كان أولهم المعز أيبك التركماني الصالحي النجمي، كان أصله من مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب فأعتقه، ثم صار أميرا في حياة أستاذه الملك الصالح، ثم بقي أتابك العساكر بعد قتل الملك المعظم توران شاه ثم بعد خلع شجرة الدر.
تولى الملك بالديار المصرية في يوم السبت تاسع عشرى ربيع الآخر سنة ثمان واربعين وستمائة (١٢٥٠ م) وركب بشعاره وحملت على رأسه القبة والطير، ولعبوا قدامه بالغواشي، وجلس على سرير الملك وجميع الأمراء قبلوا الأرض بين يديه ولقبوه بالملك المعز.
فلما تم أمره في السلطنة تقلب عليه المماليك الصالحية، وقالوا لا بد لنا من واحد من ذرية بني ايوب نسلطنه - وكان المتكلم يومئذ من الأمراء الأمير بلباي الرشيدي، والأمير فارس الدين أقطاي، والأمير بيبرس ركن الدين البندقداري، والأمير سنقر الرومي وغير ذلك جماعة من المماليك البحرية - فوقع الاتفاق بينهم وبين المعز أيبك بأن يحضروا بشخص من بني أيوب، يقال له مظفر الدين يوسف من أولاد الملك مسعود صاحب بلاد الشرق - وكان عند عماته ببلاد الشرق - فأرسلوا خلفه، فلما حضر من البلاد سلطنوه ولقبوه بالملك الأشرف. وكان له من العمر نحو عشرين سنة، فلما تسلطن يوسف المذكور لم يعزل أيبك التركماني من السلطنة، بل صار معه مثل الشريك، وكان يخطب باسمهما على منابر مصر وأعمالها، وضربت السكة على الدنانير والدراهم باسمهما، فلم يسع أيبك الاحتمال.
واستمر أيبك ويوسف المذكور شريكين في السلطنة حتى قويت شوكة المعز أيبك، وأنشأ له مماليك، وأقام له عصبة، فعزم رأيه على أن يقبض على الأمير فارس الدين اقطاي - وكان رأس المماليك الصالحية - فطلبه وقت الظهر، فلما طلع إلى القلعة أكمن له كمينا وراء قاعة الأعمدة وقرر معهم إذا مر بهم الأمير فارس الدين يقتلونه من غير
[ ١ / ١١١ ]
معاودة. فلما مر بهم ووصل إلى باب قاعة الأعمدة وثب عليه المماليك المعزية، فأذاقوه كأس المنية.
فلما قتل الأمير فارس الدين أمر الملك المعز أيبك بغلق باب القلعة. فلما شاع بين الناس قتل الأمير فارس - وكان ذلك في يوم الاثنين حادي عشرى شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة - ركب سائر خشداشينه - وكانوا نحو سبعمائة انسان - فلما أن طلعوا إلى الرميلة وأحاطوا بالقلعة، رمى اليهم الملك المعز برأس الأمير فارس الدين اقطاى من فوق سور القلعة، فلما تحقق خشداشينه قتله انفضوا خائبين، وخرجوا على حمية، نحو البلاد الشامية، وهم الأمير بيبرس ركن الدين البندقداري والأمير قلاوون الألفي، والأمير سنقر الأشقر، والأمير بيسري، والأمير سكن، والأمير برمق.
فلما قصدوا أن يخرجوا إلى البلاد الشامية، وجدوا أبواب القاهرة مغلقة، فتوجهوا إلى باب القراطين، فأحرقوه بالنار وخرجوا منه هاربين، فسمي من ذلك اليوم باب القراطين.
فلما بلغ المعز هروبهم أمر بالحوط على موجودهم. فلما خمدت تلك الفتنة، وتشتت الأمراء الذين كان يخشى منهم المعز، فعند ذلك قبض على الملك الأشرف يوسف الذي كان شريكه في السلطنة وسجنه بالقلعة، وانفرد بالسلطنة.