمنصور - وكانت
[ ١ / ٨٢ ]
الوزارة تتلقب بمثل القاب الخلفاء فلما تول الوزارة أقام حرمة مصر إلى الغاية، وهابه الناس، فأقام في الوزارة مدة يسيرة ومات فجأة على حين غفلة.
فلما مات أسد الدين شيركوه تولى من بعده الوزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالناصر. فلما تولى صلاح الدين بن أيوب على مصر ضعفت شوكة الخليفة العاضد، ومالت الجند إلى صلاح الدين يوسف. ثم أن نور الدين الشهيد أرسل يقول له:
"اقطع الخطبة من مصر عن اسم العاضد". فلما قطع الخطبة عن اسمه حصل له قهر عظيم، وصار مع صلاح الدين كالمحجور عليه … لا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين، فما أطاق العاضد ذلك، فقيل أنه ابتلع فص ألماس فمات من يومه.
وكانت وفاته في يوم الاثنين عاشر المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة خلافته بمصر اثنتي عشرة سنة وستة أشهر وأياما، وبه انقطعت دولة بني عبيد الله الفاطمي عن الخلافة بمصر، وبه ختمت أخبار الخلفاء الفاطمية من بني عبيد الله.
وقد قامت دولة الخلفاء الفاطمية بمصر مائتين وثمانيا وستين.
[ ١ / ٨٣ ]