هو العزيز بالله، أبو منصور، نزار، بن المعز لدين الله معدّ الفاطمي العبيدي، وهو الثاني من خلفاء بني عبيد بمصر.
بويع بالخلافة بعد موت المعز في سنة خمس وستين وثلثمائة، وكان مولده بمدينة القيروان في سنة أربع وخمسين وثلثمائة، فلما تم أمره في الخلافة بمصر، استقر بجوهر القائد مدبرا لأمر مملكته كما كان في أيام أبيه المعز.
وكان العزيز يحب العدل في الرعية، وينصف المظلوم من الظالم، وكان كريما جوادا ممدوحا، فأحبته الرعية وصفا له الوقت بالديار المصرية. ثم انه استكثر في عسكره من المماليك الديالمة والمصامدة والأتراك المغل. واستقر بالقاضي يعقوب ابن كلس وزيرا.
قيل لما تولى العزيز الخلافة دخل عليه عبد الله بن حسن الجعفري الشاعر يهنئه بالخلافة بعد موت أبيه فأنشده هذه القصيدة منها:
عمت خلافته مصرا فصار بها … كأنه الشمس فيها حلت الحملا
إن المعز الذي لا خلق يشبهه … الا العزيز ابنه ان قال أو فعلا
[ ١ / ٦٠ ]
فان مضى كافل الدنيا فصار لها … من بعده كافلا يغنى بما كفلا
أضحت ملوك بني الدنيا له خدما … وما حوت كل دار منهم نفلا
حكى المسبحي في تاريخه أن العزيز لما تم أمره بمصر استقر بشخص من النصارى عاملا بمصر على سائر جهاتها، وكان يقال له نسطروس واستقر بشخص من اليهود عاملا على سائر جهات دمشق وكان يقال له منشأ. فحصل من النصراني لأهل مصر غاية الظلم والأذى، وحصل من اليهودي لأهل دمشق غاية الظلم والأذى، فاتفق أن العزيز ركب يوما وشق من القاهرة فزينت له، فعمد بعض الناس إلى مبخرة من حديد وألبسها ثياب النساء وزينها بازار وشعرية، وجعل في يدها قصة على جريدة وكتب فيها:
"بالذي أعز جميع النصارى بنسطروس، وأعز جميع اليهود بمنشا، وأذل جميع المسلمين بك … إلا ما رحمتهم وأزحت عنهم هذه المظالم؟ ".
فلما مر العزيز على تلك الصورة ظن أنها امرأة ولها حاجة، فطلب قصتها فلما قرأها اشتد به الغضب، وأمر بشنق ذلك النصراني نسطروس فشنق على باب القصر، وأرسل بشنق منشا اليهودي فشنق على أحد أبواب دمشق، واحتاط على جميع أموالهما من صامت وناطق.
ومن الحوادث في أيامه أن في سنة سبع وسبعين وثلثمائة ولدت امرأة بمدينة تنيس جارية لها رأسان ووجهان في عنق واحد، وكان أحد الوجهين أبيض اللون والآخر أسمر اللون وفيه سهولة، وكل وجه منهما كامل الخلقة، وهذان الوجهان في جسد واحد، فكانت أم تلك المولودة ترضع كل واحد منهما على انفراد، فحملت هذه المولودة إلى العزيز من تنيس إلى مصر حتى شاهدها فوجه لأمها شيئا من المال، ثم عادت إلى تنيس فعاشت هذه المولودة مدة يسيرة ثم ماتت.
وفي أيامه في سنة تسع وسبعين وثلثمائة حدث بمدينة تنيس في ليلة الجمعة ثامن عشر بيع الأول حادث فيه أرعدت السماء وابرقت، وأظلم الجو وظهر في السماء أعمدة من نار تلتهب، فأضاءت منها الدنيا، ثم اشتدت تلك الحمرة، وجاءت عقب ذلك ريح سوداء فيها غبار حار يأخذ بالأنفاس من شدة حره، فارتاع الناس من ذلك وأيقنوا بالهلاك، وصار يودع بعضهم بعضا، فضج الناس إلى الله تعالى بالدعاء، ولم يزل على ذلك من بعد العشاء إلى طلوع الفجر حتى خمدت الريح وخمدت تلك الأعمدة النار وزالت الحمرة من
[ ١ / ٦١ ]
الجو فلما لاح الصباح طلعت الشمس وهي محمرة، فأقامت على ذلك خمسة أيام حتى اعتدلت.
قال أبو القاسم عبد المجيد القرشي ان في سنة إحدى وسبعين وثلثمائة صيدت سمكة بمدينة تنيس من البحر المالح فكان طولها من رأسها إلى ذنبها ثمانية وعشرين ذراعا ونصف ذراع، وكان عرضها خمسة عشر ذراعا، وكان فتح فمها تسعة وعشرين شبرا، وكان لها يدان كل يد طولها ثلاثة أدرع، وكان لها عينان كعيني البقر، ولسان كلسان الثور العظيم، وكانت ملساء وفي جلدها غلظ. فلما صيدت أمر والى تنيس بأن يشق بطنها ويحشى ملحا، فوضعوا في جوفها مائة آردب ملح، فكان الرجل يدخل في جوفها وهو حامل قفاف الملح قائما غير منحن، فأمر نائب تنيس بحملها إلى القاهرة حتى يشاهدها الخليفة العزيز فشاهدها وتعجب من خلقتها.
وكانت مدينة تنيس هذه من أجل المدائن، وكانت بالقرب من دمياط، قال المسعودي:
"كان طول مدينة تنيس من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ذراع ومائتي ذراع، وكان عرضها من المشرق إلى المغرب ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وثمانين ذراعا بالعمل، وكان لها تسعة عشر بابا مصفحة بالحديد، وكان بها عدة مساجد نحو مائة وستين مسجدا، وبكل مسجد منارة، وكان بها ستة وثلاثون حماما، وكان بها مائة معصرة للزيت والشيرج والقصب، وكان بها مائة وستون طاحونا، وكان بها من الحوانيت ألفان وخمسمائة حانوت برسم البضائع، وكان بها من المناسج للقماش نحو خمسة آلاف منسج يصنعون فيها الثياب الشرب التي لا يصنع مثلها في الدنيا، وكانوا ينسجون بها أثوابا تسمى البدنة تنسج بالذهب صناعة محكمة يباع الثوب منها بمائة دينار، وكانت تحمل منها إلى بغداد، وكان يعمل بها طرز من الكتان بغير ذهب يباع كل طراز منها بمائة دينار وهو بغير ذهب، وكان بهذه المدينة النخل والكرم وسائر أصناف الأشجار، وكانت صحيحة الهواء كثيرة الطير والسمك، وكان أهلها يدخرون بها ماء النيل في جباب فلا يفسد ولو أقام بها دهرا طويلا.
ولم تزل مدينة عامرة إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة حتى جاء إليها نحو أربعين مركبا موسوقة جماعة من الفرنج فحاصروا أهلها، فلما أشرفوا على أهل المدينة هرب أهلها إلى ثغر دمياط وتركوا المدينة فاستولى عليها الفرنج وملكوها ونهبوا ما فيها ثم ألقوا فيها النار فاحترقت كلها، ثم أخذوا ما قدروا عليه من الغنائم وتركوا المدينة خرابا ورحلوا عنها. واستمرت على ذلك إلى سنة أربع وعشرين وستمائة ي دولة الملك الكامل محمد بن أيوب فأمر بهدم ما بقي من سورها وبيوتها، واستمرت خرابا من يومئذ إلى الآن".
[ ١ / ٦٢ ]
قال المسبحي إن في أيام العزيز نزار هذا ظهر السمك البلطي بالنيل، ولم يكن به قبل ذلك منه شيء، وهو من أسماك البحر المالح، وفي أيامه أيضا ظهر السمك اللبيس ببحر النيل ولم يكن منه قبل ذلك شيء، وهو أيضا من أسماك البحر المالح هرب ودخل إلى البحر الحلو. وإنما سمي لبيسا لأنه يشبه البورى فالتبس به فسمي لبيسا".
واستمر العزيز بالله نزار في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة، وكانت مدة اقامته في الخلافة بمصر إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وأياما، وكان خيار بني عبيد قاطبة، ولما مات تولى من بعده الحاكم بأمر الله منصور.