هو الملك الكامل، ناصر الدين محمد، بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وهو الخامس من ملوك بني أيوب بمصر. بويع بالسلطنة بعد موت أبيه العادل في يوم الجمعة سابع جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وكان الملك الكامل أكبر أخوته.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخه إن الملك الكامل استولى على الديار المصرية نحوا من أربعين سنة، نصفها في حياة أبيه الملك العادل، ونصفها مستقل بها بمفرده، وكان كثير الغزوات، ويحب الجهاد، وفتح في أيامه فتوحات كثيرة من البلاد الشامية والمصرية.
وكان الملك الكامل يكثر من الإقامة في العباسية، ويقول: "هذه أحسن من مصر، فإني إذا أقمت بها أصطاد الطير من السماء، والسمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل إلي خبر القاهرة في يومه مع النجباء في كل يوم مرتين". وكان من حبه للعباسية أنشأ بها البساتين والمناظر برسم الحرم والسراري.
[ ١ / ٩٥ ]
وفي أيامه توفي الشيخ الصالح أبو الحسن الدينوري وكان من كبار العلماء الأولياء، وله كرامات خارقة، ودفن بالقرب من الجبل المقطم، وكانت وفاته في ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة.
ومن الحوادث في أيامه أن شخصا مغربيا دخل إلى الديار المصرية، وكان من علماء فن السيميا، فأظهر لشخص من الأعيان بستانا خارج القاهرة من أحسن ما يكون، كثير الأشجار من أصناف الفواكه المثمرة، وفيه خمس سواق دائرة، وعدة ثيران واقفة برسم السواقي، وحوله واقفة من حول هذا البستان. فلما رآه ذلك الرجل أعجبه فاشتراه من المغربي بألف دينار وقبضه الثمن، وأشهد عليه المغربي بتسليم ذلك البستان بقاض وشهود … ثم مضى ذلك المغربي إلى حال سبيله وبات ذلك الرجل في البستان الذي اشتراه، فلما أصبح وجد نفسه بين الكيمان ولم ير شيئا من ذلك البستان الذي باعه له المغربي، فصار يسأل من الناس: "هل كان قبل ذلك اليوم هنا بستان؟ ". فيقولون: "ما سمعنا بهذا قط". فصار الرجل متعجبا من ذلك، وشاع أمره بين الناس فلما بلغ الملك الكامل ذلك طلب المغربي فلم يجده وأخذ الألف دينار ومضى إلى حال سبيله. وهذه الواقعة من الغرائب.
وقال بعض المؤرخين إن ملوك اليمن أهدت إلى الملك الكامل محمد شمعدانا من نحاس يخرج منه عند طلوع الفجر شخص من نحاس لطيف الخلقة يخاطب الملك قائلا:
"صبحك الله بالخير … قد طلع الفجر"، أو صفير هذا معناه. وكان هذا الشمعدان من صنعة الميقاتية، فأقام في حواصل الملوك إلى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون ثم فقد.
وفي أيام الملك الكامل هذا توفي الشيخ زكي الدين العوضي، وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد، وكان سبب موته - كما قيل - أنه كان في خدمة الملك المظفر محمود صاحب حماه، وكان قبل أن يلي حماه وعد الشيخ زكي الدين العوضي أنه إذا تولى حماه يعطي الشيخ زكي الدين ألف دينار. فلما تولى حماه كتب إليه الشيخ زكي الدين هذه الأبيات:
مولاي هذا الملك قد نلته … برغم مخلوق من الخالق
والدهر منقاد لما شئته … فذا أو ان الموعد الصادق
فعند ذلك دفع إليه الملك المظفر الألف دينار التي وعده بها، ثم ان الملك المظفر صار يرسل الشيخ زكي الدين في الأسفار إلى بعض أشغاله فصرف الألف دينار على الأسفار ولم يبق منها شيء، فبلغ الملك المظفر أن الشيخ زكي الدين قال في معنى ذلك شعرا:
[ ١ / ٩٦ ]
إن الذي أعطوه لي جملة … قد استردوه قليلا قليل
فليت لم يعطوا ولم يأخذوا … وحسبنا الله ونعم الوكيل
فلما بلغ الملك المظفر ذلك أمر بحبسه، فحبس، فبلغه عنه أنه قال وهو في السجن هذا البيت من قصيدة:
أعطيتني الألف تعظيما ومكرمة … يا ليت شعري! أم أعطيتني ديتي؟
فلما بلغ الملك المظفر ذلك أمر بخنقه، فخنق وهو في السجن، ودفن تحت الليل.