هو الملك المظفر، سيف الدين قطز المعزى، وهو الثالث من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. وكان أصله من مماليك المعز أيبك التركماني، ورقي في دولة أستاذه الملك المعز، ثم صار في دولة ابن استاذه الملك المنصور علي أتابك العساكر. فلما خلع الملك المنصور علي، وقع الاختيار على سلطنة الاتابكي قطز المعزى، فتسلطن في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة الحرام سنة سبع وخمسين وستمائة (١٢٥٩ م).
فلما تسلطن وتم أمره في السلطنة قبض على جماعة من خشداشينه من الأمراء والخدام وأرباب الدولة وغير ذلك من الأعيان وأرسلهم إلى الحبوس بثغر دمياط والاسكندرية. فلما
[ ١ / ١١٧ ]
فعل ذلك استقامت أموره في السلطنة، وصفا له الوقت، وأنشأ له عصبة من الأمراء، فخلع على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، واستقر به أتابك العساكر، وفوض إليه جميع أمور المملكة، وانحصرت فيه الكلمة.
ثم جاءت الأخبار بأن جاليش عسكر هلاكو ملك التتار قد وصل إلى أطراف دمشق، ونهبوا البلاد وقتلوا العباد وأطلقوا فيهم الزناد، وكان ذلك في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة (١٢٦٠ م). فلما وصل الخبر إلى الديار المصرية اضطربت وماجت بأهلها، وقد بلغهم ما فعله هلاكو في بغداد وقتله للخليفة المستعصم بالله، وما جرى منهم في حق أهل بغداد من القتل والنهب وخراب البلاد كما تقدم.
ثم أن أميرا من أمراء هلاكو الذين وصلوا إلى دمشق يقال له كتبغا حضر إلى الملك قطز، وصحبته أربعة من التتار ومعهم كتاب من عند هلاكو، وكان مضمونه: من ملك الملوك شرقا وغربا، القان الأعظم … ونعت فيه نفسه بألفاظ معظمة، وذكر في الكتاب شدة سطوته وكثرة عساكره وما جرى على أهل البلاد منه ولا سيما ما فعله في بغداد وما جرى على أهلها منه … وأرسل يقول: "يا أهل مصر أنتم قوم ضعاف، فصونوا دماءكم مني، ولا تقاتلوني أبدا فتندموا".
وشرع يذكر في كتابه أشياء كثيرة من هذه الألفاظ الفاحشة اليابسة، فلما أن سمع الملك المظفر قطز مضمون ما في كتاب هلاكو أحضر الأمراء واستشارهم فيما يكون من أمر هلاكو، فقال الأمراء: نجمع العساكر من سائر البلاد ونخرج إليه ونقاتله أشد ما يكون من القتال.
ثم أن الملك المظفر قطز نادى في القاهرة بأن النفير عام إلى الغزو في سبيل الله تعالى، ثم انه عرض العساكر، وأرسل خلف عربان الشرقية والغربية، فاجتمع من العساكر ما لا يحصى ثم أنه أخذ في أسباب جمع الأموال، فأخذ من أهل مصر والقاهرة على كل رأس من الناس من ذكر وأنثى دينارا واحدا، وأخذ من أجرة الأملاك والأوقاف شهرا واحدا، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلا، وأخذ من الترك الأهلية الثلث من المال، وأخذ على الغيطان والسواقي أجرة شهر، وأحدث من أبواب هذه المظالم أشياء كثيرة، فبلغ جملة ما جمعه من الأموال في هذه الحركة ستمائة ألف دينار، فأنفق على العسكر والعربان، وبرز خيامه إلى الريدانية.
فلما كان أواخر شهر شعبان سنة ثمان وخمسين وستمائة نزل السلطان الملك المظفر قطز من قلعة الجبل وهو في موكب عظيم. فلما نزل بالريدانية، أمر بتوسط كتبغافويزبك - أمير هلاكو - ومن كان معه من التتار، ثم رحل من الريدانية ونزل بمنزلة الصالحية،
[ ١ / ١١٨ ]
وأقام بها إلى أن تكامل العسكر، ثم رحل من الصالحية، وجدّ في السير إلى أن وصل إلى عين جالوت من أرض كنعان، فتلاقى هناك عسكر هلاو وعسكر السلطان قطز، فكانت بينهما ساعة تشيب فيها النواصي، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عدده، فكانت الكسرة على التتار، فكسروهم وشتتوهم إلى بيسان، وكان ذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة.
ثم وقعت بينهما وقعة ثانية على بيسان أعظم من الأولى، فقتل من التتار نحو النصف، وغنم عسكر السلطان منهم غنيمة عظيمة من خيول وسلاح وغير ذلك.
فلما جرى ذلك توجه السلطان قطز إلى نحو الشام، فدخلها في موكب عظيم، وجلس للحكم، فخلع على الأمير سنجر الحلبي واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير علاء الدين ابن صاحب الموصل واستقر به نائبا، ثم أنه أخذ في أسباب استخلاص البلاد الشامية من أيدي أولاد بني أيوب - وكان غالبها في أيديهم - فمهد البلاد الشامية والحلبية وولى من يختار من عصبته من الأمراء.
ثم بعد ذلك قصد التوجه نحو الديار المصرية، فلما خرج من دمشق ووصل إلى قريب من أرض الصالحية، اتفق الأمراء على قتله فكان كما قيل في الأمثال:
لا تغترر بالحفظ والسلامة … فإنما الحياة كالمدامة
والعمر مثل الكأس والدهر القدر … والصفو لا بد له من الكدر
وكان المشار إليه في ذلك الوقت من الأمراء الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري. فلما وصل السلطان قطز إلى القرين، ركب السلطان في الفضاء، فرأى أرنبا فساق خلفه وساق معه الأمراء - وكان فيهم الأمير بيبرس البندقداري - فلما ساق دنا منه الأمير بيبرس ليقبل يده - وكان السلطان قطز قد أنعم عليه بجارية مليحة من سبايا التتر - فظن قطز أنه جاء يقبل يده بسبب ذلك. فلما مد يده إليه قبض عليه وضربه بالسيف، وحمل عليه بقية الأمراء بالسيوف فقتلوه وتركوه ميتا ملقى على الأرض، ثم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى أن وصولا إلى الوطاق، فجلس الأمير بيبرس على مرتبة السلطان قطز، وأخذ المملكة بالقوة، فشق ذلك على جماعة من المماليك الأمراء لكون السلطان قطز قتل من غير ذنب، وكان خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء في قيامه لدفع التتار عن البلاد الشامية وقد أشرفوا على الدخول إلى الديار المصرية.
[ ١ / ١١٩ ]
وكان قتل الملك المظفر قطز في اليوم الخامس عشر من ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ودفن هناك في مكان قتله بالقرين، وقيل نقل بعد ذلك ودفن في مدرسته التي بالقرب من زاوية الشيخ خلف، وكانت مدة سلطنته سنة إلا أياما "ثم تولى من بعده الأمير بيبرس البندقداري.