هو الملك الأشرف، صلاح الدين خليل، ابن الملك المنصور قلاون الألفي الصالحي، وهو الثامن من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تولى الملك بعهد من أبيه قبل وفاته، وجلس على سرير الملك بعد وفاة أبيه قلاون، وذلك في يوم الأحد سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، وكان مولده في سنة ست وستين وستمائة. فلما قام بشعائر السلطنة نزل من القلعة إلى الميدان الذي تحت القلعة، وكان سبب نزوله إلى الميدان أن الأمراء تخلوا من طلوعهم إلى القلعة، فلم يطلع منهم أحد إلى القلعة، فنزل السلطان - وهو بشعائر الملك - فجلس هنالك على كرسي - واستحلف له سائر الأمراء، فلما حلفوا له خلع في ذلك اليوم على الأمير علم الدين سنجر الشجاعي واستقر به وزيرا كما كان في أيام والده.
وكان الأشرف خليل كفؤا للسلطنة، وجاء فيها كما ينبغي في الحرمة والعظمة والشهامة، وفيه يقول القائل محمد بن غانم الشاعر:
[ ١ / ١٥١ ]
مليكان قد لقبا بالصلاح … فهذا خليل وذا يوسف
فيوسف لا شك في فضله … ولكن خليل هو الأشرف
فلما تم أمره في السلطنة، وتلقب بالملك الأشرف، عمل الموكب، ثم قبض على الأمير طرنطاي نائب السلطنة، وكان بينه وبين الأمير طرنطاي عداوة قديمة من أيام والده.
وكان الشجاعي يكره الأمير طرنطاي، فحسن للسلطان القبض عليه، فقبض عليه في ذلك اليوم وحمل إلى الاعتقال … فكان الأمر كما قالته الأمراء للأمير طرنطاي: إن الأشرف خليلا يقبض عليه. فلما قبض عليه ندم الأمير طرنطاي الذي ما قبض على الأشرف خليل قبل أن يتسلطن، كما قيل في المعنى:
احذر من الناس، ولا … معترك الشك تجل
في قلب ليث بت … وخف … إن بت في قلب رجل
فأقام الأمير طرنطاي بالسجن في القلعة ثلاثة أيام، ثم أن السلطان أمر بقتله فخنق وهو في السجن، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفن تحت الليل في القرافة الصغرى.
ثم أن السلطان رسم للشجاعي بأن يحتاط على موجود الأمير طرنطاي، فنزل الشجاعي إلى بيت طرنطاي، ورسم على مباشريه، وقبض على جميع من كان من حاشيته، وقبض على نسائه وسراريه، وأحضر لهم المعاصير وعصرهم وقررهم على الأموال والذخائر … فكان الشجاعي ينزل في كل يوم إلى بيت الأمير طرنطاي ويقرر جماعته ونساءه ويعاقبهم أشد العقوبة، فظهر له من الأموال والتحف ما لم يسمع بمثله، فطلعوا بذلك جميعه إلى الخزائن الشريفة.
ثم أن السلطان عمل الموكب، وخلع على الأمير بيدرا واستقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير طرنطاي النائب.
فلما قتل الأشرف خليل الأمير طرنطاي صفا له الوقت، فأرسل خلف القاضي شمس الدين بن السعلوس - وكان بالحجاز من أيام الملك المنصور قلاون - بالحضور، وحشاه بخط يده بالقلم العريض بين السطور وهو يقول:" يا شعير! جد السير، جاء الخير ". ..
وكان الأشرف خليل كثيرا ما يحشى في مراسيمه بقلم العلامة.
[ ١ / ١٥٢ ]
وحشى أيضا مرسوما وأرسله إلى دمشق لما أمر باسقاط ما كان يؤخذ على كل حمل يدخل من باب الجابية من القمح خمسة دراهم من المكس، فرسم بإبطال ذلك وكتب في مرسومه بين السطور:" وقد أمرنا بأن تكشف عن رعايانا هذه الظلامة، ونستجلب بذلك الدعاء إلينا من الخاصة والعامة ". .. فهو أول سلطان حشى في مراسيمه بين السطور بخطه بيده.
فلما حضر شمس الدين ابن السعلوس من مكة إلى القاهرة، خلع عليه واستقر به وزيرا مستشار المملكة، وفوض اليه أمر السلطنة جميعها، وأحال الناس في أشغالهم عليه، وفصل الشجاعي من الوزارة، وكان حضور شمس الدين ابن السعلوس من مكة في ثلاث عشر المحرم مستهل سنة تسعين وستمائة، وقد حضر صحبة مبشر الحاج على الهجن، وجد المسير حتى حضر إلى مصر.
قيل: وكان أصل ابن السعلوس هذا من دمشق، وكان تاجرا بها، فحضر في بعض السنين إلى مصر، وكان له خط جيد، فسعى عند الأشرف خليل - وهو أمير في أيام والده قلاون - فجعله ناظر ديوانه، وصار يستأجر له مواضع كثيرة في البلاد الشامية، فيتحصل منها كل سنة جملة من المال، فحظي ابن السعلوس عند الأشرف حتى صار نديمة ولا يصبر عنه ساعة واحدة، واحتوى على عقله وملك لبه … فلما بلغ الملك المنصور قلاون ذلك، أمر بنفي ابن السعلوس إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات المنصور قلاون وتسلطن ابنه خليل، فأرسل نحو ابن السعلوس نجابا مطردا كما تقدم، فلما حضر واستقر به وزيرا فوض اليه جميع أحوال المملكة، فكان يركب، ومعه جماعة من الأمراء الرءوس النواب والمماليك السلطانية في كل يوم حسبما رسم له السلطان بذلك، وكانت القضاة الأربعة تركب قدامه في أيام الموكب، وعظم أمره حتى صارت القصص تقرأ عليه، وينفذ أمرها من غير مشورة السلطان، فأظهر من الكبرياء والعظمة ما لم يظهره غيره، وانفرد بالكلمة في مصر دون غيره، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية والبلاد الشامية، وصار يجتمع بالسلطان في الليل في خلوة ويقضي أشغال الناس من سهلها لصعبها، كما قيل في المعنى:
ملك إذا قابلت بشر جبينه … فارقته والبشر فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت من … أبوابه لثم الملوك يميني
[ ١ / ١٥٣ ]