هو المستنصر بالله أبو تميم، معد، بن الظاهر لدين الله علي بن منصور الحاكم بأمر الله، وهو الخامس من بني عبيد الله الفاطمي، بويع له بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر لدين
_________________
(١) - الذي في المقريزي ان مدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام، وهو الصواب.
[ ١ / ٧٢ ]
الله في يوم الأحد خامس عشر شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، فتولى الخلافة بمصر وله من العمر سبع سنين وعشرون يوما. وكان مولده بالقاهرة في سنة ثماني عشرة وأربعمائة (^١). وهو الذي خطب له البساسيري على منابر بغداد مع وجود خلفاء بني العباس، وهذا لم يقع لأحد من أقاربه من خلفاء بني عبيد الله.
ولما تم أمره في الخلافة استقر بالحسن بن علي البازوري وزيرا، وهو الذي جمع بين الوزارة وقضاية القضاة الشافعية، ولم تقع هذه لمن قبله من الوزراء، فلما مات البازوري استقر بأبي نصر العلاجي وزيرا، فقبض أبو نصر العلاجي على ابن الأنباري وزير الحاكم بأمر الله فاعتقله بحزانة البنود وصادره وأخذ جميع أمواله، ثم قطع رأسه ودفنها بخزانة البنود، فما مضى قليل حتى قبض المستنصر على أبي نصر العلاجي، واعتقله في خزانة البنود وصادره وأخذ أمواله وأمر بقطع رأسه فلما أرادوا أن يحفروا لأبي نصر العلاجي في خزانة البنود ليواروا رأسه فيها ظهر من تلك الحفرة رأس فسألوا العلاجي عن ذلك فقال هذا رأس ابن الانباري وأنا قتلته ودفنته في هذه الحفرة ثم أنشد يقول:
رب لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحكا من تزاحم الأضداد
فقطعوا رأس العلاجي ودفنوها على رأس ابن الانباري … والجزاء من جنس العمل.
ومن الحوادث في زمن المستنصر بالله. أنه في سنة احدى وخمسين وأربعمائة وقع الغلاء العظيم بمصر، فكان يعادل الغلاء الذي وقع في زمن يوسف ﵊، وقد أقام هذا الغلاء بمصر سبع سنين متوالية والنيل في تلك السنين لم يبلغ في الزيادة إلا اثنى عشر ذراعا وأحد عشر اصبعا، وكان القاع ثلاثة أذرع واحد عشر اصبعا. ففي هذه المدة أكلت الناس بعضها بعضا، وبيع فيها القمح بثمانين دينارا كل أردب، وبمائة وعشرين دينارا كل أردب. ثم اشتد الأمر حتى بيع كل رغيف في زقاق القناديل بخمسة عشر دينارا، وأكلت الناس الميتة والكلاب والقطط حتى قيل بيع كل كلب بخمسة دنانير، وبيع كل قط بثلاثة دنانير، وقيل كان الكلب يدخل إلى الدار فيأكل الطفل الصغير وهو في المهد وأمه وأبوه ينظران إليه فلا يستطيعان النهوض لدفعة عن ولدهما من شدة الجوع وعدم القوة. ثم اشتد الأمر حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله ولا ينكر ذلك عليه أحد من الناس. وصار الناس في الطرقات إذا قوى القوى على الضعيف يذبحه
_________________
(١) - في المقريزي أنه ولد في السادس عشر من جمادي الآخرة سنة ٤٢٠.
[ ١ / ٧٣ ]
ويأكله. وصارت طائفة من الناس يجلسون على السقائف وبأيديهم حبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد من الناس ألقوا عليه تلك الحبال ونشلوه بتلك الكلاليب في أسرع وقت، فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه بعظامه. وقيل إن الوزير ركب يوما على بغلة ودخل إلى دار الخلافة فلما نزل عنها أخذت من غلمانه وأكلت في الحال، فأمسكوا الذين فعلوا ذلك وشنقوهم وعلقوهم على الخشب، فلما باتوا أصبحوا لم يجدوا أحدا من المشانيق، وقد أكلوا من فوق الخشب، ولم يبق منهم غير العظام على الأرض.
قال المسبحي في تاريخه: "كان بمدينة الفسطاط حارة تسمى حارة الطبق، وكان فيها نحو عشرين دارا، كل دار تساوي في الثمن ألف دينار، فبيعت بيوت هذه الحارة كلها بطبق من الخبز - كل دار برغيف - فسميت من يومئذ حارة الطبق".
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: "خرجت امرأة من مدينة الفسطاط ومعها ربع من اللؤلؤ الكبار وقالت:" من يأخذ مني هذا اللؤلؤ ويعطيني عوضه قمحا؟ ". فلما أعيت من ذلك ألقته على الأرض وقالت:" إذا لم تنفعني وقت الحاجة فلا حاجة لي بك ". ثم تركته ومضت، فأقام ذلك اللؤلؤ مرميا على الأرض ثلاثة أيام ولم يوجد من يلتقطه، وكان كل أحد من الناس مشغولا بنفسه عن كل شيء".
وقال عبد الله بن عبد الحكم: "إن امرأة من ذوي البيوت أخذت عقدا من الجواهر قيمته ألف دينار فعرضته على جماعة من الناس في أن يعطوها عوضه دقيقا، فصار كل واحد من الناس يعتذر لها في عدم الدقيق. ثم أن بعض الناس عطف عليها وباعها بذلك العقد دقيقا، فأخذته في تليس وخرجت به من مدينة الفسطاط تريد القاهرة، فلما أن وصلت به إلى باب زويلة تكاثرت عليها الناس فانتهبوا ما كان معها من الدقيق فأخذت منه بجملة الناس ملء يديها دقيقا، فلما وصلت به إلى بيتها عجنته رغيفا وخبزته، فلما خرج من الفرن أخذته على جريدة، وتوجهت إلى قصر الزمرد ووقفت تحته، ونادت بأعلى صوتها، ورفعت الرغيف وقالت:" يا أهل القاهرة، ادعوا بالنصر لأمير المؤمنين المستنصر بالله الذي أكلنا الرغيف في أيامه بألف دينار ". .. فلما أن سمع المستنصر ذلك فار دمه، وأحضر الوزير والحاجب وهددهما بالشنق، وقال:" إن لم يظهر الخبز في الأسواق والا شنقتكما على باب المدينة ". فنزلا من عنده وصارا يكبسان على البيوت والحارات بسبب القمح حتى ظهر الخبز في الأسواق، وكثر على الدكاكين".
قال المسبحي: "لما جاء هذا الغلاء العظيم، جاء عقيب ذلك فناء عظيم، حتى في ثلثا أهل مصر، وصارت أراضي الناحية بائرة لم تزرع من عدم الرجال، فكان الجندي يخرج
[ ١ / ٧٤ ]
بنفسه هو وجماعته يحرثون ويزرعون في البلاد لعدم الفلاحين. وقيل كان الرجل يمشي من جامع ابن طولون إلى باب زويلة لا يرى في وجهه انسانا يمشي في الأسواق".
قال المسعودي: إن الخليفة المستنصر بالله لما تعطلت البلاد بموت الفلاحين تعطل الخراج على الجند، فأخرج ما في خزائنه من القماش والسلاح والتحف، فكان يبيعها بأرخص ثمن حتى يرضي الجند. قيل باع ثمانين ألف قطعة من الجواهر الفاخرة، وباع خمسة وسبعين ألف شقة حرير من أنواع الديباج المذهب، وباع عشرين ألف سيف مسقطة بالذهب، وباع واحدا وعشرين ألف ضيعة وعشرين ألف دار حتى باع رخام قبور أجداده الخلفاء ولم يبق عنده من آثار النعمة شيء سوى سجادة رومية وقبقاب في رجله … فكان إذا نزل من قصره يستعير من الوزير بغلته حتى يركبها ويقضي أشغاله، ثم يعيدها إلى الوزير، وكانت أخته ترسل إليه في كل يوم زبدية فيها طعام يقتات به في كل يوم وليلة مرة واحدة، ومات جميع غلمانه وعبيده وجواريه ولم يبق عنده أحد من العيال يخدمه، وانكشف حاله إلى الغاية، وجرى عليه ما لا يجري على أحد من أقاربه من سوء الحال، فأقام على ذلك مدة، ثم تراجعت الأحوال قليلا قليلا، وانصلحت أحوال الديار المصرية، وانحط سعر القمح وبقية الغلال، ووقع الرخاء، ووردت الأموال من البلاد إلى المستنصر، وحسنت أوقاته، وصفا له الوقت بمصر، وطالت أيامه في الخلافة، ونسى ما قد جرى عليه من ضيق الحال والمشقات، وكان كما قال القائل في المعنى:
الدهر لا يبقي على حالة … لا بد أن يقبل أو يدبرا
فان تلقاك بمكروهه … فاصبر فان الدهر لن يصبرا
واستمر الخليفة المستنصر في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ومات وله من العمر نحو ثمان وستين سنة. وتولى الخلافة وهو ابن سبع سنين، وكانت مدته في الخلافة ستين سنة وأربعة شهور، وهذه المدة لم تنفق لأحد قبله من الخلفاء الفاطميين ولا العباسيين، ولكنه قاسى في هذه المدة مشقات عظيمة شديدة كما قيل في المعنى والأمثال" من أراد البقاء في الدنيا فليوطن نفسه على المصائب".
ولما مات المستنصر تولى من بعده ابنه احمد المستعلي بالله.
[ ١ / ٧٥ ]