هو الفائز بنصر الله، أبو القاسم عيسى، بن الظافر، بن الحافظ، بن المستنصر، وهو العاشر من خلفاء بني عبيد الله الفاطمي، بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الظافر بالله، وكان سبب بيعته أن الوزير عباسا لما قتل الظافر طلع إلى القصر وأحضر القضاة والشهود وقال لهم إن الظافر نزل البارحة في مركب فانقلبت به فغرق، ثم هجم الوزير على ابن الظافر وهو في دور الحرم وأخذه من عند أمه وحمله على كتفه ففزع منه واضطرب - وكان له من العمر ست سنين - فأحضره بين القضاة وولاء الخلافة، واستمرت معه الطربة عمالة حتى كبر ومات بعد مدة وهو مضطرب في كل وقت.
فلما تم أمره في الخلافة وأطاعه الجند، صار يخشى من الوزير عباس ولا يقر له قرار، فاستعان على قتله بشخص يسمى طلائع بن رزيك - وكان متوليا على منية ابن خصيب - فجمع عسكرا عظيما من العربان وقصد التوجه إلى القاهرة، فلما بلغ الوزير عباسا ذلك أخذ ما قدر عليه من الأموال والتحف وهرب نحو البلاد هو وولده نصر، فكان كما قيل:
حكى غراب البين في شؤمه … لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ
فبينما هو في أثناء الطريق إذ خرجت عليه طائفة من الفرنج فأسروه، وأخذوا ما كان معه من الأموال والتحف، فلما جاءت الأخبار بذلك إلى القاهرة احتاط الفائز على موجود الوزير عباس جميعه، وولي الوزارة طلائع بن رزيك عوضا عن عباس، فخلع عليه وتلقب بالصالح بالله، فأطاعه الجند وأحبوه، وكانت له حرمة وافرة في القاهرة. وهو الذي
[ ١ / ٨٠ ]
بنى الجامع المنسوب إليه المشهور بجامع الصالح الذي هو خارج باب زويلة، وكانت الوزراء تتلقب يومئذ كألقاب الخلفاء.
ثم أن الصالح هذا أرسل إلى طائفة الفرنج الذي أسروا الوزير عباسا يطلبه منهم، وأرسل إليهم هدية ومالا نحو عشرة آلاف دينار، فلما وصل ذلك إلى الفرنج أرسلوا الوزير عباسا وولده نصرا إلى الصالح وهما في الحديد، فلما دخلا القاهرة كان يومهما يوما مشهودا لم يسمع بمثله، فأمر الفائز بأن يصلب الوزير عباس وولده نصر على باب القصر، فصلبا وأخذ الفائز بثأر أبيه الظافر قبل العصر، فكان كما قيل في الأمثال:
"الموت في طلب الثأر، خير من الحياة في العار".
وفي أيام الفائز هذا نقلت رأس الحسين ﵁ من عسقلان إلى القاهرة، وذلك في سنة تسع واربعين وخمسمائة، وسبب ذلك أن رأس الحسين كانت بعسقلان، فلما تولى الفرنج على عسقلان خاف المسلمون على رأس الحسين فأحضروها إلى القاهرة في علبة، وبنى لها الفائز هذا المشهد ودفنها به. قيل إن رأس الحسين نقلت إلى ثلاثة أماكن قبل أن تحضر إلى القاهرة بمدة.
وفي أيام الفائز استعرضت عساكر القاهرة، فكانت نحو خمسين ألف مقاتل على أجناس مختلفة، وكان بمراكبه عشر مراكب مشحونة بالرجال والسلاح بسبب الجهاد، وهذا مع وجود تلاشي أمر الخلفاء الفاطمية وضعف شوكتهم.
واستمر الفائز في الخلافة بمصر حتى مرض ومات، وكانت وفاته في يوم الجمعة سابع رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي وله من العمر إحدى عشرة سنة وأشهر، ومات بالطعن، وكانت مدة خلافته بمصر خمس سنين وأشهرا، ولما مات تولى من بعده ابن عمه عبد الله العاضد بالله.