قال الشيخ شمس الدين الذهبي في نسبه: "هو المعز أبو تميم معد بن المنصور اسماعيل ابن القائم بالله محمد بن المهدي عبيد الله المغربي الفاطمي". وكان مولده ببلاد الغرب بمدينة أفريقية في يوم الجمعة تاسع عشر من شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وهو رابع خليفة من بني عبيد الله ببلاد المغرب بمدينة أفريقية.
وفي سبب شرف هذه الفاطمية أقوال كثيرة. فمن الناس من قد نسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله ﷺ ومن الناس من قد نسبهم إلى الحسين بن محمد بن أحمد بن قداح، وكان أصل القداح من أبناء المجوس، وهذا الأمر عند أرباب التواريخ في نسبهم مشهور وأكثر الاتفاق عليه.
قال الذهبي: "وكان قدوم المعز إلى مصر في سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلثمائة، وقد انقرضت دولة الإخشيدية بموت الأمير كافور".
قال الشيخ عماد الدين بن كثير: "لما دخل المعز إلى مصر دخل معه ألف وخمسمائة جمل موسوقة ذهبا عينا. وكان معه من القماش والتحف ما لا يسمع بمثله، فمن جملة ذلك كان معه قبة من البلور وهي قطعتان يجلس فيها نحو أربع أنفس، فكانت إذا نصبت في الليلة المقمرة تخفي ضوء القمر من شعاعها. وكان معه أربع خواب من البلور كل خابية تسع قدر رواية من الماء، وكان معه غير ذلك من التحف والعجائب".
قيل لما أراد المعز أن يتوجه إلى مصر حمل معه أجداده الذين ماتوا بمدينة أفريقية، فحملهم في توابيت من خشب، فلما دخل إلى مصر دفنهم بالقرافة الكبرى.
قال ابن كثير: "لما دخل المعز إلى مصر رأى ما بناه جوهر القائد فلم يعجبه، وعاب عليه ما بناه، وقال له:" لقد بنيت هذه المدينة في وطيئة لا هي بحرية ولا هي جبلية ".
وكان قصد المعز لو بناها على شاطئ النيل".
وقيل إن المعز سمى "القاهرة" أولا "المنصورية"، فلما بلغه ما وقع للفلكية من أمر القاهر غير اسمها فقال سموها "القاهرة"، فاستمرت من ذلك اليوم على هذا الاسم.
[ ١ / ٥٧ ]
وقد قالت فيها الشعراء أشعارا كثيرة:
لله قاهرة المعز لأنها … بلد تحصص بالمسرة والهنا
أو ما ترى في كل قطر منية … من جانبيها فهي مجتمع المنى
وقال آخر فيها:
مصر لها الأفضال إذا لم تزل … على العدا منصورة ظاهرة
ما غولبت، كلا ولا قوهرت … إلا وكانت مصر والقاهرة
قال المسبحي: لما استقر المعز بمصر انفرد بها ولم يدخل تحت طاعة الخلفاء العباسية، وادعى الخلافة لنفسه بمصر، وقال نحن أفضل من الخلفاء العباسية لأننا من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ. فكان الخلفاء الفاطمية يحكمون من مصر إلى الشام إلى حلب إلى الفرات إلى مكة والمدينة الشريفة إلى القدس والخليل، وصارت مصر وبلاد المغرب مملكة واحدة. وكانت الخلفاء العباسية يحكمون من الفرات إلى بغداد وأعمالها إلى سائر بلاد الشرق، وكان يخطب لكل خليفة منهما في الجهات التي تحت حكمه باسمه فقط.
ثم ان المعز استكثر من العساكر بمصر فكانوا ما بين كنانة وروم وصقالبة وبربر ومغاربة، وكانوا في العدد لا يحصون لكثرتهم حتى قيل: لم يطأ الأرض - بعد جيوش الاسكندر بن فليبش الرومي الكبير - أكثر من جيوش المعز الفاطمي. ثم انه بنى قصر الزمرد مكان دار الضرب، وكان جوهر القائد وزيره ومدبر مملكته.
وجوهر هذا هو الذي بنى الجامع الأزهر، وكان بناؤه في سنة إحدى وستين وثلثمائة.
وكانت له في مصر حرمة وافرة، وكان خراج مصر في أيامه ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار. وكان خراج مصر قد انحط في أيام من تولى قبله من الأمراء فجدد الأمير جوهر ما فسد من عمارة القناطر والجسور وغير ذلك حتى استقامت أحوال الديار المصرية في أيامه.
ولما تولى المعز على مصر منع القبط مما كان يعمل في يوم النيروز من صب المياه على الناس في الطرقات، وايقاد النار في تلك الليلة، وكانوا يخرجون في ذلك عن الحد.
ومنعهم أيضا مما كان يعمل في ليلة الغطاس من النزول في المراكب وضرب الخيام على
[ ١ / ٥٨ ]
شاطئ بحر النيل عند المقياس، فأشهر النداء بإبطال ذلك جميعه، وهدد من يفعل ذلك بالشنق، فرجع الناس عن ذلك في أيامه، وكان يحصل من هذه الأفعال غابة الفساد بمصر في تلك الأيام.
قال المسبحي في تاريخه إن امرأة وقفت للمعز وهو في موكبه وأنشدت:
تحطمنا ريب الزمان كأننا … زجاج ولكن لا يعاد له سبك
فقال لها المعز: "من أنت أيتها المرأة؟ ". فقالت: "أنا زوجة الأمير أبي بكر بن محمد بن طغج الإخشيدي صاحب مصر". فقام إليها المعز، وقال: "ما حاجتك؟ ". فقالت: "إني قد أودعت بغلطاقا لي عند شخص يهودي، فأقام عنده مدة، ثم اني طلبته منه فأنكره، فقلت له: خذ منه ما تختار من جواهره وأعطني الباقي، فأبى وامتنع من الإعطاء، وأنكر ذلك أصلا. فلما سمع المعز ذلك أرسل خلف اليهودي وسأله عن أمر البغلطاق الذي أودعته عنده زوجة الأمير أبي بكر الإخشيدي، فأنكره ولم يعترف به، فأمر بشنقه. فلما تحقق ذلك اعترف به فأمره المعز بإحضاره، فلما أحضره بين يديه تحير مما فيه من الجواهر واللآلئ. ثم أنه وجد اليهودي قد سرق من صدر ذلك البغلطاق درتين فسأله عن ذلك فاعترف أنه باع هاتين الدرتين بألف وستمائة دينار، فأخذ المعز ذلك البغلطاق من اليهودي وأمر بشنقه فشنق، ثم دفع ذلك البغلطاق إلى زوجة الإخشيدي فسألته أن يأخذه منها على سبيل الهدية فأبى من قبول ذلك، فأخذته وانصرفت وهي داعية له.
وكان المعز يحب العدل والإنصاف بين الرعية، غير أنه كان رافضيا سبابا للصحابة في يوم الجمعة على المنابر. قال المسبحي: إن المعز كان يميل إلى علم الفلك، فأخبره جماعة من المنجمين بأن عليه قطعا شديدا في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، ثم أشاروا عليه بأن يختفي في سرب تحت الأرض حتى تمضي عنه تلك القطوع. فاختفى في سرب نحو أربعة أشهر، فلما طالت غيبته على جنده ظنوا أنه قد رفع إلى السماء فكان الفارس من عسكره إذا نظر إلى الغمام في السماء ينزل عن فرسه ويقول:" السلام عليك يا أمير المؤمنين ". .. فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر من ذلك السرب وجلس على سرير ملكه وهم يحسبون أنه كان في السماء وأتى إليهم.
قال المسبحي:" كان للمعز أخت تسمى الست سيدة الملك، قيل إنها توفيت في خلافة أخيها المعز فوجدت لها من الذهب العين ثلثمائة صندوق، ومن الفصوص الياقوت الملونة واللؤلؤ خمس ويبات، ووجد لها مدهنا من الياقوت الأحمر وزنه سبعة وعشرون مثقالا لم يحص له ثمن، ووجد لها من الشقق الحرير الأحمر ثلاثين ألف شقة ". قال بعض
[ ١ / ٥٩ ]
المؤرخين وكانت أخت المعز - مع وجود هذه السعة - أزهد الناس في الدنيا، وكانت لا تأكل إلا من ثمن غزلها دائما حتى ماتت.
واستمر المعز في الخلافة حتى مرض وسلسل في المرض حتى مات، فكانت وفاته في ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة، وكان له من العمر لما توفي نحو إحدى وأربعين سنة. وهو أول خلفاء بني عبيد الله بمصر، ودفن عند سيدي زين العابدين جد السيدة نفيسة، وتربته بين الكيمان عند حدرة ابن قميحة. وكانت مدة خلافة المعز بمصر أربع سنين وشهرا ويومين.
وكان المعز رجلا عادلا عاقلا حازما لبيبا فصيحا شاعرا وله شعر جيد، فمن ذلك قوله:
ما بان عذري فيك حتى عذرا … وبدا البنفسج فوق ورد أحمرا
همت بقبلته عقارب صدغه … فاستل ناظره عليها خنجرا
ولما مات المعز تولى من بعده ابنه العزيز.